الملخص: تُعَدّ الإمامة من أكثر الموضوعات الاعتقادية إثارةً للجدل في تاريخ الإسلام، ومن أهم مسائل الخلاف بين أهل السنة الماتريدية والإمامية. يعتقد أهل السنّة الماتريدية، بناءً على نظرتهم لمقام النبوة ومكانة الرسالة، أنّ النبي (ص) لم يعيّن لنفسه خليفة، وأنّ تعيين الإمام والخليفة مسألة انتخابية ينبغي أن تتم من قِبَل الناس أو مجلس أهل الحل والعقد. ووفقاً لهذا المبنَى، فإنّ الإمامة والخلافة أمر سياسي واجتماعي، وهي من باب ضرورة وجود حاكم لإدارة شؤون المجتمع الإسلامي. ويكفي لتولي منصب الإمامة توفر شروط كالإسلام والرجولة والخبرة بالسياسة وكون الإمام ظاهراً، ولا تُشتَرَط فيه صفات كالعدالة والعلم بجميع الأمور والعصمة. وفي المقابل، تعتقد الإمامية أنّ خلافة النبي (ص) وزعامة الأمّة الإسلامية منصب إلهي، لا دور للناس أو الشورى في تعيينه، بل ولا حتى للنبي نفسه، بل يجب أن يعيَّن الإمام من قِبَل الله تعالى ويبلَّغ للناس عن طريق النبي (ص). ومن هذا المنطلق، يجب أن يكون الإمام حائزاً على جميع شروط النبي (ص) وصفاته، باستثناء تلقي الوحي، لكي يستحق تولي هذا المقام. كما أنّ تدبير شؤون المجتمع الإسلامي هو شأن من شؤون الإمام، والإمام هو إمام دائماً، سواء كان على رأس الحكومة أم لم يكن.
مقدمة
تُعدّ الإمامة من أكثر الموضوعات الاعتقادية إثارة للجدل في تاريخ الإسلام، وهي من أولى وأوسع المسائل الخلافية بين الأمة الإسلامية بعد رحيل النبي الأكرم (ص)، والتي مهّدت لظهور العديد من الفِرَق والخطابات الكلامية بين المسلمين.
في عصر رسول الله (ص)، لم يظهر خلاف عقائدي يُذكَر بين الناس بسبب إمكانية الرجوع إلى الوحي وحضور شخصه الكريم، وإن حدث خلاف ما، كان يُحَلّ بالرجوع إليه. ومع رحيله (ص) وانقطاع الوحي، ظهرت الخلافات النظرية وما تلاها من نزاعات عقائدية بين المسلمين منذ يوم وفاته. بعض هذه الخلافات لم تكن عميقة، مثل النزاع في أصل رحيل النبي (ص) أو “عروجه” إلى السماء، والاختلاف حول مكان دفنه، وسرعان ما حُلَّت؛ حيث أقر الجميع بأنه قد فارق الدنيا ويجب أن يُدفَن في المدينة. لكن بعض الخلافات الأخرى، مثل الخلاف في مسألة “خلافة وجانشيني النبي (ص)”، كانت أعمق وأصعب من أن تُحَلّ ببساطة؛ ولذلك مهّدت لانقسام الأمة الإسلامية إلى تيارين هما الشيعة وأهل السنة، وأدت إلى ظهور مذاهب كلامية مختلفة مثل “الإمامية” و”المعتزلة” و”الأشاعرة” و”الماتريدية”.
الماتريدية هي إحدى المذاهب الكلامية المهمة لأهل السنة، ولها رؤية وخطاب خاص في مجال المسائل الكلامية، بما في ذلك الإمامة والإمام. وقد أسس هذا المذهب الكلامي أبو منصور الماتريدي في ما وراء النهر، ويشكل اليوم ما يقرب من نصف عدد أهل السنة. يتناول هذا المقال، بالاعتماد على المصادر المعتبرة لدى الماتريدية والإمامية، وبمنهج وصفي-تحليلي، مناقشة آراء هاتين المدرستين الكلاميتين في مسألة الإمامة.
١. تحديد المفاهيم
١.١. الشيعة الإمامية
استُخدمت كلمة “الشيعة” ومشتقاتها بمعانٍ مختلفة يمكن تعريفها وتمييزها ضمن عنوانين هما “المفهوم اللغوي” و”المفهوم الاصطلاحي”.
وقد استخدم مشاهير علماء اللغة العربية كلمة “الشيعة” بمعاني: الفرقة، والحزب، والجماعة، والأمة، والتابع، والنصير، والمجتمعون على محور واحد، والمناصر، والموافق، والصديق، والإشاعة، والتقوية. ومن بين هذه المعاني، يحتل معنيان مكانة ممتازة واستخداماً أوسع، وهما: “التابع والنصير” و”الجماعة المجتمعة حول محور واحد”.
أما في الاصطلاح، فقد استُخدمت كلمة “شيعة” في الخطابات والمحاورات خلال القرن الأول الهجري بمعنى مطلق لأتباع ومناصري شخص معين. ومن هذا المنطلق، كان استخدام كلمات مثل “شيعة علي”، و”شيعة عثمان”، و”شيعة معاوية”، و”شيعة آل سفيان” أمراً شائعاً.
وبناءً على ما نقله بعض المفكرين، فإن هذه الكلمة كانت تُستخدم للدلالة على أتباع الإمام علي (ع) بمجرد إضافة “الألف واللام” إليها، لتصبح “الشيعة” بمعناها الاصطلاحي.
إن كثرة وشيوع استخدام هذه الكلمة مع مرور الزمن لفئة من المسلمين، أدّى إلى أن يصبح استعمالها دون قرينة خاصة، وحتى بدون “الألف واللام”، خاصاً بأتباع الإمام علي (ع) والمعتقدين بمدرسة أهل البيت (ع)، وفي مقابل مصطلح أهل السنة. ووفقاً لهذا التعريف، يُطلَق اسم “الشيعة” على أولئك الذين يتبعون علياً (ع) على نحو خاص، ويعتقدون بإمامته وخلافته بناءً على النص والوصية الواضحة أو غير الصريحة، ويؤمنون بأن الإمامة لا تخرج عن أبنائه، وإذا خرجت، فإما بسبب ظلم الآخرين أو بامتناعهم هم أنفسهم تقيةً.
