الملخص
ينصح الله تعالى المشركين في الآية 46 من سورة سبأ بموعظة واحدة: «قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَ فُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ». إن معرفة وفهم رسالة هذه الآية والموعظة المطروحة فيها لهما أهمية بالغة، وقد قدم المفسرون آراءً متنوعة حولها. يتوصل هذا البحث، من خلال تقييم آراء المفسرين في تفسير هذه الآية، وبشكل خاص فيما يتعلق بالمقصود من التوصية بالقيام فيها، إلى نتيجة مفادها أن القيام في هذه الآية ليس بمعنى النهوض مقابل الجلوس والقعود، بل المقصود من القيام هو التوقف عن المشي والحركة. وبناءً على ذلك، فإن هذه الآية في الواقع تخاطب عموم المشركين وتوصيهم بموعظة واحدة، وهي أن يكفوا عن مسيرتهم العمياء، اثنين اثنين أو فرادى، بالابتعاد عن صخب مجتمع مكة الشركي، ثم يتفكروا في شخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليدركوا حقانية رسالته.
المقدمة
تعد الآية 46 من سورة سبأ إحدى الآيات البارزة في القرآن الكريم التي تذكّر بموعظة واحدة: «قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ». إن الفهم الصحيح لرسالة هذه الآية والموعظة المطروحة فيها، أي القيام لله، له أهمية بالغة وقد قدم المفسرون آراء مختلفة في هذا الخصوص. يمكن تتبع اختلاف آراء المفسرين في هذا الشأن في ثلاثة محاور: المقصود من «واحدة»، والمقصود من «أن تَقُومُوا»، والمقصود من «مَثْنَى وَفُرَادَى». ومن بين هذه المحاور، تحظى معرفة معنى «القيام» بأهمية أكبر ولها دور حاسم في فهم رسالة الآية. بناءً على ذلك، سيتم دراسة آراء المفسرين في هذه المحاور الثلاثة، مع السعي لتقديم تفسير مناسب لمعنى «القيام» في هذه الآية، بالنظر إلى اللغة والسياق وأجواء النزول والمخاطبين الحقيقيين للآية، بحيث يكون مصونًا من الإشكالات الواردة على سائر الآراء.
المقصود من «واحدة»
اعتبر المفسرون «واحدة» في الآية صفة لموصوف محذوف، أي «موعظة واحدة»، «كلمة واحدة»، «قضية واحدة» وأمثالها، ولكن في تفسير المقصود من «واحدة» قُدمت ثلاث رؤى مختلفة.
1. واحدة: أَن تَقُومُوا لِلَّه
اعتبر كثير من المفسرين عبارة «أَن تَقُومُوا لِلَّهِ» مفسِّرة ومبيِّنة لـ«واحدة» (الثعلبي، 1422هـ، ج8، ص93؛ البغوي، 1420هـ، ج3، ص685؛ الزمخشري، 1407هـ، ج3، ص589؛ ابن عطية، 1422هـ، ج4، ص425؛ أبو الفتوح الرازي، 1408هـ، ج16، ص82؛ البيضاوي، 1418هـ، ج4، ص251؛ ابن كثير، 1419هـ، ج6، ص464؛ الثعالبي، 1418هـ، ج4، ص378؛ الشريف اللاهيجي، 1373ش، ج3، ص698؛ الآلوسي، 1415هـ، ج11، ص327؛ ابن عاشور، د.ت، ج22، ص93؛ آل غازي، 1382هـ، ج3، ص517؛ الطنطاوي، د.ت، ج11، ص306؛ الطيب، 1378ش، ج10، ص577). بناءً على ذلك، تكون «أَن تَقُومُوا لِلَّهِ» بدلاً أو عطف بيان[1] أو جملة تفسيرية[2] يكون الغرض منها تبيين وتفسير المقصود من «واحدة». ووفقًا لهذه الرؤية، فإن الموعظة الواحدة الموصى بها في هذه الآية هي نفسها التوصية بالقيام لله التي تدل عليها عبارة «أَن تَقُومُوا لِلَّهِ».
2. واحدة: توحيد وإطاعة الله
قدم فريق آخر من المفسرين معنى مستقلاً ومختلفاً لـ«واحدة»؛ فبناءً على نقل عن مجاهد، فُسرت «واحدة» بطاعة الله، وفي نقل آخر عنه، فُسرت بـ«لا إله إلا الله» (السيوطي، 1404هـ، ج5، ص240). وفسر مقاتل أيضاً «واحدة» بالإخلاص (مقاتل، 1423هـ، ج3، ص537)، والفخر الرازي بالتوحيد (الفخر الرازي، 1420هـ، ج25، ص214). كما نقل الشيخ الطوسي التفسير بطاعة الله عن مجاهد، والتفسير بالتوحيد و«لا إله إلا الله» كرؤية أخرى (الطوسي، د.ت، ج8، ص406). واكتفى ابن عطية أيضاً بنقل رأي مجاهد (ابن عطية، 1422هـ، ج4، ص425). يذكر المرحوم الطبرسي في مجمع البيان رأي مجاهد كاحتمال (الطبرسي، 1372ش، ج8، ص619). كما أورد الطبري (1412هـ، ج22، ص70)، والميبدي (1371ش، ج8، ص148)، والقرطبي (1364هـ، ج14، ص311)، وأبو حيان (1420هـ، ج8، ص561) كلا الرأيين في تفسير الآية؛ بالطبع، ذكروا استقلالية معنى «واحدة» قبل رؤية تفسيرها بـ«أن تَقُومُوا».
نقد ودراسة
إن رؤية تفسير «واحدة» بطاعة الله أو التوحيد أو أي معنى مستقل آخر في تفسير هذه الآية غير مقبولة؛ لأنه من ناحية، لم يقدم المؤمنون بهذه الرؤية أي شاهد أو دليل على هذا التفسير، ومن ناحية أخرى، فإن ظاهر الآية لا يتوافق مع هذا التفسير؛ لأنه من حيث القواعد العربية، فإن كلمة «واحدة» في هذه الآية نكرة ولا يمكن أن تشير بشكل مستقل وبدون قرينة إلى معنى خاص ومحدد، بل تحتاج إلى قرينة أو عبارة تفسرها وتزيل الإبهام الموجود فيها. لهذا السبب، اعتبر معظم المفسرين عبارة «أن تَقُومُوا لِلَّهِ» مفسرة ومبينة للمقصود من «واحدة».
