الملخص
يُعدّ الخطاب النقدي نوعاً من المسار التطوري لتحليل الخطاب، حيث يتم فيه تجاوز الوصف الصرف للبيانات اللغوية للتركيز على العمليات المؤثرة في تشكيل الخطاب. وفي هذا السياق، يسعى هذا البحث، بمنهج وصفي-تحليلي واستناداً إلى نموذج التحليل النقدي للخطاب لنورمان فيركلاف، إلى إجراء تحليل خطابي نقدي لقصة النبي موسى عليه السلام على ثلاثة مستويات: الوصف، والتفسير، والتبيين. وضمن دراسة الجوانب الأدبية والبلاغية للقصة المذكورة، يتناول البحث الخطابات السائدة والمفاهيم الثانوية والمستترة في النص التي لم تحظَ باهتمام كافٍ. تشير النتائج إلى أنه على مستوى الوصف، تم التركيز بشكل أكبر على اختيار المفردات، وخصوصاً جانبها الاستعاري، واستخدام الجمل المنفية، وخروج الجمل الاستفهامية عن معناها الأصلي، وكذلك لهجة الحوارات. والنقطة الجديرة بالاهتمام على مستوى التفسير هي هيمنة خطاب القوة والسلطوية على الخطاب الشعبي والتحرري، وفي مقابله، ينهض خطاب إلهي مناهض للاستكبار ونقدي. ويقوم الله تعالى، بصفته راوي القصة، بتقديمه للمخاطب بشكل مباشر أو في إطار كلام الشخصية الرئيسية في القصة. وبذلك، يتحدى الخطاب الرسمي الذي كان ذا طابع فوقي-دوني. وعلى مستوى التبيين، تم أيضاً تحليل آثار الخطاب الرسمي على المؤسسات الاجتماعية وأفراده، وكيف تتجلى مؤشرات الخطاب الرسمي في كلام شخصيات القصة ومستقبلهم.
المقدمة
لقد قُدمت للخطاب معانٍ مختلفة، ولكن في إطار جامع، يُعرّف الخطاب بأنه التبادل الكلامي بين المتكلم والمستمع وتمثيل صوتٍ ما في صلب النص (ميلز، 1382: ص 7). وبعبارة أخرى، الخطاب هو تلازم أو معنى تُقدم فيه المعلومات كأساس للكلام (حري، 1388: ص 107).
يُعد تحليل الخطاب النقدي أحد أنواع تحليل الخطاب الذي استُخدم في العقود الأخيرة في طيف واسع من الأبحاث الأدبية والنفسية. «إن تحليل الخطاب أو الدراسة الخطابية هو إيجاد آلية مناسبة وتطبيقها في كشف وتبيين ارتباط القول أو النص بالوظائف الفكرية والاجتماعية.» (يارمحمدي، 1383: ص 143). في هذا المنهج، لا يكون الخطاب مجرد ظاهرة بانية، بل يُعد نتاجاً لظواهر أخرى أيضاً.
تمتد جذور تحليل الخطاب النقدي إلى اللسانيات النقدية. في عام 1979، قامت مجموعة من اللسانيين من أتباع مدرسة هاليداي الوظيفية (Halliday’s functional linguistics)، وهم فاولر (Fowler)، وهاج (Hodge)، وكريس (Kress)، وترو (Trew)، بنشر كتاب «اللغة والسيطرة» الذي أرسى أسس المنهج النقدي للغة. وقد أطلقوا على هذا المنهج اسم «اللسانيات النقدية». كان الهدف من وضع هذا المصطلح هو الكشف عن علاقات القوة الخفية والعمليات الأيديولوجية الكامنة في النصوص اللغوية. اعتبر اللسانيون النقديون هذه الحركة انفصالاً عن اللسانيات الوصفية التي تهتم فقط ببنى النص وشكله، وتتجاهل وظائفه الاجتماعية. «لقد وضعوا ثلاثة مبادئ أساسية لعملهم: 1- اللغة التي نستخدمها تعبر عن رؤية خاصة للواقع. 2- التنوع في أنماط الخطاب لا ينفصل عن العوامل الاقتصادية والاجتماعية. 3- استخدام اللغة ليس مجرد انعكاس للعملية والتنظيم الاجتماعي، بل هو جزء من العملية الاجتماعية نفسها.» (سلطاني، 1384: ص 51).
إن تحليل الخطاب النقدي لنورمان فيركلاف متجذر في البنائية الاجتماعية، و«لا يقتصر على دراسة بنية اللغة فحسب، بل يمتد إلى دراسة الأفراد والمؤسسات التي تستخدم أساليب معينة لإضفاء المعنى على النص؛ لذا، في إطار تحليل الخطاب النقدي، يعتبر تحليل الخطاب، وتحليل وتفسير البنى والمعاني التي تحمل شحنة أيديولوجية.» (مكاريك، 1383: ص 160). وبعبارة أخرى، «يهدف تحليل الخطاب النقدي إلى استكشاف العلاقات غير الواضحة بين النصوص، والأحداث، والأفعال الخطابية، والبنى، وعلاقات العمليات الثقافية والاجتماعية على نطاق أوسع، وذلك بطريقة منهجية وباستخدام نموذج ثلاثي الأبعاد.» (فيركلاف، 1379: ص 132).
الشكل 1: نموذج الخطاب ثلاثي الأبعاد والعناصر المكونة له وتفاعلها مع بعضها البعض.
إن النقطة المحورية في هذا النوع من التحليل هي أن الخطاب النقدي يُعد نوعاً مهماً من الممارسة الاجتماعية التي تعيد إنتاج وتغيير المعرفة، والهويات، والعلاقات الاجتماعية، بما في ذلك علاقات القوة، وفي الوقت نفسه، تتشكل من خلال البنى الاجتماعية الأخرى (يورغنسن وفيليبس، 1389: ص 128). ورغم أن منهج تحليل الخطاب النقدي يضع علاقة اللغة، والسلطة، والأيديولوجيا، والخطاب في النصوص الإعلامية والقضايا السياسية والاجتماعية في مقدمة أولوياته، إلا أننا إذا سلمنا بأن كل ما يتعلق باللغة المنطوقة والمكتوبة يندرج ضمن مجال تحليل الخطاب، فيمكن اعتبار القصص القرآنية أرضية مناسبة لتحليل مثل هذا الخطاب.