يعتبر البعض هذا اللقب (الشيعة) خاصاً بأولئك الذين كانوا على أُنس وأُلفة مع الإمام علي (ع) في زمن رسول الله (ص)، ويرون أن هذا اللقب أصبح فيما بعد خاصاً بمن قالوا بأفضلية الإمام علي (ع). ومن وجهة نظر آخرين، فإن “الشيعة” تعني موافقة الإمام علي (ع) واتباعه وتقديمه على سائر أصحاب النبي (ص). كما أطلق فريقٌ مصطلح “الشيعة” على أتباع علي (ع) وأبنائه، واعتبروا هذا المعنى هو المستخدم عند الفقهاء والمتكلمين.
وقال أحد الكتّاب المعاصرين من أهل السنة: “التشيع في معناه الأولي البسيط هو القول بأولوية علي (ع) على سائر الأصحاب، وأساس هذه الأفضلية هو كفاءته الذاتية وقرابته من النبي (ص)”. وهناك من أمثال ابن حزم، وإن لم يأتوا على ذكر النص والوصية، إلا أنهم في تعريفهم للشيعة، بالإضافة إلى الاعتقاد بأفضلية الإمام علي (ع) على سائر الصحابة وأحقيته في الإمامة، يَعُدّون أهلية أبنائه للإمامة أيضاً من خصائص الشيعة.
يُطلق مصطلح “الإمامية” على جماعة من الشيعة يعتقدون بوجوب الإمامة ووجودها في كل زمان بنصٍ جليّ، وضرورة العصمة والكمال لكل إمام، ويحصرون الإمامة في أبناء الحسين بن علي (ع) عن طريق التنصيص. ويرى البعض أن هذا الاسم خاص بالجماعات غير الزيدية التي تشكلت بعد زمن الإمام الباقر والإمام الصادق (ع)، والتي قامت عقيدتها على الإيمان بأئمة معينين ومحددين من قبل النبي (ص) (النص الجلي)، ويعتقدون أنه لا يوجد أمر في الإسلام أهم من تعيين الإمام. وبناءً على هذا التعريف، تُعتبر فرق “القطعية”، و”الواقفية”، و”الإسماعيلية”، و”الاثنا عشرية” مندرجة تحت هذا المصطلح. إذن، “الإمامية” وصف يُطلق على عدة جماعات وفرق شيعية، منها “الاثنا عشرية”. ولكن خلافاً للرأي المذكور، فإن “الإمامية الاثنا عشرية” هي فرقة شيعية تعتقد بإمامة علي (ع) بعد النبي (ص) مباشرة عن طريق النص والتعيين من النبي (ص)، وبإمامة أحد عشر إماماً من أبنائه. وبناءً عليه، فإن “الاثنا عشرية” قيد يميز “الإمامية” عن سائر الفرق الشيعية. وفي الوقت الحاضر، أصبح استخدام “الإمامية” مرادفاً لـ “الاثنا عشرية” ولا يشمل الفرق الشيعية الأخرى. إن جوهر التشيع الإمامي الاثني عشري هو الإيمان بالحق المنصوص والإلهي للإمام علي (ع) في الإمامة وأفضليته على جميع الصحابة.
١.٢. أهل السنة الماتريدية
السنة في اللغة تعني “الطريقة” و”السيرة”، سواء كانت هذه السيرة حسنة أم سيئة. وكلمة “أهل” تعني الأقارب والعشيرة. والمفهوم المركب لهاتين الكلمتين هو “أهل الطريقة”. ويرى بعض أهل اللغة أن السنة في الأصل هي تأسيس طريقة، وهي السبيل الذي أسسه السابقون ثم أصبح ديناً للأجيال اللاحقة.
“السنة” في اصطلاح الإمامية تعني قول المعصوم وفعله وتقريره. أما في استعمال علماء أهل السنة، فإن للسنة معنى أعم يشمل قول وفعل وتقرير النبي (ص) والصحابة والتابعين، ولا يقتصر على كلام النبي (ص) وسلوكه. وبالطبع، توجد اختلافات جدية في مفهوم السنة وحدودها، وكذلك في استخدام هذه الكلمة في علوم الفقه والكلام والدراسات الدينية وغيرها، ولكن ما يتعلق بهذا البحث هو السنة في مفهومها الكلامي وفهم مصطلح “أهل السنة والجماعة”. تُستخدم “السنة” في هذا المجال في مقابل “البدعة”، وبهذا يكون المقصود بها الطريقة والنهج الصحيح والمقبول في الدين والمطابق للعقائد الإسلامية الأصيلة، وكل ما سوى ذلك فهو بدعة وغير صواب. وقد استخدم أحمد بن حنبل “السنة” بهذا المعنى لأول مرة لوصف منهجه وعقائده، واعتبر مخالفيه خارجين عن دائرة السنة وأهل بدعة. وبعد أحمد بن حنبل، قام أبو الحسن الأشعري، بعد انفصاله عن المعتزلة وإعلانه اتباعه لابن حنبل، بتأسيس مذهب جديد في علم الكلام والعقائد، واستعار اسم “مذهب أهل السنة” من الحنابلة وأطلقه على مذهبه.
بعد أبي الحسن الأشعري، تم شرح مذهب الأشعرية وترويجه في جميع أنحاء العالم الإسلامي على يد علماء كبار مثل القاضي أبي بكر الباقلاني والجويني والفخر الرازي والغزالي، وحظي بقبول أتباع المذاهب الفقهية الشافعية والمالكية وبعض الحنابلة بدعم من الحكومات. وبالتزامن مع عصر الأشعري، أسس أبو منصور الماتريدي في ما وراء النهر مذهبه الكلامي الخاص على أساس أفكار أبي حنيفة العقدية، وأطلق عليه اسم “أهل السنة والجماعة”. وتدريجياً، انجذب أتباع أبي حنيفة، الذين كانوا يتبعون في الغالب مذاهب مختلفة مثل الكرّامية وأهل الحديث وكان لديهم غالباً ميول معتزلية، إلى المذهب الماتريدي.
