الملخص
تزخر قصة خلق الإنسان في القرآن الكريم بالتعاليم الأخلاقية والعقائدية والفلسفية، وتحتل مكانة خاصة في تفسير وبيان التعاليم الدينية، ويمكن تحليلها ودراستها من زوايا متعددة. يتناول هذا المقال تحليل هذه القصة باستخدام منهج علم السرد الأرسطي. وفقًا لنظرية أرسطو السردية، فإن قصة الخلق تتمتع بجميع عناصر السرد الأرسطية، وقد تم تصوير شخصية إبليس بشكل كامل ودقيق، ورُسمت أبعاد شخصيته المختلفة. يؤدي إبليس دورًا محوريًا في تطور القصة ونقل الرسالة الإلهية، ويسعى إلى إغواء البشر وإضلالهم عن طريق الخداع والوسوسة. إن مضمون هذه القصة هو التحذير من مخاطر الوساوس الشيطانية والتأكيد على ضرورة التقوى والعبودية لله تعالى. وقد تم إيصال هذا المضمون إلى المخاطب بأسلوب فني من خلال توظيف عناصر السرد. يوضح هذا المقال، من خلال منهج التحليل السردي، كيف تستفيد قصة الخلق من جميع عناصر السرد الأرسطية لخلق رواية جذابة وذات مغزى. يساعد هذا المنهج على فهم أعمق لهذه القصة ودور شخصياتها، وخاصة إبليس. وتظهر نتائج البحث أن قصة خلق الإنسان تمتلك جميع عناصر السرد الأرسطية بشكل كامل ودقيق. ويمكن الاستفادة من نتائج هذا البحث في إنتاج المحتوى الديني والأخلاقي، وتعليم علم السرد، ونقد وتحليل الأعمال الأدبية والدينية. كما يمكن لهذا البحث أن يساعد في فهم أعمق للتعاليم الدينية ودور الشخصيات في القصص الدينية، وعلى وجه الخصوص شخصية إبليس.
مقدمة
القرآن الكريم، بوصفه كتابًا سماويًا، يزخر بالروايات العميقة والغنية التي تتناول مختلف جوانب حياة الإنسان، بما في ذلك الخلق والهداية والخلاص، والذنب والعقاب، وغيرها. من بين هذه الروايات، حظيت قصة خلق الإنسان وعصيان إبليس لأمر الله باهتمام دائم من الباحثين في مختلف المجالات كالأدب والفلسفة وعلم السرد، وذلك لما تتميز به من جاذبية وعمق في مفاهيمها. يتناول هذا المقال، بالاعتماد على علم السرد عند أرسطو بوصفه مؤسس هذا العلم، إعادة قراءة الدور الدرامي لشخصية إبليس في قصة الخلق باعتباره إحدى الشخصيات الرئيسية.
يكتسب البحث الحالي أهميته من جوانب مختلفة. أولاً، يساعد هذا البحث على فهم أعمق لشخصية إبليس في قصة الخلق ودوره في هذه الرواية. فالأبعاد المختلفة لشخصية إبليس ودوافعه وتحدياته أمام الأمر الإلهي وعواقب عصيانه، هي من بين القضايا التي يتناولها هذا البحث بالدراسة. ثانيًا، يسهم هذا البحث في إثراء المعرفة القائمة حول علم السرد الأرسطي وتطبيقه في تحليل الروايات الدينية. فمن خلال دراسة دور إبليس كشخصية مضادة للبطل في قصة الخلق، يمكن التوصل إلى فهم أدق للمفاهيم الرئيسية في علم السرد الأرسطي مثل البداية والوسط والنهاية، والشخصية، والحبكة، والحوار، والفكر. ثالثًا، يمكن لهذا البحث أن يقدم نموذجًا لتحليل الشخصيات المضادة للبطل في النصوص الدينية والأدبية والدرامية الأخرى. فبفهم الإطار النظري لعلم السرد الأرسطي وتحليل دور إبليس في قصة الخلق، يمكن تحليل شخصيات مشابهة في أعمال أخرى، خاصة القصص في الروايات الدينية.
وعليه، يقدم البحث الحالي مادته في ثلاثة أقسام. في القسم الأول، يتم استعراض الأبحاث ذات الصلة وتوضيح أسس البحث. في القسم الأوسط، يتم التعريف بمنهج البحث والنموذج المعتمد بناءً على طريقة تحليل الرواية. وفي القسم الأخير، يتم عرض نتائج البحث ومناقشتها وتحليلها.
خلفية البحث
في مجال الدراسات القرآنية، أُجريت العديد من الأبحاث التي تمحورت حول الشيطان، إبليس، تحليل القصص الدينية وشخصيات الأبطال والخصوم. وقد تناولت هذه الأبحاث دراسة الأبعاد المختلفة للقصص والشخصيات القرآنية. من بين هذه الأبحاث، يتناول بعضها بشكل مباشر أو غير مباشر المفاهيم الرئيسية لهذا المقال مثل شخصية إبليس وروايته القصصية في القرآن الكريم. وفيما يلي، نستعرض ونناقش أهم الأبحاث المتعلقة بموضوع هذا المقال.
جمع مهدي أمين (1388هـ.ش) في كتابه ‘تفسير العلامة: الجن والشيطان’ المواد المتعلقة بالشيطان من مختلف مواضع تفسير الميزان وصنفها موضوعيًا. ينقسم هذا الكتاب إلى قسمين رئيسيين: القسم الأول: ‘معارف القرآن في معرفة الجن’ (ستة فصول)؛ القسم الثاني: ‘معارف القرآن في معرفة الشيطان’ (14 فصلًا). يتناول المؤلف في هذا الكتاب ماهية إبليس من منظور القرآن بوصفه أبًا للشياطين، ويبحث في موضوعات مثل فلسفة خلق الشيطان، وحركة الشيطان الأولية في الاتجاه المعاكس للإنسان، ودور الشيطان في خروج الإنسان من الجنة، ومواجهة الأنبياء الإلهيين للشيطان، ونهاية مهلة الشيطان. على الرغم من أن هذه المادة مستقاة من تفسير الميزان وتعتمد على منهج تفسيري لا روائي، فإن تركيزها على آيات القرآن وتصنيفها الموضوعي وتفاصيلها الدقيقة والعميقة يؤدي إلى تكوين معرفة دقيقة ومتعددة الأوجه بشخصية الشيطان من منظور القرآن.