هدف البحث وأسئلته
قصة النبي موسى عليه السلام، على الرغم من أنها لم ترد في سورة واحدة كقصة النبي يوسف عليه السلام، إلا أنها تُعد أکمل وأفصل قصة في القرآن الكريم. لإثبات أن القرآن الكريم يحتوي على جوهر يمكن دراسته بأنماط السرد القصصي المعاصر، يهدف هذا البحث إلى دراسة الجانب اللساني للقصة المذكورة بمنهج وصفي-تحليلي في إطار تحليل الخطاب النقدي لنورمان فيركلاف، والكشف عن علاقة السلطة والأيديولوجيا والخطاب فيها، والوصول إلى الطبقات العميقة والخفية للنص؛ أي وضع علاقة السلطة والأيديولوجيا، ومن خلال اكتشاف ووضع الأيديولوجيات المختلفة داخل النص جنباً إلى جنب، تحقيق إزالة الألفة النقدية. وفي الختام، استطاع هذا البحث الإجابة على الأسئلة التالية:
1- على مستوى الوصف، كيف هي بنية السياق الخارجي لقصة النبي موسى عليه السلام؟
2- كيف هو السياق الموقفي والبينامتني للقصة المذكورة على مستوى التفسير؟
3- على مستوى التبيين، ما هي تأثيرات الخطاب الرسمي وعلاقات القوة والسلطة على شرائح المجتمع؟
الأسس النظرية للبحث
لقد اقترح محللو الخطاب النقدي، في نقدهم اللساني، نماذج مختلفة لتحليل النصوص الأدبية، ومن بينها، تتمتع نظرية «الرؤية السردية» بأهمية خاصة. في هذه الرؤية، يوسع المحلل تحليله إلى ما وراء الجمل ويتناول شرح العمليات التواصلية للنصوص؛ أي المستويات الأعلى والأكثر تجريداً لعلاقات السلطة، والأيديولوجيا، والسياق التاريخي والاجتماعي. تتكون الرؤية السردية من أربعة مستويات: مستوى التحليل العباري، والمستوى المكاني-الزماني، والمستوى الأيديولوجي، والمستوى النفسي (آقاكل زاده، 1386: ص 25)، وبالتالي فإن تحليل الخطاب النقدي الذي يبحث في المفاهيم الأساسية للسلطة واللغة والأيديولوجيا، هو عبارة عن نقل مفهوم البنية من مستوى الجملة والعلاقات النحوية، مثل الفعل والفاعل والمفعول به، إلى مستوى النص الأوسع. هذه الرؤية، بالإضافة إلى توضيح الوحدات البنيوية داخل النص، تولي اهتماماً كاملاً للغة في استخدامها العملي. (ميلز، 1382: ص 171).
استخدم نورمان فيركلاف في منهجه النقدي للخطاب، الذي يشكل أساس التحليل في هذا المقال، نظريات عدد من منظري النقد الاجتماعي، مثل نظام الخطاب لـ ميشيل فوكو (Michel Foucault) والهيمنة لـ غرامشي (Geramci).
من وجهة نظره، ينقسم تحليل الخطاب إلى ثلاثة مستويات: مستوى الوصف: الخطاب كنص (يشمل التحليل اللغوي في إطار المفردات، والنحو، والجوانب المختلفة للجملة، ونوع الحوار)، ومستوى التفسير: الخطاب كتفاعل بين عملية الإنتاج وتفسير النص، ومستوى التبيين: الخطاب كخلفية اجتماعية.
الشكل 2: نموذج تحليل الخطاب النقدي عند فيركلاف.
خلفية البحث
من بين الأبحاث التي أُجريت حول نموذج الخطاب النقدي لنورمان فيركلاف، يمكن ذكر مقال «تحليل الخطاب النقدي والأدب» لفردوس آقاكل زاده، مجلة أدب پژوهي، 1386. في هذا المقال، سعى الكاتب إلى شرح نماذج تحليل اللسانيين النقديين لتحليل وتفسير ونقد النصوص الأدبية، وأوضح أن الأدب، في نظر محللي الخطاب النقدي، يُنظر إليه كلغة وخطاب. مقال «دراسة الخطاب النقدي في نهج البلاغة على أساس نظرية فيركلاف (دراسة حالة: وصف الكوفيين)» لعلي أكبر محسني ونور الدين پروين، مجلة علوي، 1394. سعى كاتبا هذا المقال إلى دراسة كيفية تفاعل خطب الإمام علي عليه السلام اللغوي مع الأوضاع الخانقة التي سادت في ذلك الزمان، والتي أججها الكوفيون، وذلك استناداً إلى الخطاب المذكور. مقال «دراسة تحليل الخطاب النقدي لسورة يوسف عليه السلام (وفقاً لنموذج نورمان فيركلاف)»، بقلم محمد مؤمني، قُدم في المؤتمر الدولي الرابع للأبحاث التطبيقية في دراسات اللغة، 1395. سعى كاتب المقال المذكور إلى تحليل قصة النبي يوسف عليه السلام وفقاً لنموذج تحليل الخطاب المذكور، ولكنه للأسف، في هذا المجال، عمل بشكل ناقص وغير دقيق تماماً ولم يلتفت إطلاقاً إلى الأسئلة المطروحة في نموذج فيركلاف على مستويات مختلفة، أي الوصف والتفسير والتبيين، وتناول مواضيع مختلفة لا علاقة لها بالنموذج المذكور.
ولكن بناءً على المعلومات المنهجية، لم يقم أي بحث حتى الآن بدراسة قصة النبي موسى عليه السلام تحت عنوان النموذج المذكور. لذلك، يسعى البحث الحالي إلى دراسة وتحليل قصة موسى عليه السلام بناءً على نموذج تحليل الخطاب النقدي لفيركلاف وعلى ثلاثة مستويات: الوصف، والتفسير، والتبيين.
قصة النبي موسى عليه السلام ونموذج التحليل النقدي لنورمان فيركلاف
في هذا القسم، يتم دراسة وتحليل قصة النبي موسى عليه السلام على مستويات مختلفة من نموذج تحليل الخطاب لفيركلاف.
1. قصة موسى عليه السلام على مستوى الوصف
المقصود بمستوى الوصف هو معرفة سياق النص والعلاقة المنطقية بين المفردات والمعنى. بعبارة أخرى، في هذا المستوى، سيتم تحليل المفردات، والبنى النحوية، وبنية النص بناءً على أسئلة نورمان فيركلاف؛ ومنها: أي نوع من العلاقات الدلالية (الترادف، الاشتمال الدلالي، التضاد الدلالي) يوجد بين الكلمات؟ على مستوى الطبقة المعجمية، كيف هو الجانب الاستعاري للكلمات وكيفية استخدام الضمائر؟ هل الجمل أغلبها مبنية للمعلوم أم للمجهول؟ هل هي مثبتة أم منفية؟ أي من الأوجه (الخبرية، الاستفهامية، الأمرية) تم استخدامها؟ كيف ترتبط الجمل البسيطة ببعضها البعض؟ ما هو نوع الحوارات ولهجتها؟ (فيركلاف، 1379: ص 167)، والتي سيتم تحليل كل منها بالتفصيل في هذا القسم.