بناءً على ذلك، فإن مصطلح “أهل السنة الماتريدية” هو تيار كلامي خاص يقف في مقابل الأشاعرة والمعتزلة والإمامية، ولا يمكن استخدامه بمجرد المعنى الفقهي لـ”تابع” أو “أتباع” سنة النبي (ص) (قوله وفعله وتقريره)، وإلا فإن هذا المفهوم سيشمل جميع المسلمين بحد ذاته، لأن أول علامة على الإسلام هي اتباع سنة النبي الأكرم (ص). بالطبع، العنوان العام “أهل السنة” هو مفهوم يُستخدم في مقابل مصطلح “الشيعة”. ووفقاً لهذا المعنى، يُطلق “أهل السنة” على الفرق التي لا تعتقد بوجود نص على إمام وخليفة لرسول الله (ص)، وتعتبر تعيين الخليفة والإمام من مسؤولية المسلمين ويتم بانتخاب الناس أو مجلس أهل الحل والعقد، وعلى هذا الأساس، يعتبرون أبا بكر عبد الله بن أبي قحافة أول خليفة للنبي (ص). وعليه، فإن جميع الفرق الإسلامية غير الفرق الشيعية تُعد من فرق أهل السنة.
٢. ماهية الإمامة والإمام
“الإمامة” مصدر من كلمة “أَمَّ”، وتُستخدم في اللغة بمعنى القيادة الاجتماعية أو الدينية، والنعمة، وزعامة المسلمين وقيادتهم، والأولوية والتقدم.
أما من الناحية الاصطلاحية، فيوجد اختلاف جوهري في مفهوم الإمامة والإمام بين الماتريدية والإمامية. فالماتريدية لا يعتبرون الإمامة والمباحث المتعلقة بها من أصول العقيدة، بل يعتبرونها فرعاً ومتمماً لمسألة النبوة. وباعتبارهم جزءاً من أهل السنة، يطرحون الإمامة كمسألة سياسية ومن باب إدارة شؤون المسلمين، وعلى هذا الأساس يعرّفون الإمامة بأنها الحكم وإدارة المجتمع الإسلامي.
في تعريف الإمامة، لا يختلف رأي الماتريدية عن آراء سائر المذاهب الكلامية لأهل السنة، ويبدو أن اعتبار مقام الإمامة فرعاً هو محل اتفاق أهل السنة. وقد عرّف عضد الدين الإيجي الإمامة بأنها خلافة الرسول في إقامة الدين بحيث تجب طاعته على جميع الأمة. كما عرّف ابن خلدون منصب الإمامة بأنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وتدبير أمور الدنيا. وكما هو واضح، فإن الإمامة من وجهة نظر أهل السنة هي منصب له وظيفة دنيوية، والإمام هو قائد سياسي يحل محل النبي في صيانة الدين وتدبير أمور الناس الدنيوية. أما عن الدور الذي تلعبه الإمامة والإمام في الأمور الأخروية ونيل الإنسان السعادة والكمال، فلا مكان له في المنظومة الفكرية والعقائدية لأهل السنة.
وعلى عكس أهل السنة، يعتبر علماء الإمامية الإمامة شأناً من شؤون النبوة في الأمور الدنيوية والدينية، مما يؤدي إلى تقريب العباد إلى الطاعة وتجنيبهم المعصية الإلهية. ولذلك، استخدموا في تعريف الإمامة تعبير “الرئاسة العامة” ووسّعوا نطاق الإمامة ليشمل الأمور الدينية أيضاً. يقول ابن ميثم البحراني والمولى صالح المازندراني: “الإمامة رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي (ص)”. الإمامة لطف إلهي لأنها تقرّب العباد من الطاعة وتبعدهم عن المعصية، فالإمامة واجبة عقلاً، ويجب أن يكون الإمام معصوماً لتجب طاعته وتحرم معصيته. وقد كتب الطبري الإمامي بتعبير أوضح: “الإمامة هي الرئاسة العامة في الأمور الدينية والدنيوية، واستمرار للخط النبوي، وحفظ للعهد، ودعم للأمانة، وقيام برسالته”.
من تعريف الإمامة يتضح أيضاً مفهوم “الإمام”. فالإمام في نظر الماتريدية يعني الحاكم المسلم الذي يجب عليه تنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود، وحراسة الثغور، وتجهيز الجيوش، وأخذ الصدقات، ومواجهة الأشرار وقطاع الطرق، وإقامة صلاة الجمعة والجماعات والأعياد، وفض النزاعات، ورعاية الأيتام، وتقسيم الغنائم، وغير ذلك، وإلا فإن المجتمع الإسلامي سيعاني من الاختلاف من الداخل وينهار، أو يتعرض لهجوم الأعداء من الخارج ويهلك. أما في نظر الإمامية، فالإمام هو شخص يتولى الرئاسة العامة في الأمور الدينية والدنيوية نيابة عن النبي (ص). ومن الطبيعي أن جميع العناصر والمسائل التي أشارت إليها الماتريدية تدخل في نطاق الحكم الدنيوي للإمام، ولكن ما يميز بين هاتين النظرتين هو الدور والنموذج الذي يلعبه الإمام نيابة عن النبي (ص) فيما يتعلق بالأمور المعنوية.
٣. مكانة الإمامة وضرورة وجود الإمام
كما أُشير، لا تعدّ الماتريدية الإمامة من أصول الدين، بل تعتبرها منصباً سياسياً واجتماعياً يماثل الحكومة، من باب ضرورة وجود سلطة وتدبير لأمور المجتمع الإسلامي. وتعتبر وجود الإمام ضرورياً وواجباً لتولي وتدبير أمور المسلمين الدنيوية. ومن هذا المنطلق، فإن الإمام كإنسان عادي يخطئ وينسى، وليس له أي تفوق على سائر الحكام والولاة في المجتمع الإسلامي، بل في المجتمعات الإنسانية.
في هذه المسألة، يوجد تطابق بين وجهة نظر الماتريدية وسائر فرق أهل السنة، ولا توجد فرقة بين أهل السنة لا تعتقد بوجوب الإمامة وضرورة وجود الإمام بهذه النظرة. يكتب ابن حزم الأندلسي: “اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأنه لا بد للأمة من إمام يقيم فيهم أحكام الله ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله (ص)”.