في مقال بعنوان ‘تحليل توصيف الشخصية المضادة للبطل في القصص القرآني (دراسة حالة قصة النبي موسى عليه السلام)’، قام أكرم مرادخاني وعلي رضا نظري (1398هـ.ش) بدراسة توصيف الشخصيات المضادة للبطل في أسلوب السرد القرآني من قصة موسى عليه السلام، وذلك بأسلوب وصفي-تحليلي. يوضح هذا المقال أن الشخصيات المضادة للبطل في القرآن، على عكس القصص الأخرى، يتم التعريف بها فقط من خلال أفعالها، ويستخدم الراوي في وصف الشخصيات التعبير عن قبح الأفعال بدلاً من وصف الجوانب الظاهرية. على الرغم من أن هذا المقال لا يرتبط مباشرة بموضوع إبليس وروايته القرآنية، إلا أنه يمكن استخدامه كنموذج لمقارنة وتحليل شخصية إبليس المضادة للبطل في الرواية القصصية من منظور القرآن.
يتناول بالو وأحمدي ورضائي (1395هـ.ش) في مقالهم ‘قراءة تراجيدية لقصة إبليس في التراث العرفاني بمنهج أرسطي’ مقاربة عدد من العرفاء لإبليس وروايته القصصية. يسعى هذا المقال، من خلال دراسة رواية هذه الفئة من العرفاء عن إبليس، إلى تطبيق عناصر التراجيديا الأرسطية مثل البطل، والوحدات الثلاث (الفعل والزمان والمكان)، والتطهير (الكاثارسيس). هذا المقال هو الأقرب في توجهه إلى موضوع البحث الحالي، ولكنه يختلف عنه في نقطتين جوهريتين: أولاً، عدم الاهتمام بالرواية القصصية القرآنية: حيث يتناول المقال الرواية القصصية لإبليس من منظور العرفان الإسلامي ولا يتطرق مباشرة إلى القصة القرآنية، بل يقتصر على دراسة الفهم الروائي لمجموعة من العرفاء لقصة الخلق. ثانيًا، التركيز على التراجيديا الأرسطية بدلاً من علم السرد الأرسطي: يحلل هذا المقال قصة إبليس من منظور قوانين نموذج التراجيديا ويطبقها، وليس من منظور البنية الكلية للرواية عند أرسطو.
تُظهر مراجعة الأبحاث المنجزة أنه لم يُجرَ حتى الآن بحث شامل يتناول بشكل مباشر توضيح الدور الدرامي لإبليس في قصة الخلق كما يرويها القرآن الكريم من منظور علم السرد الأرسطي. بعض الأبحاث تقتصر على دراسة شخصية إبليس أو روايته القصصية دون استخدام إطار نظري متماسك في التحليل. يهدف هذا البحث إلى تقديم توضيح شامل لشخصية إبليس المضادة للبطل كما يرويها القرآن الكريم من منظور علم السرد الأرسطي. وفي هذا السياق، تتم دراسة عناصر مثل البداية، والوسط، والنهاية، والشخصية، والحبكة، والحوار، والفكر في قصة الخلق، ويتم توضيح الدور الدرامي لإبليس في هذه الرواية.
1. أسس البحث
تُعد قصص الخلق في القرآن الكريم من الروايات البديعة والغنية في هذا الكتاب السماوي، والتي توضح كيفية خلق العالم والإنسان والكائنات الأخرى. وفي هذه الروايات، يُسند دور محوري لإبليس، الكائن الذكي والمخادع والوسواس، الذي لقبه أمير المؤمنين (ع) بإمام المتعصبين (سيد رضي، 1386: 1/445). وهو، بصفته العدو القديم للإنسان، يلعب في هذه القصص دورًا مدمرًا ومغويًا في كل من ساحة الفكر والدافع، ويسعى إلى إبعاد الإنسان عن المسار الإلهي (جوادي آملي وبندعلي، 1391: 10/363). إن الفهم العميق لأبعاد شخصية إبليس، الذي ورد اسمه 88 مرة في القرآن (مكارم شيرازي، 1374: 1/193)، ودوره في قصص الخلق، له أهمية ليس فقط من الناحية الدينية والمعرفية، بل أيضًا من الناحية الأدبية والسردية. يهدف هذا البحث إلى استكشاف دور إبليس الدرامي في هذه الروايات من منظور نظرية السرد عند أرسطو.
أرسطو، الفيلسوف اليوناني البارز، بوصفه أحد المفكرين الأوائل في مجال علم السرد، قد تناول في أعماله شرح عناصر السرد الدرامي. لقد عرّف التراجيديا كشكل من أشكال الدراما التي تساعد على تزكية نفس المتلقي من خلال إثارة مشاعر الخوف والشفقة لديه، ويعتقد أن كل تراجيديا تتكون من ستة عناصر أساسية: أولاً، الحبكة (Plot): يطلق على التسلسل المنطقي والمتماسك للأحداث في عمل درامي اسم الحبكة. هذا العنصر يشكل الإطار الرئيسي للقصة ويوضح للمتلقي ما هي الأحداث التي تقع خلال الرواية. ثانيًا، الشخصية: يطلق على الأفراد الحاضرين في عمل درامي اسم الشخصيات. تمنح الشخصيات، بخصائصها ودوافعها وأهدافها، حياة للقصة وتجذب المتلقي. والعنصر المهم في الحبكة والشخصية هو الصراع. الصراع هو المواجهة والتقابل بين الشخصيات أو القوى أو الأفكار المختلفة في عمل درامي. هذا العنصر يمنح القصة ديناميكية وجاذبية ويجعل المتلقي منشغلًا حتى نهاية الرواية. ثالثًا، الحوار: يطلق على الكلمات والجمل التي تنطق بها الشخصيات في عمل درامي اسم الحوار. الحوار ليس فقط وسيلة لنقل المعلومات والأفكار، بل يساعد أيضًا في رسم الشخصيات وخلق الأجواء ودفع القصة إلى الأمام. رابعًا، المضمون: يطلق على الرسالة الرئيسية والفكرة المركزية لعمل درامي اسم المضمون. يوضح المضمون للمتلقي ما هي الهواجس والأفكار التي يعرضها الكاتب أو المؤلف في قالب قصته. خامسًا، تصميم المشهد: يطلق على ترتيب وتزيين فضاء المشهد في عمل درامي اسم تصميم المشهد. هذا العنصر يساهم في خلق فضاء مناسب لرواية القصة ونقل الإحساس والحالة إلى المتلقي. سادسًا، الموسيقى والغناء: يرتبط هذا العنصر، مثله مثل العنصر الخامس، بالتنفيذ المسرحي (قادري، 1380).