3. واحدة: ولاية حضرة علي (ع)
في بعض الروايات في المصادر الحديثية الشيعية، فُسرت «واحدة» بولاية حضرة علي (ع)؛ فقد نقل علي بن إبراهيم القمي (1404هـ، ج2، ص204) والشيخ الكليني (1407هـ، ج1، ص420) هذا المضمون بواسطة محمد بن الفضيل الصيرفي عن أبي حمزة الثمالي عن الإمام الباقر (ع). كما نقل فرات الكوفي روايات مشابهة مرسلة بتعبير «معنعناً» عن عمر بن يزيد بياع عن الإمام الباقر (ع)[3] (فرات، 1410هـ، ص345)، وفي كتاب الاحتجاج للطبرسي أيضاً، نُقل هذا المضمون بدون سند عن أمير المؤمنين (ع) (الطبرسي، أحمد بن علي، 1403هـ، ج1، ص254). وعليه، توجد ثلاث روايات في هذه المسألة: الأولى: رواية علي بن إبراهيم والشيخ الكليني بواسطة محمد بن الفضيل الصيرفي عن الإمام الباقر (ع). الثانية: رواية فرات الكوفي بواسطة عمر بن يزيد بياع عن الإمام الباقر (ع). الثالثة: رواية كتاب الاحتجاج للطبرسي بدون سند عن أمير المؤمنين (ع).
نقد ودراسة
هذه الروايات معلولة من الناحيتين الدلالية والسندية وغير مقبولة؛ فمن الناحية المضمونية، بالإضافة إلى عدم وجود أي قرينة أو شاهد على هذا المعنى في الآية، فإن كلمة «واحدة» كما أشير، نكرة ولا يمكن أن تشير إلى معنى خاص ومحدد، بل تحتاج إلى عبارة تفسرها وتزيل الإبهام الموجود فيها. وأما من الناحية السندية، فلأن رواية احتجاج الطبرسي فاقدة للسند، فإن روايتي محمد بن الفضيل الصيرفي وعمر بن يزيد بياع فقط تحتاجان إلى دراسة. في سند رواية علي بن إبراهيم والشيخ الكليني، يوجد محمد بن الفضيل الصيرفي الذي ضعّفه علماء الرجال؛ فقد ضعّفه الشيخ الطوسي (الطوسي، 1373ش: ص343 و365) واتهمه ابن داود بالغلو (ابن داود، 1342ش، ص510). كما لم يثبت آية الله الخوئي وثاقته واعتبر رواياته غير معتمدة (الخوئي، 1409هـ، ج17، ص147)[4]. أما بخصوص سند رواية فرات الكوفي، فلأن عمر بن يزيد بياع ليس في طبقة رواة الإمام الباقر (ع)، بل في طبقة الإمام الصادق والإمام الكاظم والإمام الرضا (ع) (المصدر نفسه، ص145)، فمن المستبعد ألا تكون روايته متحدة مع رواية محمد بن الفضيل الصيرفي ولا تعتبر رواية مستقلة؛ ومع ذلك، فلأن فرات الكوفي لم يذكر سنده حتى عمر بن يزيد بياع، فإن هذه الرواية تعتبر مرسلة وضعيفة من الناحية السندية.[5] بالنظر إلى الضعف السندي والمضموني لهذه الروايات، لا يثبت قصد الولاية من «واحدة» في هذه الآية؛ على الرغم من أنه يمكن تأويل هذه الروايات واعتبار الهدف منها التلميح[6] إلى آيات القرآن أو الاقتباس[7] منها، لا تفسير الآيات نفسها؛ كما وُجدت نماذج لذلك بكثرة في روايات أهل البيت (ع). على سبيل المثال، عندما دخل الإمام الحسين (ع) مكة، بالإشارة إلى الآيات المتعلقة بحضرة موسى (ع)، تلا آية «وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ» (القصص: 22)، وعند الخروج من مكة، قرأ آية «فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» (القصص: 21)، فتلاوة هذه الآيات كانت لمجرد الإشارة والتلميح إلى تشابه ظروفه مع ظروف حضرة موسى (ع)، لا بمعنى تفسير هذه الآيات أو نزولها في شأنه.
المقصود من «أَنْ تَقُومُوا»
على أي حال، فإن الرأي الصحيح في تبيين المقصود من «واحدة» في هذه الآية، هو نفس الرأي الأول الذي عليه أكثر المفسرين، وبناءً عليه، فإن المقصود من التوصية بالموعظة الواحدة في «إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ»، هو نفس التوصية بالقيام التي تشير إليها عبارة «أَن تَقُومُوا لِلَّهِ». بالطبع، إن المقصود من القيام في «أَن تَقُومُوا لِلَّهِ» هو محل خلاف ويحتاج إلى تبيين.
«أَنْ تَقُومُوا» فعل مضارع منصوب بـ«أن»، وبما أن «أن» الناصبة تؤول الفعل المضارع بعدها إلى مصدر، فإن «أَنْ تَقُومُوا» في هذه الآية مؤولة بمعنى «قيامكم». بشكل عام، تستخدم «قامَ يَقومُ قياماً» في اللغة بمعنى النهوض على القدمين مقابل الجلوس والقعود (ابن سيده، د.ت، ج6، ص588؛ ابن منظور، 1414هـ، ج12، ص496). لم يقدم بعض المفسرين معنى خاصاً للقيام في هذه الآية، بل استخدموا في تفسير الآية نفس كلمة «قيام» ولم يتطرقوا إلى تبيينها وتوضيحها (مقاتل، 1423هـ، ج3، ص537؛ الطبري، 1412هـ، ج22، ص70؛ الطوسي، د.ت، ج8، ص405؛ أبو الفتوح الرازي، 1408هـ، ج16، ص82؛ سيد قطب، 1412هـ، ج5، ص2914). واكتفى بعض المفسرين في تفسير هذه الآية بذكر مرادفات «القيام» وفسروا «أَنْ تَقُومُوا» بـ«أن تنهضوا وتنتصبوا» (الطباطبائي، 1417هـ، ج16، ص388)، بينما هذا التفسير لا يعطي معنى مختلفاً عن كلمة «القيام»؛ لأن «النهوض» و«الانتصاب» مثل كلمة «القيام»، بنفس معنى النهوض والوقوف. مع ذلك، اعتبر كثير من المفسرين كلمة «القيام» في هذه الآية بحاجة إلى تفسير وطرحوا وجوهاً مختلفة في تفسيرها.
