الملخص
تُعَدُّ مفردتا «زينتهن» و«ما ظهر منها» في الآية 31 من سورة النور من الكلمات المحورية والمؤثرة في مبحث الحجاب ومواضع الستر والمواضع المستثناة، والتي أدت بسبب بعض الإبهامات المفاهيمية والمصداقية إلى ظهور آراء مختلفة حول وجوب الحجاب وعدمه، ومواضع الستر الواجب ومستثنياتها. يهدف هذا المقال إلى تبيين مفهوم ومصداق هاتين الكلمتين، وقد عالجهما بالمنهج التحليلي-التفسيري، وتوصل إلى نتيجة مفادها أنه على الرغم من أن كلمة «الزينة» في اللغة تختص بالزينات العارضة، إلا أنها في الاستعمالات القرآنية تشمل الزينات الذاتية والعارضة وتُطلق على جسد المرأة أيضاً. كما أن المقصود بـ«ما ظهر منها» هو الزينات التي لا تُستر عادةً وطبيعياً، لا الأعضاء التي تظهر عرضاً وبغير إرادة، ولا خصوص الساق أو الثياب أو الأعضاء الظاهرة في أصل الخلقة. وبناءً على ذلك، فإن مصاديق «زينتهن» (زينة النساء) هي: جسد المرأة، الحُليّ، الثياب، والأصباغ والدهون التجميلية. أما مصاديق «ما ظهر منها» فهي: الوجه والكفان وما عليهما من زينة، وهي مستثناة من حرمة الإبداء.
المقدمة
تعتبر الآية 31 من سورة النور أهم آية في موضوع الحجاب في القرآن الكريم، حيث بُيِّن فيها بالتفصيل أصل وجوب الحجاب، ومواضع وجوب الستر، والمواضع المستثناة من وجوب الستر.
من التعابير المحورية في هذه الآية كلمة «زينتهُنَّ»، التي بالرغم من دورها المحوري في تحديد مواضع الستر والمواضع المستثناة، فقد قُدِّمت تفاسير مختلفة لهذا التعبير بسبب الإبهام في مفهومه ومصداقه، وبالتالي ذُكرت له مصاديق مختلفة.
فبعضهم فسّرها بالأشياء التي تتزين بها النساء وحصروا مصاديقها في الزينة العارضة، بينما اعتبرها آخرون أعم من الزينات العارضة والجمال الذاتي والخلقي.
أما التعبير الآخر فهو «ما ظهر منها»، الذي وقع فيه الاختلاف أيضاً في المعنى والمصداق. فبعضهم فسّره بالزينات التي تظهر اتفاقاً وبغير إرادة (محقق داماد، 1416هـ: 1/351)، وبعضهم فسّره بالزينات التي لا تُستر في العرف والعادة بشكل طبيعي، مما يؤدي بالطبع إلى اختلاف مصاديقها.
وقد بحث المفسرون في ذيل الآيات التي وردت فيها كلمة «زينة» أو مشتقاتها، في مفهوم ومصداق كلمة الزينة بالجملة (الطبرسي، 1372ش: 2/540، 5/195 و223؛ الطباطبائي، د.ت: 7/315، 10/115، 19/164).
كما قدّم بعض الفقهاء في بحث الستر توضيحات حول مفهوم ومصداق الزينة (محقق داماد، 1416هـ: 1/353؛ فاضل لنكراني، 1408هـ: 570؛ سيفي مازندراني، 1417هـ: 45).
إضافة إلى ذلك، نُشر مقال بعنوان «دراسة تفسيرية فقهية لآية (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا): مقاربات تاريخية، شواهد حديثية» (إيرواني، 1395ش: 19-42)، طُرحت فيه الاحتمالات المختلفة في مصداق «ما ظهر منها» وتمت دراستها، ولكن لم يُبحث في مفهوم ومصداق «زينتهن» بحثاً جديراً بالاهتمام، مع أن الإبهام الأساسي في الآية يكمن في مفهوم ومصداق «زينتهن»، والذي برفعه يرتفع إلى حد كبير الإبهام في «ما ظهر منها» أيضاً.
من هنا، فإن هذا البحث، سعياً لرفع الإبهام عن هذين التعبيرين، يتناول في الخطوة الأولى دراستهما لغوياً، ويدرس مفهوم ومصداق كلمة «زينة» في كتب اللغة والقرآن، وفي الخطوة الثانية، يدرس مفهوم ومصداق «زينتهن» و«مَا ظَهَرَ مِنْهَا» في القرآن ويوضح مصاديقهما وينقد الآراء المخالفة.
1. دراسة مفهوم «الزينة» والكلمات المشابهة
قبل دراسة مفهوم «زينتهن»، لا بد من دراسة مفهوم كلمة «زينة» والكلمات المشابهة في اللغة والقرآن.
1-1. الزينة في اللغة
كلمة «زينة» على وزن «فعلة»، لها ثلاثة استعمالات: مصدر، واسم مصدر، واسم ذات. في الاستعمال المصدري تأتي بمعنى تزيين الشيء وتجميله بشيء آخر (الزبيدي، د.ت: 18/267). وفي استعمال اسم المصدر تأتي بمعنى الزينة والجمال (الحميري، 1420هـ: 1/2882)، وفي الاستعمال الاسمي، هي اسم للأشياء التي يتزين بها الإنسان نفسه أو أشياء أخرى. قال ابن سيده: «الزينة اسم جامع لما تُزين به» (ابن سيده، 1421هـ: 9/92). وأضاف بعضهم كلمة «كل» إلى معنى الزينة فقالوا: «اسم جامع لكل شيء يتزين به» (الأزهري، 1422هـ: 13/174؛ الجوهري، 1418هـ: 5/2132؛ الفراهيدي، 1995م: 7/387؛ ابن دريد، د.ت: 2/831؛ الصاحب بن عباد، 1414هـ: 9/94؛ الشرتوني، 1403هـ: 1/485).