نوع العلاقات الدلالية
وفقًا لنظرية فيركلاف، فإن فهم نوع العلاقات الدلالية بين الكلمات هو أحد المسائل المهمة التي تساعد بشكل كبير في فهم النص، وقد تكون على ثلاث صور:
1- الاشتمال الدلالي
يشير الاشتمال الدلالي (Hyponymy) في الاصطلاح اللساني إلى «الحالة التي يتم فيها تغطية معنى كلمة ما بكلمة أخرى ذات معنى أعم» (شجاع رضوي، 1386: ص 17). في قصة موسى عليه السلام، استُخدم الاشتمال الدلالي في عدة مواضع. في الآية التالية من القصة المذكورة، وردت كلمات مثل «لا تخافي»، «لا تحزني»، «رادّوه إليك»، و«جاعلوه من المرسلين» لمواساة أم النبي موسى في إتمام مهمتها الإلهية: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص: 7).
في الآيات التالية، يظهر استخدام الاشتمال الدلالي «الخوف من عدم انشراح الصدر، وجود عقدة في اللسان، الحاجة إلى دعم بشري» مشاكل النبي موسى عليه السلام لمواجهة قوة فرعون وحاشيته بشكل جيد: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) (طه: 25-32).
في موضع آخر، يُظهر هذا الاشتمال الدلالي نفسه الأنس والألفة التي كان يتمتع بها موسى عليه السلام في حواره مع الله تعالى. كان بإمكانه أن يكتفي بذكر كلمة «عصا» في جواب سؤال الله تعالى: «يا موسى! ما بيمينك؟»، لكن أنسه بالله تعالى دفعه إلى مواصلة الحوار، مما جعله يوضح المزيد عنها: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) (طه: 17-18).
2- الترادف
في خطاب هذه القصة، استُخدمت عبارات مترادفة لتأكيد مضمون الجملة؛ مثل: (فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) (طه: 14)؛ فالعبادة وإقامة الصلاة مترادفتان. (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) (الأعراف: 136)؛ فالانتقام هو نفسه الإغراق في البحر.
أحيانًا يكون الترادف في الخطاب مهمًا لدرجة أن مضمون آية يؤكد معنى ومضمون آية سابقة لها: (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) (طه: 33-34)؛ فالتسبيح الكثير هو نفسه ذكر الله الكثير.
3- التضاد الدلالي
لقد رسم الله تعالى، بذكر الكلمات المتضادة، صورة كاملة عن الازدواجية التي كانت سائدة في مجتمع ذلك الزمان للمخاطب؛ ومنها: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ) (غافر: 41)؛ فالدعوة إلى النجاة وُضعت في مقابل الدعوة إلى النار. (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) (الأعراف: 146)؛ فعدم سلوك طريق الهداية وُضع في مقابل الانجرار إلى الضلال.
نظرًا لوجود «علاقة مباشرة بين النص والبيئة الاجتماعية التي أُنشئ فيها» (أحمدي، 1388: ص 686)، فمن الطبيعي أن الظروف والأجواء التي نشأت بسبب جهل قوم بني إسرائيل قد أثرت بشكل مباشر على كلام الله تعالى أو شخصية القصة الرئيسية؛ لأن «الخطابات ليست ذات طابع مسالم ومتصالح على الإطلاق، بل تنشأ من رحم التناقضات والمواجهات والتصادمات وتتوسع وتنتشر؛ ولهذا السبب، فإن أي استخدام للكلمات والعبارات في الكتابة والكلام له بعد سياسي.» (مك دانل، 1380: ص 112).
دراسة الطبقة المعجمية
من أهم أقسام تحليل الخطاب النقدي في نظرية فيركلاف، دراسة الطبقة المعجمية؛ لأنه باستخدام تواتر الكلمات، يمكن عكس الخطاب السائد في المجتمع. «إن الترابط والانسجام بين الكلمات في النص، يرسمان معنى ومفهومًا خاصًا، ويندمج معنى الكلمات المفردة مع العناصر الأخرى لدرجة أنها تبدو وكأنها تستدعي معنى واحدًا فقط، وهو المعنى الناشئ من مجمل الكلام.» (الجرجاني، 1997: ص 87). بالنظر إلى أن النبي موسى عليه السلام وفرعون وقوم بني إسرائيل هم المخاطبون الرئيسيون، فإن الله تعالى، بصفته الراوي، يوضح هذا الخطاب في كل حالة بدقة متناهية. تتضمن الطبقة المعجمية عدة أقسام سيتم دراستها هنا.
1- الجانب الاستعاري
من أهم النقاط التي يمكن دراستها في تحليل الخطاب النقدي لنورمان فيركلاف، دراسة الجانب الاستعاري للكلمات. «بمساعدة الاستعارة، يمكن جعل الجمادات حية، والخرساء ناطقة وبليغة، وإيصال المعاني الخفية والغامضة بوضوح إلى المخاطب.» (الجرجاني، 2005: ص 41). يتمتع استخدام الاستعارة في القصص القرآنية بأهمية خاصة؛ لأنه يبدو أن الاستعارة يمكن أن توضح طبيعة اللغة الدينية بشكل أفضل. على هذا الأساس، منح الله تعالى في قصة موسى عليه السلام، من خلال الاستخدام الواسع للاستعارة، خاصة من نوع التصريحية التبعية، هوية أيديولوجية ذات معنى لقصته في تبيين الأوضاع السياسية والاجتماعية لتلك الحقبة، ونشير إلى أمثلة منها.
(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) (القصص: 8). في الآية المذكورة، توجد استعارة تصريحية تبعية في كلمة «لهم» (الهاشمي، 1999: ص 217). كان هدف فرعون من أخذ موسى عليه السلام من الماء أن يصبح ابنًا لهم ويوفر لهم السعادة، ولكن بإذن الله تعالى، أصبح عدوًا لهم وسببًا في شقائهم وهلاكهم.
(اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) (طه: 24). في كلمة «طغى» أيضًا، توجد استعارة تصريحية تبعية (المصدر نفسه: ص 218). كان تمرد فرعون قد بلغ حدًا شُبّه فيه بطغيان النهر.
(وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) (طه: 71). لقد صور الله تعالى، باستخدام كلمة «في» على سبيل الاستعارة، ذروة تمرد فرعون وقسوة قلبه. إجراء الاستعارة هو أن مطلق الاستعلاء، الذي هو من معاني «على»، يُشبّه بمطلق الظرفية، ووجه الشبه في كليهما هو التمكّن (الاستقرار)؛ ثم ينتقل التشبيه من هذين الكليين إلى الجزئيات، وهي معاني الحروف، ويُستعار لفظ «في» الموضوع للظرفية لـ «على» بطريقة التصريحية التبعية.
(وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) (طه: 41). في الآية المذكورة وفي كلمة «اصطنعتك»، استُخدمت استعارة تصريحية تبعية. فقد شُبّهت التربية بصناعة شيء بدقة وظرافة. وهذه الكلمة تعبر جيدًا عن حقيقة أن الله تعالى قد ربّى النبي موسى عليه السلام وأعدّه خير إعداد لأداء رسالته الإلهية.
(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) (البقرة: 61). كلمة «ضرب» تُستخدم للخيمة، لا لـ «الذلة» التي هي كلمة معنوية. سبب استخدام الاستعارة التصريحية التبعية هو أن الذل والهوان، كالخيمة، قد أحاطا بقوم بني إسرائيل تمامًا.
2- نوع الضمائر
في القصة المذكورة، استُخدمت أنواع مختلفة من الضمائر، ولكن يبدو أحيانًا أن طريقة استخدام الضمائر لا تتوافق مع مرجعها. على سبيل المثال، عندما بدأ الرجل العالم – النبي الخضر عليه السلام – بالحديث عن أسباب أفعاله العجيبة، استخدم في البداية ضمير المتكلم وحده: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) (الكهف: 79). وفيما بعد، يستخدم ضمير المتكلم مع الغير: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) (الكهف: 81).
بالطبع، من خلال تتبع الآيات، ندرك أن سبب استخدام مثل هذا الضمير هو أن فاعله ينسب سبب عمله إلى الأمر الإلهي، ولهذا السبب استخدم الضمير بصيغة المتكلم مع الغير: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) (الكهف: 82).
المستوى النحوي للنص
من أهم أسئلة فيركلاف في تحليل الخطاب النقدي، ما يتعلق بالجوانب النحوية للنص. «لتحليل نص ما، يجب أولاً وقبل كل شيء الانتباه إلى أن موضوع الرسالة يلعب دورًا أساسيًا في اختيار النوع اللغوي. كل موضوع يقتضي حتمًا نوعًا لغويًا خاصًا. يعلم المتحدث أي نوع يختار فيما يتعلق بكل موضوع، ويعلم كيف يدرج مشاعره وحالاته في علاقته بالمستمع ضمن مجموعة عناصره اللغوية» (بَهلوان نجاد، 1387: ص 41). مجموعة الخصائص الشكلية التي توجد في نص ما يمكن اعتبارها اختيارات خاصة من بين الخيارات المتاحة من المفردات والنحو. هذا التحليل هو تحليل تجريدي للنص.
1- الجمل المبنية للمعلوم والمبنية للمجهول
في هذه القصة، يتمتع استخدام الفعل بتواتر عالٍ، وبتقليل الوصف، يخرج النص إلى حد ما من حالة السكون. خاصية الفعل هي أنه يمنح النص حركة وديناميكية؛ على الرغم من أن الاستخدام المناسب للوصف قد أضاف أيضًا إلى جمال هذه القصة. في رواية هذه القصة، وردت معظم الجمل بصيغة المبني للمعلوم، ولاستخدام الجمل المبنية للمجهول عدة أسباب. منها أن الله تعالى، بحذف الفاعل، يريد أحيانًا ألا ينشغل ذهن السامع بمن قام بالفعل، بل أن يتوجه من خلال هذه الوسيلة إلى هدفه الأساسي وهو معرفة الله: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى) (القصص: 30)، (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) (البقرة: 61)، (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا… يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) (غافر: 40).
وأحيانًا أخرى، يكون فاعل الفعل واضحًا للمؤمنين، ولكنه غير معلوم لشخص مثل فرعون. على سبيل المثال، ينقل الله تعالى عن فرعون قوله: (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) (الشعراء: 27).
2- الجمل المثبتة والمنفية
معظم الجمل المستخدمة في هذه القصة وردت بصيغة مثبتة، ولكن استخدام الجمل المنفية يتمتع أيضًا بتواتر عالٍ وغالبًا ما يتعلق بالحوارات التي جرت بين الله تعالى والنبي موسى عليه السلام أو والدته. في الواقع، كانت هذه الجمل المنفية لتقوية قلوبهم في سبيل أداء رسالتهم: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (القصص: 13).
أحيانًا، تكتسب الجمل المنفية في هذه القصة جانبًا إيجابيًا: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ) (القصص: 17).
حتى في بعض المواضع، نواجه جملًا ليست منفية من الناحية النحوية، ولكن يُستنبط منها معنى وفكرة سلبية: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (يونس: 91)؛ أي لا أقبل هذا الإيمان؛ لأنك تعلم أنه لا سبيل للعودة. (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) (الكهف: 68)؛ أي أنك لن تصبر. (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف: 147)؛ الجزء الأخير من الآية يعني أنهم لن يروا سوى عقاب ما كانوا يفعلون.
بالطبع، في الأجزاء الأخيرة من هذه القصة، وخاصة في الحوار بين النبي الخضر والنبي موسى عليهما السلام، نواجه عددًا كبيرًا من الجمل المنفية (الكهف: 66-82).
3- أوجه الجملة المختلفة (الخبرية، الأمرية، الاستفهامية)
بشكل عام، نظرًا للطابع التاريخي والسردي للنص، فإن معظم الجمل خبرية. كما أن الجمل الأمرية تصدر في الغالب من فرعون مصر، مما يعكس مرة أخرى علاقة السيد والعبد للقارئ. بالطبع، في هذا السياق، نواجه جملًا أمرية من الله تعالى موجهة إلى النبي موسى عليه السلام، تهدف إلى تحدي خطاب الهيمنة والتبعية، وهو ما سيتم تناوله بالتفصيل في مستوى التفسير.
كما استُخدمت الجمل الاستفهامية بكثرة، ولكن معظمها يخرج عن معناه الأصلي ليفيد معاني أخرى. من أهم الجوانب النحوية في نظرية فيركلاف، دراسة كيفية استخدام معاني الاستفهام. الاستفهام، الذي هو أحد أنواع الإنشاء الطلبي، يُستخدم في الأصل للسؤال عن أمر مجهول، ولكنه أحيانًا، لأغراض بلاغية، يحيد عن هدفه الأصلي ويُستخدم في معانٍ مجازية. يلعب هذا الأمر دورًا مهمًا في إثارة فضول المخاطب تجاه مضمون السؤال. في هذه القصة، يُستنبط من الاستفهام معانٍ مختلفة. على سبيل المثال، في الآية التالية، استُخدم الاستفهام للتقرير:
(قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (الشعراء: 18-19).