إن اختيار نظرية أرسطو لتحليل الرواية القصصية لإبليس في القرآن الكريم له ما يبرره من جوانب مختلفة: أولاً، الأصالة والقدم: تتمتع نظرية أرسطو، بوصفها إحدى أقدم نظريات علم السرد، بقدم وأصالة كبيرتين. وقد حظيت هذه النظرية بالدراسة من قبل العديد من المفكرين على مر التاريخ، وتُعرف بأنها إحدى الركائز الأساسية لعلم السرد. ثانيًا، الشمولية: تشمل نظرية أرسطو عناصر يمكن ملاحظتها وتحليلها في معظم الروايات القصصية، بما في ذلك قصص الخلق في القرآن الكريم. تقدم هذه العناصر إطارًا شاملًا ومتماسكًا لدراسة الأبعاد المختلفة لرواية قصصية ما. ثالثًا، الفعالية: لقد أثبتت نظرية أرسطو فعاليتها وتأثيرها في تحليل وتفسير الروايات القصصية، وخاصة التراجيديا. تساعد هذه النظرية المتلقي على فهم أعمق لعناصر القصة المختلفة، بما في ذلك الشخصيات والدوافع والأهداف والأداء. كما أنها، من خلال توضيح بنية ومنطق الرواية، تساعد المتلقي على فهم الرسالة الرئيسية للقصة وتفسيرها. رابعًا، قابلية التكيف: تتمتع نظرية أرسطو، على الرغم من قدمها وأصالتها، بمرونة وقابلية عالية للتكيف. هذه النظرية ليست قابلة للتطبيق فقط لتحليل تراجيديات اليونان القديمة، بل يمكن استخدامها أيضًا لدراسة أنواع مختلفة من الروايات القصصية، بما في ذلك القصص الملحمية، والكوميديا، والرواية، والسيناريو، والمسرحية.
يعتمد هذا البحث، من خلال تبني مقاربة قياسية، على نظرية علم السرد الأرسطي كإطار نظري له. إن اختيار هذه النظرية، بوصفها أساسًا متينًا ومستقرًا، يوفر الأرضية لتحليل وتوضيح الأبعاد السردية لقصص الخلق كما يرويها القرآن الكريم. إن اختيار نظرية أرسطو لتبني مقاربة تطبيقية في دراسة الرواية القصصية لإبليس في القرآن الكريم له ما يبرره من جوانب مختلفة.
2. عناصر السرد
يتناول هذا القسم دراسة عناصر الرواية القصصية من منظور نظرية علم السرد عند أرسطو. العناصر الرئيسية لهذه النظرية هي الحبكة، والشخصية، والصراع، والحوار، والمضمون، وتصميم المشهد، والموسيقى والغناء (هنرمند، 1398: 81). في هذا البحث، وبسبب عدم تطبيق تصميم المشهد والموسيقى والغناء في الروايات القصصية غير الدرامية، يتم التركيز على العناصر الخمسة المتبقية.
العنصر الأول، الحبكة: الحبكة هي جوهر القصة والترتيب المنظم للأحداث والأفعال فيها. يقسم أرسطو أجزاء الحبكة إلى ثلاثة أقسام: البداية، والوسط، والنهاية. في قسم البداية، يتم تقديم المعلومات اللازمة حول خلفية القصة والشخصيات والوضع الراهن. قسم الوسط، يشمل تعقيدات وصراعات القصة. في هذا القسم، تواجه الشخصيات تحديات ومواقف مختلفة، وتتجه القصة نحو ذروتها. في النهاية، يصل المتلقي إلى نتيجة وحل نهائي للقصة (قادري، 1380: 27). تتوسع الحبكة عادة من الذروة إلى النهاية، ويجب على المتلقي أن يدرك بوضوح كيف تأتي النهاية (اسمايلي، 1392).
العنصر الثاني، الشخصية: تشير الشخصية إلى اللاعبين في القصة وخصائصهم. يمكن أن تكون الشخصيات رئيسية أو ثانوية أو كومبارس. تلعب الشخصيات الرئيسية دورًا محوريًا في القصة ويحدد تقدمها أو تدهورها مسار القصة. تساعد الشخصيات الثانوية، إلى جانب الشخصيات الرئيسية، في دفع القصة إلى الأمام، ويستخدم الكومبارس فقط لملء المشهد وإضفاء شعور بالحضور في القصة (كارد، 1387).
العنصر الثالث، الصراع: الصراع عنصر ضروري في أي رواية قصصية. بدون صراع، لن يكون هناك وجود للقصة. يمكن أن يكون الصراع داخليًا أو خارجيًا. الصراع الداخلي هو تضاد يحدث داخل الشخصية. يظهر هذا التضاد عادة في شكل تردد أو ازدواجية أو اختيار بين طريقين مختلفين. الصراع الخارجي هو تضاد يحدث بين الشخصية والعالم الخارجي. يمكن أن يظهر هذا الصراع في شكل مواجهة بين الشخصيات، أو بين الشخصية والطبيعة، أو بين الشخصية والمجتمع، أو بين الشخصية ومصيرها (كريمي خوزاني، 1397).
العنصر الرابع، الحوار: الحوار هو طريقة استخدام وتأثير الكلمات في القصة. يجب أن يكون الحوار بطريقة تُعرّف الشخصيات جيدًا، وتنقل موقف القصة إلى المتلقي، وتثير فيه شعورًا بالتعاطف. يعدد أرسطو ثلاثة أنواع من الحوار للتراجيديا: الحوار السردي الذي تروي فيه الشخصيات القصة للمتلقي. الحوار الجدلي الذي تتناقش فيه الشخصيات وتتحاور مع بعضها البعض. الحوار الاستدلالي الذي تحاول فيه الشخصيات إقناع بعضها البعض باستخدام الاستدلال والمنطق.
