دراسة دلالية لرؤية يحيى بن سلام في باب المفردات القرآنية

الملخص

إن فهم معاني المفردات القرآنية هو الخطوة الأولى والأساسية في تفسير القرآن، ويشهد على ذلك تأليف العديد من المصنفات في هذا المجال منذ القرون الإسلامية الأولى. ويعد يحيى بن سلام من باحثي القرآن في القرن الثاني الهجري، ويضاعف قُرب عصره من عصر نزول القرآن من أهمية المنهجية المتبعة في آثاره في مجال علم دلالة مفردات القرآن. لذا، قمنا في هذا المقال بدراسة أثرين له؛ الأول هو كتاب التصاريف الذي يتناول الوجوه الدلالية للمفردات القرآنية، والثاني هو كتاب تفسيره. وكلا الأثرين غني بدراسات دلالة مفردات القرآن. لا شك أن هيمنة النقل هي إحدى سمات التراث التفسيري في القرون الإسلامية الأولى، وهو ما يتجلى بوضوح في الأثرين المذكورين. ومع ذلك، يبدو أن يحيى بن سلام قد تطرق في مواضع متعددة إلى دراسة دلالة المفردات القرآنية بنفسه. وعليه، يهدف هذا المقال إلى وصف وتحليل علم دلالة المفردات القرآنية في الأثرين المذكورين، من خلال تطبيق واستخدام بعض مفاهيم ومصطلحات حقل علم الدلالة، ليكشف عن منهج أحد أقدم باحثي القرآن في هذا المجال. تظهر هذه الدراسة أن يحيى بن سلام قد أولى اهتمامًا في بيان معاني المفردات القرآنية بـ«السياق الموقفي»، و«علم الاشتقاق»، و«العلاقات السياقية والاستبدالية»، و«المشتركات الخطية»، و«الاشتمال الدلالي»، و«التقابل الدلالي». كما أشار في دراسته الدلالية للمفردات القرآنية المتعلقة بالأمور غير الملموسة إلى المفهوم الاستعاري لهذه المفردات، مما يذكرنا بـ«الاستعارات المفهومية» في علم اللغة.

مقدمة

الخطوة الأولى في تفسير النص القرآني هي فهم معاني مفرداته التي تشكل أصغر وحدات النص وأساسها. وعادة ما جرت سنة المفسرين المسلمين على تناول مفردات الآيات قبل الخوض في المباحث التفسيرية. وإلى جانب ذلك، فإن الروايات التي وصلتنا عن آراء وأقوال بعض الصحابة والتابعين حول المفردات القرآنية، بالإضافة إلى تأليف عشرات المعاجم اللغوية في القرون الإسلامية الأولى، تدل على اعتبار هذه المسألة ومكانتها. ومما لا شك فيه أن مؤلفات وبحوث المتقدمين في هذا الباب ذات فائدة عظيمة، وقد استفاد باحثو القرآن المتأخرون في آثارهم كثيرًا من الروايات والمخرجات اللغوية والدلالية للمتقدمين. ومع ذلك، تكمن المشكلة في أننا نجد في آثار المتقدمين ذكر مفاهيم متعددة ومختلفة تحت مفردة واحدة، لا يمكن أن تتوافق جميعها مع سياق الآيات. لذا، لا ينبغي اليوم الاكتفاء بالاعتماد على روايات المتقدمين فحسب، كما أصبح شائعًا في كثير من الدراسات المعاصرة، بل يجب تحليلها ودراستها أيضًا. فهذه الدراسة لا تتيح الخلاص من تشتت الآراء وفهم القول الأصح فحسب، بل إنها مؤثرة أيضًا في معرفة آثار المتقدمين وفهم العملية التي أفضت إلى مثل هذه المخرجات.

بناءً على ما تقدم، قمنا في هذا البحث بدراسة وإعادة قراءة أثرين تفسيريين قديمين ليحيى بن سلام (المتوفى 200 هـ) لنبين كيف تناول علم دلالة المفردات القرآنية. وقد استعنا في هذه الدراسة ببعض المصطلحات والتعاريف المستخدمة في «علم الدلالة» والدراسات الدلالية المعاصرة. وبعبارة أخرى، قمنا من خلال تطبيق واستخدام مفاهيم ومصطلحات معروفة في مجال علم الدلالة الحديث، بوصف وتحليل علم دلالة المفردات القرآنية من منظور يحيى بن سلام، وهو أحد المفسرين القريبين من عصر نزول القرآن، وأجبنا عن الأسئلة التالية:

1- ما هي الأدوات التي استعان بها يحيى بن سلام في عملية دراسة دلالة المفردات القرآنية؟

2- في نموذج يحيى للدراسة الدلالية، ما هي مكانة الدراسات التزامنية (Synchronic) والتاريخية (Diachronic)؟

التعريف بيحيى بن سلام وآثاره

في هذا القسم، سنتناول تعريفًا موجزًا بيحيى بن سلام وأثريه التفسيريين.

1. يحيى بن سلام (124-200هـ، 742-815م)

أبو زكريا يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة البصري، مفسر، فقيه، محدث، ولغوي من القرن الثاني الهجري. ولد في الكوفة سنة 124 هجرية (أبو العرب، د.ت: ص 38). انتقل مع والده من الكوفة إلى البصرة ونشأ فيها، ولذلك دُعي بـ«البصري». ثم رحل يحيى بن سلام من البصرة إلى مصر، واستقر أخيرًا في إفريقية¹. حج في أواخر عمره، وفي طريق عودته من الحج، توفي في مصر سنة 200 هجرية. (العسقلاني، 1390هـ، ج 6: ص 260؛ الزركلي، 2002، ج 8: ص 148)

أدرك يحيى بن سلام نحو عشرين من التابعين وروى عنهم (الزركلي، 2002، ج 8: ص 148). وقد أثنى عليه علماء الرجال والطبقات بألفاظ مثل «صدوق» (ابن أبي حاتم، 1371هـ، ج 9: ص 155)، و«ثقة ثبتًا»، و«كان من الحفاظ» (أبو العرب، د.ت: ص 37)، وأكدوا وثاقته. كما وصفه أبو عمرو الداني بأنه عالم بالكتاب والسنة، وذو معرفة باللغة واللسان العربي. (ابن الجزري، 1351هـ، ج 2: ص 373)

2. آثاره

كان ليحيى بن سلام آثار ومؤلفات متعددة في مختلف المجالات العلمية (أبو العرب، د.ت: ص 37)، منها التفسير، والتصاريف، والجامع، واختيارات في الفقه (الزركلي، 2002، ج 8: ص 148). وفيما يلي، نقدم تعريفًا موجزًا بالكتابين الأولين اللذين استندنا إليهما في هذا المقال لدراسة المنهج الدلالي ليحيى بن سلام.

أ) التصاريف

كتاب التصاريف، واسمه الكامل «التصاريف لتفسير القرآن مما اشتبهت أسمائه وتصرفت معانيه»، هو أثر تفسيري يتناول بيان الوجوه الدلالية لبعض المفردات القرآنية. ويُعد هذا الأثر من أوائل الآثار التي ظهرت في القرن الثاني الهجري في مجال وجوه ونظائر القرآن (ابن سلام، 1979: ص 5). ويتضمن الكتاب في صورته الحالية 115 قسمًا، يختص كل قسم بشرح الوجوه الدلالية لمفردة واحدة. ويوضح يحيى بن سلام كل وجه بذكر نماذج من الآيات ذات الصلة، ويستند في بعض الحالات إلى أقوال التابعين. وبما أن الكتاب يفتقر إلى مقدمة، لا يمكن معرفة سبب اختيار يحيى للمفردات المذكورة في الكتاب وترك غيرها. ومع ذلك، يرى بعض المحققين أن يحيى، كغيره من المفسرين، غالبًا ما اهتم بشرح الكلمات الأكثر ورودًا في القرآن. (ابن سلام، 1979: ص 59؛ لمعرفة المزيد عن كتاب التصاريف ومنهجه، راجع: ابن سلام، 1979: صص 43-66؛ مكرم، 1417هـ: صص 116-127)

ب) تفسير يحيى بن سلام

يشتمل هذا الكتاب على تفسير 22 سورة من القرآن الكريم. وبحسب ابن الجزري، فقد عرض يحيى آراءه التفسيرية في إفريقية، وسمع الناس منه كتاب تفسير القرآن هناك (ابن الجزري، 1351هـ، ج 2: ص 373). ويكتسب هذا الأثر أهمية خاصة لقرب فترة حياة يحيى بن سلام من عصر النزول وإدراكه لأكثر من عشرين من التابعين. (الخولي، 1433هـ: ص 8؛ ابن الجزري، 1351هـ، ج 2: ص 373)