بناءً على ذلك، فإن «الزينة» من الناحية الصرفية مشتركة بين ثلاثة أبنية: مصدر بمعنى التزيين، واسم مصدر بمعنى الجمال والجاذبية، واسم جنس للأشياء التي بإضافتها إلى أشياء أخرى تجعلها جميلة؛ مثل الجواهر والملابس الفاخرة.
«الزينة» في معنى اسم المصدر قريبة من معنى كلمة «الجمال»، وفي معنى اسم الذات قريبة من معنى كلمة «الحلية». لفهم أفضل لمفهوم ومصداق الزينة، نوضح معنى هاتين الكلمتين والفرق بينهما وبين معنى الزينة.
كلمة «جمال» مصدر «جَمُلَ يَجْمُلُ»، بمعنى البهاء والحسن (الفراهيدي، 1995م: 6/142)، وهي ضد القبح (ابن دريد، د.ت: 1/491)، والجمال والحسن في الخلقة والسيرة (الفيروزآبادي، 1407هـ: 3/480؛ ابن سيده، 1421هـ: 7/450). على هذا الأساس، كلمة «جمال» تعني الجمال والوجاهة الذاتية، لا الوجاهة المكتسبة التي تحصل بالإضافة. وعليه، فإن كلمة «جمال» و«زينة» في المعنى المصدري واسم المصدر متطابقتان تقريباً، والفرق يكمن في أن «الجمال» يختص بالجمال الخَلْقي والذاتي، و«الزينة» تختص بالجمال المكتسب (مصباح يزدي، 1391ش: 2/248).
كلمة «الحَلْي» و«الحِلية» اسم جنس للجواهر والأحجار الكريمة التي يُزيَّن بها الإنسان والأشياء الأخرى مثل السيف والبيت والبقاع. قال ابن سيده: «الحَلْي: ما تُزَيَّنُ به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة» (ابن سيده، 1421هـ: 3/441؛ ابن الأثير، 1367ش: 1/435). وقد استُعملت هذه الكلمة في بعض الروايات بمعنى مصدري، أي التزيين، مثل: «سَأَلْتُ أَبا عبد الله (ع) عَنْ حِلْيَةِ النِّسَاءِ بِالذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ فَقَالَ لَا بَأْسَ» (الكليني، 1407هـ: 6/475).
كلمة «حلية» مثل «زينة» تُستخدم في زينة الإنسان وغيره. في شأن الإنسان، مثل: «كَانَ عَلِيُّ بنُ الْحُسَينِ (ع) يُحَلِّي وُلْدَهُ وَ نِسَاءَهُ بِالذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ» (الكليني، 1407هـ: 6/475). وفي شأن زينة أهل الجنة، ورد في القرآن: «يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ» (الكهف: 31)، «يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤًا» (الحج: 23). وفي شأن غير الإنسان، مثل: «لَيْسَ بِتَحْلِيَةِ السَّيفِ بَأْسٌ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» (الكليني، 1407هـ: 6/475).
الفرق بين «الزينة» و«الحلية» في الاستعمال الاسمي هو أن «الزينة» أعم مصداقاً؛ فهي تُطلق على التزين بالأحجار والمعادن الثمينة مثل العقيق والزبرجد والذهب والفضة، وكذلك على التزين بغيرها؛ مثل خضاب الشعر واليد والملابس الفاخرة. أما «الحلية» فتختص بالزينة بالجواهر والأحجار الكريمة، ولا تُستخدم في شأن اللون واللباس.
1-2. الزينة في القرآن
استُعملت الزينة في القرآن في أمور مختلفة:
1. الإنسان؛ مثل «الْمَالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» (الكهف: 46)، و«وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا» (النور: 31). وأعضاؤه؛ مثل «مَا ظَهَرَ مِنْهَا» التي فُسرت بوجه المرأة وكفيها (الطبرسي، 1370ش: 232؛ الكليني، 1407هـ: 5/520). والأشياء المتعلقة بالإنسان؛ مثل «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» (الأعراف: 31)، التي فُسرت باللباس. والآية: «فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» (القصص: 79)، والمقصود بالزينة جواهر قارون وأمواله.
2. المعتقدات القلبية للإنسان؛ مثل «وَ لَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ» (الحجرات: 7). في هذه الآية، جعل الله الإيمان مُزَيَّنًا (اسم مفعول)، أي متصفًا بصفة الزينة. فالإيمان للمؤمن جميل وجذاب بذاته. وفي الروايات، استُعملت كلمة الزينة في شأن الزهد (البرقي، 1371هـ: 1/291) وعقل الإنسان (الكراجكي، 1410هـ: 1/199).
3. الكائنات غير الإنسانية من حيوانات ونباتات وجمادات؛ مثل الخيل والبغال والحمير في آية «وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغَالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً» (النحل: 8)، والنجوم في آيات «إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ» (الصافات: 6)، و«وَ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ» (فصلت: 12)، و«وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ» (الملك: 5)، و«أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَ زَيَّنَّاهَا» (ق: 6)، و«وَ لَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَ زَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ» (الحجر: 16)، وكل ما على الأرض؛ «إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» (الكهف: 7)، و«حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَ ازَّيَّنَتْ» (يونس: 24).
يُستفاد من استعمالات الزينة ومشتقاتها الأخرى أن معنى الزينة (في الاستعمال الاسمي) في القرآن أعم من الزينة في اللغة من جهتين. الأولى: أنها تُطلق على الجمال المادي مثل المال والأموال، وعلى الجمال المعنوي مثل الدين والإيمان. الثانية: أنها تُستخدم في شأن الزينات العارضة المكتسبة، مثل الحلي، وفي شأن الزينات الذاتية والطبيعية، مثل أعضاء الإنسان وجسده.
2. مفهوم ومصداق والمراد من «زينتهن»
بعد أن تعرفنا على مفهوم الزينة في اللغة ومفهومها ومصداقها في الاستعمالات القرآنية، ندرس الآن مفهوم ومصداق كلمة «زينتهن» في الآية 31 من سورة النور.