أحيانًا يُستخدم الاستفهام بمعنى النفي: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف: 147).
أحيانًا، يتخذ السؤال جانب الاستئناس (الأنس)؛ مثل سؤال الله تعالى عن عصا النبي موسى عليه السلام: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) (طه: 17).
أحيانًا يكون الغرض من الاستفهام إنكار أمر ما: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) (الكهف: 68). الاستفهام في هذه الآية هو لبيان إنكار تحمل صبر وشكيمة موسى عليه السلام في مواجهة الأمور العجيبة التي سيراها.
في بعض الأحيان، يكون للاستفهام جانب التحريض والتشجيع: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) (الأعراف: 127). الهدف من استخدام الاستفهام في هذه الآية هو تحريض وتشجيع فرعون على مواجهة النبي موسى عليه السلام.
أحيانًا يُستخدم الاستفهام لتنبيه المخاطب إلى خطأ الطريق والمسلك الذي يسلكه: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا) (غافر: 28-29).
وأحيانًا أخرى، يُستخدم الاستفهام لتنبيه المخاطب إلى اختياره الخاطئ: (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) (البقرة: 61).
ولكن بالنظر إلى مضمون قصة موسى عليه السلام، يتخذ الاستفهام أحيانًا جانب التوبيخ: (قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (الأعراف: 140)، (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ) (غافر: 41).
4- نوع الارتباط بين الجمل
تتصل معظم جمل هذه القصة ببعضها البعض بواسطة حروف عطف مختلفة مثل «و»، «ف»، «أو»، و«ثم»، وهذا بالإضافة إلى إظهار الانسجام والترابط في النص، يشير إلى أن أحداث هذه القصة وقعت دون تباطؤ أو فاصل. يبدو أن الله تعالى بهذه الطريقة يريد تقصير الفاصل الزمني. لكن في بعض الأحيان، تتصل الجمل ببعضها البعض بواسطة «فاء» الجزاء. ومن الأمثلة على ذلك: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ) (القصص: 27)، (قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا) (الكهف: 76).
في بعض المواضع، ترتبط الجمل ببعضها البعض بواسطة «لولا» الشرطية: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (القصص: 10).
وأحيانًا في الجمل الشرطية، تلعب «اللام» التي تأتي في جواب الشرط دورًا في الربط بين الجملتين: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) (الشعراء: 29).
نوع الحوارات ولهجتها
من المؤكد أن الحوارات في قصة موسى عليه السلام في القرآن الكريم قد وردت بأسلوب رسمي وبليغ للغاية، ولكن ما يلفت الانتباه في هذه القصة هو لهجتها. «في مجال كتابة القصص، اللهجة هي طريقة تعامل الكاتب أو الشاعر مع موضوع القصة، بحيث يتمكن القارئ من ملاحظتها.» (داد، 1380: ص 413). تتحدد وجهة نظر الكاتب تجاه القصة من خلال اللهجة، وهي بمثابة حكم الأسلوب. «دور الأسلوب في العمل القصصي مهم ومعقد، ولكن لا يوجد أي من التأثيرات التي يمكن أن تُنسب للأسلوب أهم من مساهمته في خلق اللهجة. وفي هذا الصدد، يمكن اعتبار الأسلوب وسيلة واللهجة هدفًا.» (كني، 1380: ص 98).
في قصة موسى عليه السلام، ترتبط اللهجة والجو العام ارتباطًا وثيقًا. لهجة القصة جادة وتخلو من التعبيرات الهزلية أو الدعابة. لهجة الراوي في الأوصاف تختلف عن جو لهجة الحوارات. لهجة الراوي، مع جديتها، تكون أحيانًا ودودة ومن باب اللطف والصفاء: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى * وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) (طه: 14-18). وهذه اللهجة نفسها تتوقعها الشخصية الأولى في القصة: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه: 43-44).
وأحيانًا تكون جادة للغاية ومن منطلق الغضب والسخط ولها جانب نقدي: (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) (البقرة: 51). وهذه المسألة تنطبق أيضًا على الشخصية الأولى في القصة: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي) (الأعراف: 150).
لهجة الشخصيات الأخرى في القصة، بصرف النظر عن جانبها السلبي أو الإيجابي، تكون أحيانًا توبيخية، استفهامية، وقاطعة، وهو ما تم تناوله في بحث أوجه الجمل المختلفة.
2. قصة موسى عليه السلام على مستوى التفسير
في هذا القسم، يتم تحليل قصة النبي موسى عليه السلام على مستوى التفسير، بحيث يتم دراسة هذه القصة في سياقها الموقفي والبينامتني.
السياق الموقفي لقصة موسى عليه السلام
من خلال طرح عدة أسئلة، يمكن تفسير السياق الموقفي. ما هي القصة؟ أي ما هو النشاط الذي يتم في النص؟ ما هو عنوان وهدف هذا النشاط؟ ما هو جوهر النص؟ جوهر النص، يعني خلاصة تفسيره ككل واحد يمكن للمفسر الوصول إليه والاحتفاظ به في ذاكرته طويلة المدى للرجوع إليه عند الحاجة. (فيركلاف، 1379: ص 219).
القصة الرئيسية في البحث هي الوضع المزري الذي يواجهه قوم بني إسرائيل نتيجة تمرد فرعون وحاشيته. تقع جميع أحداث هذه القصة في إطار شخصيات القصة ووفقًا لوضعهم. جوهر النص هو أن حاكمًا ظالمًا مثل فرعون قد طغى. هو وحاشيته يرتكبون جميع أنواع الجرائم بحق شعب مصر. في هذه الأثناء، يُكلف النبي موسى عليه السلام من قبل الله تعالى بهدايته إلى الطريق المستقيم وإنقاذ قوم بني إسرائيل من ظلمه. الله تعالى، بصفته الراوي، يظهر منذ بداية القصة، الجو المرعب الذي فرضه فرعون على مملكته: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: 4).
من هم المشاركون في القصة؟ يُطرح هذا السؤال حول خلفية وسياق النص وحول الفاعلين الاجتماعيين الذين يتفاعلون مع بعضهم البعض في إنتاج النص. الفاعلون والمشاركون الرئيسيون في هذه القصة هم شعب مصر المظلوم الذين كانوا تحت التأثير المباشر لجميع الأحداث المأساوية في تلك الفترة وكانوا ضحايا للسلطة وعلاقات القوة. وفي هذا السياق، كلما كان ذلك ضروريًا، قدم راوي القصة المساعدة للشخصية الرئيسية.