1. القيام بمعنى النهوض من مجلس رسول الله (ص)
اعتبر بعض المفسرين إرادة المعنى الحقيقي من القيام في هذه الآية محتملة، وفسروها بمعنى النهوض من مجلس رسول الله (ص). الزمخشري يطرح هذا المعنى إلى جانب معنى آخر كاحتمالين في تفسير الآية ويكتب: «المقصود من القيام، إما النهوض من مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتفرقهم عن اجتماعهم عنده، أو المقصود منه ليس الوقوف على القدمين، بل النهوض بهمّة لعمل ما» (الزمخشري، 1407هـ، ج3، ص589). المرحوم الطبرسي أيضاً في تفسير جوامع الجامع، بعبارة مشابهة لكلام الزمخشري، يطرح هذين الاحتمالين في تفسير الآية (الطبرسي، 1377ش، ج3، ص358)، ولكن مع ذلك، فقد ردّ في تفسير مجمع البيان كون المقصود هو القيام على القدمين في هذه الآية (الطبرسي، 1372ش، ج8، ص619). الشريف اللاهيجي أيضاً قبل النهوض بالمعنى الحقيقي كاحتمال في تفسير الآية وكتب: «يمكن أن يكون المراد، القيام بالإقدام (على الأرجل)، بمعنى أني أنصحكم بأنه بعد حضور مجلس محمد الشريف صلى الله عليه وآله وسلم وتلقي أوضاعه وأطواره، انهضوا من ذلك المجلس لتحصيل رضا الله» (الشريف اللاهيجي، 1373ش، ج3، ص699). البيضاوي أيضاً اعتبر هذا المعنى محتملاً في تفسير الآية (البيضاوي، 1418هـ، ج4، ص250).
نقد ودراسة
يبدو أن هذا الرأي الذي فسر كلمة القيام بمعنى النهوض من مجلس رسول الله (ص) قد غفل عن سياق الآية الذي يبين المخاطبين بها؛ إذ يظهر من سياق الآية أن الخطاب ليس موجهاً للمؤمنين الجالسين في مجلس رسول الله (ص)، بل المخاطب هم أولئك المشركون الذين كانوا يعتبرون النبي (ص) مجنوناً ويبتعدون عنه؛ ولهذا السبب في تتمة الآية، دعت المشركين إلى التفكر وقالت: «ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ». وقد استبعد بعض المفسرين أيضاً إرادة هذا المعنى من الآية (أبو حيان، 1420هـ، ج8، ص561؛ الآلوسي، 1415هـ، ج11، ص328). وبناءً على ذلك، فإن هذا الرأي، على الرغم من ميزة حمل الكلمة على معناها الحقيقي، إلا أنه لعدم توافقه مع سياق الآية ومخاطبيها، لا يعتبر رأياً صحيحاً ولا يمكن قبوله.
2. القيام بمعنى النهوض والاهتمام بإنجاز عمل
فسر بعض المفسرين القيام في آية «أَن تَقُومُوا لِلَّهِ» بالقيام لأمر ما (مقابل القيام على الأرجل)، وعادةً ما اعتبروا القيام في هذه الآية نظير القيام في آية «وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ» (النساء: 127)؛ كما كتب البغوي في تفسير الآية: «المقصود من القيام ليس القيام مقابل الجلوس، بل المقصود القيام بالأمر؛ وهو قيام في طلب الحق؛ مثل الآية الشريفة «وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ»» (البغوي، 1420هـ، ج3، ص685). الزمخشري والمرحوم الطبرسي في جوامع الجامع (كما أشير) اعتبرا أحد المعنيين المحتملين للقيام في هذه الآية هو النهوض بهمّة لأمر (الانتصاب في الأمر والنهوض فيه بالهمة) (الزمخشري، 1407هـ، ج3، ص589؛ الطبرسي، 1377ش، ج3، ص358). بالطبع، فسر المرحوم الطبرسي في مجمع البيان هذه الآية هكذا: «معنى القيام هنا ليس القيام على الأرجل، بل المقصود من القيام، قصد الإصلاح والإقبال عليه» (الطبرسي، 1372ش، ج8، ص619). القرطبي أيضاً أورد في تفسير القيام في هذه الآية: «معنى هذا القيام، قيام لطلب الحق، لا قيام مقابل الجلوس، ونظيره أن يقال: قام فلان بأمر كذا، كما يقول الله: «وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ»» (القرطبي، 1364هـ، ج14، ص311). أبو حيان الأندلسي أيضاً فسر القيام بمعنى النهوض بهمّة لأمر (الانتصاب في الأمر والنهوض فيه بالهمة) (أبو حيان، 1420هـ، ج8، ص561). وفسر شبر القيام بالهمة للأمر (تهموا بالأمر) (شبر، 1407هـ، ج5، ص191؛ هو نفسه، 1412هـ، ص410). والآلوسي اعتبر القيام مجازاً عن الجد والسعي (الآلوسي، 1415هـ، ج11، ص328). وابن عاشور، بالإشارة إلى مجازية معنى القيام في هذه الآية، أورد: «المقصود من القيام في آية «أن تَقُومُوا»، هو المعنى المجازي للقيام؛ أي الاستعداد للعمل والاجتهاد فيه، كما ورد في آية أخرى «وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ»» (ابن عاشور، د.ت، ج22، ص93). الطنطاوي أيضاً فسر المقصود من القيام في هذه الآية بـ«التشمير عن ساعد الجد» الذي هو كناية عن الاستعداد والتهيؤ بكل قوة (الطنطاوي، د.ت، ج11، ص306). ومؤلفو تفسير نمونه كتبوا هكذا بتفسير القيام بالاستعداد للعمل: «التعبير بـ«القيام» هنا ليس بمعنى الوقوف على القدمين، بل بمعنى الاستعداد للقيام بعمل؛ لأن الإنسان عندما يقف على قدميه، يكون مستعداً لتنفيذ برامج الحياة المختلفة» (مكارم الشيرازي، 1374ش، ج18، ص135).