2-1. مفهوم «زينتهن»
كلمة «زينتهن» مركب إضافي من كلمتين «زينة» و«هن»، وفي مفهومها ثلاثة احتمالات تبعًا لمعنى مضافها (زينة): الأول، بمعنى «تزيين النساء»؛ أي إضافة المصدر إلى الضمير «هن». الثاني، بمعنى «زينة النساء»؛ أي إضافة اسم المصدر إلى «هن». الثالث، بمعنى «أسباب ووسائل زينة النساء وجسدهن»؛ أي إضافة اسم الذات إلى الضمير «هن». وبناءً عليه، فإن كلمة «زينتهن» مشتركة بين ثلاثة مفاهيم:
1. تزيين النساء (معنى مصدري).
2. زينة النساء (معنى اسم المصدر).
3. حلي ومستلزمات زينة وجسد النساء (معنى اسمي).
إن جملة «إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا» و«لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ» دليل على تقسيم زينة النساء إلى قسمين: ظاهر وخفي، وقرينة على تعيين الاحتمال الثالث في مفهوم هذه الكلمة في الآية. وعليه، فإن «زينتهن» ليست بمعنى مصدري، ولا بمعنى اسم المصدر، بل هي اسم ذات.
2-2. مصداق «زينتهن»
«زينتهن» بمعنى «تزيين النساء» و«زينة النساء» ليس لها مصاديق متعددة ومختلفة، ولكن بالمعنى الثالث، أي «حلي ومستلزمات زينة وجسد النساء»، لها مصاديق كثيرة ومتنوعة تنقسم إلى قسمين: الأول، الزينات التي تكون خارج جسد المرأة وبإضافتها إليها تجعلها جميلة وجذابة، وتسمى الزينة العارضة أو المكتسبة. الثاني، جسد المرأة وأعضاؤها التي هي في نفسها جميلة وجذابة للرجال، وتسمى الزينة الذاتية أو الخلقية. وفي الروايات، ذُكرت مصاديق لكلا قسمي زينة النساء، نشير إليها فيما يلي.
2-2-1. المصاديق العارضة أو المكتسبة
بعض مصاديق «زينة النساء» العارضة التي وردت في الروايات هي: الخاتم، السوار، الكحل (الكليني، 1407هـ: 5/521)، الثياب، الكحل، الخاتم، خضاب الكف، والسوار (القمي، 1363ش: 2/101). في هذه الروايات، ذُكرت ثلاثة أنواع من المصاديق لزينة النساء، وكلها من الزينات المنفصلة: الأول، الحلي مثل الخاتم، والخلخال، والقرط، والسوار. الثاني، الثياب، ويبدو أن المقصود بها الثياب الفاخرة والثمينة كالحرير. والثالث، الأصباغ والدهون التجميلية مثل الخضاب والكحل.
2-2-2. المصاديق الذاتية
بعض مصاديق زينة النساء الذاتية التي وردت في الروايات هي: 1- الرقبة وما فوقها (الرأس والشعر)، 2- العضد وما تحته، 3- الساق وما تحته، 4- جميع أعضاء المرأة (القمي، 1363ش: 2/101). في رواية أخرى، عرّف الإمام الصادق (ع) الذراعين (من المرفق إلى أطراف الأصابع) وما تحت السوار وما تحت الخمار بأنها مصاديق لزينة المرأة (الكليني، 1407هـ: 5/520). وبناءً عليه، فإن المراد بـ«زينتهن» في الآية 31 من سورة النور هو الحلي، والثياب، والملابس، والأصباغ والدهون التجميلية، وأعضاء جسد المرأة.
الرد على بعض الإشكالات
قدّر بعض المفسرين في تفسير آية «لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا» كلمة «مواضع» وفسروها بـ«لا يبدين مواضع الزينة» وقالوا بوجود مجاز الحذف (الطبرسي، 1372ش: 5/223؛ الطباطبائي، د.ت: 15/111؛ المقدس الأردبيلي، د.ت: 543؛ الزمخشري، 1417هـ: 3/231). ظاهر هذا التفسير أن كلمة «الزينة» في نظر هؤلاء المفسرين هي اسم للحلي وأسباب ومستلزمات الزينة ولا تشمل أعضاء جسد المرأة.
نقد
1- على الرغم من أن «الزينة» في اللغة تُطلق على الجمال العارض، إلا أنها في الاستعمالات القرآنية والروائية استُخدمت في شأن الجمال الذاتي أيضاً. وعليه، فإن تعبير «زينتهن» يشمل أعضاء جسد المرأة ولا حاجة لتقدير كلمة «مواضع».
2- يعتقد البعض أن كلمة «الزينة» في الثقافة القرآنية استُخدمت في شأن «الزينات الطبيعية»، وأن الحلي النسائية ذُكرت في القرآن باسم «الحلية» التي لها جانب عارض مثل الثياب. وبالتالي، فإن زينة النساء في آية سورة النور هي نفسها الزينات الطبيعية الخلقية (البهبودي، 1369ش: 133-141).
3- كلمة «الزينة» في القرآن لا تختص بالزينات الطبيعية، بل استُخدمت في مواضع متعددة في الزينات العارضة؛ مثل «أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ» (طه: 87). وفي سورة الأعراف، عُبّر عن هذه الزينات نفسها بالحلية: «مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا» (الأعراف: 148). وهذا التعبير يدل أيضاً على أن الزينة والحلية في القرآن لهما معنى واحد. كذلك في آية «فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ» (القصص: 79)، مما لا شك فيه أن ما كان مع قارون وأثار شهوة الناس وتمنيهم له كان الذهب والحلي والثروة والترف، وليس جسده. وفي آية «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» (الأعراف: 31)، المقصود بـ«زينتكم» هو اللباس.