هذا في حين أن الشيعة الإمامية تعتبر الإمامة من أصول العقيدة، وركناً ركيناً للإسلام، واستمراراً للرسالة، وتواصلاً للخط النبوي لرسول الله الأكرم (ص). وتعتبر الإمام حائزاً على جميع أوصاف وشؤون النبي (ص) ما عدا الوحي وتلقيه. كما يقول الإمام الرضا (ع) في حديث: “إن الإمامة هي منزلة الأنبياء، وإرث الأوصياء، وخلافة الله، وخلافة رسول الله (ص)، ومقام أمير المؤمنين (ع)، وميراث الحسن والحسين (ع)… إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين. إن الإمامة أصل الإسلام النامي وفرعه السامي. بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف. الإمام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة”.
إضافة إلى ذلك، فإن مقام الإمامة وضرورة وجود الإمام، كالنبوة، هو لطف من الله تعالى على عباده.
٤. الإمامة بالنص أو بالاختيار
تختلف الماتريدية، كغيرها من فرق أهل السنة، في مسألة وجود نص على الإمامة والخلافة من عدمه. يعتقد معظمهم أن النبي (ص) لم يعين شخصاً بعينه في مسألة إمامته وخلافته، وترك انتخاب الإمام للأمة الإسلامية. وبناءً على ذلك، لا يوجد نص في هذا الشأن. وفي مقابل هذه النظرة، يعتقد بعضهم بوجود نص ضمني من النبي (ص) على خلافة أبي بكر.
إن أهم دليل للماتريدية على عدم كون الإمامة بالنص هو الحدث التاريخي، أي عمل الصحابة. فبحسب زعم الماتريدية، فإن تعيين الصحابة للخليفة فور وفاة النبي (ص) هو دليل قاطع على عدم وجود نص على الإمامة. إذ لو كان النبي (ص) قد بيّن نصاً بشأن الإمام ومكانة الإمامة، لكان الصحابة على علم به بالتأكيد ولعملوا بمقتضاه. ولكن بما أن الصحابة لم يكونوا على علم بوجود مثل هذا النص والبيان من النبي (ص)، فقد اختاروا أبا بكر للخلافة ومنصب الإمامة بالإجماع. وبناءً على هذا الحدث التاريخي نفسه، رفضوا الأدلة والنصوص التي يستند إليها الشيعة في إثبات إمامة أمير المؤمنين (ع)، فإما اعتبروها مجعولة ومردودة من الأساس، أو فسّروها بطريقة لا تدل إلا على أفضليته على سائر الصحابة، لا على إمامته ووصايته. علاوة على ذلك، وفي سبيل نفي تنصيص وتعيين النبي (ص) للإمام علي (ع)، أوحى الماتريدية بأنه لو كان النبي (ص) قد أوصى به أو بأي شخص آخر، لكان علي (ع) قد استند إلى تلك الوصية بالتأكيد وأقام الحجة على أحقيته، في حين لم يُنقل عنه مثل هذا الاستناد، بل أكثر من ذلك، فقد تعاون علي (ع) مع الخلفاء الذين سبقوه وكانت له معهم علاقات ودية.
وفي المقابل، يعتقد الإمامية بكون الإمامة بالنص ويعتبرون عمل الصحابة مخالفاً لنص وتعيين الإمام من قِبَل النبي (ص)، وبدعة في التعاليم العقائدية. ويرى الإمامية وجود أدلة عقلية راسخة ونصوص متقنة ومقبولة لدى كبار علماء أهل السنة تدل على كون منصب الإمامة بالتعيين وتثبت خلافة علي (ع). ومن وجهة نظرهم، فإن الإجماع التاريخي الذي يستند إليه أهل السنة، ومنهم الماتريدية، بشأن خلافة الخليفة الأول، هو إجماع مخدوش. فمخالفة صحابة بارزين مثل عمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والمقداد، وميثم التمار، والأهم من ذلك كله، مخالفة شخص الإمام علي (ع) وسائر بني هاشم لمبايعة الخليفة المختار من المهاجرين والأنصار، تدل على عدم تحقق مثل هذا الإجماع وتكشف عن عدم وجود نص على إمامة أبي بكر. كما أن انتخاب الخليفة في السقيفة لم يكن دليلاً على الجهل بنص النبي (ص) على أمر الإمامة وزعامة المسلمين، بل كان علامة على عدم النضج والرشد السياسي لمجتمع صدر الإسلام. ذلك أن السقيفة، في ظاهرها، كانت اعترافاً بوجود الأمة ومظهراً لمشاورتها في تعيين الحاكم بعد النبي، ولكن الحقيقة التي وقعت في السقيفة كانت في الواقع إنكاراً لوجود الأمة وإنكاراً لأصالتها وشخصيتها، لأن أولئك الذين اجتمعوا في السقيفة نظروا إلى النبي (ص) على أنه سلطان قريش، وقدموه كحاكم لقبيلة، وهي القبيلة ذاتها التي يجب أن تكون هي الحاكمة والسلطانة. وهذه الرؤية كانت في الحقيقة إحياءً لنظرية السيادة القبلية، وفي الواقع إنكاراً ودوساً على أصالة وجود وشخصية وعظمة الأمة التي قصد النبي (ص) إنشاءها.
ومن جهة أخرى، فإن الادعاء بأنه لو كان هناك نص ووصية على الإمامة والإمام من قبل النبي (ص) لكان علي بن أبي طالب (ع) قد استند إليه بالتأكيد، وأن عدم استناده دليل على عدم وجود نص ووصية، هو أيضاً قول مخالف للواقع ومغالطة. فقد استند الإمام علي (ع) في مواضع كثيرة إلى كلام النبي (ص) لإثبات أحقيته. وعلى فرض أن الإمام لم يستند، فإن عدم الاستناد ليس بسبب عدم وجود نص ووصية بالإمامة، بل لأنه في تلك الأوضاع المضطربة والمشوشة، حيث سيطرت الأفكار المحمومة والأهواء المشتعلة على أرواح وأفكار تيار طلاب السلطة، كان الاحتجاج بكلام النبي (ص) سيؤدي إلى نتائج عكسية وضارة تماماً.