نقد ودراسة
عند تقييم هذا الرأي الذي يفسر القيام بالنهوض لإنجاز عمل (القيام بالأمر)، من الضروري الانتباه إلى أن القيام في هذه الحالة يحتاج إلى متعلق؛ كما في الآية الشريفة «وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ»، فإن الأمر بالقيام والنهوض تعلق بالعدالة لليتامى؛ بمعنى أنه في هذه الآية أُمر المسلمون بالنهوض من أجل العدالة في حق اليتامى. وبناءً على ذلك، لا بد أن يكون للقيام في هذه الآية متعلق أيضاً أُمر بالنهوض لتحقيقه. وبعبارة أخرى، في هذا الرأي، كان ينبغي التطرق إلى مسألة: ما هو متعلق الأمر بالنهوض؟ هل أُمر بـ«أن تقوموا لله بالتقوى» أو «أن تقوموا لله بالإيمان»، أو «أن تقوموا لله بالقسط»، أو «أن تقوموا لله بالعمل الصالح»، أو «أن تقوموا لله بالإنفاق» وغيرها…؟ إذا تصورنا أن كل هذه الأمور مقصودة في الآية، فلا يمكن اعتبارها موعظة واحدة، والعبارة «قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ» في مقام تبليغها.[8] وإذا اعتبرنا مقصود الآية أمراً غير معين من هذه الأمور، فإن هدف الدعوة إلى هذه الموعظة الواحدة يُنقض؛ لأن المخاطب لا يطلع عليه. بالإضافة إلى أن سياق هذه الآيات الذي يبين كون المخاطبين هم المشركون، لا يتوافق أساساً مع مثل هذه المتعلقات.
على أي حال، فإن التفاسير التي قدمت هذا الرأي لم تشرح متعلق القيام؛ على الرغم من أن البعض استخدم فقط تعبير القيام بالأمر، دون تحديد المقصود من «الأمر». إذن، ليس من الصحيح أن نفسر القيام في هذه الآية بمعنى النهوض والاهتمام، ولكن نتجاهل متعلقه أو نبين له متعلقاً مبهماً مثل «الأمر»؛ لأنه في هذه الحالة، سينقض الغرض الأساسي للآية، وهو الدعوة إلى موعظة واحدة، بسبب عدم تحديد الموعظة. من جهة أخرى، بناءً على المعنى المقدم للقيام في هذا الرأي، يجب تبيين لماذا قُدم الأمر بالنهوض (أن تَقُومُوا) على الأمر بالتفكر (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) وعُطف بينهما بـ«ثُمَّ»، والحال أن النهوض والاهتمام بأي عمل، يجب أن يكون بناءً على المنطق وبعد التفكر. وقد صرف بعض المفسرين «ثم» في هذه الآية عن معناها الظاهري، أي الترتيب والتراخي الزمني، واعتبروها بمعنى التراخي في الرتبة؛ بمعنى أن الأمر بالتفكر اقترن بـ«ثُمَّ» لبيان الفاصل الرتبي بين التفكر والقيام؛ لأن التفكر في أحوال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أهم بكثير من النهوض بمعنى الاستعداد والسعي لإنجاز عمل (ابن عاشور، د.ت، ج22، ص94). وبعضهم وجه «ثُمَّ» بنفس معنى الترتيب الزمني، وبتفسير القيام بالاستعداد، اعتبروا التفكير بحاجة إلى استعداد مسبق يخلق دافعاً وحركة في الإنسان ليتجه بإرادة وتصميم إلى التفكر (مكارم الشيرازي، 1374ش، ج18، ص135). الفخر الرازي أيضاً، الذي أشار بتعبير «أَن تَقُومُوا لِلَّهِ» إلى التوحيد، وبـ«ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ» إلى النبوة (الفخر الرازي، 1420هـ، ج25، ص214)، لم يعتبر الاعتراف بالتوحيد بحاجة إلى تفكر، خلافاً للنبوة التي، في رأيه، يحتاج قبولها إلى تفكر وتأمل، وبهذه الطريقة، فسر «ثُمَّ» بنفس معنى الترتيب والتراخي (المصدر نفسه). مع ذلك، لا يوجد أي من الوجوه المطروحة لتقدم النهوض على التفكر مقبولاً؛ لأن حمل «ثُمَّ» على معنى التراخي والفاصل الرتبي بين النهوض والتفكر، مخالف للظاهر، وما دام الحمل على المعنى الحقيقي، أي الترتيب والتأخر الزمني، ممكناً (كما سيأتي في الرأي المختار)، فإن الحمل على المعنى غير الحقيقي لن يكون صحيحاً. كما أن اعتبار مسألة التفكر بحاجة إلى استعداد ونهوض مسبق ليس خالياً من التكلف. وتوجيه الفخر الرازي أيضاً معلول من حيث إن ارتباط بداية الآية ببحث التوحيد ليس ثابتاً أولاً، وثانياً، كون مسألة التوحيد فطرية لا يعني أنها بديهية لا تحتاج إلى تفكر، ولهذا السبب في آيات متعددة من القرآن الكريم (مثل الأنبياء: 22 والإسراء: 42) أيضاً، استُخدم الاستدلال والبرهان لدعوة المشركين إلى التوحيد، وبواسطة المنطق والتفكر، دُعي المشركون إلى التوحيد. بل إن السبب الأساسي لعدم قبول النبوة من قبل كثير من المشركين كان نفي الشريك للآلهة ومسألة التوحيد (ص: 4-5). لذا، لا ينبغي تصور أن التوحيد لا يحتاج إلى تفكر وأن النبوة وحدها هي التي تحتاج إلى تفكر. على أي حال، فإن تفسير القيام في هذا الرأي بمعنى النهوض، يسبب من جهة إبهاماً في الآية لعدم وضوح متعلقه، ومن جهة أخرى يؤدي إلى حمل «ثم» على معنى مخالف لظاهرها.
3. القيام للعبادة والطاعة لله
اعتبر بعض المفسرين الأمر بالقيام في «أَن تَقُومُوا لِلَّهِ» توصية بعبادة الله. وقد اعتبر ابن عطية الأندلسي هذا الوجه محتملاً في تفسير الآية ويكتب: «أمر الله نبيه أن يدعوهم إلى عبادة الله والتفكر في حقيقة نبوته… ويحتمل أن يكون المقصود من «تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى» هو الطاعة والإخلاص والعبادة» (ابن عطية، 1422هـ، ج4، ص425). الثعالبي أيضاً، بنقل عبارات مشابهة لكلام ابن عطية، فسر الآية بمعنى الدعوة إلى عبادة الله والتفكر في حقيقة النبوة (الثعالبي، 1418هـ، ج4، ص378). ابن كثير أيضاً نقل في تفسيره رواية عن ابن أبي حاتم، بناءً عليها، استشهد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الآية لإقامة الصلاة، ويبدو أن المقصود كان صلاة الجماعة والفرادى. نقل ابن كثير عن ابن أبي حاتم عن أبيه عن هشام بن عمار عن صدقة بن خالد عن عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن زيد عن قاسم عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وجُعِلَت لي الأرض مسجداً وطهوراً، أتيمم بالصعيد وأصلي فيها حيث أدركتني الصلاة، قال الله تعالى: أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى» (ابن كثير، 1419هـ، ج6، ص465). «جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، فأتيمم بترابها وأصلي فيها حيثما أدركني وقت الصلاة. قال الله تعالى: قوموا لله اثنين اثنين وواحداً واحداً».