3. مفهوم ومصداق «ما ظهر منها»
يشير «ما ظهر» إلى مصاديق من زينة النساء تختلف حكمًا عن مصاديق «زينتهن» وليست محظورة الإظهار. وعليه، يجب البحث في مفهوم «ما ظهر» ومصاديقه.
3-1. مفهوم «ما ظهر»
«ما ظهر» مركب من «ما» الموصولة وصلتها، وهو بحكم الكلمة الواحدة (السيرافي، د.ت: 1/382)، بمعنى «الزينة الظاهرة»، وهي وصف لطائفة من زينات النساء في مقابل «الزينة الخفية». ويؤيد هذا المعنى شيئان: الأول، رواية عن الإمام الصادق (ع) أنه عبّر عن «ما ظهر منها» في هذه الآية وفسّرها بـ«الزِّينَةُ الظَّاهِرَةُ» (الكليني، 1407هـ: 5/521). الثاني، تفسير «مَا ظَهَرَ» في آية «مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ مَا بَطَنَ» (الأنعام: 151، الأعراف: 33) بأن المفسرين فسروها بـ«ظاهرها وباطنها» (الطبرسي، 1372ش: 4/590) و«ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَ بَاطِنَهُ» (الزمخشري، 1417هـ: 2/79).
يشير هذا العنوان إجمالاً إلى طائفة من زينات النساء التي لم تكن تُستر عادةً وطبيعياً في عرف نساء عصر النزول، وكانت في معرض رؤية الآخرين. ولهذا، فسّر بعض المفسرين «ما ظهر» بما يظهر في عرف وعادة المجتمع بشكل طبيعي (الزمخشري، 1417هـ: 3/231)، والمواضع التي يظهرها الإنسان عادةً، وهي في النساء الحرائر الوجه والكفان، وفي الإماء المواضع التي تظهر عند أداء العمل (نظام الأعرج، 1416هـ: 5/181). وفسّرها البعض الآخر بأن المواضع الظاهرة في النساء هي الوجه والكفان، وفي الرجال الوجه والكفان والقدمان (فخر الرازي، 1420هـ: 23/364).
3-2. مصاديق «ما ظهر»
يمكن الوصول إلى مصاديق هذه الطائفة من الزينات بطريقين: الأول، مراجعة عرف وعادة الناس في عصر النزول. الثاني، مراجعة الروايات الواردة في تفسير «ما ظهر منها».
3-2-1. العرف والعادة
في جميع الأقوام والأمم من الماضي إلى الحاضر، جرت العادة على أن الناس، رجالاً ونساءً، لا يغطون وجوههم وأيديهم بشكل طبيعي. هذان العضوان من الجسد لا يُغطيان عادةً في البرد والحر، في البيت والخارج، عند الأطفال والكبار. يُطلق على الجزء من جسد الإنسان الذي يكون عادةً عارياً من اللباس في اللغة العربية اسم «المعاري». والمعاري تعني الأرض التي لا ينبت فيها شيء وتكون خالية من الغطاء النباتي (دهخدا، 1377ش: مدخل معاري؛ ابن سيده، 1421هـ: 2/231). كما تُطلق على أعضاء جسد الإنسان التي لا تُغطى بشكل طبيعي (الفراهيدي، 1995م: 2/237؛ راغب أصفهاني، د.ت: 562). وقال الفيروزآبادي أيضاً: «المعاري: مواضع من بدن الإنسان تكون ظاهرة للآخرين» (الفيروزآبادي، 1407هـ: 4/406). وفي توضيح «معاري المرأة»، قال الأزهري: «معاري المرأة هي المواضع من بدنها التي تضطر إلى كشفها ولا تستطيع تغطيتها» (الأزهري، 1422هـ: 3/101). ويرى أكثر أهل اللغة (صاحب بن عباد، 1414هـ: 2/150؛ ابن سيده، 1421هـ: 2/231؛ الجوهري، 1418هـ: 6/2424) أن الوجه واليدين من مصاديق المعاري. وقد عرّف بعض أهل اللغة القدمين أيضاً كمصداق للمَعاري.
وقد عرّف الأصمعي، بالإضافة إلى اليدين، «الأطراف» و«الترائب» كمصاديق للمَعاري (الأزهري، 1422هـ: 3/102)، والمقصود بـ«الأطراف» اليدان والقدمان والرأس (الفيروزآبادي، 1407هـ: 3/226)، والمقصود بـ«الترائب» أسفل العنق، أي موضع القلادة (ابن سيده، 1421هـ: 9/480). وعليه، يُعد الرأس والشعر وأسفل العنق أيضاً من مصاديق المعاري حسب هذا النقل.
بالطبع، نقل الأزهري خبر واحد ومرسل. ومع ذلك، قد يكون وجه الجمع بين قول الأصمعي وسائر أهل اللغة في مصداق «مَا ظَهَرَ» أن مقصود الأصمعي من المعاري هو معاري النوع الإنساني الذي يشمل الرجال أيضاً، ولكن مقصود المعاري في نظر سائر أهل اللغة يخص صنف النساء، وقد صرح بعضهم بذلك وقالوا: «معارى المرأة: ما لا بد لها من إظهاره» (الأزهري، 1422هـ: 3/101). وقد أشار فخر الرازي في تفسير «مَا ظَهَرَ مِنْهَا» إلى وجه الجمع هذا وقال: «إلا ما يظهره الإنسان في العرف والعادة، وهذه الأعضاء في النساء هي الوجه والكفان، وفي الرجال أطراف البدن، أي الوجه واليدان والقدمان» (فخر الرازي، 1420هـ: 23/364).
3-2-1-1. الشواهد التاريخية
تشير بعض التقارير التاريخية إلى أن وجوه وأيدي النساء في عصر النزول كانت مكشوفة في المحافل العامة، وقد حدث هذا الأمر في بعض الحالات على مرأى ومسمع من النبي (ص) أو الإمام المعصوم (ع)، ولم يبدِ هؤلاء السادة أي رد فعل تجاه هذه المسألة ولم يأمروا النساء بتغطية أيديهن ووجوههن ولم ينهوهن عن ذلك. نشير الآن إلى بعض هذه الروايات تحت عنوانين: عدم تغطية الوجه، وعدم تغطية اليدين.