العنصر الخامس، المضمون: المضمون، أو فكر الأبطال أو نتائج أفعالهم التي تنتقل إلى المتلقي. يمكن أن يكون لمضمون رواية قصصية رسالة أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية أو فلسفية. يُنقل مضمون العمل من خلال الشخصيات والحوار والأحداث.
3. منهجية البحث
منهج البحث المختار لهذا المقال هو تحليل المحتوى الكيفي باستخدام منهج علم السرد الأرسطي. يتيح هذا المنهج الفرصة لدراسة دور إبليس في قصة الخلق بعمق، وباستخدام إطار علم السرد الأرسطي، يتم تحليل وتفسير الأبعاد المختلفة لشخصيته كشخصية مضادة للبطل. بناءً على ذلك، فإن مراحل إنجاز هذا البحث كالتالي: تم جمع جميع الآيات المتعلقة بقصة الخلق في القرآن الكريم، وتم تصنيفها زمنيًا وموضوعيًا، ثم بناءً على الآيات المجمعة، يُقدم ملخص لقصة الخلق. في هذا الملخص، يُولى اهتمام خاص لدور إبليس في كل مرحلة من مراحل قصة الخلق. يتم تصنيف الآيات المجمعة بناءً على عناصر علم السرد الأرسطي وتقديمها في شكل جدول. على سبيل المثال، توضع الآيات المتعلقة بحبكة قصة الخلق في فئة واحدة. وفي النهاية، يتم تحليل ودراسة كل عنصر في إطار شخصية إبليس كشخصية مضادة للبطل، ويُولى اهتمام خاص لدور إبليس في كل من هذه العناصر.
4. نتائج البحث
قصة خلق الإنسان، أي خلق آدم وحواء ومواجهتهما مع إبليس، قد رُويت في جميع أنحاء القرآن الكريم بشكل متفرق وفي سور مختلفة منها البقرة، الأعراف، الحجر، الإسراء، الكهف، طه، و ص. من خلال تجميع هذه الروايات، يمكن الحصول على صورة شاملة وكاملة لهذه القصة في سبعة أقسام.
القسم الأول، خلق الإنسان والملائكة: يبشر الله تعالى ملائكته في اليوم السادس من خلق العالم (يونس: 3) بأنه سيجعل لنفسه خليفة في الأرض (البقرة: 30). يثير هذا الخبر دهشة وقلق الملائكة؛ لأنهم يعتقدون أن الإنسان كائن فاسد وسفاك للدماء ولا يستحق خلافة الله.
القسم الثاني، خلق آدم وتفوقه على الجن: على الرغم من معارضة الملائكة، يخلق الله آدم من طين لازب (الحجر: 26) وبنفخ روحه فيه (الحجر: 28). قبل ذلك، كان الله قد خلق الجن من نار السموم (الحجر: 27). يعلّم الله آدم علم الأسماء ثم يسأل الملائكة هل يعرفون تلك الأسماء؟ تعجز الملائكة أمام هذا الاختبار الإلهي، ويُؤمرون من الله بالسجود لآدم. يطيع جميع الملائكة هذا الأمر، إلا إبليس الذي يستكبر ويتجبر ويصبح من الكافرين (البقرة: 34).
القسم الثالث، مجادلة الله وإبليس: يسأل الله إبليس: لماذا أبيت السجود لمخلوق خلقته بيدي؟ هل استكبرت أم كنت من العالين؟ يجيب إبليس بغرور: ‘أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين’ (الأعراف: 12).
القسم الرابع، طرد إبليس من الجنة واللعنة الأبدية: يثير كبرياء إبليس وعصيانه غضب الله، فيطرده من الجنة (الحجر: 34-35). يلعن الله إبليس إلى يوم القيامة (الحجر: 34-35، ص: 77-78) ويحذر الإنسان من عداوته (طه: 120).
القسم الخامس، مهلة إبليس ووعده بإغواء الإنسان: يطلب إبليس من الله مهلة إلى يوم القيامة، ويقسم بعزة الله أنه سيهاجم الإنسان بكل طريقة ممكنة ويضلّه (الإسراء: 62، ص: 82-83). يمهله الله، ولكنه يتوعد بأن يملأ جهنم من إبليس وأتباعه (الإسراء: 63، ص: 84-85). ومع ذلك، يستثني الله عباده المخلصين من هذا الضلال ويقول: ‘إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلاً’ (الإسراء: 65).
القسم السادس، وسوسة آدم وحواء: يسكن الله آدم وحواء في الجنة ويضع كل النعم تحت تصرفهما ما عدا ثمرة شجرة معينة. لكن إبليس، الذي يحمل في قلبه حقدًا على عدائه للإنسان، يوسوس لهما بأكل ثمرة تلك الشجرة المحرمة؛ لأنه داعٍ إلى الشر والمعصية (الطباطبائي، 1374: 2/412). بالخداع والمكر، يقول لهما إن الله منعهما من هذه الشجرة فقط لئلا يصبحا ملائكة أو خالدين (الأعراف: 20-21). يقع آدم وحواء في فخ وساوس إبليس ويأكلان من الثمرة المحرمة. على إثر هذا الذنب، تنكشف عوراتهما ويهبطان من مقامهما في الجنة؛ بينما يُتوقع أن يكون بعضهم لبعض عدوًا (البقرة: 36-38، الأعراف: 24، طه: 121-123).
القسم السابع، توبة آدم وتحذير الله: يتوب آدم بعد هبوطه من الجنة بكلمات تلقاها من الله، فتُقبل توبته. لكن الله يحذره من أنه لا يزال خطر وساوس إبليس وضلال الإنسان قائمًا حتى يوم القيامة (البقرة: 38-39، طه: 123).
قصة خلق الإنسان، التي قُدمت في القرآن الكريم بجمال وتجريد، تتناول حقائق عميقة عن الإنسان ودوره في الحياة. هذه القصة تحمل في طياتها مفاهيم وتعاليم هامة سيتم الإشارة إليها لاحقًا.
خلافة الإنسان: توضح قصة الخلق أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض. هذا يمنحه مسؤولية عظيمة تتمثل في احترام تعاليم الله، واستخدام هذا المقام لتقريب الخير والبركة في الدنيا، ومقاومة الوساوس والامتحانات.