لأن معظم الأحاديث التي قالها النبي (ص) حول خلافة علي (ع) لم يسمعها إلا من كان يسكن المدينة من المهاجرين والأنصار. وهذه الأحاديث، التي كانت بمثابة أمانة ثمينة في خزائن ذاكرتهم، كان يجب أن تنتقل عن طريقهم إلى سائر المسلمين والأجيال القادمة. ولو احتج الإمام علي (ع) أمام أهل المدينة بالأحاديث النبوية، لكان ذلك سيثير رد فعل الحزب الحاكم بلا شك، وكان سيؤدي إلى تكذيب ونفي تلك الأحاديث. ومن جانب آخر، كان الإمام (ع) يعلم أنه في حال استناده وإثبات أحقيته، لن ينصره في طريق النضال أحد سوى أنصاره الخاصين. ذلك أن فريقاً من الناس كانوا سينكرون كلام النبي (ص) بسبب ميولهم السلطوية، وفريقاً آخر كانوا سيفهمون كلام النبي (ص) على أنه وقفٌ للخلافة على بني هاشم، ولذلك لم يكونوا لينهضوا للدفاع عنه. وفي هذه الحالة، حيث كان الناس يسكتون عن الدفاع عن الإمام حتى لو لم يكونوا مع الحكومة، لو حصلت الحكومة على تأييد في إنكار الحديث النبوي، لكانت أقوال النبي (ص) قد فقدت قيمتها وأثرها الحقيقي، وبالتالي لضاعت جميع نصوص إمامة علي (ع). بالإضافة إلى ذلك، كانت بقية مناطق العالم الإسلامي غير مدينة النبي (ص) ستقدم على إنكار الأحقية، وهو منطق السلطة المهيمنة آنذاك.
من جهة أخرى، فإن ادعاء عدم وصاية النبي (ص) وتعيينه خليفة يستلزم تفضيل الخليفة الأول والثاني على النبي (ص) نفسه. ذلك أن الخليفة الثاني وصل إلى الخلافة بوصية من الخليفة الأول، والخليفة الثالث بوصاية من الخليفة الثاني، ومفهوم هذا الادعاء هو أن النبي (ص)، مع أنه رسول الله وعالم بأمور دين ودنيا المسلمين، لم يكن يمتلك من التدبير ما يكفي مثل هذين الخليفتين، وترك حق اختيار أهم شخص لأهم منصب للعقل الجمعي. إن بطلان وسخف مثل هذا القول واضح لدرجة أنه لا يقبله أي عاقل، ناهيك عن أي مسلم. ذلك أن من واجبات الإمام تفسير كلام الله وهداية المجتمع البشري على أساس توجيهات الله في القرآن الكريم، وبنفس الدليل الذي يلزم به عصمة مبلغ القانون الإلهي، تلزم عصمة حافظه ومفسره ومنفذه أيضاً. ومعرفة المعصوم، بحكم العقل، لا تمكن إلا بتنصيص من الله تعالى وإبلاغ من نبيه، وهو ما تحقق بشأن أمير المؤمنين (ع) على يد النبي الأكرم (ص).
أما فيما يتعلق بعلاقة الإمام علي (ع) بالخلفاء الذين سبقوه، فلم تُروَ أي علاقة ودية على الإطلاق، بل على العكس، فوفقاً لما نقله مصدر حديثي معتبر لدى أهل السنة وتصريح الخليفة الثاني، خاطب الإمام وابن عباس الخليفة الأول والثاني بألفاظ تدل على أقصى درجات التحدي وشدة التوتر بين الإمام وبينهما.
وفي الحالات التي تعامل فيها الإمام مع الخلفاء، كان ذلك يتم بدقة في إطار رسالته الأساسية، وهي صيانة الدين وتبيينه بشكل صحيح والحفاظ على وحدة وانسجام الأمة الإسلامية. كما صرح أمير المؤمنين (ع) نفسه بهذه المسألة في حديث: “فوالله ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر ببالي، أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده (ص) عن أهل بيته، ولا أنهم منحّوه عني من بعده! فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد (ص). فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السراب، أو كما يتقشع السحاب. فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه”.
وفي مجلس الشورى السداسي، بعد تعيين واختيار عثمان بن عفان من قبل عبد الرحمن بن عوف، عبّر أمير المؤمنين علي (ع) عن شكواه واستعداده للتعاون قائلاً: “ولقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري، ووالله لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة، التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه”.
والدليل القاطع الآخر على بطلان ادعاء وجود علاقة حسنة بين الإمام والخلفاء هو عدم تكليم فاطمة الزهراء (عليها السلام) للخلفاء حتى استشهادها. فلو كانت هناك مثل هذه العلاقة المدعاة، لما غضبت السيدة الزهراء (عليها السلام) على الخلفاء غضباً شديداً لدرجة أنها أعرضت عنهم ولم تكلمهم حتى لحظة وفاتها.
٥. خصائص الإمام
يختلف الماتريدية أيضاً في باب أوصاف الإمام. وما يُعتبر قدراً مشتركاً ومحوراً لخصائص الإمام في نظرتهم هو أنه يجب أن يكون رجلاً مسلماً، سياسياً، وعالماً بالأمور، ليتمكن من النهوض بالمهام التي انتُخب للإمامة من أجل إدارتها. إلى جانب هذه الخصائص الثلاث، طرحوا خصائص أخرى مثل كونه قرشياً، والأفضلية، والعدالة، والعصمة، وكونه ظاهراً، والتي يبدو من الضروري دراستها.
٥.١. القرشيّة
يتفق الماتريدية على ضرورة شرط القرشية في الإمام، ويعتقدون أنه يجب أن يكون من قبيلة قريش. دليلهم على هذه الخاصية هو رواية نُقلت فقط عن الخليفة الأول. وهي الرواية التي استطاع من خلالها إسكات تيار الأنصار في سقيفة بني ساعدة والتربع على عرش الخلافة وإمارة المسلمين. بالطبع، لا يفرق الماتريدية في هذا الشرط بين بطون وقبائل قريش، ويعتبرون جميع القبائل التي يصل نسبها إلى النضر بن كنانة حائزة على هذه الخاصية ومؤهلة لمنصب الإمامة. ومحصلة هذا القول هي أن كون الإمام هاشمياً ليس ضرورياً.