أ) عدم تغطية الوجه
1- يروي جابر بن عبد الله: خرج رسول الله (ص) من منزله وتوجه نحو منزل السيدة فاطمة (ع) وكنت في خدمته. فلما اقترب من المنزل، وضع يده على الباب ودفعه وقال: السلام عليكم. فقالت فاطمة (ع): وعليكم السلام يا رسول الله. فقال رسول الله (ص): أأدخل؟ قالت: تفضل يا رسول الله. قال: أنا ومن معي؟ قالت: يا رسول الله، ليس على رأسي قناع. قال: يا فاطمة، اجعلي من فضلة ثوبك قناعاً. ففعلت ذلك. ثم قال النبي (ص): السلام عليكم. قالت: وعليكم السلام يا رسول الله. قال النبي: أأدخل؟ قالت: نعم يا رسول الله. قال: أنا ومن معي؟ قالت: ومن معك. قال جابر: فدخل رسول الله (ص) ودخلت أنا أيضاً، فرأيت وجه فاطمة وقد اصفرّ كأنه بطن جرادة. فقال رسول الله (ص): ما لي أرى وجهك أصفر؟ قالت: يا رسول الله، من الجوع. فقال النبي: يا من يشبع الجياع ويزيل الهلاك، أشبع فاطمة بنت محمد. قال جابر: فوالله شاهدت في تلك الساعة الدم يجري من أعلى جبهتها في كل وجهها تحت الجلد، واحمرّ وجهها، وبعد ذلك الدعاء لم تجع قط. (الكليني، 1407هـ: 5/528).
بناءً على هذه الرواية، أمر رسول الله السيدة الزهراء (ع) بتغطية رأسها بفضلة من ملحفتها أمام جابر، لكنه لم يقل شيئاً بخصوص تغطية وجهها ويديها أمامه، ولما لم يكن وجهها مغطى، رأى جابر وجهها الشاحب وأصفرارها ووصفه باللون الأصفر. وقد اعتبر بعض الأعلام هذه الرواية قوية (المجلسي، 1406هـ: 8/349)، لكن المرحوم الخوئي، بالإضافة إلى تضعيفها، قال إنه حتى على فرض صحة السند، لا يمكن قبول مضمونها ولا يمكن تصديق أن السيدة الزهراء (ع) كانت بوجه مكشوف أمام جابر وأن جابر رآها (الخوئي، 1418هـ: 32/45).
2- يروي جابر بن عبد الله الأنصاري: حضرت مع رسول الله (ص) لصلاة العيد. فصلى صلاة العيد قبل الخطبة، بدون أذان وإقامة. ثم اتكأ على بلال وشرع في الخطبة، فبعد أن أمر بتقوى الله، أمر الناس بطاعة الله وشجعهم وعظهم. ثم مضى حتى أتى النساء فقال لهن: تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم. فقامت امرأة منهن تختلف وجنتاها عن لون وجهها (القشيري، 1426هـ: 1/232)، وعرضت: لم نحن كذلك يا رسول الله؟ فقال رسول الله (ص): لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير.
3- قال النبي الأكرم (ص) في إحدى خطبه: إذا نظرتم إلى امرأة جميلة، فاذهبوا إلى زوجاتكم للابتعاد عن الإثارة الجنسية الآثمة. ما رأيتموه في تلك المرأة الجميلة، تجدونه عند زوجاتكم. فقام رجل وقال: يا رسول الله، إن لم يكن له زوجة فماذا يفعل؟ قال النبي: يلتفت إلى السماء ويستعفف عن الحرام ويسأل الله من فضله وكرمه أن يهيئ له سبل الزواج (الكليني، 1407هـ: 5/494).
يُستفاد من هذه الرواية أن عدم تغطية وجوه النساء في المحافل العامة كان أمراً طبيعياً وعادياً، وأن الرجال في تنقلاتهم كانت تقع أنظارهم على وجوههن شاءوا أم أبوا، وكانوا يُثارون، ولذا قدم النبي (ص) لهم حلاً للبعد عن الخطيئة، ولكنه في خطبته لم يأمر النساء بتغطية وجوههن، بل طلب من الرجال حفظ فروجهم من ارتكاب الحرام باللجوء إلى زوجاتهم.
4- يقول علي بن سويد للإمام الكاظم (ع): إني مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة، فأفرح وأسر بالنظر إليها. فقال الإمام: إذا علم الله صدق نيتك، فلا بأس، واحذر من الزنا (نفس المصدر، 542). مضمون هذه الرواية الصحيحة (المجلسي، 1406هـ: 8/442) هو أن وجه تلك المرأة لم يكن مغطى، وعلي بن سويد وصفها بالجميلة وحسنة الوجه.
5- كان أمير المؤمنين علي (ع) جالساً بين أصحابه، فمرت امرأة جميلة ولفتت أنظار الحاضرين. فقال الإمام: إن أبصار هذه الفحول طوامح، وإن ذلك سبب هبابها، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله، فإنما هي امرأة كامرأة (صبحي صالح، 1414هـ: 550).
6- سأل أبان بن تغلب الإمام الصادق (ع): أرى في الصحراء امرأة جميلة ولا أعلم ألها زوج أم لا. فقال الإمام: لا يلزمك البحث. إذا قالت ليس لي زوج، فصدقها (الكليني، 1407هـ: 5/462). في هذه الرواية أيضاً، وصف أبان بن تغلب تلك المرأة بالجميلة، مما يدل على أن أبان رأى وجهها.