الكبر والغرور: تظهر هذه القصة بوضوح أن الكبر والغرور هما أصل كثير من الذنوب والمعاصي. وقوع أول ذنب هو مثال على هذا المبدأ؛ حيث انحرف إبليس عن أمر الله بسبب كبريائه.
إبليس عدو الإنسان: تذكرنا قصة الخلق بأن إبليس هو عدو معلوم ومُقسم للإنسان. يسعى دائمًا إلى إبعاد الإنسان عن الصراط المستقيم وإيقاعه في الذنب. لذلك، يجب على الإنسان أن يحافظ على وعيه ويتوكل على الله ليدافع عن نفسه من امتحانات ووساوس إبليس.
رحمة الله ومغفرته: من الرسائل الأساسية لهذه القصة رحمة الله ومغفرته. فهو يمنح جميع عباده فرصة التوبة والعودة إلى الصراط المستقيم. وهذا يدل على أن الله، حتى في مواجهة أعمال الإنسان السيئة، يهتم بتوفير فرصة للتوبة والندم.
اليقظة في مواجهة الوساوس: تذكّر قصة الخلق الإنسان بأنه يجب أن يكون دائمًا يقظًا وحذرًا، وأن يلجأ إلى الله في مواجهة وساوس وامتحانات الشيطان. وهذا يوضح أيضًا أن الإنسان لا يستطيع بمفرده مقاومة هذه الامتحانات ويحتاج إلى المساعدة والإرشاد الإلهي.
باختصار، قصة خلق الإنسان في القرآن الكريم هي من أهم القصص التي تقدم دروسًا أساسية حول الحياة والأخلاق والإرشاد لمواجهة امتحانات الحياة. تظهر هذه القصة أنه من خلال تعلم هذه التعاليم وتطبيقها في الحياة، يمكن للإنسان أن يهتدي بإرشاد الله ويصل إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
5. البحث والتحليل
عناصر السرد في قصة الخلق، كما هو موضح في جدول مطابقة عناصر السرد في قصة الخلق (الجدول 1)، يتم تطبيقها.
الجدول 1: جدول مطابقة عناصر السرد في قصة الخلق
| المقولة الرئيسية | المقولة الفرعية | التوضيحات |
|---|---|---|
| الحبكة | البداية، الوسط، النهاية | البداية: خلق السماء والأرض في ستة أيام (يونس: 3). الوسط: خلق الملائكة، خلق آدم من طين ونفخ الروح الإلهية فيه (الحجر: 26-28)، أمر الملائكة بالسجود لآدم وعصيان إبليس (البقرة: 30-34)، طرد إبليس من الجنة (الحجر: 34-35)، خلق حواء (الأعراف: 25)، وسوسة إبليس لآدم وحواء وأكلهما من الثمرة المحرمة (الأعراف: 20-22)، هبوط آدم وحواء من الجنة (البقرة: 38)، توبة آدم وقبولها (البقرة: 38)، وعد العداوة الأبدية بين إبليس والإنسان (الحجر: 34، ص: 78). النهاية: وعد النجاة والخلاص للمؤمنين ووعد العذاب الأبدي للكافرين والضالين (البقرة: 82، الأعراف: 23). |
| التناسق | الانسجام في رواية مراحل الخلق المختلفة، من خلق السماء والأرض إلى خلق الإنسان والملائكة. الارتباط المنطقي بين الأفعال ونتائجها، مثل عصيان إبليس وطرده من الجنة. التناسب في الشخصيات وأفعالها، مثل قدرة الله وعظمته مقابل ضعف الإنسان واستسلامه. |
|
| صراع الأضداد | تقابل الخير والشر في قالب الله وإبليس. تقابل الطاعة والعصيان في قالب آدم وإبليس. تقابل الجنة والنار كوجهة نهائية للإنسان. |
|
| تفريق الأصحاب | فراق آدم وحواء من الجنة ومن بعضهما البعض بسبب ذنبهما. وعد الله بعودة المؤمنين إلى الجنة ونجاتهم من عذاب النار. |
|
| التعقيد (العقدة) | خلق إبليس وطبيعته الشريرة. وسوسة إبليس لآدم وحواء. أكل الثمرة المحرمة وذنب آدم وحواء. |
|
| الأزمة | هبوط آدم وحواء من الجنة وفقدان مقامهما الرفيع. خطر الضلال والهلاك الأبدي للإنسان بسبب وساوس إبليس. |
|
| التشويق | المصير النهائي للإنسان، المؤمنين والكافرين، يبقى غامضًا. وعد الله بنجاة المؤمنين ومعاقبة الضالين، لا يتضح نوعه وزمانه بشكل كامل. |
|
| الذروة | طرد إبليس من الجنة وإعلان عداوته الأبدية للإنسان. هبوط آدم وحواء من الجنة وبداية الحياة على الأرض. |
|
| الحل (الانفراج) | توبة آدم وقبولها من الله. وعد الله بنجاة وخلاص المؤمنين. |
|
| الزمان | زمان وقوع الأحداث في هذه القصة غير محدد، وبشكل عام يشير إلى خلق السماء والأرض وخلق الإنسان والملائكة. في بعض الروايات، هناك إشارات إلى مدة كل فترة من الخلق (مثل ستة أيام لخلق السماء والأرض). |
|
| المكان | مكان وقوع الأحداث في هذه القصة لم يُذكر بوضوح. تُعرّف الجنة والنار على أنهما المكانان النهائيان للإنسان. تُذكر الأرض كمكان لحياة الإنسان بعد الهبوط من الجنة. |
|
| الصراع | مع الذات (داخلي) | الإنسان عند قبول وسوسة إبليس. |
| مع الآخر | بين الله وإبليس، ثم بين إبليس وآدم. | |
| مع الطبيعة أو المجتمع | الله لخلق الإنسان. | |
| الشخصية | الرئيسية (البطل) | الله |
| الرئيسية (المضادة للبطل) | إبليس | |
| الفرعية | الملائكة، آدم، حواء | |
| الحوار | المونولوج (الحوار الداخلي) | في هذه القصة، لا يوجد حوار داخلي بشكل واضح ومحدد. يمكن اعتبار بعض أقوال إبليس نوعًا من الحوار الداخلي. |
| الديالوج (الحوار الخارجي) | حوار الله مع الملائكة وإبليس من الأمثلة البارزة للحوار في هذه القصة. كما يمكن اعتبار حوار آدم وحواء مع بعضهما ومع إبليس نوعًا من الحوار. مثل حوار الله مع الملائكة حول خلق الخليفة في الأرض (البقرة: 30-34). حوار الله مع إبليس حول عصيانه للسجود (ص: 75-78). وسوسة إبليس لآدم وحواء (الأعراف: 20-22). توبة آدم وحواره مع الله (البقرة: 37-38). |