كيف هي العلاقات بين شخصيات القصة، والأهم من ذلك، كيف هي العلاقات بين الراوي وشخصيات القصة؟ في هذا السؤال، يتم التركيز على وضع الفاعلين بالنسبة لبعضهم البعض؛ أي علاقات القوة بينهم، والمسافة الاجتماعية، وما إذا كانت علاقاتهم مبنية على التقابل أو التعامل المتساوي أو الهيمنة – التبعية.
في قصة موسى عليه السلام، تُرى سياقات موقفية مختلفة، يشارك في كل منها أفراد مختلفون لهم مكانتهم الاجتماعية الخاصة. في الواقع، يتشكل نوع حوارات الفاعلين والمشاركين في هذه السياقات بناءً على الطبقة الاجتماعية والعلاقات بينهم، وينعكس ذلك في النص. النبي موسى عليه السلام في كل مكان من هذه القصة، يخاطب الله تعالى دائمًا بكلمة «رب»، مما يدل على إيمانه واحترامه العميق لخالقه. على سبيل المثال: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (القصص: 16).
بحسب سيد قطب، من أسلوب القرآن في بيان هذا الحدث وعواقبه، يمكن استخلاص هذه النقطة التعليمية، وهي أن القرآن لم يجز ولم يقر بفعل موسى هذا (القتل غير العمد)، ولم يجعله أمرًا عظيمًا وبارزًا، وربما وصفه بـ «ظلم النفس» (إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) لأن دافع موسى عليه السلام في هذا الفعل كان، بشكل أو بآخر، دافعًا عنصريًا؛ وذلك من شخص اختاره الله وسيكون نبيًا مرسلًا، أو لأنه أراد الله أن تكون هذه المساعدة والإنقاذ عامة وشاملة؛ وذلك بالأسلوب الذي سيقدره الله. (سيد قطب، 2011، ج 5: ص 2684).
بالإضافة إلى ذلك، فإن هارون، على عكس الآخرين، يخاطب أخاه بعبارة «يا ابن أم»، مما يدل على احترامه للنبي موسى عليه السلام: (وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي) (الأعراف: 150).
لكن الأهم من كل ذلك هو أن الله تعالى، في مواضع متعددة من هذه القصة، تحدث مع النبي موسى عليه السلام دون وسيط، وهذا أيضًا يمكن أن يكون علامة على الاحترام الخاص من الله تعالى لعبده. ولهذا السبب، لُقب موسى عليه السلام بـ «كليم الله»: (يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (القصص: 30).
إن مقارنة المؤشرات توضح جيدًا الدور الاجتماعي للشخصيات وتظهر من يجلس على عرش السلطة ومن هو تحت يده. الأمثلة البارزة على هذه المسألة تظهر في كلام فرعون الساخر: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) (الشعراء: 23-27).
ما يظهر في هذا المجال التنافسي هو هيمنة خطاب القوة والسلطوية على الخطاب الشعبي والتحرري، والذي يتم جزء كبير منه من خلال استعراض القوة والاستبداد من قبل فرعون. في الواقع، قتل الرجال واستحياء النساء هو تكتيك يستخدمه الخطاب الحكومي للتغلب على الخطاب الشعبي، وفي مثل هذا الوضع، «جاء موسى ليعيد بناء أمة، بل ليؤسسها من جديد، ومن الواضح أن مثل هذا العمل شاق وصعب للغاية.» (المصدر نفسه: ص 2690). من هنا، قال موسى وهارون، اللذان كانا على علم بثقل هذا العبء، مخاطبين الله تعالى: (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى) (طه: 45)؛ لأن فرعون لم يكن شخصًا يخشى موسى وهارون.
بالطبع، في هذه القصة، لم يغب دور المتملقين في تعزيز هيمنة خطاب السادة على العبيد: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) (الأعراف: 127).
في هذه القصة، كان قارون شخصًا ثريًا جدًا، وكانت علاقته بالآخرين أيضًا قائمة على الهيمنة والتبعية، وهذا أدى إلى خلق سياق اجتماعي مختلف وغير متكافئ تمامًا بالنسبة للطبقة الدنيا (القصص: 76-79).
السياق البينامتني
في هذا القسم، يتم دراسة الخلفية المشتركة للسياق البينامتني المتداخل في تشكيل النص ووجه اشتراكه مع الخطاب الجاري في القصة. يتطلب قبول السياق البينامتني النظر إلى خطابات النصوص من منظور تاريخي. قيمة الخصائص النصية تكتسب جانبًا واقعيًا فقط من خلال إدخالها في التفاعل الاجتماعي، وبالتالي فإن مجرد الاهتمام بشكل النص ليس كافيًا. في الواقع، توضح مرحلة التفسير أن الفاعلين في الخطاب ليسوا مستقلين. مرحلة التفسير في حد ذاتها لا تعبر عن علاقات القوة والسلطة والأيديولوجيات الكامنة في الفرضيات المذكورة لتحويل الأفعال الخطابية المعتادة إلى ساحة صراع اجتماعي. لتحقيق هذا الهدف، تكون مرحلة التبيين ضرورية. من وجهة نظر فيركلاف، مجالات تفسير سياق النص، مثل السياقات البينامتنية، تعتمد على المعرفة المسبقة، مثل النظم الاجتماعية والتفاعل التاريخي. في هذا المستوى أيضًا، يجب الإجابة على هذه الأسئلة: 1- ما هي تفسيرات المشاركين في الخطاب من السياق الموقفي والبينامتني؟ 2- أي نوع من الخطاب سيتم استخدامه؟ (فيركلاف، 1379: ص 215-244).
كما أُشير، تمت بعثة موسى عليه السلام لمواجهة استبداد فرعون وحاشيته. وفي هذا السياق، نواجه في هذه القصة أقوالًا ومطالب تم التعبير عنها من قبل أشخاص ومجموعات أخرى. لذلك، لا يُمنع استخدام جمل استخدمها آخرون حول حدث تاريخي مماثل، بهدف شرح أفضل وأدق لذلك الحدث للكاتب: (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ) (غافر: 30-33).
في الواقع، في ظل الأجواء المناسبة التي توفرت بعد انتصار موسى عليه السلام على السحرة، أُتيحت الفرصة لبعض المؤمنين لتبني خطاب المطالبة بالحق ومناهضة الاستكبار.