ب) عدم تغطية اليدين
1- أتت امرأة إلى النبي (ص) وبسطت يدها لتبايعه. فسأل النبي: أيد امرأة هذه أم رجل؟ قالوا: يد امرأة. فقال الإمام: أين حنّاؤها؟ (ابن إدريس، 1410هـ: 2/609؛ الطوسي، 1387ش: 4/161).
هذه الرواية تدل على أن عدم تغطية يد المرأة في عصر النزول كان أمراً عادياً وطبيعياً، ولهذا لم تكلف المرأة التي حضرت عند النبي نفسها بتغطية يدها، ولم يبدِ النبي الأكرم (ص) أي رد فعل تجاه كشف يدها. لو كانت تغطية يد المرأة أمراً واجباً كباقي أعضائها، لكان من المناسب أن يبدي النبي الإسلام، كما أبدى رد فعل تجاه عدم تحنيتها ليدها وهو عمل مستحب، رد فعل تجاه مسألة واجبة، ويأمرها بتغطيتها.
2- تروي عائشة أن امرأة مدت يدها من وراء ستر لتعطي رسالة إلى رسول الله. فقبض النبي يده (ولم يأخذ الرسالة منها)، ثم قال: لا أدري أيد رجل هذه أم يد امرأة؟ قالت المرأة: يد امرأة. فقال النبي: لو كنتِ امرأة لغيرتِ أظفارك بالحناء (السجستاني، د.ت: 11/219؛ البيهقي، 1344هـ: 8/76).
3- نقل الإمام الصادق (ع) عن رسول الله (ص) أنه قال: للمرأة أن تخضب رأسها بالسواد. وأمر رسول الله النساء، المتزوجات وغير المتزوجات، بالخضاب؛ المتزوجة لزوجها، وغير المتزوجة لكي لا تكون يدها كيد الرجال (الحر العاملي، 1409هـ: 2/97). لو كانت تغطية يد المرأة خارج البيت واجبة، لما كانت هناك حاجة للخضاب والفرق بين يد المرأة والرجل.
4- ينقل الإمام جعفر الصادق (ع) أن الإمام علي (ع) نهى عن تحفيف الشعر (قص وتخفيف جزء وترك جزء آخر) والنقش بالخضاب، وقال: إنما هلكت نساء بني إسرائيل بسبب قص وتخفيف جزء من شعورهن ونقش الخضاب (للتزين في نظر غير المحارم) (الكليني، 1407هـ: 5/519). يُستفاد من هذا النهي أن أيدي النساء في المحافل العامة كانت مكشوفة وظاهرة لغير المحارم؛ لأنه لو كنّ يغطينها، لما كان هناك وجه للمنع من نقش الخضاب (الكاظمي، 1365ش: 3/237).
5- في روايات متعددة عن سماعة بن مهران وأبي بصير وآخرين، سُئل الإمام الصادق (ع) عن مصافحة الرجل للمرأة غير المحرم، فقال الإمام: لا يصافح الرجل المرأة غير المحرم، إلا من وراء ثوب (الكليني، 1407هـ: 5/519 و525). هذه الطائفة من الروايات تدل أيضاً على أن أيدي النساء المسلمات كانت عادةً مكشوفة، وكانت مصافحتهن تستلزم لمس يد غير المحرم؛ لأنه لو كانت أيديهن مغطاة كباقي أجسادهن، لما كانت هناك حاجة لتقييد جواز المصافحة من وراء الثوب.
مجموع هذه التقارير يدل على أن نساء عصر النزول لم يكنّ يغطين وجوههن وأيديهن في الأماكن العامة.
والآن بعد أن اتضح عرف وعادة نساء عصر النزول في عدم تغطية اليد والوجه، ندرس روايات أهل البيت (ع) في بيان مصاديق «مَا ظَهَرَ».
3-2-2. روايات تفسير «ما ظهر منها»
في تفسير «ما ظهر منها»، وردت طائفتان من الروايات: طائفة فسّرت «ما ظهر منها» بالكحل والخاتم والسوار والثياب وخضاب الكف، وهي من مصاديق الزينة العارضة. والطائفة الثانية فسّرت «ما ظهر منها» باليد والوجه، وهي من مصاديق الزينة الذاتية.
3-2-2-1. روايات الطائفة الأولى
1- قال الإمام الصادق (ع) في تفسير آية «إلا ما ظهر منها»: الزينة الظاهرة هي الكحل والخاتم (الكليني، 1407هـ: 5/521).
2- في رواية أخرى، قال الإمام الصادق (ع): الخاتم والسوار هما الزينة الظاهرة (نفس المصدر).
3- قال الإمام الباقر (ع): الزينة الظاهرة هي الثياب، والكحل، والخاتم، وخضاب الكف، والسوار (القمي، 1363ش: 2/101).
3-2-2-2. روايات الطائفة الثانية
1- سُئل الإمام الباقر (ع) عن المواضع التي يمكن للمرأة أن تكشفها من جسدها؟ فقال الإمام: الوجه والكفان (الحميري، 1413هـ: 82).
2- قال الإمام الصادق (ع) في جواب شخص سأل: ما هي المواضع من جسد المرأة غير المحرم التي يجوز للرجل النظر إليها؟ فقال: الوجه، والكفان، والقدمان (الكليني، 1407هـ: 5/519 و521).
3- قال الإمام موسى بن جعفر (ع) أيضاً في جواب نفس السؤال: الوجه، والكف، وموضع السوار (المعصم) (الحميري، 1413هـ: 227؛ العريضي، 1409هـ: 219).
4- قال الإمام الصادق (ع): الزينة الظاهرة هي الوجه والذراعان (من المرفق إلى أطراف الأصابع) (الطبرسي، 1370ش: 232).
هذه الرواية، بالإضافة إلى ضعف سندها، تتعارض من حيث المتن مع رواية فضيل بن يسار؛ لأن الذراعين في رواية فضيل (الكليني، 1407هـ: 5/521) من مصاديق الزينة الخفية، وفي هذه الرواية من الزينة الظاهرة.