|
| المضمون | التوحيد والقدرة المطلقة لله: خلق السماء والأرض، والملائكة، والإنسان، وطرد إبليس من الجنة، كلها تدل على قدرة وعظمة الله اللامحدودة. | |
| الطاعة والعصيان: طاعة الملائكة وتسليمهم لأمر الله مقابل عصيان إبليس وتكبره، يعلم الإنسان درسًا مهمًا حول طاعة الله وتجنب الذنوب. | ||
| الاختبار والوسوسة: الإنسان معرض لاختبارات إلهية ووساوس شيطانية، ويجب عليه باختيار المسار الصحيح أن يبتعد عن الذنب والضلال. | ||
| التوبة والمغفرة: الله رحيم وغفور ويقبل توبة عباده. | ||
| مسؤولية الإنسان: الإنسان مسؤول عن أفعاله ويجب أن يسعى في سبيل رضا الله. | ||
| الأمل في الخلاص: وعد الله بنجاة وخلاص المؤمنين هو أمل للإنسان في مواجهة الصعاب والذنوب. |
قصة خلق الإنسان هي أول رواية في القرآن الكريم، وقد رويت بجمال في آيات متعددة من سور مختلفة مثل البقرة، الأعراف، الحجر، الإسراء، الكهف، طه، وص. هذه القصة تقدم صورة شاملة عن خلق العالم، وخلق الإنسان والملائكة، ومواجهتهم مع إبليس.
الزمان والمكان: تدور أحداث القصة في أماكن مثل العرش الإلهي، والجنة الموعودة، والأرض التي يسكنها الإنسان. الزمان الدقيق لوقوع الأحداث غير محدد، ولكن يمكن القول إن القصة تشمل الفترة من خلق السماء والأرض إلى هبوط آدم وحواء إلى الأرض.
أسلوب السرد: تُروى قصة خلق الإنسان بأسلوب خطي، وغالبًا ما تُقدم في شكل حوار. هذا الأسلوب في السرد يقرّب المتلقي من الشخصيات ويسمح له بفهم دواخلهم وأسرارهم بشكل أفضل.
بداية القصة: القرار الإلهي وحوار الملائكة: تبدأ القصة بحوار من الله تعالى، الشخصية الرئيسية في القصة. في هذا الحوار، يتضح هدف الله من خلق الإنسان: تعيين خليفة له في الأرض. اختيار الإنسان كخليفة إلهي يثير الدهشة والقلق لدى الملائكة. إنهم قلقون من أن ينشر الإنسان الفساد وسفك الدماء في الأرض. هذا القلق تم التعبير عنه بوضوح في الآية 30 من سورة البقرة: ‘وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ’.
اختبار الإنسان وإثبات تفوقه: لإثبات تفوق الإنسان وتهدئة قلق الملائكة، يعلم الله الإنسان علم الأسماء. هذا العلم يشمل معرفة أسرار ورموز عالم الوجود التي يجهلها الملائكة. تشير الآية 31 من سورة البقرة إلى هذا الموضوع: ‘وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ’. آدم، بالعلم الذي تعلمه من الله، يجيب بشكل صحيح على أسئلة الملائكة ويثبت تفوقه.
الهدوء قبل العاصفة: حتى هذه المرحلة من القصة، كل شيء يسير في هدوء ونظام إلهي. يمكن اعتبار هذا الجزء مقدمة وتمهيدًا لاستمرار القصة.
6. ظهور الشخصية المضادة للبطل
في مواجهة الله، يظهر إبليس كشخصية مضادة للبطل في القصة. يقف في وجه الله ويعصي أمر السجود للإنسان. هذا العصيان متجذر في كبرياء وغرور إبليس. تشير الآية 34 من سورة البقرة إلى هذا الموضوع: ‘وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ’.
معارضة الإنسان، استمرار العداء مع الله: معارضة إبليس للإنسان هي في الواقع استمرار لمعارضته لله. يرى إبليس الإنسان مخلوقًا لله، وبالتالي يستمر في عدائه له أيضًا. هدف إبليس هو إضلال الإنسان وإبعاده عن المسار الإلهي. تشير الآية 20 من سورة الأعراف إلى هذا الموضوع: ‘فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ’.
الوسوسة في الجنة: بعد طرده من حضرة الله، يذهب إبليس إلى الجنة ويوسوس لآدم وحواء. يخدعهما ليأكلا من ثمرة الشجرة المحرمة التي منعهما الله من أكلها. تشير الآيات 19 إلى 22 من سورة الأعراف إلى هذا الموضوع: ‘فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ’.
الذنب والخجل: يقع آدم وحواء في فخ وساوس إبليس ويأكلان من الثمرة المحرمة. بعد أكل هذه الثمرة، تنفتح أعينهما على ذنبهما ويشعران بالخجل. تشير الآية 22 من سورة الأعراف إلى هذا الموضوع: ‘فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا’.
العقاب والهبوط: يطرد الله تعالى آدم وحواء من الجنة بسبب الذنب الذي ارتكباه، ويرسلهما إلى الأرض. تشير الآية 38 من سورة البقرة إلى هذا الموضوع: ‘قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ’.
التوبة ووعد الخلاص: بعد الهبوط إلى الأرض، يتوب آدم وحواء من ذنبهما ويطلبان المغفرة من الله. يقبل الله توبتهما ويعدهما بالخلاص في الآخرة. تشير الآية 37 من سورة البقرة إلى هذا الموضوع: ‘فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ’.
هذا التحليل حول قصة خلق الإنسان من منظور الأفكار الدينية والقرآنية يظهر العديد من الدروس الأخلاقية والإنسانية. هذه الدروس هي:
حرية الإنسان: الإنسان، كمخلوق حر ومختار، لديه القدرة على الاختيار بين الخير والشر. هذا يعني أن كل فرد في كل لحظة من حياته مسؤول عن أفعاله وخياراته ويجب أن يتقبل عواقبها.