تعتبر الإمامية أيضاً القرشية شرطاً ضرورياً لتولي منصب الإمامة، ولكن ليس بناءً على الحديث الذي استند إليه الخليفة الأول لإسكات تيار الأنصار وتثبيت إمارته، بل بسبب النصوص الكثيرة المروية عن النبي الأكرم (ص) بشأن إمامة الأئمة الاثني عشر الهاشميين، والتي صُرّح فيها باسم كل إمام تلو الآخر.
٥.٢. الأفضلية
يجيز أكثر علماء الماتريدية، كغيرهم من المذاهب الكلامية لأهل السنة، إمامة المفضول وتقديمه على الأفضل. ولذلك، يرى أتباع الماتريدية أن أفضلية الإمام ليست من شروط الإمامة، وإن كانت أفضلية الإمام أفضل.
لم يرتضِ متكلمو ومفكرو الإمامية هذا الرأي الماتريدي، ويلزمون بأفضلية الإمام، ويعتقدون أن هذا الشرط ثابت في شخص أمير المؤمنين (ع) وسائر الأئمة المعصومين (عليهم السلام). ودليل هذا الأمر هو حكم العقل. فمن منظور العقل، وبالنظر إلى المكانة والمقام الخطير للإمامة، التي هي استمرار للنبوة في تفسير وتبيين كتاب الله وحسن إدارة الأمور الدنيوية وهداية الأمور الأخروية والمعنوية للناس، لا يجوز تقديم المفضول على الفاضل.
٥.٣. العدالة
من وجهة نظر الماتريدية، وجود العدالة في الإمام أمر مطلوب وراجح، ولكنه لا يُعد شرطاً واجباً للإمام. لذا، فإن إمامة الإمام الفاسق والفاجر جائزة أيضاً، وإذا ارتكب الحاكم كبيرة، فمع أنه يستحق العزل، إلا أنه لا يُعزل ولا يجوز الخروج عليه، ويكفي الدعاء له فقط. دليل الماتريدية على عدم اشتراط العدالة في الإمام وصحة إمامة الشخص الفاسق والفاجر أمران: الأول هو عمل الصحابة وسيرة المسلمين في صدر الإسلام، والثاني هو منع الفوضى والاضطراب المحتمل في حال عزل الإمام الفاسق والظالم. وبناءً على ذلك، فإن طاعة الإمام الفاسق واجبة على المسلمين، والخروج والثورة عليه حرام، لأنه الحاكم الشرعي للمسلمين.
من وجهة نظر الإمامية، هذا الشرط ضروري أيضاً للإمام، وضرورة هذا الشرط ثابتة بالنص القرآني والنص الروائي. ويبدو أن ما أدى إلى تجاهل الماتريدية لهذا الشرط هو تأسيس مبنى لتصحيح خلافة وإمارة الخلفاء، وإلا فإن إمامة الشخص الفاجر والفاسق تخالف العقل وهدف بعثة الأنبياء، ذلك أن القرآن الكريم قد اعتبر إقامة العدل والقسط من أهداف إرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية.
٥.٤. العصمة
لا يشترط الماتريدية العصمة في الإمام أيضاً. مستندهم في عدم اشتراطها هو أن العصمة لا تُنال إلا بطهارة القلب وسلامة الباطن، وطريق معرفة طهارة القلب وسلامة الباطن هو الوحي، والذين يختارون الإمام لا يتلقون وحياً ليميزوا من يتمتع بهذا الشرط. ومن جهة أخرى، العصمة شرط للأنبياء لأن أقوالهم وأفعالهم حجة على الناس، في حين أن الإمام مأمور فقط بالعمل بأوامر الشريعة، وهذه الأوامر أمور واضحة لعلماء الأمة ولا تحتاج إلى عصمة.
وفي المقابل، تشترط الإمامية وجود العصمة في الإمام، ولا تقبل رأي الماتريدية وغيرهم من المذاهب الكلامية لأهل السنة في هذا الموضوع. ومستند الإمامية على عصمة الإمام هو نفس الأدلة التي تثبت ضرورة العصمة للنبي (ص).
٥.٥. ظهور الإمام
ظهور الإمام هو شرط آخر يضعه الماتريدية لتولي منصب الإمامة. في نظرهم، لا وجود لإمام غائب، وبالتالي تنتفي مسألة المهدي المنتظر. استدلال الماتريدية على هذا الشرط هو أنه إذا لم يكن الإمام متاحاً وظاهراً، فإن الواجبات التي نُصّب من أجل رعايتها والقيام بها ستتعطل.
من وجهة نظر الإمامية، ليس لهذا الشرط تبرير عقلاني، وطرح الماتريدية لمثل هذا الشرط مبني على نظرتهم لمقام الإمامة ومكانتها في المجتمع الإسلامي.
الخاتمة
مما سبق، يمكن استنتاج أن أصل وجوب الإمامة، أو بعبارة أخرى الإمامة العامة، هو محل اتفاق الشيعة وأهل السنة بشكل عام، والماتريدية بشكل خاص. إنما الخلاف يكمن في الإمامة الخاصة، أي هل منصب الإمامة والإمام بالانتخاب أم بالتعيين.
يقول أهل السنة الماتريدية بالانتخاب، بينما تعتقد الشيعة الإمامية بالتعيين الإلهي. من منظور الماتريدية، الإمامة والخلافة أمر سياسي واجتماعي، وهي من باب ضرورة وجود حاكم لإدارة شؤون المجتمع الإسلامي، أي أن مقام الإمامة مرادف للحكومة، والإمام هو الحاكم المسلم الذي ينتخبه الناس أو مجلس أهل الحل والعقد لتدبير ورعاية الشؤون الاجتماعية والسياسية للناس. وعليه، لا يوجد نص من الله على تعيين الإمام وتنصيبه، ولم يوصِ النبي (ص) بمثل هذا الأمر. وبناءً على ذلك، يكفي لتولي منصب الإمامة أن يكون الإمام مسلماً، رجلاً، سياسياً، وظاهراً، ولا ضرورة لصفات العدالة والعلم بجميع الأمور والعصمة في الإمام. والدليل على هذا الادعاء هو سلوك الصحابة وعمل المسلمين في تعيين الخليفة الأول في سقيفة بني ساعدة.