مع ذلك، يجب الانتباه إلى أنه على الرغم من أن آثار يحيى، ككثير من آثار التفسير المتقدمة، ذات طابع روائي، إلا أنه ليس مجرد ناقل للروايات والأقوال، بل يعرض رأيه ونقده بتعابير مثل «قال يحيى»، و«به يأخذ يحيى»، و«لا يأخذ به يحيى» وغيرها. وتصل أهمية هذه الفئة من آراء يحيى بن سلام إلى درجة أن ابن عاشور اعتبره مؤسس منهج التفسير النقدي (الخولي نقلاً عن ابن عاشور، 1433هـ: ص 8). بالإضافة إلى ذلك، يؤكد يحيى بن سلام أحيانًا، بنقله قولًا مشتركًا عن عدة تابعين، على رأي تفسيري معين. كما أنه في كتاب التصاريف، الذي يقل فيه ذكر النبي ﷺ والصحابة والتابعين، يستشهد بمجموعة من الآيات لبيان الوجوه الدلالية لكل مفردة. ونحن نعلم أن اختيار الآيات لكل وجه دلالي قد تم من قبل يحيى نفسه، وأن هذا الاختيار قد جرى بناءً على منظوره الدلالي بشأن الآيات، وهذا بدوره له قيمة تأويلية خاصة.

دراسة دلالية للمفردات القرآنية

في هذا القسم، نتناول الدراسة الدلالية للمفردات القرآنية تحت خمسة عناوين فرعية، هي بالترتيب: «السياق الموقفي»، و«علم الاشتقاق»، و«العلاقات السياقية والاستبدالية»، و«الاستعارات المفهومية»، و«العلاقات الدلالية على مستوى المفردة» والتي تشتمل بدورها على ثلاثة عناوين هي «المشتركات الخطية»، و«الاشتمال الدلالي»، و«التقابل الدلالي».

1. السياق الموقفي (context)

يُعرَّف السياق الموقفي، الذي يُطلق عليه أيضًا السياق المادي أو البيئي، بأنه الظروف الزمانية أو المكانية المباشرة التي تحيط بالمتكلم والمستمع وتؤثر في إنتاج المقاطع الكلامية وتحديد معناها. (Yule, 2014: p295؛ آقاكل زاده، 1392ش: ص 39)

في مباحث علوم القرآن والتفسير، يتشابه السياق الموقفي مع القرائن المتصلة غير اللفظية، والتي تتمثل في أجواء نزول الآيات وتشمل سبب النزول، وشأن النزول، وزمان ومكان نزول الآيات، وثقافة عصر النزول (بابايي، 1394ش: ص 125). وفيما يلي نذكر مثالين من المفردات القرآنية يبدو أن يحيى بن سلام قد اهتم في بيان معانيها بظروف وأجواء نزول الآيات واستفاد منها؛ أي ما يشبه ما يُعرف في علم الدلالة الحديث بالسياق الموقفي.

أ) معاد

كلمة «معاد» هي اسم مكان أو اسم زمان من جذر «عود»، بمعنى مكان العودة أو زمان العودة (راغب، 1412هـ: ص 593). في تفاسير القرآن للآية 85 من سورة القصص «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ»، ذُكرت معانٍ مختلفة لهذه الكلمة، حيث فسرها المفسرون بمكة، وبيت المقدس، والموت، والجنة، والقيامة، وغيرها. (الطبري، 1412هـ، ج 20: ص 79؛ الطباطبائي، 1417هـ، ج 16: ص 86)

يستشهد يحيى في كتاب التصاريف (1979: ص 189) بهذه الآية لبيان المعنى الرابع لكلمة «فرض»، ويتناول ضمن ذلك تفسير كلمة «معاد». وفي تبيينه لمعنى هذه الكلمة، يشير إلى موقف نزول الآية، حيث نزلت أثناء هجرة النبي من مكة إلى المدينة وفي أرض «الجُحْفَة»²، وبناءً على ذلك، اعتبر أن المراد بهذه الكلمة هو «مكة» (انظر أيضًا: ابن سلام، 1425هـ، ج 2: ص 613). وبعبارة أخرى، يُقال للنبي ﷺ في هذه الآية ألا تحزن لخروجك من مكة، ويُبشّر بأنه سيعود إلى هذه المدينة يومًا ما؛ تمامًا كما أُشير في الآيات الأولى من سورة القصص إلى قدرة الله في إعادة موسى إلى أمه وأرض مصر. (الطبرسي، 1372ش، ج 7: ص 422؛ سيد قطب، 1412هـ، ج 5: ص 2715)

ب) الخير

كما ذكر اللغويون العرب، فإن كلمة «خير» في مقابل «شر»، تعني الأمر الحسن والأفضل (ابن منظور، 1414هـ، ج 4: ص 264). في تفاسير القرآن للآية 25 من سورة ق «مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ»، ذُكرت آراء مختلفة حول معنى هذه الكلمة. ذهب البعض إلى أن المقصود بـ«الخير» هو «الزكاة» الواجبة (الطبري نقلًا عن قتادة، 1412هـ، ج 26: ص 104)، بينما ذهبت فئة أخرى إلى أنها تعني «المال» وتشمل جميع الحقوق المالية الواجبة من زكاة وغيرها (الطبري، 1412هـ، ج 26: ص 104؛ الطبرسي، 1372ش، ج 9: ص 221؛ الطوسي، د.ت، ج 9: ص 367؛ الزمخشري، 1407هـ، ج 4: ص 387؛ الفخر الرازي، 1420هـ، ج 28: ص 136). وفي مقابل هذين الرأيين، يوجد رأي آخر يرى أن المراد بـ«الخير» هو «الإسلام». ويستند هذا الرأي إلى رواية في سبب النزول، مفادها أن الآية 25 من سورة ق نزلت في رجل مشرك يدعى الوليد بن المغيرة كان يمنع أبناء إخوته من اعتناق دين الإسلام. (الطبرسي، 1372ش، ج 9: ص 221)

يعد يحيى بن سلام في كتاب التصاريف ثمانية وجوه دلالية لكلمة «خير»، وثالثها هو «الإسلام». ويذكر الآية 25 من سورة ق تحت هذا الوجه، واستنادًا إلى سبب نزول الآية الذي سبق ذكره، يفسر «مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ» بمعنى «منّاعًا للإسلام». (ابن سلام، 1979: ص 175)

على الرغم من أن الرأي الذي يعتبر «الخير» بمعنى «الإسلام» يعد قولًا أضعف بين المفسرين، إلا أنه يبدو أن الاهتمام بالسياق الموقفي يؤيد هذا الرأي. بالإضافة إلى ذلك، فإن السياق النصي (co-text) لهذه الآية، أي الآية 26 من سورة ق «الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ» التي تبين صفة الشرك لدى الشخص المذكور، تعد دليلًا آخر على صحة التفسير الذي قدمه يحيى بن سلام.

2. علم الاشتقاق (etymology)

علم الاشتقاق هو العلم الذي يبحث في كيفية تكوين الكلمات ومسار تغيرها وتطورها التاريخي من الناحية البنيوية والدلالية. وفي علم الاشتقاق، الذي يعد أحد فروع علم اللغة، يتم الحديث بشكل خاص عن تطورات الكلمة وتغيرها من صورة إلى أخرى (Brown & Miller, 2013: p158). وفيما يلي، نتناول رأي يحيى بن سلام حول مفردتين قرآنيتين ونبين وجهة نظره من منظور علم الاشتقاق.