وساوس الشيطان: تظهر قصة الخلق أن وساوس الشيطان تتربص دائمًا بالإنسان. قد تشجع هذه الوساوس الإنسان على القيام بأعمال خاطئة ومخالفة للإرادة الإلهية. لذلك، يجب على الإنسان أن يكون دائمًا واعيًا لهذه المخاطر وأن يواجهها باليقظة والثبات الديني.
الذنب والابتعاد عن الله: يمكن للذنب أن يبعد الإنسان عن الله ويسبب له عذابًا روحيًا وربما عذابًا أبديًا. هذا يدل على أن الذنب لا يجلب فقط الشر والخسارة الدنيوية، بل يؤدي أيضًا إلى الابتعاد عن الله والكمالات الروحية والمعنوية.
التوبة والندم: على الرغم من أن الذنب يبعد الإنسان عن الله، إلا أن فرصة التوبة والندم موجودة دائمًا. التوبة تدل على قرار الإنسان بالعودة إلى الله وتصحيح أعماله. هذه الإمكانية تسمح للإنسان، من خلال قبول أخطائه، بالاقتراب من الخلاص في الآخرة ومن الله تعالى.
هذا التحليل يؤكد بشكل عام على الانسجام وأهمية القضايا الأخلاقية والدينية في حياة الإنسان، ويظهر أن قصة خلق الإنسان هي دليل أخلاقي للسلوك في الدنيا والوصول إلى الهدف النهائي في الآخرة.
7. الدور الرمزي
عناصر وشخصيات قصة خلق الإنسان لها دور رمزي. على سبيل المثال، الله: رمز القوة والعظمة والحكمة والمغفرة الإلهية. الملائكة: رمز الطاعة والتسليم وعبادة الله. إبليس: رمز الوسوسة والضلال والشر. الجنة: رمز السعادة والراحة والكمال المطلق. الأرض: رمز الدنيا الفانية والصعوبات والابتلاءات الإلهية.
ظهرت قصة خلق الإنسان في القرآن الكريم كواحدة من أهم وأوثق القصص، والتي تنقل بلغة بسيطة وموجزة مفاهيم عميقة ومفيدة للإنسان. هذه القصة، كترميز ديني، تؤكد على أن الإنسان في مقام خليفة الله على الأرض، لديه حرية الاختيار وهو مسؤول عن أعماله. من الناحية المعنوية، هذه القصة تظهر للإنسان كيف يمكنه مواجهة وساوس الشيطان، وتجنب الذنب، والتوجه نحو الله تعالى. هذه التعاليم تساعد الإنسان في حياته اليومية على اختيار الطريق الصحيح والواضح وتجنب الضلال. عبر تاريخ الإسلام، قدم المفسرون والعلماء والمفكرون تفسيرات مختلفة لهذه القصة، كل منها ساهم بطريقة ما في فهم أفضل لهذه القصة ونقل مفاهيمها إلى المجتمع. في النهاية، قصة خلق الإنسان كقصة معنوية، لا تمنح المتلقي فقط إمكانية أن يكون واعيًا لدوره ومسؤوليته في العالم، بل ترشده أيضًا إلى كيفية الوصول إلى الخلاص والقرب من الله تعالى من خلال التوبة والندم على الذنوب. بشكل عام، قصة خلق الإنسان في القرآن الكريم هي مصدر غني بالتعاليم الأخلاقية والدينية التي يمكن أن تكون دائمًا دليلًا وإجابة للإنسان في حياته.
الخاتمة
في هذا المقال، قمنا بدراسة دور شخصية إبليس في قصة الخلق في القرآن الكريم من منظور علم السرد الأرسطي. لهذا الغرض، تم أولاً تعريف وشرح علم السرد الأرسطي وعناصره. ثم رُويت قصة الخلق في القرآن الكريم بشكل موجز، وتم تحليل عناصرها السردية في إطار أرسطو.
تتمتع قصة الخلق في القرآن الكريم بانسجام ونضج كبيرين، ومن حيث العناصر السردية، فهي كاملة وشاملة. تشمل هذه القصة جميع عناصر السرد الأرسطية، من بداية ووسط ونهاية، وشخصيات، وحوار، وفعل، ومكان، وزمان. شخصية إبليس في هذه القصة مرسومة بشكل جيد، وتُعرض للمتلقي أبعاد شخصيته المختلفة، بما في ذلك الذكاء، والقوة، والمكر، والوسوسة. يلعب إبليس في هذه القصة دورًا رئيسيًا في تقدم القصة ونقل الرسالة. يسعى من خلال الخداع والمكر والمغالطة إلى إغواء البشر وإضلالهم. مضمون هذه القصة هو التحذير من مخاطر وساوس الشيطان وضرورة التقوى والعبودية لله. هذا المضمون، باستخدام العناصر السردية، يُلقى على المتلقي بطريقة فنية.
قصة خلق الإنسان، بناءً على عناصر السرد الأرسطية، هي رواية كاملة وشاملة. هذه القصة تشمل جميع الأجزاء الرئيسية للرواية الأرسطية، بما في ذلك البداية والوسط والنهاية، والشخصيات، والصراع، والعقدة، والحل، والمضمون الرئيسي. باختصار، تبدأ هذه القصة بقرار الله بخلق خليفة له في الأرض. ثم تمر القصة بمغامرات مختلفة بما في ذلك حوار الله مع الملائكة، وخلق الإنسان، واختبار الإنسان، ووسوسة آدم وحواء من قبل إبليس، والذنب وهبوطهما إلى الأرض، وتوبتهما. في النهاية، تنتهي بوعد الله لآدم وحواء بالخلاص في الآخرة. في هذه القصة، الشخصيات الرئيسية هي الله، وإبليس، وآدم، وحواء، والشخصيات الثانوية هي الملائكة والجن. الصراع الرئيسي في القصة هو بين الله وإبليس. يعصي إبليس أمر الله بالسجود للإنسان ويعاديه. الصراع الآخر في القصة هو بين إبليس وآدم وحواء. يوسوس لهما إبليس ليأكلا من الثمرة المحرمة ويوقعهما في الذنب. عقدات القصة هي: قرار الله بخلق خليفة له في الأرض، وعصيان إبليس لأمر الله، ووسوسة آدم وحواء من قبل إبليس، والذنب وهبوطهما إلى الأرض. حل القصة هو توبة آدم وحواء ووعد الله لهما بالخلاص في الآخرة. المضمون الرئيسي للقصة هو عاقبة الانحراف عن المسار الإلهي. نتيجة هذا الانحراف، سواء حدث من قبل إبليس أو من قبل الإنسان، لن تكون إلا الهزيمة والحرمان والطرد من حضرة الله.