نقد ودراسة
يبدو أن هذا الرأي أيضاً غفل عن مخاطبي الآية، وتصور أن المسلمين والمؤمنين هم مخاطبو هذه الآية؛ بمعنى أن الله خاطب المسلمين ودعاهم إلى طاعته وإخلاصه وعبادته، والحال أن سياق الآيات وتتمة الآية (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ) تدل على أن مشركي مكة الذين كانوا يصفون النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بالجنون هم مخاطبو الآية، ومن الواضح أنه لا يمكن أمر المشركين الذين لا يؤمنون بوحدانية الله بعبادته، وبناءً على ذلك، لا يمكن أن يكون المقصود من «أَن تَقُومُوا» هو الأمر بالعبادة. أما الرواية المنقولة في تفسير ابن كثير، فهي غير معتمدة من الناحيتين السندية والمتنية؛ لأن هذه الرواية غير موجودة في التفسير الموجود لابن أبي حاتم (ت 327هـ)، وابن كثير (ت 774هـ) لم يذكر سنده حتى ابن أبي حاتم، وبالتالي فإن سند هذه الرواية فيه إرسال. كما أن علي بن يزيد الألهاني[9] في سند هذه الرواية، ضعيف، غير ثقة ومنكر الحديث (الذهبي، 1382هـ، ج3، ص161؛ العسقلاني، 1404هـ، ج7، ص346). بالإضافة إلى أن وثاقة عثمان بن أبي العاتكة غير ثابتة، بل هي محل خلاف (الذهبي، 1382هـ، ج3، ص40؛ العسقلاني، 1404هـ، ج7، ص115). هذه الرواية من حيث المتن تحمل هذا الضعف أيضاً، ففي هذه الفرضية، مع تأكيد الآية على الصلاة كموعظة إلهية واحدة، لم تُذكر كلمة «الصلاة» في الآية، وربما واجهت مقصود الآية بالإبهام. لذا، لو كان المقصود من الموعظة الواحدة إقامة الصلاة (أن تقوموا إلى الصلاة لله)، لكان حذفها نقضاً للغرض. تجدر الإشارة إلى أن ابن كثير نفسه الذي نقل هذه الرواية، بعد أن اعتبر سندها ضعيفاً، استبعد تفسير الآية بالقيام في صلاة الجماعة والفرادى، وطرح احتمال إضافة الجزء الأخير من الحديث من قبل بعض الرواة؛ بمعنى أن الاستشهاد بالآية كان من كلام الراوي، لا من كلام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. وقد استشهد ابن كثير على ذلك بخلو هذه الرواية من هذه الآية في سائر المصادر الحديثية (ابن كثير، 1419هـ، ج6، ص465).
4. القيام للتفكر
الاحتمال الثاني الذي يطرحه ابن عطية الأندلسي في تفسير القيام في هذه الآية هو القيام للتفكر؛ بمعنى أن الموعظة الواحدة التي أوصي بها في آية «أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ … ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا» هي النهوض للتفكر. ويكتب في هذا المجال: «يحتمل أن يكون المقصود من القيام الذي يجب أن يكون لله، هو القيام لأمر التفكر في محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فالمنظور من الموعظة الواحدة التي وُعظ بها، أن يقوموا لأمر التفكر بشأن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم» (ابن عطية، 1422هـ، ج4، ص425).
نقد ودراسة
بناءً على هذا الرأي، فإن الأمر بالقيام والأمر بالتفكر هما في الحقيقة أمر واحد، وهو القيام للتفكر، وبالتالي لا يكون للقيام معنى مستقل ومتميز عن التفكر. ولكن يجب الانتباه إلى هذه النقطة الضرورية وهي أنه في حال كان قصد معنى «القيام للتفكر» مقبولاً في هذه الآية، فلا ينبغي أن يكون بين القيام والتفكر حرف عطف، خاصة حرف العطف «ثُمَّ»، بل كان ينبغي أن يقال «أن تقوموا لله بالتفكر»، ومن الواضح أن وجود فاصل بين القيام والتفكر بحرف العطف «ثُمَّ»، يظهر التمايز بينهما.[10]
5. القيام بمعنى الاستقامة
فسر البعض القيام في آية «أن تَقُومُوا لِلَّهِ» بمعنى الاستقامة والثبات في أمر الله، وكتبوا: «أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ» يعني أن تلك الخصلة الواحدة هي أن تستقيموا في أمر الله تعالى خالصاً لوجه الله، بدون جدال وتقليد… إذن، المراد من «أن تَقُومُوا» ليس القيام بالإقدام، بل المراد كما علمت، الانتصاب والاستقامة في الأمر الإلهي» (الشريف اللاهيجي، 1373ش، ج3، ص699). بالطبع، طرحوا في تتمة كلامهم احتمال كون المقصود هو القيام من مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذي أشير إليه سابقاً.
نقد ودراسة
بما أن معنى الاستقامة والثبات يقتضي باب الاستفعال لا الثلاثي المجرد، فإن القيام في «أن تَقُومُوا» لا يمكن أن يعني الاستقامة ويكون مرادفاً لـ«أن تستقيموا»؛ لأنه في اللغة لم يذكر لمادة «قوم» في الثلاثي المجرد مثل هذا المعنى. وبناءً على ذلك، فإن هذا الرأي غير مقبول لعدم توافقه مع اللغة.
6. القيام بمعنى الثورة ومحاربة الباطل
ظاهر عبارات بعض أصحاب الرأي هو أنهم اعتبروا القيام بمعنى الثورة على الطاغوت وإقامة نهضة ضد الحكومات الباطلة؛ بمعنى أن هذه الآية تدعو المسلمين إلى القيام والجهاد ضد الباطل. وقد وصف الإمام الخميني (قده) جهاد حضرة علي (ع) ضد معاوية، وكذلك قيام الإمام الحسين (ع) ضد يزيد، بأنهما من نماذج القيام لله الذي أُمر به في الآية (الخميني، د.ت، ج8، ص8)، وفي موضع آخر، بالإشارة إلى ظروف مكة والمدينة في صدر الإسلام، قالوا: «مع أن [النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم] لم يكن يملك شيئاً وكانت كل قوى المتسلطين ضده، بحيث لم يستطع في مكة أن يدعو علناً، لكنه لم ييأس من أنه لا يستطيع دعوة الناس علناً. لم يكن يائساً. كانت دعوته سرية. جذب الأفراد واحداً تلو الآخر، حتى عندما شرفوا إلى المدينة، أُمروا بدعوة الناس إلى القيام: «قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ». هنا الدعوة إلى القيام» (المصدر نفسه، ج7، ص244).
نقد ودراسة
هذا الرأي أيضاً لا يمكن قبوله في تفسير الآية؛ لأنه كما مر، فإن ظاهر سياق الآيات وتتمة هذه الآية (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ) يدل على أن مخاطبي هذه الآية هم المشركون لا المسلمون، وبالتالي، لا يمكن أن يكون المقصود من القيام هو دعوة المشركين إلى القيام ضد أنفسهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن سورة سبأ بلا شك من السور المكية في القرآن الكريم، وباستثناء الآية السادسة منها، لا يوجد خلاف في مكيتها (الطوسي، د.ت، ج8، ص372)؛ كما أن مضامين آيات هذه السورة تدل أيضاً على مكيتها (الطباطبائي، 1417هـ، ج16، ص356). من جهة أخرى، بناءً على هذا الرأي، فإن تقدم القيام على التفكر (أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ … ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) يثير إشكالاً ويحتاج إلى توجيه.
7. القيام بمعنى التوقف عن الحركة العمياء
يبدو أنه يمكن تقديم معنى آخر للقيام في «أَنْ تَقُومُوا» يكون متوافقاً من جهة مع اللغة وسياق الآيات والمخاطبين الحقيقيين للآية، ومن جهة أخرى يكون مصوناً من الإشكالات الموجودة في سائر الآراء. أحد معاني كلمة القيام التي أشار إليها اللغويون واستُخدمت في القرآن الكريم أيضاً، هو التوقف والامتناع عن الحركة؛ كما يقال للشخص المتحرك «قُمْ لي»؛ أي توقف حتى آتيك (ابن منظور، 1414هـ، ج12، ص497). وقد استُخدم القيام بهذا المعنى في القرآن الكريم أيضاً؛ كما ورد في سورة البقرة: «يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا» (البقرة: 20)؛ أي يكاد البرق يأخذ أبصارهم، كلما أضاء لهم [الطريق] ساروا فيه، وعندما يظلم [الطريق] عليهم يتوقفون، فـ«قاموا» في هذه الآية استُخدمت بمعنى التوقف عن الحركة ومقابل «مَشَوْا»، أي السير. وقد استُخدمت مادة القيام بمعنى التوقف في آيات عديدة أخرى؛ ففي آيات مثل «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ» (الدخان: 51)، و«كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ» (الدخان: 25-26)، و«فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ» (الشعراء: 57-58)، استُخدمت كلمة «مقام» التي من نفس الجذر وبمعنى مكان التوقف والمكث، وعادةً ما تترجم بـ«المكانة». وكلمة «مُقام» أيضاً في آيات مثل «إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا» (الفرقان: 66) و«خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا» (الفرقان: 76) من نفس الجذر وبمعنى مكان التوقف والمكث. وفي الآية 13 من سورة الأحزاب، استُخدمت «مُقام» بهذا المعنى أيضاً: «وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا»؛ أي عندما قالت طائفة منهم: يا أهل يثرب! ليس هذا مكان توقف لكم، فارجعوا. ووصف نعيم الجنة وعذاب جهنم في آيات متعددة بـ«نَعِيمٌ مُّقِيمٌ» (التوبة: 21) و«عَذَابٌ مُّقِيمٌ» (المائدة: 37؛ التوبة: 68؛ هود: 39؛ الزمر: 40؛ الشورى: 45) بمعنى النعم والعذابات الدائمة مأخوذ من هذا المعنى أيضاً. وفي سورة النحل، مقابل الترحال، استُخدم تعبير الإقامة بمعنى التوقف في مكان واحد: «وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ» (النحل: 80). وفي آية «طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ» (الحج: 26) أيضاً، أُمر حضرة إبراهيم (ع) بتطهير الكعبة للطائفين والقائمين، فتعبير «القائمين» في هذه الآية بقرينة التعبير المماثل له في الآية 125 من سورة البقرة «أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ»، فُسّر بمعنى المقيمين في مكة[11] (مقاتل، 1423هـ، ج3، ص122؛ البغوي، 1420هـ، ج3، ص334؛ الطبرسي، 1372ش، ج7، ص129؛ الفخر الرازي، 1420هـ، ج23، ص219؛ اللاهيجي، 1373ش، ج3، ص177). تجدر الإشارة إلى أن بعض المحققين طرحوا هذا المعنى نفسه، أي «التوقف والثبات»، كمعنى جذري لمادة القيام وأهم معنى حسي لكلمة القيام في اللغة العربية، ويعتقدون أن معنى «التوقف والثبات» يمكن البحث عنه في جميع الاستخدامات المختلفة لهذه المادة (شكري عياد، 1980، ص28؛ طيب حسيني، 1390ش، ص291). على أي حال، لمادة القيام معنيان: أحدهما القيام بمعنى النهوض الذي هو مقابل الجلوس والقعود، والآخر القيام بمعنى التوقف عن السير الذي هو مقابل الحركة والمشي، وكلا المعنيين استُخدما في آيات مختلفة من القرآن الكريم. يبدو أنه في الآية الشريفة «قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ» يمكن أن يكون المقصود من القيام هو القيام مقابل المشي وبمعنى التوقف عن الحركة؛ بمعنى أن التوصية الواحدة التي وعظ الله تعالى بها المشركين كانت أن يكفوا عن السير الأعمى في إنكار دعوة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يتوقفوا عن مسيرتهم الجاهلية والمغمضة الأعين المتأثرة بالجو الشركي لغالبية أهل مكة، ثم يتفكروا في مسألة النبي والاتهامات الواهية التي وجهها المشركون إليه مثل «الجنون»؛ لأنه طالما استمروا في مسيرتهم العمياء والجاهلية، سيغلقون على أنفسهم طريق أي تحول وإصلاح. كما يلاحظ، فإن هذا الوجه في تفسير الآية، من جهة، يتوافق مع اللغة والاستخدام القرآني وأجواء نزول الآية في مكة ومخاطبيها من المشركين، ومن جهة أخرى، يوضح وجه تقدم التوصية بالقيام على التوصية بالتفكر؛ لأنه بما أن السير الأعمى هو دائماً مانع للتعقل والتفكر، فإن التوقف عن هذه المسيرة العمياء يهيئ الأرضية للتفكر والتعقل للوصول إلى الحقيقة في جو خالٍ من التعصب والجهل. وبناءً على ذلك، فإن التوقف عن السير الأعمى هو الخطوة الأولى للتفكر والمشي القائم على العقل.
المقصود من «مثنى وفرادى»
«مثنى» في اللغة بمعنى «اثنين اثنين» (الأزهري، د.ت، ج15، ص103؛ الجوهري، د.ت، ج6، ص2294)، و«فرادى» جمع «فرد» أو «فريد»، بمعنى شخص واحد بمفرده (الأزهري، د.ت، ج14، ص70؛ الجوهري، د.ت، ج2، ص518؛ الراغب، 1412هـ، ص629) يُستخدم، وعموم المفسرين قدموا هذا المعنى نفسه. ولكن ما هو المقصود والغرض من القيام اثنين اثنين وواحداً واحداً في آية «أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى»، قُدمت تفاسير مختلفة حوله. بين كثير من المفسرين أن المقصود من تعبير «مَثْنَى وَفُرَادَى» في الآية هو الابتعاد والعزلة عن صخب المجتمع؛ بمعنى أن يقوموا لله اثنين اثنين أو فرادى بالابتعاد عن صخب المجتمع ويتفكروا في أمر الرسالة، حتى لا يؤدي صخب المجتمع الجاهلي إلى تعصبهم وتشويش أفكارهم ويحجب عنهم الحقيقة، ليتمكنوا من إدراك الحقائق بعقلانية وحرية (البيضاوي، 1418هـ، ج4، ص251؛ أبو حيان، 1420هـ، ج8، ص561؛ الشريف اللاهيجي، 1373ش، ج3، ص699؛ الفيض الكاشاني، 1415هـ، ج4، ص225؛ شبر، 1407هـ، ج5، ص191؛ الآلوسي، 1415هـ، ج11، ص328؛ دروزة، 1383هـ، ج4، ص293؛ الطباطبائي، 1417هـ، ج16، ص388؛ الطنطاوي، د.ت، ج11، ص306؛ مكارم الشيرازي، 1374ش، ج18، ص136). واعتبر بعض المفسرين تعبير «مَثْنَى وَفُرَادَى» كناية عن حالتي الاجتماع والانفراد، واعتبروا مقصود الآية جميع حالات الإنسان (الفخر الرازي، 1420هـ، ج25، ص214؛ ابن عاشور، د.ت، ج22، ص94). وبعضهم بين تعبير «مثنى» بأنه كناية عن التفكير المشترك والمشاورة (الطبري، 1412هـ، ج22، ص71؛ الثعلبي، 1422هـ، ج8، ص93؛ الطوسي، د.ت، ج8، ص405؛ ابن عطية، 1422هـ، ج4، ص425؛ ابن كثير، 1419هـ، ج6، ص464؛ آل غازي، 1382هـ، ج3، ص517-518). وعلى الرغم من أن إشارة تعبير «مثنى» إلى التفكير المشترك والمشاورة قابلة للجمع مع الرأيين السابقين، وبناءً على ذلك، لا يعتبر هذا التفسير رأياً متميزاً عن الرأيين السابقين وفي عرضهما. على أي حال، من بين الرأيين الأولين، فإن الرأي الأول الذي يعتقده معظم المفسرين، هو الأكثر توافقاً مع ظاهر الآية؛ كما أنه يتوافق مع الرأي المختار في معنى القيام، بل يؤيده ويقويه؛ لأن الأمر بالتوقف عن السير الأعمى في مسار المجتمع والدعوة إلى التفرق بشكل ثنائي أو فردي عن صخب المجتمع هما تماماً في اتجاه واحد ويؤيدان ويقويان بعضهما البعض.
الخاتمة
في تفسير الآية 46 من سورة سبأ «قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ»، قُدمت تفاسير مختلفة، حيث يتركز معظم هذا الاختلاف في ثلاثة محاور: المقصود من «واحدة»، والمقصود من «أن تَقُومُوا»، والمقصود من «مَثْنَى وَفُرَادَى». 1- ذكر بعض المفسرين أن المقصود من «واحدة» التي وُعظ بها في هذه الآية، أمور مثل «طاعة الله»، «التوحيد» أو «لا إله إلا الله»، ولكن هذا التفسير من جهة يفتقر إلى دليل وشاهد، ومن جهة أخرى يخالف ظاهر الآية، بل إن المقصود الحقيقي من «واحدة» هو نفس التوصية بالقيام التي تشير إليها عبارة «أن تَقُومُوا لِلَّهِ». 2- في تبيين المقصود من القيام في «أن تَقُومُوا لِلَّهِ»، طُرحت ستة آراء من قبل المفسرين، وعلى كل من هذه الآراء توجد انتقادات. والتفسير الآخر الذي يمكن طرحه حول الآية بالاعتماد على الشواهد والقرائن، هو أن يقال إن المقصود من القيام في هذه الآية ليس القيام مقابل الجلوس والقعود، بل المقصود هو القيام مقابل المشي؛ كما استُخدم في آية «كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا» (البقرة: 20) بهذا المعنى. وبناءً على ذلك، فإن التوصية الواحدة التي وعظ الله تعالى بها المشركين في هذه الآية كانت أن يكفوا عن السير الأعمى في إنكار دعوة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يتوقفوا عن مسيرتهم الجاهلية والمغمضة الأعين المتأثرة بالجو الشركي لغالبية أهل مكة، ثم يتفكروا ويعالجوا مسألة النبي والاتهامات الواهية التي وجهها المشركون إليه مثل «الجنون»؛ لأنه طالما استمروا في مسيرتهم العمياء والجاهلية، سيغلقون على أنفسهم طريق أي تحول وإصلاح. 3- وفقاً لرأي معظم المفسرين بخصوص تعبير «مَثْنَى وَفُرَادَى» وبناءً على ما يظهر من ظاهر الآية، فإن هذا التعبير كناية عن الابتعاد والعزلة عن صخب المجتمع؛ بمعنى أن تقفوا لله اثنين اثنين أو فرادى بالابتعاد عن صراعات المجتمع السياسية وتتفكروا في أمر الرسالة، حتى لا يؤدي صخب المجتمع الجاهلي إلى تعصبكم وتشويش أفكاركم ويحجب عنكم الحقيقة، وبالتالي تتمكنوا من إدراك الحقائق بعقلانية وحرية.
الهوامش
1. اعتبر الزمخشري وتبعه المرحوم الطبرسي في جوامع الجامع «أن تقوموا» عطف بيان لـ«واحدة» (الزمخشري، 1407هـ، ج3، ص589؛ الطبرسي، 1377ش، ج3، ص358)، لكن البعض أورد إشكالاً على ذلك بأن «واحدة» نكرة و«أن تقوموا» التي تؤول إلى «قيامكم» معرفة. لذا، بسبب شرط التطابق في عطف البيان بين المعرفة والنكرة، لا يمكن أن تكون «أن تقوموا» في هذه الآية عطف بيان لـ«واحدة» (أبو حيان، 1420هـ، ج8، ص560). أما الآلوسي فقد ذكر ثلاثة توجيهات لرأي الزمخشري. الأول أن الزمخشري، وهو من علماء العربية، يعتقد بعدم لزوم المطابقة بين المعرفة والنكرة. الثاني أن المقصود من عطف البيان هو البدل نفسه. الثالث أن مسألة كون «أن» عندما تؤول فعلاً إلى مصدر، تكون بالضرورة مساوية للمعرفة، ليست قطعية (الآلوسي، 1415هـ، ج11، ص327).
2. في حال كانت «أن تقوموا لله» جملة تفسيرية، فإما أن نقدر لها مبتدأ محذوفاً؛ أي «هي أن تقوموا»، وإما أن نعتبرها مفعولاً لفعل محذوف؛ أي «أعني أن تقوموا».
3. رواية الأسترابادي (1409هـ، ص466) وابن شهرآشوب (1379هـ، ج3، ص38) المنقولة مرسلة هي نفس رواية فرات الكوفي ولا تعد رواية متميزة.
4. بالطبع، أدرج الشيخ المفيد محمد بن فضيل ضمن الرواة الذين وثقهم (المفيد، 1413هـ، ص25 و44). وهو أيضاً من رجال كامل الزيارات (ابن قولويه، 1356ش، ص114) ومشمول بالتوثيق العام لابن قولويه القائم على وثاقة رجال كتابه. ولكن على فرض قبول مبدأ وثاقة جميع رواة هذا الكتاب، فإن هذا التوثيق وتوثيق الشيخ المفيد يتعارضان مع تضعيف الشيخ الطوسي، وبالتالي لا تثبت وثاقته (الخوئي، 1409هـ، ج17، ص147).
5. التلميح في اللغة يعني «الإشارة بطرف العين»، وفي اصطلاح البديع، هو أن يشير المتكلم في سياق كلامه إلى آية أو مثل أو قصة، دون أن يصرح بذلك، ويسمى هذا الأسلوب في استخدام الكلام تلميحاً (التهانوي، 1996، ج1، ص506).
6. الاقتباس هو أن يتضمن الكلام جزءاً من آية أو حديث أو كلام آخرين، دون أن يتم ذلك على سبيل النقل، حيث يتغير أحياناً معنى الكلام المقتبس بالنسبة للمعنى الأصلي؛ مثل شعر ابن الرومي: لئن أخطأت في مدحك ما أخطأت في منعي / لقد أنزلت حاجاتي بواد غير ذي زرع؛ فالمقصود بـ«واد غير ذي زرع» في هذا البيت، منطقة لا خير فيها ولا نفع، بينما المقصود في القرآن الكريم هو مدينة مكة التي كانت خالية من الماء والنبات (المصدر نفسه، ص242).
7. في حال فرض تعلقات متعددة للقيام، فإن قيد «لله» لا يوجب وحدتها؛ لأن الأمر في هذه الآية يتعلق مباشرة بالقيام؛ وإن كان بصورة مقيدة. لذا، إذا اعتبرنا للقيام متعلقات متعددة، فسيؤدي ذلك إلى انحلال الأمر في تلك المتعلقات، وتعتبر أوامر ومواعظ متعددة؛ وإن كانت كل هذه المواعظ لها قيد مشترك (لله). إذن، فرض متعلقات متعددة للقيام مثل أن يقال: «أن تقوموا بالعدل لله وبالإحسان لله وبالتقوى لله وبالعمل الصالح لله وبالقسط لله»، من الواضح أن القيد المشترك في هذه الأوامر لا يوجب تصورها جميعاً كأمر واحد وموعظة واحدة. بالإضافة إلى أن توصية المشركين بالقيام بهذه الأمور (سواء اعتبرت موعظة واحدة أو متعددة)، لا تبدو حكيمة وليس لها نتيجة عملية.
8. بالطبع، يوجد في سند الرواية اسم علي بن زيد بدلاً من علي بن يزيد، ولكن بما أن عثمان بن أبي العاتكة لم يروِ قط عن شخص باسم علي بن زيد، وفي المقابل روى روايات متعددة وكثيرة عن علي بن يزيد الألهاني، فبناءً على ذلك، يبدو أن علي بن زيد هو نفسه علي بن يزيد الألهاني الذي تعرض للتصحيف.
9. عطف التفكر على القيام في هذه الآية لا يمكن أن يكون عطفاً تفسيرياً؛ لأن «ثم» لا تُستخدم أبداً للعطف التفسيري، ولم يُدَّعَ مثل هذا الأمر لـ«ثم» في اللغة والأدب العربي.
10. المقصود بـ«العاكفين»، المقيمون في مكة؛ كما في الآية «وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ» (الحج: 25)، فإن تعبير «العاكف» بمعنى المقيمين في مكة استُخدم مقابل تعبير «الباد»، بمعنى سكان البادية خارج مكة.