3. قصة موسى عليه السلام على مستوى التبيين
الهدف من مرحلة التبيين هو وصف الخطاب كجزء من عملية اجتماعية. يصف التبيين الخطاب كفعل اجتماعي ويظهر كيف تحدد البنى الاجتماعية الخطاب، وكيف يمكن للخطابات أن تحدث نوعًا من التأثيرات التوالدية على تلك البنى؛ تأثيرات تؤدي إلى الحفاظ على تلك البنى أو تغييرها. بعبارة أخرى، عند الانتقال من مرحلة التفسير إلى مرحلة التبيين، من المهم ملاحظة أن استخدام جوانب مختلفة من المعرفة الخلفية كطرق تفسيرية في إنتاج وتفسير النصوص، سيؤدي إلى إعادة إنتاج المعرفة المذكورة، والتي لها نتيجة جانبية وغير مقصودة وغير واعية للمشاركين في الخطاب. هذا الأمر، في الواقع، ينطبق على الإنتاج والتفسير. إعادة الإنتاج هي الرابط بين مراحل التفسير والتبيين المختلفة؛ لأنه بينما يركز التفسير على كيفية الاستفادة من المعرفة الخلفية في معالجة الخطاب، فإن التبيين يتناول الأساس الاجتماعي وتغيرات المعرفة الخلفية وإعادة إنتاجها في سياق الفعل الخطابي. (المصدر نفسه).
الشكل 3: نموذج التبيين عند فيركلاف.
أهم مكونات مستوى التبيين في القصة قيد البحث هي:
أ) إعادة إنتاج الخطاب الرسمي
في قسم التبيين، نبحث عن آثار الخطاب الرسمي على المؤسسات الاجتماعية وأفرادها، وكيف تتجلى مؤشرات الخطاب الرسمي في كلام شخصيات القصة ومصيرهم. هنا، ندرس إعادة إنتاج مفاهيم الخطاب الرسمي التي أُنتجت في بعض شخصيات قصة موسى عليه السلام.
سحرة فرعون، الذين لم يكونوا يؤمنون بالله تعالى في البداية، عندما أدركوا صحة ادعاء نبوة موسى عليه السلام، وضمن عدم اكتراثهم بتهديدات فرعون، أُنتج فيهم أيضًا الخطاب الرسمي في سلوكهم وكلام موسى عليه السلام. بعبارة أخرى، كرروا نفس كلام وتعاليم موسى عليه السلام على ألسنتهم: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه: 72-73).
النقطة الجديرة بالملاحظة في الخطاب الأولي لموسى عليه السلام مع السحرة هي أنه، حسب اعتقاد بعض المفسرين، دخل السحرة من باب الأدب والتواضع وتركوا الأمر لموسى عليه السلام. كما أن موسى عليه السلام، من باب التواضع، قدمهم على نفسه: (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا) (طه: 65-66) وكان يأمل أن يكون هذا الخطاب المهذب أساسًا ودافعًا لقبولهم الحق، وهكذا كان. (فخر الرازي، د.ت، ج 24: ص 133؛ القرطبي، 1364، ج 11: ص 214).
لكن تأثير الخطاب الرسمي لا يقتصر على السحرة، بل يتغلغل إلى بعض أفراد البلاط أيضًا. على سبيل المثال، عندما عزم فرعون، بتحريض من حاشيته، على قتل موسى عليه السلام، خاطبهم رجل مؤمن كان يخفي إيمانه، مرددًا على لسانه بعضًا من خطاب موسى عليه السلام الرسمي: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ … وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ … يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ) (غافر: 28-34).
ب) تأثير علاقات القوة على شرائح المجتمع
في تحليل الخطاب النقدي، يُدعى أن الفعل الخطابي يساهم في خلق وإعادة إنتاج علاقات القوة غير المتكافئة بين الفئات الاجتماعية. الهدف من نقد الأفعال الخطابية هو بيان دورها في إنتاج وإعادة إنتاج القوة غير المتكافئة واستخدام نتائج الدراسات النقدية لتحرير المظلومين (يورغنسن وفيليبس، 1389: ص 110-115). القوة المسيطرة على الفئات الاجتماعية الأخرى تمارس هيمنة سياسية واقتصادية: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ … فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (الزخرف: 51-54).
ج) تأثير الخطاب الرسمي وعلاقات القوة في مستقبل المجتمع
على مستوى التبيين، يتم أيضًا دراسة عواقب الخطاب على البنى والمؤسسات الاجتماعية في المستقبل. الخطاب الرسمي الذي يمكنه ممارسة السلطة، لا يقتصر تأثيره على الحاضر فحسب، بل يظهر أيضًا في المستقبل. في هذه القصة، عندما يعبر موسى عليه السلام مع بني إسرائيل نهر النيل، يختار هارون خليفة له ويذهب إلى الميقات. في هذه الأثناء، يقوم شخص يدعى السامري بالتآمر، وبصنع عجل، يقصد تكرار نفس خطاب فرعون الرسمي لمستقبل بني إسرائيل: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) (طه: 88).
بالطبع، قبل ذلك أيضًا، طلب قوم بني إسرائيل من موسى عليه السلام صنمًا بمجرد عبورهم نهر النيل، عندما رأوا جماعة يطوفون حول صنم، وكانوا ينوون أن يُرسم لهم نفس خطاب فرعون الرسمي، أي عدم الإيمان بوجود الله الواحد، مرة أخرى لمستقبلهم: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) (الأعراف: 138).
هنا، يستخدم موسى عليه السلام نفس خطابه الرسمي في بلاط فرعون بشأنهم: (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ … أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (الأعراف: 138-140)، (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) (طه: 98).
يظهر كلام النبي موسى عليه السلام أن الجهل وعبادة الأوثان قد تجذرا في قوم بني إسرائيل لدرجة أنه بصرف النظر عن هلاك فرعون وجنوده، ورؤيتهم للكثير من المعجزات، إلا أن إيمان الكثيرين منهم لم يكن قلبيًا، وفي أي لحظة، كان هناك احتمال لانحرافهم والعودة إلى الماضي.
الخاتمة
1- بناءً على تحليل الخطاب النقدي لفيركلاف، في مرحلة الوصف، ولتحديد الخطاب السائد في قصة النبي موسى عليه السلام، تم تحليل الطبقة المعجمية في عدة محاور، وتبيّن أن الله تعالى في القصة المذكورة، من خلال الاستخدام الواسع للاستعارة، خاصة من نوع التصريحية التبعية، قد أضفى هوية أيديولوجية ذات معنى على قصته في تبيين الأوضاع السياسية والاجتماعية لتلك الحقبة. في هذه القصة، يتمتع استخدام الفعل بتواتر عالٍ، وبتقليل الوصف، يخرج النص إلى حد ما من حالة السكون. الجمل المنفية غالبًا ما تتعلق بالحوارات التي جرت بين الله تعالى وموسى عليه السلام أو والدته. في الواقع، كانت هذه الجمل المنفية لتقوية قلوبهم في سبيل أداء رسالتهم. في معظم الحالات، تخرج الجمل الاستفهامية عن معناها الأصلي وتفيد معاني أخرى، منها التقرير، والاستئناس، والإنكار، والتشجيع، وتنبيه المخاطب إلى خطأ الطريق والمسلك الذي يسلكه، والأهم من ذلك كله، التوبيخ. ما يلفت الانتباه في هذه القصة هو لهجة الحوارات. لهجة القصة جادة وتخلو من التعبيرات الهزلية أو الدعابة.