في نظرة أكثر شمولاً، يمكن اعتبار قصة الخلق بأكملها بداية لحبكة شاملة لإبليس وصراعاته مع الإنسان، والتي تُلاحظ أجزاء ونماذج منها في قصص قرآنية أخرى ومواجهة الأنبياء مع إبليس. كما يتضح من الجزء الختامي لقصة الخلق، سيبقى الإنسان وإبليس عدوين لبعضهما البعض حتى اليوم المعلوم والمهلة النهائية، وسيخوضان صراعات أكبر.
يظهر تحليل عناصر السرد لقصة الخلق في القرآن الكريم أن هذه القصة، من حيث البنية السردية، هي نموذج بارز ومناسب للروايات القصصية في النصوص الأدبية والدينية الأخرى. دور إبليس في هذه القصة هو دور معقد ومتعدد الأبعاد. فهو يعمل في نفس الوقت كشخصية مضادة للبطل معارضة لله، وكأداة في يد الله لاختبار البشر. هذا الدور المعقد يضيف إلى عمق وثراء القصة ويجعلها أكثر جاذبية للمتلقي. مضمون هذه القصة هو مضمون أخلاقي وعقائدي يحذر البشر من مخاطر وساوس الشيطان وضرورة التقوى والعبودية لله. هذا المضمون، من خلال العناصر السردية، يُلقى على المتلقي بطريقة فنية ويدعوه إلى التفكير والتأمل في هذه الموضوعات المهمة. قصة الخلق في القرآن الكريم هي قصة عميقة وغنية بالمعاني، وتحظى بمكانة خاصة من الناحية السردية والمحتوى. يمكن أن يساعد تحليل هذه القصة من منظور علم السرد الأرسطي على فهم أعمق لهذه القصة ودور شخصياتها، وخاصة إبليس. في الختام، مع الإشارة إلى أنه يمكن الاستفادة من نتائج هذا البحث لإنتاج محتوى ديني وأخلاقي، وتعليم علم السرد للطلاب والباحثين، أو نقد وتحليل الأعمال الأدبية والدينية، يُقترح أن يتم النظر في الإطار النظري لهذا البحث في دراسة قصص أخرى من القرآن الكريم. كما يمكن، بدلاً من علم السرد الأرسطي، استخدام نظريات سردية أخرى لتحليل قصة الخلق، أو دراسة الأبعاد النفسية والاجتماعية لشخصية إبليس في هذه القصة.
المصادر والمراجع
1. القرآن الكريم، ترجمة ناصر مكارم الشيرازي.
2. السيد الرضي (١٣٨٦ هـ.ش)، نهج البلاغة، ترجمة ناصر مكارم الشيرازي، الطبعة الثالثة، قم: منشورات الإمام علي بن أبي طالب.
3. أرسطو (١٣٤٣ هـ.ش)، فن الشعر، ترجمة عبد الحسين زرين كوب، طهران: أميركبير.
4. اسمايلي، سام (١٣٩٢ هـ.ش)، كتابة المسرحية: بنية الفعل، ترجمة پرستو جعفري وصادق رشيدي، طهران: افراز.
5. أمين، مهدي (١٣٨٨ هـ.ش)، تفسير العلامة: الجن والشيطان، طهران: بيان جوان.
6. بالو، فرزاد؛ أحمدي، شهرام؛ رضايي، مطهرة (١٣٩٥ هـ.ش)، «قراءة تراجيدية لقصة إبليس في التراث العرفاني بمنهج أرسطي»، مجلة تاريخ الأدبيات، العدد ٧٩، صص ٥-٢٣.
7. جوادي آملي، عبدالله؛ بندعلي، سعيد (١٣٩١ هـ.ش)، تسنيم: تفسير القرآن الكريم، الطبعة الرابعة، قم: اسراء.
8. الطباطبائي، السيد محمد حسين (١٣٧٤ هـ.ش)، تفسير الميزان، ترجمة السيد محمد باقر موسوي الهمداني، الطبعة الخامسة، قم: دفتر انتشارات إسلامي.
9. قادري، نصرالله (١٣٨٠ هـ.ش)، تشريح بنية الدراما، طهران: نيستان.
10. كارد، أورسن سكوت (١٣٨٧ هـ.ش)، بناء الشخصية وزاوية الرؤية في القصة، ترجمة بريسا خسروي ساماني، أهواز: برسش.
11. كريمي خوزاني، مهدي (١٣٩٧ هـ.ش)، البنية والشخصية في السيناريو، قم: سبط النبي.
12. مرادخاني، أكرم؛ نظري، عليرضا (١٣٩٨ هـ.ش)، «تحليل بناء شخصية الخصم في القصص القرآني (دراسة حالة قصة النبي موسى)»، مجلة دراسات الأسلوب القرآني، العدد ٥، صص ٢٤٢-٢٥٨.
13. مكارم الشيرازي، ناصر (١٣٧٤ هـ.ش)، تفسير نمونه، طهران: دار الكتب الإسلامية.
14. هنرمند، سعيد (١٣٩٨ هـ.ش)، بويطيقاي ارسطو، طهران: چشمه.
الهوامش
1. تاريخ الاستلام: 2024/04/26، تاريخ القبول: 2024/09/22. المعرف الرقمي (DOI): 10.22081/jqr.2024.68912.3993
2. ماجستير في الأدب المسرحي، كلية الدين والإعلام، جامعة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، قم، إيران. ahmad.noori3@gmail.com
3. أستاذ مساعد، قسم فنون الإعلام، كلية الدين والإعلام، جامعة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، قم، إيران (المؤلف المسؤول). ali.razizadeh@iribu.ac.ir