أ) محسور

يذكر يحيى في تفسيره (1425هـ، ج 1: ص 131) للآية 29 من سورة الإسراء: «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا»، أن معنى «محسور» هو «ذهاب ما في اليدين من مال». ولتوضيح معنى «محسور» أكثر، يذكر ارتباط جذر «حسر» بجذر «خسر» (بالخاء المعجمة). وقد ورد المعنى الأساسي لجذر «خسر» في كتاب العين بمعنى «النقصان» أو «الضرر» (الخليل، 1410هـ، ج 4: ص 195). بالإضافة إلى ذلك، ذكر يحيى في كتاب التصاريف أن كلمة «حسير» القرآنية تعني «المتعب»، «المنهك»، و«العاجز». (1979: ص 316)

تُظهر دراسة المعاجم العربية القديمة والأشعار الجاهلية أن «الفقدان أو الضياع» و«النقصان» من المفاهيم الأساسية لجذر «حسر» في اللغة العربية. فعلى سبيل المثال، ذكرت المعاجم العربية القديمة أن كلمتي «حسير» و«محسور» تستخدمان لوصف البعير الذي ينهك ويعجز عن مواصلة السير من كثرة المشي (الخليل، 1410هـ، ج 3: ص 133؛ ابن منظور، 1414هـ، ج 4: ص 188). وفي بيت شعر للبيد بن ربيعة، ورد:

فإِذا تَعالَى لَحْمُها وَتَحَسَّرَتْ … وَتَقَطَّعَتْ بعد الكَلالِ خِدامُها

يقول الأزهري إن هذا البيت في وصف ناقة سمنت وامتلأ سنامها في فصل الربيع، ولكن بعد مدة من السير والركوب، فقدت سمنتها، ووصل لحمها إلى العظم، ومع عريها من اللحم، أصبحت عضلاتها قوية وصلبة. (الأزهري، 2011، ج 4: ص 169)

يبدو أنه بناءً على هذا المعنى، فسّر بعض اللغويين والمفسرين الكلمة القرآنية «محسور» بمعنى «العاري من كل مال» أو «الفقير» (ابن منظور، 1414هـ، ج 4: ص 188؛ الفراء، د.ت، ج 2، ص 122؛ الزمخشري، 1407هـ، ج 2: ص 662؛ Lane, 1863: p569).

مع كل هذا، فإن ما يجب أن نلتفت إليه الآن هو الصلة التي يقيمها يحيى بن سلام بين جذري «حسر» و«خسر». يبدو أنه يشير هنا إلى الاشتقاق الأكبر أو الإبدال اللغوي (consonantal substitution) بين كلمتي «حسر» و«خسر». فالاشتقاق الأكبر يتناول العلاقات الدلالية بين الكلمات التي يتغير فيها أحد صوامتها الثلاثة، مع الحفاظ على الترتيب، إلى صامت آخر قريب المخرج؛ مثل كلمات «نعق» و«نهق» و«جذم» و«جذل» (بابك فرزانه، 1367ش، ج 9: ص 14). نعلم أن «الحاء» و«الخاء» كلاهما من الحروف الحلقية (guttural) ويشتركان في صفة «الهمس» (voiceless) (ابن يعيش، د.ت، ج 5: صص 516 و 522). لذا، يُعتبر التغيير بين هذين الصامتين في كلمات مثل «رنّح» و«رنّخ» و«لطح» و«لطخ» من باب الإبدال (ابن فارس، 1979، ج 2: ص 444 و ج 5: ص 251؛ انظر أيضًا: ابن منظور، 1414هـ، ج 2: ص 578). كما يمكن تقديم كلمات تنتمي إلى لغتين مختلفتين من عائلة اللغات السامية، تحل فيها هذان الحرفان محل بعضهما البعض. على سبيل المثال، الصامت «الحاء» في اللغة العربية يقابله الصامت «ח» (het) في اللغة العبرية. ومع ذلك، يُشار إلى هذا الصامت أحيانًا في اللغة العربية بحرف «الخاء»؛ كما أن الفعلين العبريين «חָתַם» (ḥātam) و«חָטַף» (ḥāṭaf) يستخدمان في اللغة العربية بصيغة «ختم» و«خطف». (Gesenius, 1907: pp 310 and 367)

علمنا أن جذري «حسر» و«خسر» في اللغة العربية لهما مفهوم متقارب (فرج، 1936، ج 2: ص 369)، لذا يمكن افتراض أن هذين الجذرين هما المقابلان العربيان للجذر «ח-ס-ר» (ḥ-s-r) في اللغة العبرية. وبناءً على ما تقدم، إذا بحثنا عن الكلمة القرآنية قيد البحث، أي «محسور»، في العهد القديم، فسنجد أن مقابلها العبري له معنى مشابه. وهذه الكلمة العبرية ونقحرتها إلى الإنجليزية هي: «מַחְסוֹר» (maḥsûr).

الكلمة المذكورة التي وردت حوالي ثلاث عشرة مرة في مجموعة العهد القديم (أسفار التثنية، القضاة، المزامير، الأمثال) لها تشابه ملحوظ مع الكلمة القرآنية «محسور». وكلمة «מַחְסוֹר» (maḥsûr) استخدمت على الأقل في ثلاث من هذه المرات الثلاث عشرة، تمامًا كنظيرتها القرآنية، في سياق موضوع الإنفاق. على سبيل المثال، ترجمة الآيات التالية من سفر التثنية تظهر هذا السياق المشترك بوضوح:

«إِذَا كَانَ فِيكَ أَخٌ مِنْ إِخْوَتِكَ فَقِيرًا فِي إِحْدَى مُدُنِ أَرْضِكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ، فَلَا تُقَسِّ قَلْبَكَ وَلَا تَكُفَّ يَدَكَ عَنْ أَخِيكَ الْفَقِيرِ، بَلِ افْتَحْ لَهُ يَدَكَ وَأَقْرِضْهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِقَدْرِ كِفَايَتِهِ».³ (التثنية، الإصحاح 15: الآية 8)

كلمة «מַחְסוֹר» (maḥsûr) من جذر «ח-ס-ר» (Ḥ-S-R)، هي اسم وتعني الفقر والحاجة (Gesenius, 1907: p341). ومع ذلك، تُستخدم الكلمة أيضًا بمعنى وصفي. في سفر الأمثال، الإصحاح 21، الآية 17، ورد هذا التركيب: אִישׁ מַחְסוֹר (النقحرة إلى الإنجليزية: îš maḥsûr).

التركيب أعلاه يعني «الرجل الفقير» أو بالمعنى الحرفي «رجل فقر». ومن الواضح أن كلمة «מַחְסוֹר» (maḥsûr) في هذا التركيب تخلت عن معناها الاسمي واستُخدمت بمعنى وصفي. هذه الحالة تُرى، على سبيل المثال، في اللغة العربية عندما يُستخدم المصدر بمعنى وصفي. وربما يمكن القول إن هذا الشكل من استخدام الكلمة يحمل نوعًا من المبالغة في معناها. (انظر Wilson, 1870: p318)

والآن نشير إلى آية أخرى من العهد القديم (سفر الأمثال، الإصحاح 28، الآية 27) تشبه إلى حد كبير الآية 29 من سورة الإسراء: «مَنْ يُعْطِي الْفُقَرَاءَ لَا يَفْتَقِرُ، وَمَنْ يَحْجُبُ عَيْنَيْهِ عَنْهُمْ فَعَلَيْهِ لَعَنَاتٌ كَثِيرَةٌ».

في الآية أعلاه، عبارة «من يعطي الفقراء لا يفتقر» هي ترجمة لهذه العبارة العبرية: «נוֹתֵן לָרָשׁ אֵין מַחְסוֹר» (النقحرة إلى الإنجليزية: nōṯên lārāš ên maḥsûr).

من الواضح أن كلمة «מַחְסוֹר» (maḥsûr) في الآية المذكورة، مثل كلمة «محسور» في الآية 29 من سورة الإسراء، تحمل معنى «الفقير» و«المعدم»، بل إن مضمون وتركيب هاتين الآيتين متشابهان إلى حد كبير.

ب) «رِجْز» و«رِجْس»

ذكر يحيى في كتاب التصاريف أربعة وجوه دلالية لكلمة «رِجْز» (انظر تتمة المقال). ومع ذلك، في بيانه للمعنى الرابع، وضع كلمة «رِجْس» بدلًا من «رِجْز». يبدو أن هذا كان اختيارًا واعيًا لإظهار الصلة بين هاتين الكلمتين. تجدر الإشارة إلى أن يحيى في كتاب التصاريف، لبيان الوجوه الدلالية للكلمات المختلفة، لم يلتفت أساسًا إلى جذر الكلمة إلا في حالات نادرة. لذا، يبدو أنه في هذه الحالة أيضًا أشار إلى الاشتقاق الأكبر بين هاتين الكلمتين.

نعلم أن الصامتين «س» و«ز» كلاهما من الصوامت اللثوية الاحتكاكية (alveolar-fricative). وبعبارة أخرى، هذان الصامتان متماثلان من حيث مكان النطق (لثوي)، ولكنهما يُصنفان من حيث طريقة النطق ضمن الاحتكاكيات؛ بمعنى أنه عند نطقهما، يُنتج صوت صفيري (Carr, 2012: p7). وفي اللغة العربية، سُميت هذه الخاصية بـ«الأَسَلِيّة»، ويُعزى الإبدال في كلمات مثل «أسد» و«أزد» و«سراط» و«زراط» إلى هذه الخاصية (ابن يعيش، د.ت، ج 5: ص 525؛ الفراء، د.ت، ج 1: ص 480؛ ابن منظور، 1414هـ، ج 7: ص 340). بالإضافة إلى ذلك، يمكن حتى تقديم كلمات تنتمي إلى لغتين ساميتين، يُرى فيها هذا النوع من الإبدال. على سبيل المثال، الفعل العبري «נָסַע» (nāsaʿ) بمعنى «اقتلع» يُستخدم في اللغة العربية بنفس المعنى بصيغة «نزع».

بناءً على ما تقدم، يتضح لماذا بحث يحيى بن سلام وآخرون (على سبيل المثال، انظر: ابن قتيبة، د.ت، ج 1: ص 259؛ ابن فارس، 1979، ج 2: ص 490؛ السيوطي، 1418هـ، ج 1: ص 365) كلمتي «رِجْز» و«رِجْس» معًا، أو لماذا قرأ بعض التابعين، مثل أبي العالية، كلمة «رِجْز» بصيغة «رِجْس» (الأندلسي، 1420هـ، ج 5: ص 284).

3. العلاقات السياقية والاستبدالية

العلاقة السياقية (syntagmatic) والعلاقة الاستبدالية (paradigmatic) هما مصطلحان أساسيان في علم اللغة طرحهما فردينان دو سوسور (Ferdinand de Saussure) للإشارة إلى أنواع العلاقات بين الوحدات اللغوية. والآن نوضح هذين النوعين من العلاقات مع أمثلة قرآنية من آثار يحيى بن سلام.

أولًا: العلاقات السياقية (syntagmatic relations)

تُسمى العلاقات بين الأجزاء المكونة الموجودة في تركيب ما بالعلاقات السياقية. تستند هذه العلاقات إلى التسلسل الخطي أو السلسلي (linear sequence) وتتشكل بين العناصر الموجودة في الجملة. تشمل العلاقات السياقية جميع مستويات التحليل اللغوي، وبناءً على ذلك يمكن أن تنشأ بين الكلمات، وفئات الكلمات، والوحدات المعقدة من أي حجم ونوع، مثل الكلمات المركبة، والبنى الاشتقاقية، والمجموعات، والجمل. (Saussure, 2013: pp 145-148; Crystal, 2008: p470)

والآن نتناول دراسة يحيى بن سلام الدلالية لكلمة «صلاة»، والتي قُدمت بناءً على الكلمات المجاورة لـ«صلاة» في الآيات ذات الصلة؛ أي ما يشبه ما يُعنى به في علم الدلالة الحديث تحت عنوان العلاقات السياقية.

الصلاة

استُخدم جذر «صلو» في القرآن مرارًا، وذكرت المعاجم العربية القديمة تحت هذا الجذر معانٍ مختلفة مثل «نقطة وسط ظهر الدابة والإنسان» (= موضع اتصال عظمي الفخذ)، و«الدعاء»، و«الصلاة»، وغيرها. (الخليل، 1410هـ، ج 7: ص 57؛ الأزهري، 2011، ج 6: ص 250؛ ابن منظور، 1414هـ، ج 14: ص 464)

ذكر يحيى بن سلام في كتاب التصاريف (1979: ص 166) وجهين دلاليين للاستخدامات القرآنية لجذر «صلو»، وفي تقديمه لكلا الوجهين، التفت إلى العلاقات السياقية للكلمات. وفيما يلي ندرس هذين الوجهين.

1- المغفرة والاستغفار

حسب رأي يحيى، كلما اقترنت مشتقات جذر «صلو» بكلمات تدل على «الله»، فإنها تكون بمعنى «المغفرة» أو «الغفران»، وكلما استُخدمت في تركيب مع كلمات تشير إلى مخلوقات الله كالملائكة أو البشر، فإنها تكون بمعنى «الاستغفار». على سبيل المثال، في آية «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ» (الأحزاب: 43)، فإن فعل «يُصَلِّي» في سياقه مع ضمير «هو» الذي يشير إلى الله، يكون بمعنى «يغفر»، وفي تركيبه مع «مَلَائِكَتُهُ» يكون بمعنى «تستغفر». وفي آية «وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ» (التوبة: 99)، أُضيفت كلمة «صَلَوَات» في السلسلة السياقية إلى كلمة «الرَّسُول»، لذا اعتبرها يحيى بمعنى «الاستغفار». (المصدر نفسه).

2- الصلوات الخمس

في جميع الاستخدامات القرآنية لهذا الوجه الدلالي، نواجه كلمة «الصلاة» (المصدر نفسه: ص 167). على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى هذه الآيات: «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ» (البقرة: 3)، «وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ» (هود: 114)، «أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا» (الإسراء: 78)، و«فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۚ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا» (النساء: 103).

كما يُلاحظ، اقترنت كلمة «الصلاة» في هذه الآيات بكلمات مثل «يُقِيمُونَ»، و«أَقِمِ»، و«أَقِيمُوا»، و«كِتَابًا»، وتعابير دالة على أوقات معينة من الليل والنهار، مثل «طَرَفَيِ النَّهَارِ»، و«زُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ»، و«دُلُوكِ الشَّمْسِ»، و«غَسَقِ اللَّيْلِ»، و«الْفَجْرِ»، وكذلك كلمة «مَوْقُوتًا». هذه العلاقات السياقية تُظهر أن المقصود بـ«الصلاة» في هذه الآيات ليس دعاءً فرديًا، بل هو أمر واجب من عند الله، وله شكل شعائري يجب أداؤه في أوقات محددة من الليل والنهار وفي خمس نوبات؛ كما أكد الطبرسي في تبيينه لمعنى «وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ» في الآية 3 من سورة البقرة على هذه النقطة (1372ش، ج 1: ص 122؛ انظر أيضًا ج 1: ص 213 وج 8: ص 446). كما اعتبر الطوسي (د.ت، ج 8: ص 212)، والزمخشري (1407هـ، ج 1: ص 133)، والفخر الرازي (1420هـ، ج 3: ص 485؛ ج 11: ص 208) أن اقتران الصلاة بالتعابير المذكورة يدل على المعنى الشعائري لـ«الصلاة».

مع ذلك، كما أُشير سابقًا، يجب الانتباه إلى أن جذر «صلو» في جميع الآيات التي استشهد بها يحيى في هذا المعنى، قد استُخدم بصيغة المفرد ومع «ال» التعريف، بصورة ثابتة (الصلاة). من الواضح أن كلمة «الصلاة» لم تعد تدل على أي دعاء أو صلاة، بل مع مرور الزمن، خُصص معناها وأصبحت تدل على الصلوات الخمس. (الطبرسي، 1372ش، ج 1: ص 122؛ صفوي، 1387ش: ص 195)

يبدو أن يحيى قد التفت أيضًا إلى هذه الدلالة التاريخية. فهو في تفسيره للآية 17 من سورة الروم، وبتعبير «قال يحيى»، يطرح رأيه قائلًا: «الصلوات الخمس فُرضت قبل الهجرة بسنة واحدة وفي ليلة المعراج، لذا، فإن كلمة (الصلاة) بعد هذا التاريخ استُخدمت بمعنى (الصلوات الخمس)». (ابن سلام، 1425هـ، ج 2: ص 649)

ثانيًا: العلاقات الاستبدالية (paradigmatic relations)

الروابط بين وحدة لغوية ووحدات أخرى مشابهة لها في سياق معين تُسمى بالعلاقات الاستبدالية (Crystal, 2008: p348). على عكس العلاقات السياقية، فإن الرابط بين الوحدات اللغوية في العلاقات الاستبدالية ليس من النوع التسلسلي الخطي، بل هو علاقة موجودة في الذهن. وبناءً على ذلك، تحل الوحدات اللغوية المتشابهة محل الوحدات الموجودة في الجملة دون أن تكون موجودة مسبقًا في الجملة الحاضرة (Saussure, 2013: p145). يمكن للعلاقات الاستبدالية، مثل العلاقات السياقية، أن تنشأ على جميع مستويات التحليل اللغوي، من الكلمات إلى الوحدات المعقدة. (Crystal, 2008: p349)

فيما يلي، نقدم مثالين من المفردات القرآنية، حيث استفاد يحيى بن سلام في تحديد معناهما من الآيات المشابهة والكلمات الاستبدالية في هذه الآيات.

1- عبادي

في باب تعبير «عبادي» في آية «إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ» (الحجر: 42)، يجب أولًا الانتباه إلى أنه في الآيتين السابقتين، أي الآيتين 39-40 من سورة الحجر، ورد قول الشيطان بأنه سيغوي جميع العباد إلا «عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ»: «قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ». لذا، وبالنظر إلى هذا السياق، يوجد أساسًا رأيان تفسيريان حول «عبادي».

حسب الرأي الأول، فإن الله، في معرض معارضته لكلام إبليس، يُخرج جميع البشر بتعبير «عبادي» (عبادي) من سلطان إبليس، إلا الضالين الذين يتبعون إبليس باختيارهم. (فخر الرازي، 1420هـ، ج 19: ص 145؛ الطباطبائي، 1417هـ، ج 12: ص 166)

حسب الرأي الثاني، فإن «عبادي» في الآية 42 هم أنفسهم «عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ» في الآية 40. وبعبارة أخرى، يؤيد الله في الآية 42 استثناء إبليس في الآية 40 ويحصر عباده في دائرة صغيرة، أي «عِبَادِ مُخْلَصِين» («عبادي» = «عبادك المخلصين»). في هذا الرأي، تكون «إلا» في الآية 42 بمعنى «لكن» ولا يوجد استثناء في الآية. (فخر الرازي، 1420هـ، ج 19: ص 146)

لقد التفت يحيى بن سلام (1425هـ، ج 1: ص 89) في مواجهته لهذه المسألة التفسيرية إلى العلاقات الاستبدالية، واستشهد بالآيتين 99 و100 من سورة النحل: «إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ». إذا كتبنا هذه الآيات بالشكل التالي، سيتضح المقصود من تعبير «عبادي» في الآية 42 من سورة الحجر:

– «إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ»

– «إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»

– «إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ» (= ليس سلطانه إلا على الذين يتولونه)

نرى أنه في المحور الاستبدالي، يمكن استبدال «عبادي» بـ«الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ». بالإضافة إلى ذلك، فإن «مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ» و«الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ» يقعان أيضًا في علاقة استبدالية. بناءً على ما تقدم، يبدو أن يحيى بن سلام قد أيد الرأي الأول من بين الرأيين التفسيريين المذكورين.

2- عاقبة

يستخدم يحيى في تفسير كلمة «عاقبة» في آيتي: «وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ» (الحج: 41) و«وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ» (لقمان: 22) مشتقات من جذري «صير» و«رجع» (1425هـ، ج 1: ص 381 وج 2: ص 679). نعلم أنه في المصادر اللغوية، ذُكرت لجذر «صير» مفاهيم «الرجوع» و«الانتهاء» وما شابه، ولجذر «رجع» ذُكر معنى «الرجوع» (ابن منظور، 1414هـ، ج 4: ص 477 وج 8: ص 114؛ راغب، 1412هـ: ص 498). بالإضافة إلى ذلك، وردت لكلمة «عاقبة»، المشتقة من جذر «عقب»، مقابلات مثل «الرجوع» و«الختام» و«النهاية». (الخليل، 1410هـ، ج 1: ص 179؛ ابن منظور، 1414هـ، ج 1: ص 612)

مع ذلك، فإن ما يجب الانتباه إليه الآن هو أن يحيى قد بيّن مفهوم كلمة «عاقبة» بمساعدة الآيات المشابهة والكلمات الاستبدالية في هذه الآيات (1425هـ، ج 1: ص 381). فهو في تفسيره للآية 41 من سورة الحج، يستشهد بالآية 40 من سورة مريم «وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ» وعبارة «إليه تصير الأمور» التي يمكن اعتبارها مأخوذة من الآية 53 من سورة الشورى «إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ». إذا كتبنا الآيات المذكورة بالشكل التالي، فإن الكلمات التي تقع في علاقات استبدالية ستكون سهلة التمييز:

– «وَإِلَى/وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ»

– «إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ»

– «وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ»

من الواضح أن الكلمات الثلاث «عاقبة» و«تصير» و«يرجعون» في المحور الاستبدالي يمكن أن تحل محل بعضها. مع ذلك، لا ينبغي أن ننسى أن كلمة «عاقبة» هي مؤنث «عاقب»، ومثل كلمات «عافية» و«كاذبة» و«باقية»، تُعد اسم فاعل من حيث الشكل والصيغة، ولكنها من حيث المعنى مصدر (صافي، 1418هـ، ج 4: ص 315؛ الغلاييني، 1414هـ، ج 1: ص 175). نعلم أن المصدر في اللغة العربية يُعتبر أساسًا شبه فعل، ومثل الفعل يدل على وقوع حدث أو حالة، ولكن بخلاف الفعل، لا يدل على زمان (الغلاييني، 1414هـ، ج 1: ص 160). لذا، فإن كلمة «عاقبة» في الآية المذكورة هي مصدر حل محل الفعل وأُضيف إلى فاعله، أي كلمة «أمور»، وهي من حيث الدور النحوي تشبه فعلي «تصير» و«يرجعون».

4. الاستعارات المفهومية (conceptual metaphors)

في نظرية «الاستعارات المفهومية»، يُقال إن طبيعة نظامنا المفهومي العادي، الذي يقوم عليه فكرنا وعملنا، هي في الأساس استعارية، وتتضمن مجموعة معقدة من المطابقات بين مجالات مختلفة. الاستعارة في هذه النظرية هي عملية فهم بين مجال مصدر ومجال هدف. المجال المصدر ملموس، والمجال الهدف مجرد. توفر المجالات المصدر طريقة للتحدث عن مجالات الهدف وفهمها. (Brown and Miller, 2013: p95; crystal, 2008: p98؛ ليكاف وجانسون، 1396ش: ص 9)

لقد جرت دراسة يحيى بن سلام الدلالية لبعض المفردات القرآنية بالنظر إلى المفاهيم الاستعارية. كما نعلم، تختلف الاستعارة بمفهومها التقليدي عن نظرية الاستعارات المفهومية اختلافات جوهرية، وهنا لا ندعي أبدًا أن يحيى في القرن الثاني كان على دراية بنظرية حديثة. ومع ذلك، فإن التفسير الذي يقدمه يحيى لبعض المفردات، من ناحية، يُظهر طبيعة النصوص المقدسة والمفاهيم الاستعارية المطروحة فيها، ومن ناحية أخرى، يمهد الطريق للاستفادة من نظرية الاستعارات المفهومية وتطبيقها في تفسير بعض آيات القرآن الكريم.

فرار

يذكر يحيى في بيان الوجوه الدلالية لكلمة «فرار» أربعة معانٍ لها (1979: ص 219). وهو في الوجه الأول يستند إلى الآية 8 من سورة الجمعة: «قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ» ويعتبر أن كلمة «تَفِرُّونَ» (= تفرون) تعني «تكرهون» (= لا تحبون أو تستاءون). نعلم أن الموت ظاهرة مجردة وغير محسوسة، وبالتالي، لا يمكن أن يكون الفرار من الموت مفهومًا ملموسًا وعينيًا. يبدو أنه في الآيات التي تشير إلى مفهوم «الفرار من الموت»، يُفهم الموت كحيوان مفترس يطارد الإنسان وهو يهرب منه. وقد صور الهذلي، الشاعر العربي (المتوفى 27 هـ)، هذا الفهم في البيت التالي:

وَإِذا المَنِيَّةُ أَنشَبَت أَظفارَها … أَلفَيتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنفَعُ

(ابن منظور، 1414هـ، ج 12: ص 70)

فهو يصف الموت كحيوان مفترس يغرس مخالبه في روح الإنسان.

في نهج البلاغة (الخطبة 85)، قُدم فهم استعاري مشابه لظاهرة الموت: «فَكَأَنَّ قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ الْمَنِيَّةِ». وفي هذه العبارة أيضًا، يُتحدث عن مخالب الموت.

بناءً على ما تقدم، نواجه في الآية 8 من سورة الجمعة استعارة مفهومية هي «الموت حيوان مفترس»، وقد عُبر عن هذه الاستعارة من خلال عبارة «إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ».

الآن، يمكن القول إن لدينا هنا مفهومين ملموسين ومفهومين مجردين: المفهوم الملموس «حيوان مفترس» الذي يقابله المفهوم المجرد «الموت»، والمفهوم الملموس «الهروب» الذي وضع يحيى مقابله المفهوم المجرد «تكرهون» (= لا تحبون أو تستاءون).

5. العلاقات الدلالية على مستوى المفردة

لقد اهتم يحيى بالعلاقات الدلالية على مستوى المفردة. وفيما يلي، نتناول ثلاثة أنواع من هذه العلاقات التي قام على أساسها بدراسة دلالة المفردات القرآنية.

أولًا: المشتركات الخطية (homographs)

الكلمات التي تُكتب بشكل متطابق ولكن طريقة نطقها مختلفة تُسمى «المشتركات الخطية»، مثل كلمة «lead» في الإنجليزية، التي إذا نُطقت /li:d/ تكون فعلًا بمعنى «يقود»، ولكن إذا نُطقت /led/ تكون اسمًا بمعنى «الرصاص». (Brown & Miller, 2013: p212؛ شقاقي، 1389ش: ص 28)

الأشكال الصوتية للكلمات والمعاني المختلفة الناشئة عنها، والتي تُسمى في علم اللغة الحديث بالمشتركات الخطية، كانت محل اهتمام يحيى بن سلام في إطار بحث القراءات. وفيما يلي أمثلة على ذلك.

1- «رِجْز» و«رُجْز»

كلمتا «رِجْز» و«رُجْز» مأخوذتان من جذر «رجز». وهذا الجذر في اللغة يعني أساسًا الاضطراب والتزلزل (ابن فارس، 1979، ج 2: ص 489؛ ابن منظور، 1414هـ، ج 5: ص 352؛ راغب، 1412هـ: ص 341). وقد اعتبر ابن منظور «رِجْز» مرادفًا لـ«رجس»، بمعنى «النجاسة» (1414هـ، ج 5: ص 352). كما ذكر له معاني «العذاب» و«وساوس الشيطان»، واعتبر هذه الكلمة في معنى «عبادة الأصنام» مرادفة لكلمة «رُجْز» (المصدر نفسه). ويرى الخليل بن أحمد أن «رِجْز» بكسر وضم الراء لهما معنى واحد، والمراد به «الصنم» (1410هـ، ج 6: ص 66). أما الفراء، فبعد ذكر أقوال المفسرين في قراءات الكلمة بالكسر والضم، والمعاني المقدمة لها مثل «عذاب» أو «وثن»، يرى ترادف الصورتين الصوتيتين للكلمة. (د.ت، ج 3: ص 200)

وقد اعتبر المفسرون عمومًا كلمتي «رِجْز» و«رُجْز» مترادفتين، كما يرى الطبري بعد ذكر اختلاف الآراء في هذا الشأن أن الرأي الصحيح هو ترادف الكلمتين في معنى «العذاب» (1412هـ، ج 29: ص 92). والفخر الرازي (1420هـ، ج 30: ص 699)، والطبرسي (1377ش، ج 4: ص 390)، والبيضاوي (1418هـ، ج 5: ص 259) يرون أيضًا ترادف المعنى في كلتا القراءتين.

مع ذلك، فقد فرّق يحيى بن سلام بين معنى كل صورة من الصورتين الصوتيتين لهذه الكلمة، مما يدل على اهتمامه بالمشتركات الخطية في دراسة دلالة المفردات القرآنية. فهو في كتاب التصاريف (1979: ص 321)، ضمن تعداده لأربعة وجوه دلالية لكلمات «رِجْز»، «رُجْز»، و«رِجْس» (انظر تتمة المقال)، ذكر أنه كلما وردت كلمة «رُجْز» في القرآن بضم الراء، كانت بمعنى «الوثن»، وكلما وردت بصيغة «رِجْز» و«رِجْس»، كانت لها معاني «العذاب»، و«وساوس الشيطان»، و«الإثم».

وقد أُشير إلى هذا التفريق الدلالي في بعض مصادر التفسير، كما يذكر الطبري في جامع البيان بعد ذكر القراءتين المختلفتين لهذه الكلمة، أن بعض قراء مكة والمدينة قرأوا كلمة «رُجْز» في الآية 5 من سورة المدثر بضم الراء واعتبروها بمعنى «الوثن»، في حين أن عامة قراء الكوفة وبعض قراء المدينة وافقوا على قراءة «الكسرة» واعتبروا «رِجْز» بمعنى «العذاب» (الطبري، 1412هـ، ج 29: ص 92). ويرفض أبو الفتوح الرازي أيضًا ترادف هاتين الكلمتين ويعتبر كل قراءة كلمة مستقلة (1408هـ، ج 20: ص 23). كما ينقل السيوطي عن ابن فارس في كتاب الأفراد أن جميع استخدامات جذر «رجز» في القرآن هي بمعنى «العذاب»، إلا في آية «وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ» (المدثر: 5)، حيث المقصود بها «الصنم» (الوثن). (1394هـ، ج 1: ص 448)

2- «غَرور» و«غُرور»

كلمة «غرور» من جذر «غرر»، بمعنى الخداع والإضلال (ابن منظور، 1414هـ، ج 5: ص 12). وقد وردت هذه الكلمة في اللغة بصورتين صوتيتين ومعنيين مختلفين: 1- «غَرور» بفتح الغين، بمعنى كل ما يغري الإنسان. 2- «غُرور» بضم الغين، بمعنى «الأباطيل». بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تكون «غُرور» جمع كلمة «غار»، مثل كلمات «شهود» و«قعود» التي هي على التوالي جمع «شاهد» و«قاعد». (المصدر نفسه)

وقد بيّن يحيى بن سلام أيضًا، في ذيل آية «فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ» (لقمان: 33)، بالاعتماد على القراءتين الموجودتين لهذه الكلمة، الفرق الدلالي بين هذين المشتركين الخطيين. وأشار إلى أن القائلين بقراءة «الْغَرُور» اعتبروها بمعنى «الشيطان»، وأما الذين قرأوا الكلمة «الْغُرُور»، فاستنادًا إلى آية «وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ» (الحديد: 20)، اعتبروا معناها «غُرور الدنيا» (1425هـ، ج 2: ص 382). ويبدو أن الدنيا في هذه الآية شُبهت بسلعة يغتر بها المشتري ويتفاوض على سعرها، ولكنه بعد الشراء، يدرك حقارتها وتفاهتها. (الزمخشري، 1407هـ، ج 1: ص 449)

ثانيًا: الاشتمال الدلالي (hyponymy)

عندما يستطيع مفهوم ما أن يشمل مفهومًا آخر أو عدة مفاهيم، تُسمى العلاقة بينها بـ«الاشتمال الدلالي». في الاشتمال الدلالي، تُوصف العلاقة بين أعضاء مجموعة ما بثلاثة مصطلحات: 1- الشامل (hyperonym): الكلمة التي تشمل مفهوم سائر الكلمات. 2- المشمول (hyponym): الكلمة التي تقع ضمن مجموعة الكلمة الشاملة. 3- الشمول المشترك (co-hyponym): تُسمى علاقة الكلمات المشمولة ببعضها البعض بالشمول المشترك.

على هذا الأساس، فإن علاقة الكلمات الثلاث «الثدييات» و«الكلبيات» و«السنوريات» هي كالتالي: «الثدييات» هي الكلمة الشاملة، و«الكلبيات» و«السنوريات» هما الكلمتان المشمولتان. وتُعتبر الكلمتان الأخيرتان أيضًا شمولًا مشتركًا بالنسبة لبعضهما البعض. (Brown & Miller, 2013: p214؛ صفوي، 1387ش: ص 99)

يعد يحيى بن سلام في كتاب التصاريف لكلمة «يوم» وجوهًا دلالية مختلفة يمكن إعادة قراءتها من منظور علاقة الاشتمال الدلالي.

1- أدوار خلق العالم

الوجه الأول الذي يذكره يحيى بن سلام لكلمة «يوم» هو معنى «دورة من دورات خلق العالم»، والذي يُشار إليه بتعبير «ستة أيام» بمعنى ست مراحل للخلق في آية «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» (السجدة: 4). (لسائر الآيات، انظر فصلت: 9، 10، 12). وهو، بالاستناد إلى الآية 47 من سورة الحج: «وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ»، اعتبر «اليوم» في هذا الوجه الدلالي مساويًا لألف سنة من سنوات هذا العالم. (1979: ص 350)

المعنى الذي يذكره يحيى بن سلام في الوجه الأول لـ«اليوم» قد أُيّد أيضًا في بعض التفاسير المتقدمة والمتأخرة، حيث أُشير إلى هذا المعنى بكلمة «أطوار» (فخر الرازي، 1420هـ، ج 28: ص 151؛ سيد قطب، 1412هـ، ج 3: ص 1296) وفي تفسيري الكاشف والأمثل بكلمة «مراحل». (مغنية، 1424هـ، ج 3: ص 339؛ مكارم، 1374ش، ج 6: ص 203)

2- أيام هذا العالم

الوجه الدلالي الثاني لكلمة «يوم» هو «النهار» بمعنى الفترة الزمنية من طلوع الشمس إلى غروبها. ويستشهد يحيى بن سلام لهذا الوجه الدلالي بالآية 5 من سورة السجدة: «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ». في هذه الآية، الحديث عن تدبير الأمر بين السماء والأرض بواسطة جبريل يتم في «يوم» واحد. يعتبر يحيى أن المراد بـ«يوم» يعادل يومًا واحدًا من أيام هذا العالم، وإذا تم صعود ونزول «الأمر» بواسطة غير جبريل، فسيستغرق ألف سنة دنيوية. (1979: ص 350). وقد قُبل هذا الوجه الدلالي أيضًا من قبل مفسرين آخرين في القرون التالية. (انظر الطبرسي، 1372ش، ج 8: ص 510؛ الأندلسي، 1420هـ، ج 8: ص 431)

3- يوم القيامة

الوجه الثالث لكلمة «يوم» هو «يوم القيامة»، والذي ورد في كثير من الآيات مثل آية «فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» (يس: 54). وقد فسّر يحيى «اليوم» في مثل هذه الآيات بمعنى «يوم القيامة» (1979: ص 350). وكثير من المفسرين يتفقون مع يحيى بن سلام في هذا الوجه الدلالي أيضًا (على سبيل المثال، انظر الطبري، 1412هـ، ج 23: ص 13؛ الطبرسي، 1372ش، ج 8: ص 670؛ المراغي، د.ت، ج 23: ص 21)، وبالاستناد إلى الآية 4 من سورة المعارج، يعتبرون يوم القيامة مساويًا لخمسين ألف سنة دنيوية. (الطوسي، د.ت، ج 10: ص 115؛ الفخر الرازي، 1420هـ، ج 30: ص 639؛ الزمخشري، 1407هـ، ج 4: صص 31 و 609)

4- حين

الوجه الدلالي الرابع الذي يذكره يحيى بن سلام لـ«يوم» هو عبارة عن كلمة «حين» بمعنى وقت أو أوان. وهذه الكلمة تدل على جزء أو مقطع من الزمن يمكن أن يكون قصيرًا أو طويلًا (ابن منظور، 1414هـ، ج 13: ص 133). وقد استُخدمت كلمة «حين» في بعض الآيات مثل الآية 15 من سورة مريم: «وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا». وقد اعتبر يحيى بن سلام كلمة «يوم» في آيات من هذا القبيل بمعنى «حين» (1979: ص 351). وقد فسّر مجموعة من المفسرين أيضًا، في ذيل الآيات المذكورة، «اليوم» بنفس الطريقة. (انظر الطبرسي، 1377ش، ج 2: ص 302؛ الزمخشري، 1407هـ، ج 2: ص 625؛ البيضاوي، 1418هـ، ج 3: ص 236؛ المراغي، د.ت، ج 14: ص 121)

بناءً على ما تقدم، يُلاحظ أن «يوم» يعني «مدة زمنية» ويدل على فترة زمنية محددة أو غير محددة. من بين الوجوه الدلالية الأربعة المقدمة، تبين الوجوه الثلاثة الأولى مدة زمنية معينة، أما الوجه الرابع فيدل على مدة زمنية مبهمة. على هذا الأساس، يمكن تصنيف الوجوه الدلالية لكلمة «يوم» من منظور الاشتمال الدلالي على النحو التالي:

الكلمة الشاملة: «يوم»، بمعنى «مدة زمنية».

الكلمات المشمولة:

أ) مدة زمنية معينة: 1- دورة خلق (تعادل ألف سنة) 2- يوم هذا العالم (المسافة من الشروق إلى الغروب) 3- يوم القيامة (يعادل خمسين ألف سنة).

ب) مدة زمنية مبهمة: تعادل كلمة «حين» (وقت وأوان).

ثالثًا: التقابل الدلالي (semantic opposition)

يُستخدم مصطلح التقابل الدلالي عند بحث المفاهيم المتقابلة، أو في المصطلح التقليدي، المعاني المتضادة بين أزواج الكلمات، وله أنواع مختلفة. (صفوي، 1387ش: ص 117؛ Brown & Miller, 2013: p212). وفيما يلي، ندرس مثالين أشار إليهما يحيى في تفسيره، من خلال نوعين من التقابل الدلالي.

1- التقابل التكاملي (complementary opposition)

في هذا النوع من التقابل، لا يوجد حد وسط؛ مثل تقابل زوج الكلمات «حي» و«ميت»، حيث إن إثبات أحدهما يصاحبه نفي الآخر (Brown & Miller, 2013: p90؛ صفوي، 1387ش: ص 117). وقد أظهر يحيى هذا النوع من التقابل بين زوج الكلمات «حي» و«ميت» في آية «وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ» (فاطر: 22) (1425هـ، ج 2: ص 785). وبناءً على التفسير الذي يقدمه، فإن كلمة «الأحياء» تدل على المؤمنين وكلمة «الأموات» تدل على الكافرين.

2- التقابل المعجمي (lexical opposition)

تتقابل مجموعة أخرى من الكلمات بمساعدة المورفيمات النافية في تقابل معجمي مع بعضها البعض، مثل «واعٍ/غير واعٍ» (صفوي، 1387ش: ص 119). وقد أظهر يحيى في آيتي «خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ» (العنكبوت: 44) و«وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا» (ص: 27) هذا النوع من التقابل بين زوج الكلمات «خَلَقَ» و«مَا خَلَقْنَا» (1425هـ، ج 2: ص 631). بالإضافة إلى ذلك، يُرى في الآيتين المذكورتين تقابل تكاملي بين زوج الكلمات «حق» و«باطل».

الخاتمة

في هذا المقال، قمنا بإعادة قراءة أثرين ليحيى بن سلام، أحدهما باسم التصاريف والآخر باسم التفسير، ومن خلال تطبيق واستخدام بعض المفاهيم والمصطلحات المعروفة في مجال علم الدلالة، وصفنا وحللنا علم دلالة المفردات القرآنية من وجهة نظره. علمنا أن يحيى قد اهتم بالظروف الزمانية والمكانية لنزول الآيات في دراسته الدلالية للكلمات. وهذا هو ما يُعرف في علم الدلالة الحديث بعنوان السياق الموقفي. ويبدو أن قرب عصر يحيى من عصر النزول كان له تأثير كبير في هذا التوجه نحو النص القرآني، وأن أقوال المفسرين أمثاله من هذا الجانب لها قيمة تأويلية مضاعفة.

بالإضافة إلى ذلك، أظهرت دراسة رأي يحيى حول مثالين هما «محسور» و«رجز» من منظور علم الاشتقاق أن قرب عصره من عصر النزول في تبيين أصل الكلمات وتطوراتها وتغيراتها كان مفيدًا جدًا. لقد عاش يحيى في القرن الثاني الهجري، ونظرته الفيلولوجية التي قد تكون نابعة من علاقاته بأعراب البادية، أو من الأخبار والمعلومات حول لغة وثقافة الناس في عصر النزول، لها أهمية ومصداقية خاصة.

تحت عناوين العلاقات السياقية والاستبدالية، والتقابل الدلالي، والاشتمال الدلالي، أظهرنا أن يحيى قد اهتم بالكلمات المجاورة، والآيات المشابهة، والكلمات الاستبدالية في هذه الآيات. إن الأمثلة المقدمة والنماذج العديدة الأخرى في الأثرين المذكورين تدل على اهتمامه الجاد بسياق الآيات، وبنظرة أشمل، بتفسير القرآن بالقرآن.

إن الأشكال الصوتية للكلمات والمعاني المختلفة الناشئة عنها، والتي تُعرف في علم اللغة الحديث بالمشتركات الخطية، كانت محل اهتمام يحيى بن سلام في إطار بحث القراءات. وهذا الأمر من ناحية يوضح مصداقية بحث القراءات في تفسير القرآن، ومن ناحية أخرى يؤكد على الطبيعة الشفهية للنص القرآني.

يدل تفسير يحيى لكلمة «فرار» على الطبيعة الاستعارية للغة القرآن في الموضوعات المجردة وغير الملموسة. فاللغة الاستعارية توفر إمكانية لعامة الناس لفهم ظاهرة مجردة تمامًا مثل الموت والفرار منه بصورة عينية وملموسة لحيوان مفترس في تجربتهم. وبالتالي، فإن تجربة المخاطب، وخاصة المخاطب الأول للقرآن، لها دور أساسي في فهم القرآن.

مع كل هذا، فإن ما يجب أن يكون محل اهتمام الآن هو أن يحيى في دراسته الدلالية للكلمات، قد استخدم مزيجًا من المنهجين التاريخي والتزامني، ولكن دراسته الدلالية تقوم أساسًا على الدراسات التزامنية. وبعبارة أخرى، تُظهر دراسة النماذج المتعددة في كلا أثري يحيى أنه يقدم معنى كل كلمة بناءً على علاقتها بسائر الكلمات في النظام اللغوي القرآني بأكمله. وهذا المنهج هو على النقيض تمامًا من المنهج الذي يحاول، بالاعتماد على الدراسات التاريخية، تقليص دور القرآن في تفسير كلماته وإبراز النصوص ما قبل القرآنية أكثر مما ينبغي.

المراجع

1. القرآن الكريم.

2. آقاكل زاده، فردوس (1392ش). فرهنگ توصيفى تحليل كفتمان وكاربردشناسى (معجم وصفي لتحليل الخطاب والتداولية). طهران: علمي وفرهنكي.

3. ابن أبي حاتم، أبو الرحمن بن محمد (1371هـ). الجرح والتعديل. بيروت: دار إحياء التراث العربي.

4. ابن الجزري، محمد بن يوسف (1351هـ). غاية النهاية في طبقات القراء. مكتبة ابن تيمية.

5. ابن عاشور، محمد بن طاهر (د.ت). التحرير والتنوير. د.م: د.ن.

6. ابن عطية، عبد الحق بن غالب (1422هـ). المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد. بيروت: دار الكتب العلمية.

7. ابن فارس، أحمد (1979م). معجم مقاييس اللغة. تحقيق عبد السلام محمد هارون. بيروت: دار الفكر.

8. ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم (د.ت). غريب القرآن. د.م: د.ن.

9. ابن منظور، محمد بن مكرم (1414هـ). لسان العرب. بيروت: دار صادر.

10. ابن يعيش، أبو البقاء (د.ت). شرح المفصل. بيروت: دار الكتب العلمية.

11. أبو الفتوح الرازي، حسين بن علي (1408هـ). روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن. مشهد: بنیاد پژوهشهای اسلامی آستان قدس رضوی.

12. الأزهري، محمد بن أحمد (2011م). تهذيب اللغة. بيروت: دار إحياء التراث العربي.

13. الأندلسي، أبو حيان (1420هـ). البحر المحيط في التفسير. بيروت: دار الفكر.

14. بابايي، علي أكبر (1394ش). قواعد تفسير قرآن. الطبعة الأولى. طهران: سمت.

15. البيضاوي، عبد الله بن عمر (1418هـ). أنوار التنزيل وأسرار التأويل. الطبعة الأولى. بيروت: دار إحياء التراث العربي.

16. التيمي، يحيى بن سلام (1425هـ). تفسير. بيروت: دار الكتب العلمية.

17. التيمي، يحيى بن سلام (1979م). التصاريف لتفسير القرآن مما اشتبهت أسمائه وتصرفت معانيه. د.م: الشركة التونسية للتوزيع.

18. الفراهيدي، خليل بن أحمد (1410هـ). كتاب العين. الطبعة الثانية. قم: انتشارات هجرت.

19. الخولي، زكريا هاشم حبيب (2012م). منهج يحيى بن سلام في التفسير. الطبعة الأولى. دمشق – بيروت: دار النوادر.

20. راغب الأصفهاني، حسين بن محمد (1412هـ). المفردات في غريب القرآن. دمشق – بيروت: دار العلم / الدار الشامية.

21. الزركلي، خير الدين بن محمود (2002م). الأعلام. الطبعة الخامسة. بيروت: دار العلم للملايين.

22. الزمخشري، محمود (1407هـ). الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل. الطبعة الثالثة. بيروت: دار الكتاب العربي.

23. السكاكي، يوسف بن أبي بكر (1303هـ). مفتاح العلوم. تصحيح: نعيم زرزور. بيروت: دار الكتب العلمية.

24. السيوطي، جلال الدين (1394هـ). الإتقان في علوم القرآن. القاهرة: د.ن.

25. السيوطي، جلال الدين (1418هـ). المزهر في علوم اللغة وأنواعها. تحقيق: فؤاد علي منصور. الطبعة الأولى. بيروت: دار الكتب العلمية.

26. الشاذلي، سيد بن قطب (1412هـ). في ظلال القرآن. الطبعة السابعة عشرة. بيروت – القاهرة: دار الشروق.

27. شقاقي، ويدا (1389ش). مباني صرف واژه (أسس صرف الكلمات). الطبعة الثالثة. طهران: انتشارات سمت.

28. صافي، محمود (1418هـ). الجدول في إعراب القرآن. بيروت: دار الرشيد.

29. صفوي، كوروش (1387ش). درآمدى بر معنى شناسى (مدخل إلى علم الدلالة). طهران: سوره مهر.

30. الطباطبائي، سيد محمد حسين (1417هـ). الميزان في تفسير القرآن. الطبعة الخامسة. قم: دفتر انتشارات إسلامي.

31. الطبرسي، فضل بن حسن (1372ش). مجمع البيان في تفسير القرآن. الطبعة الثالثة. طهران: ناصر خسرو.

32. الطبرسي، فضل بن حسن (1377ش). تفسير جوامع الجامع. الطبعة الأولى. قم – طهران: انتشارات دانشگاه تهران ومديريت حوزه علميه.

33. الطبري، محمد بن جرير (1412هـ). جامع البيان في تفسير القرآن. الطبعة الأولى. بيروت: دار المعرفة.

34. الطوسي، محمد بن حسن (د.ت). التبيان في تفسير القرآن. بمقدمة الشيخ آغا بزرك الطهراني وتحقيق أحمد قصير العاملي. بيروت: دار إحياء التراث العربي.

35. العسقلاني، ابن حجر (1390هـ). لسان الميزان. بيروت: مؤسسة الأعلمي.

36. الغلاييني، مصطفى (1414هـ). جامع الدروس العربية. بيروت: المكتبة العصرية.

37. الفخر الرازي، محمد بن عمر (1420هـ). مفاتيح الغيب. الطبعة الثالثة. بيروت: دار إحياء التراث العربي.

38. الفراء، يحيى بن زياد (د.ت). معاني القرآن. تحقيق: أحمد يوسف نجاتي ومحمد علي نجار وعبد الفتاح إسماعيل شلبي. الطبعة الأولى. القاهرة: دار المصرية للتأليف والترجمة.

39. فرج، مراد (1936م). ملتقى اللغتين العبرية والعربية. الإسكندرية: مطبعة السفير.

40. فرزانه، بابك (1367ش). «اشتقاق». في دائرة المعارف بزرگ إسلامي. بإشراف: كاظم موسوي بجنوردي. طهران: مركز دائرة المعارف بزرگ إسلامي. المجلد 9، صفحة 3527.

41. المراغي، أحمد بن مصطفى (د.ت). تفسير المراغي. بيروت: دار إحياء التراث العربي.

42. مغنية، محمد جواد (1424هـ). تفسير الكاشف. الطبعة الأولى. طهران: دار الكتب الإسلامية.

43. مكارم الشيرازي، ناصر (1374ش). تفسير نمونه. الطبعة الأولى. طهران: دار الكتب الإسلامية.

44. مكرم، أبو العادل سالم (1417هـ). المشترك اللفظي في الحقل القرآني. بيروت: مؤسسة الرسالة.

45. Brown, Keith & Jim Miller (2013), The Cambridge Dictionary of Linguistics, University Printing House. Cambridge CB2 8BS. United Kingdom. First published.

46. Carr, Philip (2012), English Phonetics and Phonology: An Introduction, Wiley-Blackwell, 2 edition.

47. Crystal, David (2008), A Dictionary of Linguistics and Phonetics, 6th Edition, Blackwell Publishing.

48. Gesenius, William (1907), A Hebrew and English Lexicon of the Old Testament, London: Oxford university press.

49. Lane, E.W (1863), Arabic- English Lexicon, London.

50. Saussure, Ferdinand de (2013), Course in General Linguistics. Translated by Roy Harris. Bloomsbury Academic.

51. Wilson, William (1870), The Bible Student’s Guide. United States: n.p.

52. www.bible.com/bible, (Accessed July 18, 2002).

53. Yule, George (2014), The Study of Language (FIFTH EDITION), United Kingdom- Cambridge: Cambridge university press.

الهوامش

1. إفريقية: اسم أطلقه العرب على جزء من شمال إفريقيا. وهي جزء من مراكش تشمل تونس وشرق قسنطينة والجزائر.

2. منطقة تقع على بعد 189 كيلومتراً شمال غرب مكة.

3. في هذا المقال، النص الفارسي لآيات الكتاب المقدس مأخوذ من ترجمة “هزاره نو” (الألفية الجديدة)، إلا إذا أشير إلى اسم ترجمة أخرى.

Scroll to Top