2- على مستوى التفسير، تم تحليل القصة المذكورة في قسمي السياق الموقفي والبينامتني. في قصة موسى عليه السلام، تُرى سياقات موقفية مختلفة، يشارك في كل منها أفراد مختلفون لهم مكانتهم الاجتماعية الخاصة. في الواقع، يتشكل نوع حوارات الفاعلين والمشاركين في هذه السياقات بناءً على الطبقة الاجتماعية والعلاقات بينهم، وينعكس ذلك في النص. ما يظهر في هذا المجال التنافسي هو هيمنة خطاب القوة والسلطوية على الخطاب الشعبي والتحرري، والذي يتم جزء كبير منه من خلال استعراض القوة والاستبداد من قبل فرعون. في هذه القصة، من قبل بعض الشخصيات، وبهدف شرح أفضل وأدق لبعض الأحداث، وبصورة بينامتنية، تم التطرق إلى بعض الأحداث التاريخية المماثلة.
3- على مستوى التبيين، تم تحليل آثار الخطاب الرسمي على المؤسسات الاجتماعية وأفرادها، وكيف تتجلى مؤشرات الخطاب الرسمي في كلام شخصيات القصة ومصيرهم. سحرة فرعون، الذين لم يكونوا يؤمنون بالله تعالى في البداية، عندما أدركوا صحة ادعاء نبوة موسى عليه السلام، وضمن عدم اكتراثهم بتهديدات فرعون، أُنتج فيهم أيضًا الخطاب الرسمي في سلوكهم وكلام موسى عليه السلام. بعبارة أخرى، كرروا نفس كلام وتعاليم موسى عليه السلام على ألسنتهم. من المسائل المهمة الأخرى في مستوى التبيين، بيان تأثير الخطاب الرسمي وعلاقات القوة في مستقبل المجتمع. في خضم الانحرافات المتعددة لقوم بني إسرائيل بعد نجاتهم من فرعون، استخدم النبي موسى عليه السلام نفس خطابه الرسمي في بلاط فرعون بشأنهم.
المصادر والمراجع
1. القرآن الكريم.
2. آقاكل زاده، فردوس (1386ش)، «تحليل الخطاب النقدي والأدب»، مجلة أدب پژوهي، العدد 1، ص 17-27.
3. ابن كثير، عماد الدين (1981م)، مختصر تفسير ابن كثير، تحقيق: محمد علي الصابوني، بيروت: دار القرآن الكريم.
4. أحمدي، بابك (1388ش)، البنية وتأويل النص، الطبعة الحادية عشرة، طهران: مركز.
5. بهلوان نجاد، محمدرضا؛ ناصري مشهدي، نصرت (1387ش)، «تحليل نص رسالة من تاريخ البيهقي بمنهج دلالي تطبيقي ‘رسالة أمراء تكين آباد’»، مجلة اللغة والأدب الفارسي، السنة 16، العدد 62، ص 37-58.
6. الجرجاني، عبد القاهر (1997م)، دلائل الإعجاز، شرح وتعليق محمد التنجي، بيروت: دار الكتب العربي.
7. الجرجاني، عبد القاهر (2005م)، أسرار البلاغة، تحقيق محمد الإسكندري، بيروت: دار الكتب العربي.
8. حري، أبو الفضل (1388ش)، «وظيفة التصريف في سورتين قرآنيتين بالنظر إلى قصة الخلق في ضوء الوظيفة الفوقية النصية لهاليداي»، مجلة أبحاث اللغات الأجنبية، العدد 55، ص 101-116.
9. داد، سيما (1380ش)، معجم المصطلحات الأدبية، الطبعة الرابعة، طهران: انتشارات مرواريد.
10. سلطاني، سيد علي أصغر (1384ش)، السلطة، الخطاب واللغة، آليات تيار السلطة في جمهورية إيران الإسلامية، طهران: ني.
11. الشاذلي، سيد بن قطب (2011م)، في ظلال القرآن الكريم، تحقيق: علي بن نايف الشحود، القاهرة: دار الشروق.
12. شجاع رضوي، سعيدة (1386ش)، «الجنس والاشتمال الدلالي»، فصلية بازند، السنة الثالثة، العدد 10، ص 11-26.
13. الطبري، محمد بن جرير (1999م)، تفسير الطبري، تحقيق: أحمد إسماعيل شكوكاني، الطبعة الأولى، بيروت: دار الكتب العلمية.
14. فخر الرازي، محمد بن عمر (د.ت)، التفسير الكبير، القاهرة: المطبعة البهية المصرية.
15. فيركلاف، نورمان (1379ش)، تحليل الخطاب النقدي، ترجمة فاطمة شايسته بيران وآخرون، طهران: مركز دراسات وأبحاث الإعلام.
16. القرطبي، محمد بن أحمد (1364ش)، الجامع لأحكام القرآن، طهران: ناصرخسرو.
17. كني، ويليام باتريك (1380ش)، كيف نحلل الأدب القصصي؟، ترجمة مهرداد ترابي نجاد ومحمد حنيف، الطبعة الأولى، طهران: انتشارات تهران.
18. مكاريك، إيرينا ريما (1383ش)، موسوعة النظريات الأدبية المعاصرة، ترجمة مهران مهاجر ومحمد نبوي، الطبعة الأولى، طهران: آگاه.
19. مك دانل، دايان (1380ش)، مقدمة في نظريات الخطاب، ترجمة حسين علي نوذري، طهران: فرهنگ گفتمان.
20. ميلز، سارا (1382ش)، الخطاب، ترجمة فتاح محمدي، الطبعة الأولى، زنجان: هزاره سوم.
21. النسفي، نجم الدين عمر (د.ت)، تفسير النسفي (مدارك التنزيل وحقائق التأويل)، الطبعة الأولى، بيروت: دار الفكر.
22. الهاشمي، أحمد (1999م)، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، الطبعة الأولى، بيروت: المكتبة العصرية.
23. يار محمدي، لطف الله (1383ش)، الخطاب الشائع والنقدي، الطبعة الأولى، طهران: هرمس.
24. يورغنسن، ماريان؛ فيليبس، لويز (1389ش)، نظرية ومنهج في تحليل الخطاب، ترجمة هادي جليلي، طهران: ني.