ولكن من وجهة نظر الإمامية، الإمامة منصب إلهي يشمل جميع شؤون النبي (ص) ما عدا تلقي الوحي والتشريع، وحقيقتها هي الولاية الإلهية على عالم الوجود وواسطة الفيض الإلهي. وعليه، فإن مقام الإمامة أمر تنصيصي يُعيَّن من قِبَل الله تعالى ويُبلَّغ بواسطة النبي الأكرم (ص). ومن هذا المنطلق، يجب أن يكون الإمام حائزاً على جميع شروط وصفات النبي (ص) باستثناء الوحي، لكي يستحق تولي هذا المقام الرفيع. ووفقاً لهذه النظرة، لا دور للناس في تعيين الإمام أو عزله، وتدبير إدارة شؤون المجتمع الإسلامي هو شأن من شؤون الإمام. وعليه، فإن الإمام هو إمام دائماً، سواء كان على رأس الحكومة أم لم يكن.
النتيجة هي أنه يوجد اختلاف جاد بين وجهة نظر الإمامية والماتريدية، على الرغم من اشتراكهما في بعض المسائل الكلامية، في مسألة الإمامة، سواء في مكانتها أو في شروط وطريقة تعيين الإمام. وهذا الاختلاف في الحقيقة ينبع من طريقة نظرة هذين التيارين إلى مقام الإمامة والإمام، بل وإلى مكانة النبوة والنبي.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- ابن أبي الحديد، عز الدين عبد الحميد المدائني (١٣٧٨)، نهج البلاغة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ج ١، دار إحياء الكتب العربية.
- ابن الأثير، أبي الحسن علي بن أبي الكرم الشيباني (بلا تاريخ)، أسد الغابة، دار الكتاب العربي، بيروت.
- ابن الأثير، (١٣٨٦)، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت.
- ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي (١٤١٥)، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض، ج ١، دار الكتب العلمية، بيروت.
- ابن حزم الظاهري، أبي محمد علي بن أحمد (١٣٢٠)، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج ١، دار الصادر، بيروت.
- ابن حنبل، أحمد (بلا تاريخ)، مسند، دار صادر، بيروت.
- ابن خلدون، عبد الرحمن (بلا تاريخ)، تاريخ ابن خلدون (العبر)، ج ٤، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
- ابن صباغ المالكي المكي، علي بن محمد بن أحمد (١٤٢٢)، الفصول المهمة في معرفة الأئمة، تحقيق: سامي الغريري، ج ١، دار الحديث، قم.
- ابن عساكر، أبي القاسم علي بن الحسن (١٤١٥)، تاريخ مدينة دمشق، تحقيق: علي شيري، دار الفكر، بيروت.
- ابن منظور، محمد بن مكرم (١٤٠٥)، لسان العرب، أدب الحوزة.
- ابن ميثم البحراني، ميثم بن علي (١٤١٧)، النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة، ج ١، مجمع الفكر الإسلامي، قم.
- ابن ميثم البحراني، (١٤٠٦)، قواعد المرام في علم الكلام، تحقيق سيد أحمد حسيني، ج ٢، مكتبة آية الله المرعشي، قم.
- ابن همام، كمال الدين محمد (بلا تاريخ)، المسايرة في علم الكلام، تعليق محمد محيي الدين، مكتبة محمود، القاهرة.
- أبو حاتم الرازي (بلا تاريخ)، الزينة في الكلمات الإسلامية العربية، تصحيح عبد الله سلوم السامرائي، دار صادر، بيروت.
- الأشعري، أبو الحسن (١٤٠٠)، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تصحيح هلموت ريتر، ألمانيا.
- الأشعري، أبو الحسن (١٤٠٥)، مقالات الإسلاميين، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد.
- الأمين العاملي، السيد محسن (بلا تاريخ)، أعيان الشيعة، تحقيق السيد حسن الأمين، دار التعارف، بيروت.
- أمين المصري، أحمد (١٩٦٩)، فجر الإسلام، دار الكتاب العربي، بيروت.
- الآخوند الخراساني، محمد كاظم (١٤٠٩)، كفاية الأصول، ج ١، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، قم.
- آذرنوش، آذرتاش (١٣٩١)، فرهنگ معاصر تهران، ج ١٤، نشر ني، تهران.
- البحراني، السيد هاشم، غاية المرام وحجة الخصام، تحقيق: السيد علي عاشور.
- البخاري، محمد بن إسماعيل (١٤٠١)، صحيح البخاري، دار الفكر، بيروت.
- البزدوي، أبي اليسر محمد بن عبد الكريم (١٣٨٣)، أصول الدين، تحقيق هانس بيترس، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.
- البغدادي، عبد القاهر بن طاهر بن محمد (١٤١٥)، الفرق بين الفرق، تحقيق إبراهيم رمضان، ج ١، دار المعرفة، بيروت.
- البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر (١٣٩٤)، أنساب الأشراف، تحقيق: محمد باقر المحمودي، ج ١، الأعلمي، بيروت.
- التفتازاني، سعد الدين (١٤٠١)، شرح المقاصد في علم الكلام، دار النعمانية، باكستان.
- التهانوي الحنفي، محمد علي (١٩٩٦)، موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، ناشرون، بيروت.
- الجزري، ابن الأثير مبارك بن محمد (١٣٦٤)، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، ج ٤، إسماعيليان، قم.
- الجلالی، السيد لطف الله (١٣٨٦)، تاريخ وعقائد الماتريدية، ج ١، مركز الدراسات والتحقيقات للأديان والمذاهب، قم.
- الجوهري، إسماعيل بن حماد (١٤٠٧)، الصحاح، تحقيق: أحمد عبد الغفور العطار، ج ٤، دار العلم، بيروت.
- الجويني (إمام الحرمين أبو المعالي)، عبد الملك (١٣٨٥)، لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة، تحقيق فوقية حسين محمود، ج ١، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر.
- الحاكم النيسابوري، أبي عبد الله، المستدرك على الصحيحين، تحقيق يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة، بيروت، بلا تاريخ.
- الخزاز القمي، أبي القاسم علي بن محمد بن علي، كفاية الأثر، تحقيق: السيد عبد اللطيف الحسيني، بيدار، قم، ١٤٠١.