في هذه الطائفة من الروايات، اعتُبرت أربعة أعضاء من جسد المرأة، وهي الوجه، والكفان وأصابعهما، والمعصم، والذراع (من المرفق إلى أطراف الأصابع)، والقدم (من الكعب إلى أطراف الأصابع)، زينة ظاهرة. وعليه، فإن مصاديق «مَا ظَهَرَ» هي:
1- الوجه وحليه وجواهره وزينته التي تكون في نطاق الوجه؛ مثل الكحل والخضاب المصرّح بهما في الرواية. إصلاح الحاجبين والوجه واستخدام بعض أنواع الزينة في نطاق الوجه من مصاديق الزينة الظاهرة.
2- الكفان والأصابع؛ أي من موضع اتصال الكف بالذراع، والحلي والزينة التي تكون في هذا النطاق.
3- المعصم؛ أي موضع السوار.
4- القدمان (من الكعب إلى الأصابع) بالقدر الذي يكون في الحذاء.
أما شعر رأس المرأة، فلم يُعد في كتب اللغة من مصاديق المعاري، ولم يُعتبر في الروايات من مصاديق «ما ظهر»، بل التقارير التاريخية تشير إلى أن رؤوس النساء كانت تُغطى عموماً بقطعة قماش تسمى الخمار. وآية «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ» (النور: 31) تؤيد هذا الأمر. ونُقل عن ابن عباس أيضاً في تفسير آية «وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ» (النور: 31) أنه لا يجوز إظهار الخلخال والعضد وما تحت العنق والشعر لغير الزوج (السيوطي، 1404هـ: 5/42).
الرد على بعض الإشكالات
1- يعتقد البعض أن المراد بـ«مَا ظَهَرَ مِنْهَا» هو الظهور العرضي غير الإرادي لبعض زينات النساء، والذي يخرج تخصصاً من حكم المستثنى منه، وبالتالي فإن استثناء «إلا ما ظهر منها» منقطع ويدل على عمومية حكم المستثنى منه لجميع أفراده (محقق داماد، 1416هـ: 1/351؛ الصابوني، 1421هـ: 2/307). ونُقل عن ابن عطية أيضاً أن المرأة يجب أن تغطي كل جسدها، إلا المواضع التي تظهر للضرورة العملية، وهي مستثناة للضرورة (القرطبي، 1364ش: 12/229).
نقد
أولاً، يبدو أن الظهور العرضي والإرادي مرتبط بالمعنى الفعلي والحدوثي لكلمة «ظهر»، في حين أن «ما ظهر منها»، كما بينا سابقاً، له معنى اسمي وثبوتي (الزينة الظاهرة)، لا حدوثي (ما ظهر).
ثانياً، استثناء «مَا ظَهَرَ» يدل على تقسيم زينة النساء إلى قسمين: ظاهر وخفي. وكلمة «يُخْفِينَ» في جملة «مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ» قرينة وشاهد على هذا الأمر. بينما إذا فُسّر «ما ظهر منها» بالظهور العرضي، فستكون جميع زينات المرأة من القسم الخفي، وهذا المعنى خلاف ظاهر الآية.
ثالثاً، بناءً على هذا الرأي، يكون استثناء الآية منقطعاً وخلاف الأصل في الاستثناء؛ لأن الاستثناء يعني إخراج بعض الأفراد الداخلين في عموم المستثنى منه (راغب، 1412هـ: 1/179)، لا الأفراد الذين خرجوا تخصصاً. وتفسير المعصومين لـ«ما ظهر منها» والمصاديق التي ذكروها لها يؤيد اتصال الاستثناء.
2- قال البعض إن المراد بالزينة الظاهرة هو لباس النساء؛ لأن جميع جسد المرأة عورة بإجماع الفقهاء، إلا للزوج والمحارم (الكراجكي، 1410هـ: 22/222). وقال ابن كثير أيضاً: «لا يجوز للمرأة أن تظهر زينتها للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه؛ مثل الرداء واللباس» (ابن كثير، 1419هـ: 6/42).
نقد
أولاً، اللباس هو أحد مصاديق الزينة الظاهرة، ولكنه ليس المصداق الوحيد. ففي رواية أبي الجارود، ذُكرت أمور متعددة كمصداق للزينة الظاهرة، أحدها الثياب.
ثانياً، المقصود بالثياب هو اللباس الذي ترتديه النساء فوق ملابسهن الأخرى للحضور في الأماكن العامة، والذي يظهر بالضرورة ويمكن رؤيته؛ مثل الشادور والعباءة والمعطف (ابن الأثير، 1367ش: 1/297)، وليس أي لباس.
3- ترجم البعض آية «وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ» (النور: 31) كالتالي: «لا تظهر النساء الزينة التي تُخفى تحت التنورة، إلا ما يظهر من تلقاء نفسه عند المشي والانحناء». وأضافوا: «الزينة التي تُخفى تحت التنورة أو ملابس النساء ويحتمل ظهورها هي الساق، التي لا تُعتبر عورة حتى يكون كشفها حراماً، ولكن بما أنها تُعد من زينة النساء، فيجب سترها عن الأجنبي. ولهذا، يجب على النساء في الشوارع والأسواق أن يطلن تنانيرهن حتى تغطي أقدامهن، وبناءً على الاستثناء الموجود، إذا كُشف جزء من الساق عند المشي أو الانحناء، فلا إشكال في ذلك» (البهبودي، 1369ش: 133-141).
نقد
أولاً، بناءً على هذا التفسير والترجمة، تنحصر مصاديق «زينة النساء» في جسدهن وأعضائهن، بينما كما بينا سابقاً، تشمل كلمة «زينتهن» (زينة النساء) الزينات العارضة أيضاً.
ثانياً، بتصريح رواية أبي الجارود، كل جسد المرأة زينة؛ مع فارق أن بعضها زينة خفية وبعضها زينة ظاهرة. وبالتالي، فإن تخصيص «زينتهن» بمصداق خاص مثل «ساق المرأة» يخالف الرواية ويخالف ظاهر الآية.
ثالثاً، بيّن الأئمة المعصومون مصاديق «ما ظهر منها»، ولكن في أي منها لم يُذكر «الساق» كمصداق خاص ومنحصر لـ«ما ظهر منها» يظهر عند المشي.
4- بعد اعترافه بأن جسد المرأة زينة، قسّم محمد شحرور زينة جسد المرأة إلى زينة ظاهرة وخفية وقال: «المراد بـ«مَا ظَهَرَ مِنْهَا» هو المواضع من جسد المرأة التي تكون ظاهرة وواضحة في أصل الخلقة؛ مثل الرأس، والبطن، والظهر، والقدمين، واليدين، في مقابل المواضع التي تكون مخفية في أصل الخلقة؛ مثل ما تحت الثديين وبينهما، وتحت الإبط، والفرج، والأليتين». وفي توضيح هذا الادعاء قال: «المراد بالجيوب في آية «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ» هو هذه المواضع نفسها؛ لأن الجيوب جمع جيب بمعنى الثقب والشق الذي له طبقتان، أو له طبقتان وشق، وهذه المواضع هي مصاديق الزينة الخفية التي مُنع إظهارها في الآية» (شحرور، د.ت: 607).
نقد
ادعاء شحرور فيه إشكالات كثيرة، نكتفي ببعضها:
أولاً، يُستفاد جيداً من المصاديق التي ذُكرت للزينة الظاهرة أن المقصود بظهور وخفاء الزينة ليس الظهور والخفاء التكويني المرتبط بأصل خلقة جسد الإنسان، بل هو ظهور وخفاء يتحقق بوضع ورفع الغطاء عليه.
ثانياً، السؤال الذي يجب أن يجيب عليه شحرور هو: ما هي بالضبط الأعضاء المزدوجة في الجسد التي هي مصاديق الزينة الخفية ويجب تغطيتها؟ إذا كان تحت الإبط مصداقاً للزينة الخفية، فهذا الموضع مخفي ومغطى طبيعياً ولا يحتاج إلى تغطية. وإذا كان المقصود ما فوق الإبط، أي الكتف وما حوله الذي يحيط بالإبط، فهذه المواضع في نظر شحرور من مصاديق الزينة الظاهرة ولا يجب تغطيتها، فأي موضع يجب تغطيته؟ ونفس الكلام يجري حول ما تحت الثديين والأليتين.
ثالثاً، إذا كانت مصاديق الزينة الظاهرة هي الأعضاء المزدوجة في جسد المرأة، فإن ذلك يستلزم تخصيص الأكثر في «إلا ما ظهر منها»؛ لأن معظم أعضاء جسد الرجل والمرأة ظاهرة في أصل الخلقة، والأعضاء المزدوجة والمخفية قليلة جداً، ونتيجة لذلك يكون هذا النهي في الآية قبيحاً ومخالفاً لبلاغة القرآن.
الاستنتاج
1- «زينتهن» مركب إضافي وله ثلاثة معانٍ: مصدري، واسم مصدري، واسم ذاتي، ولكن المصاديق المتعددة تختص بالمعنى الاسمي (اسم الذات) لهذه الكلمة.
2- مصاديق «زينتهن» قسمان: قسم بإضافته إلى جسد المرأة يسبب زينتها؛ مثل الكحل والخضاب والخاتم، ويسمى الزينة العارضة. وقسم هو زينة بذاته ويسمى الزينة الذاتية؛ مثل أعضاء جسد المرأة.
3- «زينتهن» مركب إضافي ومعناه الحلي المنسوبة والمضافة إلى المرأة. وبناءً عليه، فإن جسد المرأة والحلي والجواهر ومستلزمات التجميل المتصلة فعلاً بجسدها وأعضائها هي المصداق الحقيقي لزينة النساء، أما الملابس والحلي التي ليس لها نسبة وإضافة فعلية إلى النساء، فليست من زينة النساء، وإطلاق زينة النساء عليها من باب المجاز وباعتبار أنها يمكن أن تكون زينة.
4- بما أن متعلق النهي في جملة «لا يبدين زينتهن» هو المصاديق الحقيقية لزينة النساء، فإنه يشمل جسد المرأة والزينات المتصلة به، ولا حاجة لتقدير كلمة «مواضع».
5- «مَا ظَهَرَ» بمعنى «الزينة الظاهرة»، لا بمعنى «الزينة التي ظهرت»، وعليه فإن تفسير «ما ظهر منها» بالزينة التي تظهر بغير إرادة غير صحيح.
6- مصاديق «مَا ظَهَرَ» أيضاً قسمان: أحدهما عارض ومكتسب، والآخر ذاتي. وعليه، فإن مصاديق «ما ظهر منها» هي الوجه وزينته المتعلقة به، واليد وزينة ذلك الموضع، والقدم (باطن القدم من الكعب إلى الأصابع)، ومعصم اليد وزينة ذلك الموضع.
7- الوجه والكفان والزينات التي تقع في هذين الموضعين، مثل كحل العين وخضاب اليد والخاتم، هي مصاديق الزينة الظاهرة، وسائر أعضاء جسد المرأة هي مصاديق الزينة الخفية.
8- معيار تحديد الظهور والخفاء للزينة هو الغطاء العرفي، لا الغطاء التكويني مثل الأعضاء المزدوجة في الجسد.
9- كلمة «الزينة» على الرغم من أنها في اللغة للزينة العارضة، إلا أنها في الاستعمالات القرآنية والروائية استُخدمت في معنى أعم يشمل الزينة العارضة والذاتية.
10- تفسير «مَا ظَهَرَ مِنْهَا» بالظهور العرضي يستلزم اتصاف كل زينة النساء بصفة الخفاء وانقطاع الاستثناء، وكلاهما خلاف الظاهر؛ كما أن تفسير «ما ظهر منها» باللباس يستلزم حصر «الزينة الظاهرة» في أحد مصاديقها.