المستخلص
تُعدّ مسألة جمع القرآن ومنشأ القراءات القرآنية وتاريخ هذه القراءات من أهم الموضوعات التي أثارت إشكاليات عديدة في حقل الدراسات القرآنية، ومن هذا المنطلق طُرحت إشكالات من قبل المستشرقين، واستند إليها النقاد لإثارة الشكوك حول وحيانية القرآن وسلامة نصه. ونظرًا لأن الإجابة على هذه الشبهات تبدو ضرورية ومهمة للغاية، فقد قررنا دراسة وتحليل آراء المستشرق المعاصر «كلود جيليو» في هذا المجال، بالاعتماد على مقالته المعنونة بـ«أصول النص القرآني وتثبيته». وفي هذا البحث الذي أُجري بمنهج التحليل النقدي، توصلنا إلى النتائج التالية: ١. إن رؤيته حول منهج جمع القرآن وفقًا للمصادر الإسلامية خاطئة تمامًا، وقد استعان بالأخبار الشاذة وغير المعتبرة في إثبات جمع القرآن بعد عصر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) على يد الصحابة. ٢. إن رؤيته حول التغييرات التي أُدخلت على النص غير صحيحة على الإطلاق، وقد توصل إلى هذا المفهوم من خلال الروايات والأخبار الكاذبة التي يمكن دحضها. ٣. كذلك، إن استدلاله بأن مصاحف الصحابة واختلاف القراءات القرآنية يدلان على عدم وجود نص واحد حتى بعد عصر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) هو استدلال خاطئ تمامًا وقابل للنقض. ٤. إن قوله بشأن انتقادات المسلمين للنسخة الموحدة للقرآن في عصر عثمان هو قول خاطئ تمامًا، وقد أجمعت الأمة الإسلامية على هذه النسخة الواحدة.
طرح الإشكالية
إن موضوع جمع القرآن ومنشأ القراءات القرآنية وتاريخها، هو من الموضوعات التي أثارت شبهات كثيرة وأوجدت إشكاليات كبرى في هذا المجال، حتى في عصرنا الحالي، من جانب المستشرقين، بحيث اتخذها منتقدو الإسلام والقرآن ذريعة لهم، ومن خلالها يتطاولون على القرآن ويثيرون الشكوك حول وحيانيته. يُعد موضوع جمع القرآن من المباحث القرآنية المهمة، وعلى الرغم من أن هذا الموضوع يُعتبر جزءًا من مباحث تاريخ القرآن، إلا أن هناك ارتباطًا وثيقًا بينه وبين علوم القرآن وتاريخه. كما يكتسب هذا الموضوع أهمية بالغة لارتباطه بنص القرآن وإثبات حقيقته ورد الشبهات. إن سبب اختيار المستشرق كلود جيليو، هو معاصرته، وأيضًا لأنه غالبًا ما ينقل آراء المستشرقين الذين سبقوه في هذا المجال، خاصة آراء نولدكه، الذي يُعد من أشهر المستشرقين، ومن أوائل الذين تناولوا موضوع جمع القرآن وترتيبه وتدوينه. ولهذا السبب، فإن جميع الذين تناولوا هذا الموضوع بعده قد اعتمدوا على كتابه «تاريخ القرآن». كما يُعتبر كلود جيليو من الباحثين القرآنيين ومن أكثر الكتّاب إنتاجًا في هذا المجال؛ إذ يتجاوز عدد أبحاثه المنشورة الخمسين عملًا، معظمها في شكل مقالات في مجلات ومشاريع جماعية، مثل دوائر المعارف والمعاجم والآثار المنشورة من المؤتمرات، بثلاث لغات هي الفرنسية والإنجليزية والألمانية، وقد اشتهر بآثاره في مجال سريانية القرآن، وسعيه لجمع المصادر التي يمكن استخدامها في الأبحاث المتعلقة بتاريخ النص القرآني وتطوراته وخصائصه خلال القرون الأربعة الأولى للهجرة.
في هذا المقام، تم اختيار إحدى مقالاته بعنوان «origines et fixation du texte coranique» (أصول النص القرآني وتثبيته) [1]، وهي من المقالات التي تركز على مرحلة أساسية في حقل الدراسات القرآنية. وقد جمع فيها بعض نتائج أعمال المستشرقين السابقين في مجال تاريخ النص القرآني، ومن خلال هذه المقالة، أقام تضاربًا بين الآراء وسعى لتقديم حل لتعارضها.
وهنا، تبرز عدة أسئلة مهمة: ١- من هو كلود جيليو؟ ٢- ما هي أهم آرائه التي وردت في مقالته؟ ٣- ما هي رؤيته بشأن مسألة جمع القرآن وتطور نصه وتعدد قراءاته؟ ٤- هل استعان حقًا بالمصادر الإسلامية لتوثيق مسألة جمع القرآن، أم أنه اختار آثار سابقيه التي كانت متاحة له؟ ٥- كيف كانت طريقته في التعامل مع المصادر الإسلامية وغير الإسلامية؟ ٦- ما هي أهم النتائج والمقترحات التي توصل إليها؟ من بين هذه الأسئلة، السؤال الأهم الذي يمثل المسألة الرئيسية لهذا البحث هو التحليل المضموني لرؤيته حول منهج جمع القرآن، والتغييرات التي طرأت على نص القرآن، وادعائه بشأن مصاحف الصحابة واختلاف القراءات القرآنية التي، حسب قوله، تدل على عدم وجود نص واحد حتى بعد عصر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
وفيما يتعلق بأصول ومبادئ الكاتب في نقد جيليو، يجب القول إن السعي ينصب على دراسة وتحليل مضمون آراء جيليو من خلال فحص مستندات ادعاءاته في كل جزئية من نظرياته الواردة في مقالة «أصول النص القرآني وتثبيته»، وتقييم نقائص رؤيته، خاصة في مجال جمع القرآن ونشأة قراءاته. كما نسعى إلى نقد مصادر آرائه من خلال النقد المصدري، فعلى سبيل المثال، يمكن القول إنه من خلال دراسة المصادر التي استخدمها جيليو، يمكن استنتاج أن جميع مصادره هي نفس مصادر المستشرقين السابقين، وإذا نظرنا بدقة إلى مصادره ومستنداته، نجد أنه على الرغم من وجود العديد من الكتب المعتبرة في مجالات علوم القرآن، وعلم القراءة، والتفسير وغيرها، إلا أنه للأسف قد استخدم بكثرة كتاب «تاريخ القرآن» وكتاب «ملاحظات نقدية حول أسلوب القرآن» لثيودور نولدكه، وكذلك كتاب «مدخل إلى القرآن» لريجي بلاشير وكتاب «مصادر تاريخ القرآن» لآرثر جيفري، وهذا الأمر أدى إلى طرح أحكام مغرضة ونتائج خاطئة ومغلوطة.
كذلك، نسعى من خلال النقد المنهجي إلى دراسة وتقييم طريقة تعامل كلود جيليو مع المصادر الإسلامية، فعلى سبيل المثال، يتضح أنه يتعمد اختيار الروايات والقصص الضعيفة والشاذة أو التي لا سند لها والناقصة من المصادر العربية لإثارة الخلافات في المجتمع الإسلامي، ووضع الروايات في مواجهة بعضها البعض، والتشكيك في مصداقية نص القرآن، وخاصة فيما يتعلق بتاريخ جمع القرآن، ومثال ذلك، قصة امتناع ابن مسعود، وقصص ابن شنبوذ وابن مقسم.
١. كلود جيليو وسيرته العلمية
١-١. السيرة الذاتية لكلود جيليو
يُعدّ من الشخصيات البارزة المعاصرة في مجال الدراسات القرآنية في فرنسا، وأستاذ الدراسات العربية والإسلامية في جامعة بروفانس (Provence)، وُلد عام 1940 وتخرج من مدرسة الأساتذة العليا (ENS)، حيث حصل على درجة الماجستير في عام 1982 والدكتوراه في عام 1987. بعد ذلك، عمل أستاذًا في جامعة إيكس (AIX) بالقرب من مدينة مرسيليا في جنوب فرنسا حتى تقاعده في عام 2006. (رينولدز، 2012: 9) خلال هذه الفترة، أشرف على العديد من مشاريع طلاب الدراسات العليا القادمين من فرنسا والعالم الإسلامي والمتخصصين في تفسير القرآن ومجالات أخرى. بعد التقاعد، تولى مناصب مختلفة (هرماس، 2011: 140)، وهو الآن عضو في مجموعة تاريخ العالم الإسلامي: الدين، القانون، والمجتمع. يركز في دراساته على التفسير في الإسلام الكلاسيكي، وتاريخ نشأة النص القرآني، وتاريخ بزوغ الإسلام وحياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والسنن المأخوذة عنه، وعلم الإلهيات الإسلامي. (Décory, 2010: 01)
١-٢. أهم أبحاث ومؤلفات كلود جيليو
١-٢-١. الأطروحات والرسائل
– La sourate al-Baqara dans le Commentaire de Tabarī (Le développement et le fonctionnement des traditions exégétiques à la lumière du commentaire des versets 1 à 40 de la sourate I-II), 1982.
أطروحة الماجستير بعنوان «سورة البقرة في تفسير الطبري (تطور ووظيفة التقاليد التفسيرية في ضوء تفسير الآيات 1 إلى 40 من السورة 1 و 2 [أي الفاتحة إلى الآية 40 من البقرة])»، 1982.
– Aspects de l’imaginaire islamique commun dans le Commentaire de Tabari, 1987.
رسالة الدكتوراه بعنوان «جوانب من المخيال الإسلامي المشترك في تفسير الطبري»، 1987.
١-٢-٢. الكتب
– «Exégèse langue et théologie en islam: L’exégèse coranique de Tabari», 1990.
«التفسير، اللغة وعلم الكلام في الإسلام: دراسة حالة للتفسير القرآني عند الطبري»، 1990.
١-٢-٣. المقالات والمشاريع
– «Deux études sur le Coran» (La composition des sourates mekkoises. Le Coran, Muhammad ET le judéo-christianisme. Arabica, 1983.
«دراستان حول القرآن (تكوين السور المكية. القرآن، محمد واليهودية المسيحية)» مجلة أرابيكا، 1983.
– Les sept «lectures”: corps social et Ecriture révélée, Stud. Isl., LXI (1985), p. 5-25; LXIII (1986), p. 49-62.
«القراءات السبع: الجسد الاجتماعي والكتاب المنزل» 1986.
كما شارك في تأليف العديد من القواميس ودوائر المعارف وبعض المقالات والتقارير المتاحة في الفضاء الإلكتروني.
٢. محتوى مقالة جيليو
في هذا المقام، نتناول إشكالية تاريخية هامة تتعلق بنص القرآن، والتي واجهها الأقدمون أيضًا، ولا يزال مجال الحديث عنها واسعًا. على الرغم من أن هذه المسألة مقبولة لدى العلماء المسلمين وقد تناولها الكثير من مصادر التفسير وكتب علوم القرآن، ووصلوا جميعًا إلى نتيجة واحدة، إلا أنها اتخذت منحى آخر بطرحها من جانب المستشرقين، مما أدى إلى التشكيك في أصل الوحي والاعتماد على نصوص شاذة وروايات ضعيفة، وهو ما أدى إلى تقديم آراء مشككة حول نص القرآن. كما أن وجود عناصر خارجية تسببت في تأخير تدوين القرآن، أو وجود وسائل بدائية لكتابة القرآن، يعزز الشك في هذا المجال. يطرح جيليو في مقالة «أصول النص القرآني وتثبيته» قضايا كثيرة نشير إليها هنا. ولكن يجب أن نعلم أن منطلق رأي كلود جيليو حول المصادر الإسلامية في مجال تاريخ القرآن هو آراء «كريستوفر لوكسمبرغ» في كتاب «the syro-aramic reading of the koran» (القراءة الآرامية السريانية للقرآن). وقد جمع لوكسمبرغ تفاصيل حول التأليف الجماعي للقرآن من الآثار الإسلامية ومن القرآن نفسه ليُظهر أن المسيحية هي المرجع السرياني للقرآن.
يؤكد كلود جيليو في بداية مقالة «أصول النص القرآني وتثبيته» على أهمية دراسة تاريخ القرآن حتى الوصول إلى النسخة النهائية من وجهة نظر المسلمين؛ لأنه يرى أن للقرآن تاريخًا من التطورات والمراجعات. ولهذا السبب، يعتقد أنه قبل الحديث عن تطورات القرآن وكيفية ظهوره من منظور الأبحاث النقدية الغربية، من الضروري عرض وجهة نظر المسلمين في هذا الخصوص ودراستها. (Gilliot, 2008: 643)
بدأ جيليو مقالته بالقول إن القرآن كان يُحفظ في الصدور أولًا ثم كُتب في النسخة النهائية للقرآن (la vulgate) [2]. بعد ذلك، تناول موضوعات مثل أهم التغييرات التي حدثت في تدوين القرآن، والمشكلات المتعلقة بقراءة النسخة العثمانية ومصاحف الصحابة الآخرين، وكيفية ظهور القراءات القرآنية. ثم، من أجل الوصول إلى النسخة الأولية للقرآن، قبل الإصلاحات التي قام بها النساخ والنحويون والفقهاء وحتى المتكلمون على القرآن حسب زعمه، عرض انتقادات المسلمين للنسخة الموحدة للقرآن. كما يعتقد أن التناقضات والشكوك الموجودة في المصادر الإسلامية حول صحة القرآن، قد أتاحت الفرصة للباحثين الغربيين لتقديم اقتراح لكتابة تاريخ آخر للقرآن، ولهذا السبب، وضع لهذا الجزء من مقالته عنوان «النقد التاريخي للقرآن من جانب الغربيين» وبدأه بادعاء أن المصادر المكتوبة للمسلمين ليست كافية لإثبات تاريخ القرآن، بحيث لا يوجد أي نص مكتوب بخط يد محمد (autographe)!! (نفس المصدر، 647)
يعتبر جيليو أن أقدم نسخة نهائية للقرآن تعود إلى القرن التاسع الميلادي وينسب باقي النسخ النادرة إلى أواخر القرن السابع أو أوائل القرن الثامن. يعتقد أن التواريخ المكتوبة هي في الغالب تقريبية وافتراضية، ولهذا السبب، تركز الدراسات القرآنية اليوم على فلسفة تاريخ نص القرآن ونقد المصادر الإسلامية. ويقترح أن هذه المسألة يجب أن تُدرس من منظور منهجين مختلفين، ينبعان في الغالب من نظريات المستشرقين في هذين التيارين:
١- أحد هذين المنهجين هو المنهج النقدي وأنصار علم التاريخ، وفيه يتم تناول المراحل المختلفة لتقديس القرآن، حتى الوصول إلى النسخة النهائية أو النسخة المدونة والمختومة، كما يسميها هو.
٢- المنهج الآخر هو المنهج التشكيكي (التنقيحي)؛ أي إثارة الشك والتردد حول صحة المصادر الإسلامية في مجال تاريخ كتابة المصحف.
يرى جيليو أن نص القرآن لم يتخذ شكله النهائي حتى أواخر القرن الثامن وأوائل القرن التاسع الميلادي، لكن معظم المستشرقين يعتقدون أن هذا التاريخ متأخر جدًا. في المقابل، يعتقد جيليو أن توحيد آراء هذين المنهجين أمر صعب فيما يتعلق بنشأة القرآن ونقله، ولذلك يقترح فرضية مراجعة بنية تاريخ القرآن من الأسفل إلى الأعلى ومن الأعلى إلى الأسفل. من وجهة نظره، تستند مراجعة البنية من الأسفل (en aval) إلى النسخة العثمانية والنسخ الأخرى (مصاحف الصحابة). هذه المراجعة في رأيه، تمثل منهجًا نقديًا تاريخيًا وقويًا فيما يتعلق بالأنشطة الجديدة في مجال التركيب الشكلي للقرآن. أما مراجعة البنية من الأعلى (en amont) فتستند إلى مراجعة أصل «النص ما قبل النص»، وهذه المراجعة تتوافق إلى حد كبير مع المنهج التشكيكي حسب تعريفه. (نفس المصدر، 652)
٣. دراسة نقدية لآراء جيليو في مقالته
في هذا المقام، نذكر أهم آراء جيليو في مقالة «أصول النص القرآني وتثبيته».
٣-١. رؤيته حول جمع القرآن وفقًا للمصادر الإسلامية
تُعد كيفية جمع القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسألة شائكة لدى المستشرقين. ويفكر جيليو في هذا المجال مثل سابقيه؛ أي أنه متردد بشأن صحة الروايات المتعلقة بجمع القرآن. في رأيه، تحتوي هذه الروايات على تناقضات مختلفة تؤدي إلى طرح أسئلة حول صحة روايات المسلمين؛ كما يعتقد أن عملية جمع القرآن وكتابته في عهد عثمان، أدت إلى نسخة أطلق عليها المستشرقون اسم النسخة النهائية العثمانية لنص القرآن (la vulgate othmanienne). ويعتقد أن جمع نص القرآن في عهد عثمان لم يخلُ من اعتراضات ومشاكل، ويستشهد في هذا المجال بإنكار الصحابي المشهور ابن مسعود؛ على الرغم من أن هذه النسخة من القرآن، وفقًا للشواهد التاريخية والروائية، قد حظيت بقبول الأمة الإسلامية. حتى أن الإمام علي عليه السلام قد أيد هذه المسألة، وهو ما ورد في المصادر الحديثية والتاريخية [3]. كما يعتقد أن سبب جمع القرآن في عهد الخليفة عثمان كان رغبته في امتلاك نسخة شخصية مدونة من القرآن مثل سائر الصحابة، وليس بهدف تحديد نسخة معينة لجميع الناس. (Gilliot, 2008: 644)
٣-١-١. الرد على شبهات جيليو
في نظر الكاتب، هذا الادعاء بأن ابن مسعود لم يكن موافقًا على نسخة عثمان، بدليل امتناعه عن تسليم نسخته لعثمان ليحرقها، يُعد من موارد التشكيك في ثبوت تواتر القرآن وإبطال صحة تلاوته؛ لأنه وفقًا لرؤية المستشرقين، فإن القرآن الذي بين أيدينا اليوم ليس محل اطمئنان، وعدد رواته لم يبلغ حد التواتر. وكما شكك المستشرقون سابقًا في المجموعة التي كُلفت بجمع القرآن الكريم، واعتقدوا أن هذا العمل لم يُسند إليهم لأهليتهم وكفاءتهم، بل لأسباب أخرى كانت وراء هذا التعيين.
هذا الادعاء باطل لعدة أسباب، منها:
١- قال عبد الله بن مسعود: «يا معشر المسلمين، كيف أُعزل عن كتابة المصحف ويتولاه رجل والله أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر؟». (الترمذي، 1996: رواية 3104) يعتقد جيليو أن ابن مسعود كان يقصد زيد بن ثابت، ولهذا السبب امتنع عن تسليم نسخته من القرآن لعثمان. ولكن يجب أن نعلم أن هذه المسألة لا تدل على عدم جواز جمع القرآن في نسخة واحدة، ولا على إنكاره لمصحف عثمان أو التشكيك في صحته، بل لأن ابن مسعود كان يظن أنه بسبب سابقته في الإسلام ومكانته في علم القراءة وتلقي القرآن من فم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان أجدر من زيد بن ثابت بجمع القرآن. وقد قال هذا الكلام من شدة الغضب، ولكن عندما ذهب غضبه، أدرك صحة اختيار عثمان لزيد وأصحابه، وتراجع عن كلامه فيما بعد. فكلامه لا يعيب شخصية زيد بن ثابت بأي نقص أو ضعف؛ لأنه قد يُترك شخص ذو مكانة أعلى ويُختار شخص آخر تتوفر فيه الحد الأدنى من شروط العمل الموكل إليه. (الزرقاني، دون تاريخ: 1/283)
٢- الجدير بالذكر أن اختيار عثمان لزيد بن ثابت يمكن أن يكون بسبب خصائص جعلته أهلاً لهذه المهمة الجليلة؛ خصائص مثل الشباب الذي يستلزم القوة والصبر والمثابرة، والعقل، والأمانة، والتوثيق، الذي هو أهم صفة وبها يتحقق الاعتماد والاطمئنان. بالإضافة إلى كونه كاتب الوحي، وكل هذه الخصائص لا تدل بالضرورة على تفوق شخصيته على سائر الصحابة، بل تدل على كفاءته لهذه المهمة. (في هذا السياق انظر: أبو شهبة، 1407: 1/286)
٣- ما رُوي عن عبد الله بن مسعود بشأن موقفه من مصحف عثمان، لا يدل إلا على شدة تمسكه بالقراءة التي تعلمها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. حتى أن البعض يعتقد أنه في ذلك الوقت لم يكن قد اطلع بعد على إجماع الصحابة المقربين من عثمان على كتابة «القرآن الإمام» أي القرآن الرسمي في العالم الإسلامي وفقًا لآخر أسلوب للتلاوة، وهذا التمسك منه لا يخدش في صحة عمل عثمان. (أبو ليلة، 1423: 175) وبعد أن اطلع، لم يبد أي معارضة أخرى.
٤- إن رأي ابن مسعود ومعارضته لتوحيد القراءات لا يدل على بطلان تواتر القرآن؛ لأنه في التواتر، لإثبات صحة نقل الرواة لرواية ما، يكفي أن تُنقل تلك الرواية عن جمع غفير يستحيل تواطؤهم على الكذب عقلاً، وليس من شروط ثبوت التواتر ألا يعارضها أحد. (أبو شهبة، 1407: 1/428)
إن ادعاء جيليو بأن «السنة النبوية» تميل إلى تأييد فكرة أن هذه النسخة من القرآن قد حظيت بقبول الأمة الإسلامية هو ادعاء غير مقبول؛ لأن السنة النبوية لا تميل، دون دليل، إلى تأييد فكرة الإجماع على النسخة العثمانية، بل إن فكرة الإجماع مؤيدة بالأحاديث الصحيحة التي أوردتها المصادر الحديثية المعتبرة وسائر الكتب المعتبرة في علوم القرآن والتاريخ والسيرة وغيرها.
كما أن هذا الادعاء بأن سبب جمع القرآن في زمن عثمان كان رغبته في امتلاك مصحف شخصي مثل سائر الصحابة، وأنه كان الوحيد الذي قرر إبطال نسخ القرآن الأخرى ولم يكن يريد توحيد النسخ، هو ادعاء غير قابل للقبول لعدة أسباب:
١- إن ما فعله عثمان، من جمع المسلمين على مصحف واحد وإحراق المصاحف الأخرى، كان برنامجًا ضروريًا لتسهيل حفظ القرآن وتلاوته، ودرء الفتن والاختلافات بين القراء؛ إذ لم يعارضه أي من الصحابة عند الجمع، ولم يعترض عليه أحد بسبب إحراق النسخ الأخرى، حتى أنه لم يأمر بكتابة نسخة منسوبة إليه وبمحفوظاته وآرائه، بل شكل مجموعة من كبار الصحابة لهذا العمل، وهم: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الحارث بن هشام. (القطان، 1435: 613) وخلافًا لما يظنه البعض، لم يستبدل عثمان أي قراءة بقرآن آخر، بل إن العمل الذي قامت به هذه المجموعة بأمره كان توحيد لهجات القراءة في القرآن الكريم؛ لأن القرآن نزل بلهجات عربية مختلفة تسهيلاً لحفظه وتلاوته، ولكن بعد سنوات استقر حفظ القرآن ورسخ، فوحّد عثمان الناس على قراءة واحدة، ولهذا الأمر، لم يأمر بإبطال القراءات الأخرى، بل أحرق نسخ القرآن الأخرى باستثناء نسخة واحدة أجمعوا عليها جميعًا. في الحقيقة، لقد قام بهذا العمل بموافقة الصحابة.
لذلك، فإن كلام البعض مثل الحارث المحاسبي الذي يعتقد أن عثمان كان يسعى للقضاء على سائر القراءات، لا يبدو صحيحًا. يكتب المحاسبي: «المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنما حمل الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار، لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن، فأما السابق إلى جمع الجملة فهو أبو بكر… وقد قال علي: لو وليت لعملت بالمصاحف الذي عمل بها عثمان». (السيوطي، 1394: 1/211)
٢- الشك في صحة روايات المسلمين في مسألة جمع القرآن وإثبات التناقضات الموجودة في هذه الفئة من الروايات، أمر مشترك بين جميع المستشرقين. على الرغم من أن روايات جمع القرآن كثيرة، وبين هذه الروايات، بعضها في أعلى درجات الصحة وبعضها أقل صحة، وبعضها ضعيف أو حتى موضوع، إلا أن المنهج العلمي يقتضي قبول الروايات الصحيحة وترك الروايات الضعيفة والموضوعة، وحتى في حال وجود تعارض ظاهري بين الروايات الصحيحة، يتم التوفيق بين عدة روايات صحيحة. يشكك بعض المستشرقين في الكثير من روايات جمع القرآن؛ مثل تشكيك كتاني وشوالي وبروكلمان في صحة واقعة اليمامة، التي كانت الدافع لجمع القرآن في زمن أبي بكر وقد وردت في المصادر الحديثية. (البخاري، 1422: 6/183) على الأقل، جزء من الروايات المتعلقة بجمع القرآن صحيح ولا يقبل التشكيك. هذه الروايات، تنتهي إلى حقيقة قاطعة وهي أن القرآن كُتب في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واستُخدمت كل الإمكانيات والوسائل الوقائية الممكنة لحماية نص القرآن وسلامة نقله، ووجود القرآن مطابقًا للنص المنزل حتى يومنا هذا هو خير عظيم يدل على سعي المسلمين لحفظ القرآن بعد حفظ الله له. (أبو ليلة، 1423: 168) باختصار، آراء جيليو حول روايات جمع القرآن تُطرح عمومًا لإثارة الشك والتردد وطرح الخلافات والفرضيات.
٣- للأسف، يصف كلود جيليو النسخة النهائية العثمانية لنص القرآن بكلمة «la vulgate othmanienne»، وفي هذه الكلمات، استُخدمت مصطلحات يهودية ونصرانية متعارف عليها للقرآن وأسمائه وتاريخه، وهو أمر يستحق التأمل. سبب هذا العمل هو إظهار ادعاء الأصل غير العربي للقرآن بشكل صحيح. وقد طرح هذا الادعاء في بحث بعنوان «Le Coran, production littéraire de l’Antiquité tardive ou Mahomet interprète» في «lectionnaire arabe» de La Mecque بهذا الشكل: «القرآن في الأصل هو «قريانة»، والقريانات كانت كتيبات يجمع فيها السريان نصوصًا مختلفة من كتابهم المقدس لاستخدامها في عباداتهم، وهذه القريانة، سُميت خطأً في العربية «قرآنًا»، وهو ما أوجده محمد ومعاونوه من نصوص مختارة من أسفار كتب اليهود والنصارى المقدسة وغيرهم لاستخدامها في العبادات.» (عوض، 1437: 6، تاريخ الوصول: 23/11/1401) [4]
أولئك الذين يدرسون تاريخ أبحاث الاستشراق الفرنسي، يلاحظون أنهم في مجال دراسة القرآن، استخدموا العديد من مصطلحاتهم الدراسية المتعلقة بالإنجيل. على سبيل المثال، كلمة «coran» لا تعني «القرآن الكريم» الذي تُعتبر تلاوته عبادة، بل المقصود بها «المصحف»، وكلمة «Corpus coranique» غالبًا ما تعني «النص»، و«Vulgate» تعني «النسخة»، وإطلاق اسم «La vulgate» على النسخة النهائية لنص القرآن من قبل جيليو، يدل على تعصبه المسيحي، وفي ثنايا هذا المصطلح، تكمن معانٍ كثيرة؛ لأن جيليو في الأصل كاهن دومينيكاني (أو من فرقة الوعاظ)، وهذا المصطلح يشير إلى أن القرآن مأخوذ من كتب اليهود والنصارى، وهذه تهمة كان المستشرقون القدامى يتشبثون بها، ونقلها المستشرقون اللاحقون. في الواقع، هذه هي نفس الشبهة التي كانوا يقولون بها إن النبي تعلم من رهبان اليهود والنصارى، بينما كيف يمكن للنبي أن يكون على علم بكتب لم يكن لدى رهبان اليهود والنصارى في ذلك الزمان علم كامل بها؟! القرآن لا ينفي وينكر فقط أن للنبي معلمًا، بل إنه بمصداق هذه الآية، يعتبر نفسه منافسًا ومهيمنًا على التوراة والإنجيل: «وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ» (المائدة: 48).
٣-٢. التغييرات التي طرأت على النص
يعتقد كلود جيليو أنه كانت هناك مشكلات مختلفة في قراءة النسخة العثمانية، مثل أن هذه النسخة كانت خالية من التشكيل وبعض الحروف المتحركة الطويلة، وما كان أخطر من الأمور المذكورة أعلاه ويسبب ارتباكًا في قراءة الكلمات، هو أن الخط العربي الأولي كان خاليًا من التنقيط. (Gilliot, 2008: 644)
وهو يعتقد أن أهم الإصلاحات التي طرأت على نص القرآن في عهد بني أمية تُنسب إلى الحجاج بن يوسف، الذي كان رجلاً قويًا في حكومة الأمويين في ذلك الزمان، وفي رأي البعض، كانت هذه الإصلاحات تقتصر على تصحيح بعض القراءات الناقصة أو ترتيب الآيات وحتى السور، وأن الحجاج بن يوسف، بسبب تنقيط نص القرآن، كان له نصيب أكبر من غيره في تحسين كتابة (هجاء) نص القرآن. ويعتقد أنه على الرغم من وجود تناقضات، فإن فترة حكم عبد الملك بن مروان كانت لحظات مصيرية لتشكيل نصوص القرآن التي وصلت إلينا اليوم. (نفس المصدر)
٣-٢-١. الرد على شبهات جيليو
في نظر الكاتب، لا ضرورة للدخول في باب الرد على شبهات القراءات القرآنية وأن رسم الخط القرآني هو سبب ظهورها؛ لأن العديد من مفكري العالم الإسلامي قد كتبوا في هذا المجال. (شلبي، 1419؛ القاضي، 2005؛ الكردي، 1365؛ حمودة، 1948) أما هذا الادعاء بأن أهم الإصلاحات التي جرت على النص القرآني في عهد بني أمية تُنسب إلى الحجاج بن يوسف ووصفه بأنه رجل قوي في حكومة الأمويين في ذلك الوقت، فهو إشارة إلى أن الحجاج بن يوسف استغل قضية تنقيط القرآن لإلزام الناس باستخدام مصحف واحد، استغلالاً سياسياً. يظنون أن الحجاج بن يوسف في عهد بني أمية أبقى على مصحف واحد فقط، وفي ذلك المصحف أيضاً أزال الكثير مما نزل وأضاف إليه أشياء أخرى لم تكن فيه، وعلى أساس ذلك، كتب ستة مصاحف جديدة حسب رغبته وأرسلها إلى مصر والشام ومكة والمدينة والبصرة والكوفة. (الزرقاني، دون تاريخ: 1/264) في الرد يجب القول: كل المسائل والقصص التي قيلت، لا دليل ولا مستند على صحتها، وحتى لو افترضنا أن الحجاج كان يمتلك تلك القوة والسطوة التي مكنته من إحداث تغيير كبير في القرآن وإسكات جميع المسلمين، فما الذي أسكت المسلمين بعد موت الحجاج؟ إذا كان الحجاج قد تمكن من السيطرة على المصاحف وجعلها لعبة في يده وأضاف إليها أو حذف منها ما يشاء، فكيف تمكن من السيطرة على قلوب آلاف الحفاظ الذين كانوا في ذلك العصر ليمحو ما يشاء من أذهانهم وحوافظهم ويسجل فيها أموراً أخرى؟ (نفس المصدر، 274) توجد شواهد تاريخية كثيرة تخالف هذه المسألة. حتى أنه لا يوجد دليل واضح واحد على أن الحجاج قد جمع مصاحف القرآن، فما بالك بأنه قد نقص منها أو زاد فيها شيئاً. هو لم يكتب بنفسه حتى مصحفاً واحداً، بل أمر بعض الخبراء والمتخصصين بهذا العمل، وهذه الواقعة معروفة ومشهورة في المصادر الإسلامية. (نفس المصدر، 407)
٣-٣. مصاحف الصحابة والخلافات القرآنية (القراءات القرآنية)
يخلق كلود جيليو في ذهن القارئ هذا التصور الباطل بأنه يستدل من مصادر المسلمين؛ حيث يذكر أن السنة النبوية (la tradition musulmane) تشير إلى وجود حوالي خمسة عشر نصًا من نصوص القرآن الأصلية وعشرات النصوص الفرعية قبل النسخة العثمانية، بينما لم يصلنا أي مكتوب من هذه النصوص حتى عصرنا. ثم يدعي كلود أنه قبل النسخة العثمانية، كانت هناك طرق أخرى لتلاوة نصوص القرآن تختلف عن طريقة تلاوة النسخة النهائية للقرآن وقد اندثرت.
في رأيه، بعد أن حظيت النسخة العثمانية للقرآن بقبول نهائي من قبل المسلمين في حوالي منتصف القرن التاسع الميلادي، تشكلت مجموعة باسم «une hiérarchie» (التنظيم الهرمي للعناصر حسب الحجم والقيمة) أو «التسلسل الهرمي» بين جمعيات القراءة، وهذه المجموعة تكشف عن قائمة تضم سبعة أنواع من القراءات القرآنية (أو سبعة قراء)، وقد عين العلماء بالإجماع رؤساء مدارس القراء (Chefs d’école) من بينهم وفقًا لقيمتهم. ويذكر كلود أيضًا أنه خلال هذه الفترة الزمنية نفسها، حُكم على مفسرين اثنين هما ابن مقسم (934م) وابن شنبوذ (935م)، من قبل الحكومة بسبب القراءة بأساليب غير معتمدة. (Gilliot, 2008: 645)
٣-٣-١. الرد على شبهات جيليو
في نظر الكاتب، يبدو من كلام كلود أنه لم يكن على علم بآثار ابن مجاهد (324هـ)، بينما كلما ذُكر اسم القراءات السبع، يُذكر اسمه أيضًا؛ لأنه أول شخص قسّم القراءات إلى سبعة أقسام بناءً على مجموعة من الضوابط والقواعد في كتاب «السبعة في القراءات».
هذا العمل لم يتم بناءً على أي اتفاق بين العلماء على قائمة من القراءات، بناءً على درجة استحقاقها وقيمتها بين الناس. على الرغم من أن علماء القراءة، مثل غيرهم، كان لديهم معيار ومقياس خاص للاختيار، إلا أن الشخص الذي تمكن بعد بحث طويل من الوصول إلى هذه المعايير هو ابن مجاهد، ونتيجة لذلك، تم اختيار سبعة قراء كانت قراءاتهم، وفقًا لمعايير القراءة، نموذجية وصحيحة؛ لأن القراءات الصحيحة كانت قد اختلطت لفترة طويلة بالقراءات غير الصحيحة، وقد اقتدى ابن مجاهد بعمل الصحابة في مجال جمع القرآن وتوحيد المصاحف. اختيار هؤلاء القراء السبعة الذين اكتفى بهم ابن مجاهد كان بسبب فضائلهم الأخلاقية التي جعلتهم يستحقون التفوق على معاصريهم. (الزركشي، 1376: 1/329)
كما أن أيًا من كتب علوم القرآن، وكتب القراءات، والمؤلفات التاريخية والسير، لم تذكر مجموعة من العلماء تحدثت عن تحديد سبعة قراء بحيث يكون على رأس كل مدرسة قارئ. أول شخص اكتفى بهؤلاء السبعة هو أبو بكر بن مجاهد في عام 300 هـ، وتبعه الناس في ذلك، وأضاف المحققون اللاحقون مثل البغوي في تفسيره إلى هؤلاء السبعة ثلاثة آخرين، وهم: يعقوب الحضرمي، وخلف، وأبو جعفر بن قعقاع المدني. (نفس المصدر، 330)
أما أن يذكر كلود جيليو قصة ابن مقسم وابن شنبوذ أثناء الحديث عن منشأ القراءات المتواترة وتوثيق نص القرآن، فهذا نوع من إثارة الشك. لقد اختار المستشرقون هاتين القراءتين فقط لإثارة الشك في كل القراءات، وبالنسبة لهم، لا فرق بين القراءات. قصة ابن شنبوذ [5] كما وردت في كتب السيرة، هي أنه اختار لنفسه كلمات من بين القراءات الشاذة والنادرة التي تخالف الرسم الخطي الأصلي للقرآن، وجمعها من مصحف أبي بن كعب ومصحف عبد الله بن مسعود وغيرهما، وكان يتلوها في المحراب أثناء الصلاة مخالفًا لعامة القراء. وبسبب قراءة هذه الكلمات النادرة والشاذة، أُجبر ابن شنبوذ على التوبة والرجوع. (الذهبي، 1417: 159)
كذلك ابن مقسم العطار، وهو محمد بن الحسن بن يعقوب أبو بكر البغدادي، القارئ والنحوي (354هـ)، من أحفظ علماء النحو الكوفيين في زمانه، وأعرفهم بالقراءات المشهورة والغريبة والنادرة، كان نظير ابن شنبوذ في مجال القراءات الشاذة (نفس المصدر، 173)، واتبع مذهب ابن شنبوذ، وهذا الشنبوذ هو نفسه الذي كُذّب، ثم هاجمه الناس. التهمة التي وُجهت إليه كانت أنه هو أيضًا لجأ إلى كلمات من القرآن تخالف الإجماع وقرأها وعلّمها للناس بشرط أن تكون مقبولة من حيث اللغة والأدب العربي. فكان يوافق على القراءة المطابقة لرسم المصحف الأصلي، ويعارض القراءة المستندة إلى حديث أو رواية. ولهذا السبب، عُقدت له محاكمة بحضور الفقهاء والقراء، وأُجبر هو أيضًا مثل ابن شنبوذ على التوبة. (نفس المصدر، 174)
في نظر الكاتب، كانت معاقبة ابن شنبوذ وابن مقسم بسبب إجازتهما العلنية لقراءة القرآن وفقًا للقراءات الشاذة، والاعتقاد بأن القراءات تابعة للرسم الخطي، وهذه المسألة لها مستندات في التاريخ. ويبدو أيضًا أن جيليو وسابقيه، على الرغم من أنهم كانوا يعلمون بالتأكيد أنه قد عُقدت لهذين الشخصين محاكمة وعُوقبا وأُجبرا على التوبة، إلا أنهم استخدموا انحراف هذين الشخصين كفرصة مناسبة للتشكيك في قدسية القرآن الكريم والقراءات. للأسف، استند جيليو إلى مسألة اختلاف النسخ واختفاء مصاحف الصحابة، ليدعي أن مصاحف الصحابة، خاصة تلك التي كانت تحتوي على قراءات شاذة، يمكن أن تكون دليلاً على عدم تواتر نص القرآن والاطمئنان إلى متنه. ولكن في الرد عليه يجب القول: إن الاختلاف في مصاحف الصحابة، اليوم من وجهة نظر المحققين المسلمين، أمر طبيعي؛ لأنه بعد أن أمر عثمان بإحراقها بحضور الصحابة وبموافقتهم، لم يبق من تلك المصاحف شيء. كما أنه ليس من المناسب مقارنة مصاحف الصحابة التي جمعوها لأنفسهم ووفقًا لظروف خاصة، بمصحف عثمان الذي أجمعت عليه الأمة كلها رسميًا؛ لأنهم لم يلزموا أنفسهم بجمع كل القرآن وترتيبه بشكل موحد، بل كل واحد منهم، بقدر ما تيسر له، قام بجمعه وترتيبه. تلك المصاحف كان أصحابها قد كتبوها لأنفسهم، وكان لمعظمها قيود خاصة بها، شملت روايات فردية وروايات شاذة ونادرة وآيات منسوخة التلاوة (وفقًا لقول أهل السنة)؛ بالإضافة إلى أن بعضها كان يحتوي على تفاسير وشروحات مختلفة سمعوها هم أنفسهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا حريصين على الاحتفاظ بها، للاستعانة بها في فهم معاني آيات القرآن.
٣-٤. انتقادات المسلمين تجاه النسخة الموحدة للقرآن
يدعي كلود جيليو أن بعض العلماء المسلمين خلال القرون الثلاثة الأولى للإسلام كانوا ينتقدون بشدة النسخة العثمانية، وهذه الانتقادات بدأت أولاً من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين كان لديهم نص خاص من القرآن. كما يصرح بعض المسلمين بأن جزءًا من القرآن غير أصلي وموضوع لأسباب دينية وأخلاقية، ويعتقدون أن سورة يوسف قد أُدخلت حديثًا على القرآن.
ويدعي جيليو أن من أقوى الاتهامات وأكثرها تلاعبًا وتزويرًا يتعلق بالمحتويات التي وُجدت في مصادر الشيعة قبل منتصف القرن العاشر الميلادي. يقولون إن عليًا عليه السلام هو الخليفة الشرعي لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الشخص الوحيد الذي يملك الأهلية للمراجعة الكاملة لآيات الوحي التي أتى بها محمد، ولكن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستيلاء أعداء علي عليه السلام (أبو بكر، عمر و…) على السلطة، رُفضت نسخة علي بن أبي طالب عليه السلام، لاحتوائها على تمجيد ومديح صريح لعلي وأنصاره وتقريع لأعدائه. (Gilliot, 2008: 646)
٣-٤-١. الرد على شبهات جيليو
في نظر الكاتب، هذه الادعاءات لا تستند إلى أي دليل؛ لأنها ادعاءات بعض الشيعة المتطرفين والأخباريين الذين لا مكانة لهم في المجتمع العلمي الشيعي، ولهذا السبب نرى أن معظم مفكري الشيعة يتبرأون من هذه الخرافات ولا يعتقدون أن نص القرآن الكريم قد تعرض للتغيير والتحريف. كما أن معظم علماء أهل السنة، غير الحشوية والظاهرية، قد ردوا بكل جهودهم على هذه المطالب الموضوعة والمحتويات التي يستخدمها الغربيون كأداة للتشكيك في مصداقية القرآن الرسمي. [6]
الخاتمة
١- من خلال ما سبق، اتضح أن كلود جيليو، حسب زعمه، وباستناده إلى مصادر المسلمين، قد أثار قضايا تتعلق بتاريخ نص القرآن واعتباره.
٢- التناقضات التي نُقلت في المصادر الإسلامية بشأن القضايا المتعلقة بنص القرآن، لا تزال تمثل فرصة له وللباحثين الغربيين لإعادة بناء هيكل تاريخ القرآن بالشكل الذي يرغبون فيه، بحيث تستمر شبهاتهم في التدفق.
٣- تشير مباحث جيليو إلى أنه يعتقد بتأثر نص القرآن بالظروف الخارجية لعصر النزول وتدوين القرآن، وهي سمة عامة للمستشرقين في هذا المجال. هذا الاعتقاد الخاطئ يستند إلى أن القرآن تأثر بالكتب السماوية الأخرى. وقد رفض المصدر الإلهي للقرآن ويعتقد أن اليهودية والمسيحية، بشكل خاص، قد تغلغلتا في نص القرآن وتعاليمه، وأن الخطاب السائد في بيانات جيليو، يحتوي على المصطلحات الشائعة في كتب اليهود والنصارى.
٤- من خلال دراسة المصادر التي استخدمها جيليو، يمكن استنتاج أن جميع مصادره هي نفس مصادر المستشرقين السابقين، وإذا نظرنا بدقة إلى مصادره ومستنداته، نجد أنه على الرغم من وجود العديد من الكتب المعتبرة في مجالات علوم القرآن، وعلم القراءة، والتفسير وغيرها، إلا أنه للأسف قد استخدم بكثرة كتابي «Geschichte des Qorans» (تاريخ القرآن) و«Remarques critiques sur le style du coran» (ملاحظات نقدية حول أسلوب القرآن) لثيودور نولدكه، وكذلك كتاب «introduction au coran» (مقدمة في القرآن) لريجي بلاشير، وكتاب «materials for the history of the text of the qur’an» (مصادر تاريخ القرآن) لآرثر جيفري، وهذا الأمر أدى إلى طرح أحكام مغرضة ونتائج خاطئة ومغلوطة.
٥- كذلك، من خلال طريقة تعامل كلود جيليو مع المصادر الإسلامية، يتضح أنه يتعمد اختيار الروايات والقصص الضعيفة والشاذة أو التي لا سند لها والناقصة من المصادر العربية لإثارة الخلافات في المجتمع الإسلامي، ووضع الروايات في مواجهة بعضها البعض، والتشكيك في مصداقية نص القرآن، وخاصة فيما يتعلق بتاريخ جمع القرآن، ومثال ذلك، قصة امتناع ابن مسعود، وقصص ابن شنبوذ وابن مقسم، وهذا هو الأسلوب العام والشائع للمستشرقين في الدراسات القرآنية.
٦- إن تقييد المصادر ونوعها في أبحاث الاستشراق، قد تحول إلى نوع من التقليد والعادة، ونتج عنه أن نفس الشبهات التي طرحها المستشرقون الأوائل، يعيد المستشرقون اللاحقون طرحها، ويقومون بهذا العمل من خلال الإشارة إلى نفس المصادر ثم نفس الاستنتاجات والفرضيات؛ على الرغم من أن أسلوب الكتابة والأسماء تتغير ولا يُعثر على أشياء جديدة في كتبهم. لقد لجأ جيليو إلى طرح نفس النظريات بشكل جديد وأعطاها لونًا وزخرفًا علميًا جديدًا، ووضع لها إطارًا بحيث يجذب القارئ بسهولة.
٧- إن صحة مناهج البحث تعود إلى المصادر الأصلية والمعتبرة؛ لأنه فقط بهذه الطريقة يمكن اكتشاف حقيقة علمية وأدلتها، والقرآن أيضًا قد جُمع في النهاية بدقة وفقًا لمنهج علمي قوي ومحكم وموثوق.
الهوامش
1. لكلود جيليو مقالة في هذا الموضوع بعنوان «Langue et coran, une lecture syroaramé ene du coran».
2. كلمة (vulgate) هي الترجمة اللاتينية للكتاب المقدس، ويشرحها جيليو في حاشية مقالته على النحو التالي: إنها النسخة النهائية لنص القرآن؛ تعبيره هو: « la version (coranique) dé finitive du texte». (انظر: Gilliot, 2008: 644).
3. روى ابن أبي داود عن سويد بن غفلة أن علياً عليه السلام قال: «والله ما فعل عثمان في المصاحف شيئاً إلا عن ملأ منا. لقد استشارنا في القراءات وقال: بلغني أن بعضهم يقول قراءتي خير من قراءتك وهذا يكاد يكون كفراً. فقلت له (لعثمان): ما ترى؟ قال: أرى أن يقتصر الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف. فقلنا: نعم ما رأيت». (السيوطي، 1394: 1/170؛ السجستاني، 1423: 1/214؛ ابن الأثير، 1407: 3/112؛ ابن حجر، 2003: 4) أو في رواية أخرى قال: «لو وُلّيتُ أمر المصاحف لعملتُ فيها ما عمل عثمان». (ابن الجزري، دون تاريخ: 1/8؛ ابن الأثير، 1407: 3/112؛ السجستاني، 1423: 1/1).
4. فرقة دينية كاثوليكية تأسست عام 1215م. يتميز رجال هذه الفرقة بملابسهم البيضاء الطويلة عن سائر الرهبان الكاثوليك، وتظهر أبحاث كلود جيليو تعصبه. (في هذا السياق انظر: هرماس، 2011: 142).
5. هو محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت، أبو الحسن البغدادي (ت 328هـ)، كان شيخ القراء في بغداد. وهو أشهر من قال بالقراءات الشاذة. (الذهبي، 1417هـ: 156).
6. لمزيد من الاطلاع على آراء علماء الشيعة، انظر: الخوئي، البيان في تفسير القرآن و… وعلماء أهل السنة أيضًا كتبوا الكثير في هذا الشأن. بعضها ورد في أبواب الردة في كتب الفقه، وذكروا الأحكام المتعلقة بها، وبعضها كُتب ردًا على الملحدين، وبعضها ورد في كتب عقائد أهل السنة في باب بيان مكانة القرآن.