- الخطيب البغدادي، أبي بكر أحمد بن علي (١٤٠٥)، الكفاية في علم الرواية، تحقيق أحمد عمر هاشم، ج ١، دار الكتاب العربي، بيروت.
- الدينوري، أحمد بن داوود (١٩٦٠)، الأخبار الطوال، تحقيق عبد المنعم عامر، ج ١، دار إحياء الكتب العربية.
- الزبيدي الحنفي، السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي (١٤١٤)، تاج العروس، تحقيق علي شيري، دار الفكر، بيروت.
- الزيلعي، عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد (١٤١٤)، تخريج الأحاديث والآثار، ج ١، دار ابن خزيمة، الرياض.
- السبكي، عبد الوهاب بن علي (١٤٠٩)، السيف المشهور في شرح عقيدة أبي منصور، كلية الإلهيات بجامعة مرمرة، إسطنبول.
- السيوري الحلي، مقداد بن عبد الله (١٤١٧)، النافع يوم الحشر، دار الأضواء، بيروت.
- الشريف المرتضى (١٤٠٥)، رسائل الشريف المرتضى، تحقيق سيد أحمد حسيني، دار القرآن الكريم، قم.
- الشهرستاني، أبي الفتح علي بن أبي الكرم (بلا تاريخ)، الملل والنحل، تحقيق: محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت.
- الشيبی، كامل مصطفى (١٩٨٢)، الصلة بين التصوف والتشيع، ج ٣، دار الأندلس، بيروت.
- الصدر، السيد حسن (بلا تاريخ)، نهاية الدراية، تحقيق: ماجد الغرباوي، نشر المشعر.
- الصدر، السيد محمد باقر (١٣٦٠)، فدك في التاريخ، ترجمة محمود عابدي، انتشارات روزبه، تهران.
- الصدر، السيد محمد باقر (١٩٧٩)، البحث حول الولاية، دار التعارف للمطبوعات، بيروت.
- الصدوق، محمد بن علي بن بابويه (١٤٠٤)، عيون أخبار الرضا عليه السلام، تصحيح وتعليق حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي، بيروت.
- الطبراني، أبي القاسم سليمان بن أحمد (١٤١٧)، مسند الشاميين، تحقيق حمدي عبد المجيد، ج ٢، مؤسسة الرسالة، بيروت.
- الطبري، محمد بن جرير بن رستم (١٤١٣)، دلائل الإمامة، ج ١، مؤسسة البعثة، قم.
- الطبري، محمد بن جرير (١٣٦٨)، تاريخ الطبري، ترجمة محمد البلعمي، ج ٢، نشر تهران، تهران.
- الطوسي، محمد بن الحسن (بلا تاريخ)، رسائل العشر، مؤسسة النشر الإسلامي، قم.
- ابن شعبة الحراني، (١٤٠٤)، تحف العقول، تصحيح علي أكبر غفاري، ج ٢، مؤسسة النشر الإسلامي، قم.
- الجرجاني، علي بن محمد (١٣٢٥ ق)، شرح المواقف، ج ١، مطبعة السعادة، مصر.
- فتح الدين الحنفي، علي محمد (١٤١٨)، فلك النجاة، دار السلام.
- فخر الدين الطريحي (١٣٦٢ ش)، مجمع البحرين، مرتضوي، تهران.
- الفراهيدي، الخليل بن أحمد (١٤٠٩)، كتاب العين، تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، ج ٢، دار الهجرة، قم.
- الفيروزآبادي الشيرازي، مجد الدين محمد بن يعقوب، القاموس المحيط.
- القاضي عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (١٤١٧)، المواقف، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، ج ١، دار الجيل، بيروت.
- الكثيري، السيد محمد (١٤١٨)، السلفية بين أهل السنة والإمامية، ج ١، الغدير للطباعة والنشر، بيروت.
- الكليني، محمد بن يعقوب (١٣٦٣)، أصول الكافي، تصحيح علي أكبر غفاري، دار الكتب الإسلامية، تهران.
- اللامشي، محمود بن زيد (١٩٩٠)، التمهيد لقواعد التوحيد، تحقيق عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي.
- المتقي الهندي، علاء الدين حسام الدين علي (١٤٠٩)، كنز العمال، تحقيق بكري حياني، مؤسسة الرسالة، بيروت.
- مسعود، جبران (١٣٧٣)، الرائد، ترجمة رضا أنزابي نژاد، ج ١، آستان قدس رضوي، مشهد.
- المفيد، (١٤١٣)، أوائل المقالات، جامعة تهران، تهران.
- المفيد، محمد بن محمد بن نعمان العكبري، المسائل العكبرية، تحقيق: علي أكبر إلهي خراساني، ج ٢، دار المفيد، بيروت.
- المفيد، (١٤١٤)، النكت الاعتقادية، تحقيق: رضا مختاري، ج ٢، دار المفيد، بيروت.
- المفيد، (١٤١٤)، أوائل المقالات، تحقيق إبراهيم أنصاري، ج ٢، دار المفيد، بيروت.
- المولى صالح المازندراني، محمد (١٤٢١)، شرح أصول الكافي، تعليق ميرزا أبو الحسن الشعراني، ج ١، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
- النسفي، أبو المعين ميمون بن محمد (١٩٩٠)، تبصرة الأدلة في أصول الدين على طريقة الإمام أبي منصور الماتريدي، تحقيق وتعليق كلود سلامة، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق.
- النسفي، أبو المعين ميمون بن محمد (١٤٠٦)، التمهيد لقواعد التوحيد، تحقيق حبيب الله أحمد حسن، دار الطباعة المحمدية، القاهرة.
- نهج البلاغة (بلا تاريخ)، تحقيق صبحي صالح، ج ٥، دار الهجرة، قم.
- نهج البلاغة (١٣٨٧)، ترجمة السيد جعفر شهيدي، ج ١٤، انتشارات علمي فرهنگي، تهران.
- النيسابوري، مسلم بن الحجاج (بلا تاريخ)، صحيح مسلم، دار الفكر، بيروت.
- الهيثمي، علي بن أبي بكر (١٤٠٨)، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الكتب العلمية، بيروت.
- اليعقوبي، أحمد بن أبي واضح (بلا تاريخ)، تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت.