ملخص
يعدّ الغزالي من أكبر المتكلمين الذين قالوا بأن للمنطق مصدرًا وحيانيًا. فقد اعتبر الله المعلم الأول، وجبريل المعلم الثاني، والنبي الأكرم (ص) المعلم الثالث. إن أهم ابتكار للغزالي في علم المنطق هو استنباط الأقيسة المنطقية من القرآن الكريم، حيث مزجها بأمثلة أصولية وإسلامية وأوردها في كتاب «القسطاس المستقيم». من منظور الغزالي، القرآن الكريم نور، وإنما سُمي نورًا لاشتماله على الموازين المنطقية. فالقرآن الكريم يضم جميع حقائق العالم بصورة مجملة ومضمرة. وقد أقام الغزالي علاقة عميقة بين المنطق والتعاليم القرآنية من خلال إرجاع الأقيسة المنطقية إلى خمسة موازين في القرآن الكريم. واستعاض عن المصطلحات اليونانية بأمثلة شرعية فقهية وكلامية. وهذه العلاقة تتم على النحو التالي: ينطبق ميزان التعادل على «القياس الاقتراني الحملي»، وميزان التلازم على «القياس الاستثنائي المتصل»، وميزان التعاند على «القياس الاستثنائي المنفصل». وينقسم ميزان التعادل بدوره إلى ثلاثة أنواع: الميزان الأكبر (الشكل الأول)، والميزان الأوسط (الشكل الثاني)، والميزان الأصغر (الشكل الثالث)، والتي تُختصر في مجموعها في خمسة موارد. وتتمثل نتيجة نظرية الغزالي في أنه قد أحلّ المنطق محل الإمامة، مؤكدًا على هذه المسألة بأنه مع وجود المنطق، لن نكون بحاجة إلى إمام معصوم. في هذا المقال، تناولنا بالبحث انطباق هذه الموازين على الأقيسة المنطقية.
المقدمة
بذل الغزالي جهدًا كبيرًا لترسيخ أسس المنطق وإضفاء المقبولية عليه بين المتشرعة. وكان يرى أن الاختلاف يكمن في المصطلحات فقط، وركّز في هذا الخصوص على المصداق المحوري. يقول في كتابه مقاصد الفلاسفة: «أغلب مسائل المنطق صحيحة المنهج، والخطأ والزلل فيها نادر وقليل، وأهل الحق لا يخالفون المنطق إلا في الاصطلاحات والإيرادات، لا في المعاني والمقاصد». (الغزالي، مقاصد الفلاسفة، ٣٢)
تأثر الغزالي في معظم مباحثه المنطقية بابن سينا. ففي كتابه «القسطاس المستقيم»، أرجع الأقيسة المنطقية إلى خمسة موازين مستنبطة من آيات القرآن الكريم. هدف الغزالي هو إثبات أن الوحي هو منشأ جميع المعارف المنطقية، لكي يزيل بذلك شكوك وتشاؤم متشرعة عصره تجاه المنطق، الذين كانوا يقولون: «من تمنطق تزندق»؛ أي من اشتغل بالمنطق صار زنديقًا (حسن زاده آملي، ١٠٦). ولهذا السبب، وضع الغزالي مصطلحات جديدة تتوافق مع ذوق الفقهاء والمتكلمين للقواعد المنطقية؛ حيث سمّى كتبه المنطقية بأسماء مثل معيار العلم، ومحك النظر، والقسطاس المستقيم.
وكذلك الملا صدرا، على غرار الغزالي، استنبط الموازين الخمسة من القرآن الكريم واعتبر هذا الاستنباط معيارًا لفهم المعاني الباطنية وأسرار آيات القرآن؛ تلك الآيات التي تبرهن على البراهين الواقعية (نفسه، ١٠٧). يقول صدر المتألهين: «من كان على علم بالموازين الخمسة، يهتدي، ومن لم يعمل بها وعمل برأيه وتخمينه، فهو في ضلال وغواية». (صدر الدين الشيرازي، ٢٩)
وقد تناول بعض أتباع الملا صدرا، مثل الحاج ملا هادي السبزواري، هذا المطلب أيضًا. يقول الملا صدرا: «هذه الموازين المستخرجة من القرآن الكريم هي في الحقيقة سلالم عروج الإنسان نحو العلم والمعرفة بخالق الأرض والسماء، والمبادئ المذكورة هي درجات هذه السلالم». (نفسه، ٣٠٠)
يقول الغزالي: «المنطق ليس جزءًا من علم الأصول أو مقدماته الخاصة، بل هو مقدمة لكل علم، ومن لم يحط بالمنطق، فلا ثقة بعلمه». (الغزالي، القسطاس المستقيم، ٧)
تجاوز الغزالي هذا الحد، فنسب للمنطق مصدرًا وحيانيًا، واستلهم هذا المطلب من الآية الكريمة: ﴿تِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام/٨٣) (نفسه، المستصفى من علم الأصول، ٥٤/١). إن وضع أسماء جديدة للموازين واستنباط تلك الموازين من القرآن الكريم هو من إبداعه، وأصل الموازين كان رائجًا قبل بعثة النبي (ص) وعيسى (ع) بأسماء أخرى مأخوذة من صحف إبراهيم وموسى (ع) (نفسه، ٦٧). يقول الغزالي: إني تعلمت موازين المنطق من القرآن (نفسه، ٨١)، والمغالطات تنبع من الشيطان (نفسه، ٧٢).
حصر الغزالي ميزان المعرفة في قسمين (الرأي والتعليم)، وانحصر في القسم الثالث، أي أخذ الموازين العقلية من تعاليم النبي الأكرم والقرآن الكريم، معتقدًا أنه ليس فقط المعارف الدينية، بل جميع العلوم الرياضية والهندسية والطبية وحتى العلوم العرفية يمكن تقييمها بهذه الموازين. وقد أنشد الحاج ملا هادي السبزواري، متأثرًا بالغزالي، هذا الشعر: هذا هو القسطاس مستقيما * ويوازن الدين به قويما. تلازم تعاند تعادل * من أصغر أوسط أكبر جلي (السبزواري، ٢١). يقوم مبنى القرآن الكريم على الحذف والإيجاز والاختصار. وأكثر استدلالات القرآن هي من نوع القياس المضمر. ويدعي الغزالي أن قواعد المنطق اليوناني قد استُخرجت أيضًا من صحف إبراهيم وموسى (ع) (الغزالي، القسطاس المستقيم، ٢١ و٤١).
المصطلحات الفلسفية المعدَّلة من قبل الغزالي
استبدل الغزالي المحكوم عليه والحكم بالموضوع والمحمول، والمعرفة والعلم بالتصور والتصديق، والميزان بالقياس، والعلة بالحد الأوسط، والدعوى أو المطلوب بالنتيجة، وقياس مدارك العقول بقواعد المنطق، وقياس الدلالة وقياس العلة ببرهان الإنّ واللّم، وبرهان الاعتلال بالتمثيل المنطقي أو القياس الفقهي (نفسه، معيار العلم في فن المنطق، ١٥٧؛ نفسه، شفاء الغليل، ٤٣٥). وقد استخدم الغزالي النمط الأول أو ميزان التعادل بمعنى القياس الاقتراني، والنمط الثاني بمعنى القياس الاستثنائي، وميزان التلازم بمعنى القياس الاستثنائي المتصل، ونمط التعاند أو ميزان التعاند بمعنى القياس الاستثنائي المنفصل (نفسه، محك النظر، ٢١٤، ٢٢١، ٢٢٨؛ نفسه، المستصفى من علم الأصول، ٣٨). وقد سمّى كل مقدمة من مقدمات القياس أصلاً، والشكل الأول «النظم الأول» أو «الميزان الأكبر»، والشكل الثاني «النظم الثاني» أو «الميزان الأوسط»، والشكل الثالث «النظم الثالث» أو «الميزان الأصغر» (نفسه، القسطاس المستقيم، ٢٢). قبل توضيح الموازين الخمسة، سنوضح مكانة القياس من وجهة نظر الغزالي.
مكانة القياس (الميزان) في رؤية الغزالي
كما هو معلوم، فإن الهدف والمقصد الأسمى للمنطقي هو معرفة الحجة وطريق الاستدلال. ومن بين أقسام الحجة الثلاثة، يحظى القياس بأهمية خاصة. وفي تعريف القياس قيل: «قول مؤلف من قضايا، متى سُلمت لزم عنها لذاتها قول آخر». إن ما له أهمية أساسية في القياس ويجب أن يبحث ويُدرس بشكل كامل هو وجه لزوم النتيجة عن المقدمات، والذي يسمى اصطلاحًا وجه الدليل. يجب الانتباه إلى أن ما يوجب النتيجة في القياس ليس مجرد العلم بوجود المقدمات، بل بالإضافة إلى ذلك، حضور المقدمات في الذهن، والعلم بوجه الدليل، ووجود النتيجة في المقدمات بالقوة، هو أيضًا واجب ولازم. بعبارة أخرى، يمكن القول إن من يعلم بمقدمات قياس ما فقط، ولكنه يجهل وجه لزوم النتيجة، فلن يتمكن أبدًا من الوصول إلى النتيجة.
بناءً على ما ذُكر، يمكن القول بسهولة إن حصول نتيجة القياس في ذهن الإنسان له دائمًا سبب خاص. وهذا السبب الخاص ليس سوى الوعي والانتباه إلى وجود النتيجة بالقوة في مقدمات القياس. وقد طرح الغزالي هذه المسألة في كتابه المعروف «المستصفى من علم الأصول» وقال: «حضور النتيجة بالقوة في مقدمات القياس دفع بعض الأشخاص إلى اعتبار وجه الدليل عين المدلول. والذين يعتبرون وجه الدليل عين المدلول يعتقدون أن ما يرد في القياس ليس شيئًا إضافيًا على ما ورد في مقدمات القياس نفسه. على سبيل المثال، عندما يقال: «سقراط إنسان وكل إنسان فان، إذن سقراط فان»، فإن ما ورد في نتيجة هذا القياس هو نفسه ما تحقق في مقدماته؛ لأنه قيل في الكبرى: كل إنسان فان، وفي الصغرى أيضًا عُرف سقراط كإنسان. إذن، كل ما هو موجود في النتيجة متحقق في المقدمات. وبناءً عليه، لن يكون وجه الدليل سوى عين المدلول». (الغزالي، المستصفى من علم الأصول، ٤٣)
يقول الغزالي: «صحيح أن كبرى القياس من حيث عموميتها وكليتها تتضمن النتيجة، ولكن هذا التضمن هو تضمن بالقوة لم يصل إلى الفعلية بعد. في كثير من الحالات، يوجد المعنى العام والكلي في الذهن، ولكن لا يوجد أي وعي بالخاص والجزئي. على سبيل المثال، من يقول: «كل جسم متحيز»، قد لا يخطر بباله في تلك اللحظة أن الثعلب متحيز، بل ربما يكون غافلاً عن وجود الثعلب ومعناه في تلك اللحظة. لذلك، يمكن القول إن نتيجة القياس موجودة دائمًا في إحدى مقدماته بالقوة، ولكن الموجود بالقوة القريب من الفعل لا ينبغي اعتباره موجودًا بالفعل. إن ما يمكنه تحويل هذا الأمر بالقوة إلى أمر بالفعل هو نوع من التفطن والوعي بوجه الدليل الذي يحصل للإنسان في الذهن بعد المقدمات. بعبارة أخرى، يمكن القول إنه بعد التأمل في المقدمات يتحقق بالفعل ما كان موجودًا بالقوة. وبهذا الترتيب، يكون الانتباه إلى وجه الدليل في القياس سببًا لحصول النتيجة، ولا ينبغي أبدًا اعتبار المدلول عين وجه الدليل». (نفسه، ٥٠)
المسألة التي تستحق البحث والدراسة هنا هي: هل حصول النتيجة بعد الانتباه إلى مقدمات القياس يتم على سبيل التوليد، كما تدعي المعتزلة، أم أن هناك طرقًا أخرى، كما تدعي المذاهب الأخرى؟ لم يقل الفلاسفة بنظرية التوليد في باب حصول النتيجة من القياس، وردوا قول المعتزلة. يعتقد الحكماء أن ذهن الإنسان بعد الانتباه إلى المقدمات، يصبح مستعدًا ومهيئًا، وبفعل هذا الاستعداد، تفيض نتيجة القياس عليه فورًا من واهب الصور، الذي يسمى العقل الفعال. في غضون ذلك، يرفض الأشاعرة نظرية المعتزلة، ويعلنون مخالفتهم للحكماء. وقد قسم الغزالي هذه الجماعة إلى فريقين، كل منهما أبدى نظرية خاصة في باب حصول النتيجة من القياس. الفريق الأول، الذي يشكل غالبية الأشاعرة حسب اعتقاد الغزالي، يرى أن المقدمات تتضمن النتيجة بطريقة حتمية. أما الفريق الثاني، فيعتقد أنه بعد حصول المقدمات، يضع الله، جريًا على العادة، نتيجة القياس في ذهن الإنسان، وبالتالي لا يملك الإنسان أدنى تأثير في حصول نتيجة القياس. وما يستطيع الإنسان فعله لا يتجاوز إحضار مقدمات القياس في الذهن. هذه النظرية هي أشهر النظريات المتبقية عن الأشاعرة، وقد حظيت بالاهتمام في معظم الكتب المنطقية والفلسفية، ولكن كما ذكرنا، نسب الغزالي هذه النظرية إلى فئة من الأشاعرة فقط، وليس إلى أغلبيتهم.
وقد نُسب إليهم قول آخر. كلام الغزالي هنا غامض إلى حد ما، وليس من الواضح ما إذا كان هو نفسه، كمفكر أشعري، قد تبنى قول الأقلية أم أنه يندرج ضمن الأكثرية. في النظرية الأشعرية المعروفة، لاحظنا أن نتيجة القياس يخلقها الله في ذهن الإنسان، وأن المقدمات ليس لها سوى جانب إعدادي وتهيئ الذهن لقبول النتيجة. الآن، قد يطرح هذا السؤال: ما هو الفرق بين هذه النظرية ونظرية الحكماء؟ كما مر، ينسب الحكماء أيضًا للمقدمات جانبًا إعداديًا، ويقولون: بعد استعداد الذهن بتحصيل المقدمات، تفيض النتيجة فورًا من واهب الصور أو العقل الفعال. إذًا، يشترك الأشاعرة والحكماء في هذه النظرية في أن مقدمات القياس لها جانب إعدادي في الذهن، وأن التأثير التام والكامل يأتي من مبدأ آخر. الفرق الوحيد الذي يلاحظ بين النظريتين هو أن الأشاعرة يعتبرون الله مبدأ التأثير، بينما ينسب الحكماء إفاضة نتيجة القياس إلى العقل الفعال أو واهب الصور. الآن، إذا انتبهنا إلى أن العقل الفعال أو أي موجود مجرد آخر هو من شؤون الربوبية ومندك في الحق، فإن المسافة بين هاتين النظريتين ستزول.
جواب هذا السؤال، كيف يخلق الله النتيجة في ذهن الإنسان، موجود في كلام الغزالي. فهو يصرح في كتاب المستصفى بأنه بناءً على النظرية الأشعرية المعروفة، فإن خلق نتيجة القياس في ذهن الإنسان من قبل الله يتم فقط على سبيل جريان العادة، وجريان هذه العادة يكون بحيث يمكن تصور خرقها ومخالفتها؛ إذ من الممكن بعد حصول مقدمات القياس والانتباه الكامل إلى وجه اللزوم، ألا يخلق الله النتيجة في ذهن الإنسان. بينما وفقًا لرأي الحكماء، لا يجوز تخلف المعلول عن علته، وبعد تحصيل مقدمات القياس والانتباه الكامل إلى وجه اللزوم، يُعد حصول النتيجة في الذهن أمرًا ضروريًا (نفسه، محك النظر في المنطق، ٧٥).
استنباط الغزالي للموازين الخمسة من آيات القرآن الكريم
يشرح الغزالي بالتفصيل الموازين الخمسة في كتاب القسطاس المستقيم. يعتبر الغزالي ميزان حضرة إبراهيم (ع) هو الميزان الأكبر، ويعده حجة الله. ولإثبات هذا القول، استند إلى هذه الآية من القرآن الكريم: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام/٨٣). من وجهة نظر الغزالي، تلك الحجة التي أعطاها الله لإبراهيم (ع) وفقًا لهذه الآية هي نفس الميزان الذي استخدمه في مواجهة نمرود. ولهذا السبب، يُعتبر إنكار هذا الميزان بمثابة إنكار للتعليم الإلهي.
قال حضرة إبراهيم (ع) لنمرود: «إن الله سبحانه هو الذي يُطلع الشمس من المشرق. الآن، إن كنت تدعي الألوهية، فافعل ما يجعل الشمس تطلع من المغرب». وهنا بُهت الذي كفر؛ ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (البقرة/٢٥٨). في هذا الميزان، يُلاحظ أصلان، من تركيبهما وازدواجهما تنتج نتيجة واحدة. الصورة المنطقية للميزان هي كالتالي: يقال إن كل من يستطيع إشراق الشمس هو الله، وإله الخليل هو الذي يستطيع إشراق الشمس، إذن إله الخليل هو الله؛ وليس شخص نمرود الذي يدعي الألوهية. يجب الانتباه إلى أن حضرة إبراهيم (ع) قد استدل من قبل بصورة أخرى وقال لنمرود: «الذي يستطيع أن يحيي ويميت هو الله، وإلهي هو الذي يستطيع أن يحيي ويميت، إذن إلهي هو الله». وادعى نمرود في مقابل إبراهيم (ع) أنه هو أيضًا يستطيع أن يحيي ويميت. ولكن مقصوده كان أنه من خلال الوقاع والجماع مع الأنثى يحيي النطفة، ومن خلال القتل والذبح يميت الناس. عندما سمع حضرة إبراهيم (ع) كلام نمرود، أدرك أن فهم هذا الميزان صعب جدًا على نمرود، ولذلك عبر عن كلامه بطريقة تكون أوضح وأبين مما قاله سابقًا. بعبارة أخرى، يمكن القول إنه عندما صعب فهم مسألة الإحياء والإماتة على نمرود، طرح إبراهيم (ع) مسألة طلوع الشمس، وبهذه الطريقة أثبت مقصده.
لقد تحدث الغزالي هنا بالتفصيل عن أشكال القياس البرهاني، وأكد على هذه النقطة أنه إذا تركبت القضايا الأولية والبديهية وفقًا لشروط معينة، فستنتج المعرفة الحقيقية. ثم يضيف أنه لا أحد يقول ببطلان الموازين المنطقية؛ لأنه إذا اعتبر شخص هذه الموازين باطلة، فإنه في الواقع يعتبر التعاليم الإلهية بشأن الأنبياء باطلة (نفسه، القسطاس المستقيم، ٧٦). من الجدير بالذكر أن الغزالي يوجه هذه الأقوال إلى شخص هو نفسه من أهل التعليم، ويعتقد أن طريق النجاة والوصول إلى السعادة يكمن فقط وحصرًا في طاعة الإمام واتباعه، والإمام بدوره يتولى هداية الناس من قبل الله. لقد أورد هذه الأقوال في كتاب القسطاس المستقيم، وهناك، من البداية إلى النهاية، يتحدث مع مخاطب باطني وتعليمي المذهب. ولهذا السبب، فإن إنكار الميزان المنطقي يستلزم إنكار التعليم. كل كلام الغزالي مع مخاطبه تعليمي المذهب هو أنه يقول: «إذا كان الرأي باطلاً، فالتعليم حق بلا شك، ولكن إنكار ميزان إبراهيم (ع) المنطقي يُعتبر إنكارًا للتعليم أيضًا. وبهذا الترتيب، بإنكار الميزان المنطقي، يُنكر التعليم الإلهي، ويُبطل الرأي أيضًا». (نفسه، ٥٣)
في كتاب القسطاس المستقيم، نُسب الميزان الأوسط أيضًا إلى حضرة إبراهيم (ع)، واستُشهد بالآية الكريمة ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (الأنعام/٧٦). الصورة المنطقية لهذا الميزان هي كالتالي: يقال إن القمر آفل، والله ليس بآفل، إذن القمر ليس بإله. كما يُلاحظ، كلمة «آفل» التي تشكل الحد الأوسط لهذا القياس، وقعت محمولة في كل من الصغرى والكبرى. وهذه المسألة واضحة ومسلم بها، وهي أنه كلما كان الحد الأوسط للقياس محمولاً في كلتا مقدمتيه، يكون الشكل الثاني للقياس. وكما يُلاحظ، كلمة «آفل» التي تشكل الحد الأوسط في هذا القياس، وقعت محمولة في كل من الصغرى والكبرى. وهذه المسألة واضحة ومسلم بها، وهي أنه كلما كان الحد الأوسط للقياس محمولاً في كلتا مقدمتيه، نتج الشكل الثاني. والشكل الثاني هو ما يسمى في اصطلاح الغزالي بالميزان الأوسط. وفي هذا الميزان، أُخذ أصلان بعين الاعتبار، وبعد إدراكهما ومعرفتهما، يحصل العلم بنفي ألوهية القمر ضرورة للإنسان.
في الميزان الأكبر، يُعرف ملاك الاعتبار باندراج الأخص في الأعم وسراية الحكم من الأعم إلى الأخص. ولكن في الميزان الأوسط، يقوم ملاك الاعتبار على أساس التباين والغيرية. بعبارة أخرى، يمكن القول إنه في الميزان الأوسط، يتصف أحد الأمرين المتماثلين ظاهريًا بوصف يُسلب هذا الوصف عن الآخر. وهذه المسألة واضحة وجلية، وهي أنه في مثل هذه الحالة، يتحقق نوع من التباين والغيرية. على سبيل المثال، يُنفى الأفول عن الله، ولكن هذا الأفول نفسه يتحقق للقمر. إذن، يمكن القول بسهولة إن القمر ليس بإله، كما أن الله ليس بقمر. يعتقد الغزالي أن حضرة إبراهيم (ع) استخدم الميزان الأوسط في تقديس الحق، وعلّم كيفية استخدامه للآخرين أيضًا؛ لأنه بهذا الميزان نفسه يُعرف نفي الجسم وآثار الجسم عن الله (مثل نفي ألوهية القمر). إذا انتبهنا إلى أن أحد ركني المعرفة المهمين هو معرفة تقديس الحق، فإن أهمية هذا الميزان تتجلى أكثر (نفسه، ٦٢). يقول الغزالي بعد أن بحث وناقش الميزان الأوسط بالتفصيل: «هذا الميزان هو ميزان حضرة إبراهيم (ع)، ولكن الله سبحانه علّمه لحضرة محمد (ص) أيضًا». (نفسه، ٥٧)
ثم استشهد بآيات عدة من القرآن استخدم فيها هذا الميزان. من بينها هذه الآية: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ (المائدة/١٨). نزلت هذه الآية في شأن الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أبناء الله. وقد كشف الله خطأهم عن طريق الميزان الأوسط. الصورة المنطقية لهذا الميزان هي كالتالي: يقال إن أبناء الأب لا يعذبون من قبله، وأنتم قد عُذبتم من قبل الله، إذن أنتم لستم أبناء الله. في هذا الميزان، تم الاعتماد على أصلين: الأصل الأول هو أن الأبناء لا يعذبون من قبل الأب والأم. وفي الأصل الثاني، ورد أنكم قد عُذبتم من قبل الله. الأصل الأول معلوم بالتجربة، والأصل الثاني معلوم ومشاهد. عندما تحصل المعرفة بهذين الأصلين، ستحصل المعرفة بالنتيجة ضرورة.
آية أخرى استُخدم فيها الميزان الأوسط هي هذه الآية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (الجمعة/٦-٧). نزلت هذه الآية في شأن اليهود الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أولياء الله وأحباءه. لا شك أن الولي والصديق يتمنى دائمًا لقاء وليه وصديقه. ومن جهة أخرى، من الواضح أن اليهود لم يكونوا يظهرون رغبة في ما يسبب لقاء الصديق (الموت)، وبهذا الترتيب يمكن القول إنهم ليسوا من أولياء الله. الصورة المنطقية للميزان هي كالتالي: يقال إن كل من هو ولي، يتمنى لقاء وليه (الله)، واليهود لا يتمنون لقاء الله، إذن اليهود ليسوا من أولياء الله.
الميزان الأصغر أيضًا ورد في القرآن المجيد، وقد علّمه الله لنبيه. في سورة الأنعام ورد: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ (الأنعام/٩١). كان فريق من الناس ينكرون نزول الوحي ويقولون إن شيئًا من عالم الغيب لا ينزل على قلب بشر. في الآية المذكورة، يمكن اعتبار أصلين يشكلان الميزان الأصغر، وعن طريقهما يتجلى بطلان قول هؤلاء الأشخاص. الأصل الأول هو أن موسى (ع) بشر. والأصل الثاني هو أن موسى كان موضع نزول الوحي. النتيجة الضرورية لهذين الأصلين هي أن بعض أفراد البشر كانوا موضع نزول الوحي، وبهذا الترتيب، فإن ادعاء الذين ينكرون نزول الوحي على النبي (ص) باطل. الأصل الأول معلوم ومشاهد بالحس. والأصل الثاني قضية أقر بها منكرو نبي الإسلام. وبالطبع، هذا القياس يُستخدم على سبيل الجدل، وفي الجدل، يكفي أن تكون المقدمات مسلمة عند الخصم. في هذا الميزان، كلمة «موسى» التي تشكل الحد الأوسط للقياس، وقعت موضوعًا في كل من الصغرى والكبرى. وهذه المسألة واضحة ومسلم بها، وهي أنه كلما كان الحد الأوسط في قياس ما موضوعًا لمقدماته، نتج الشكل الثالث.
أما الميزان الرابع، الذي يسمى «ميزان التلازم»، فقد استُند فيه إلى آيات من القرآن؛ مثل الآية الكريمة ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء/٢٢)، والآية الكريمة ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (الإسراء/٤٢). الصورة المنطقية لهذا الميزان في الآية الأولى هي كالتالي: يقال لو وُجد إلهان، لفسد العالم وخاب، ولكن من الواضح والبيّن أن العالم لم يفسد ولم يخب؛ إذن لا يوجد إلهان. وفي الآية الثانية، الصورة المنطقية للميزان هي كالتالي: لو وُجد مع إله صاحب العرش آلهة أخرى، لسعوا إلى إزالة صاحب العرش، ولكن من الواضح والبيّن أنهم لم يسعوا إلى إزالة صاحب العرش؛ إذن لا يوجد إله غير إله صاحب العرش.
الميزان الخامس هو «ميزان التعاند». وفي هذا الميزان أيضًا استُند إلى آيات من القرآن، منها هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (سبأ/٢٤). الصورة المنطقية لهذا الميزان هي كالتالي: أحد الفريقين، نحن أو أنتم، في ضلال مبين، ولكن من الواضح والبيّن أن فريقنا ليس في ضلال، إذن فريقكم في ضلال. لقد تحدث الغزالي بالتفصيل عن ميزان التعاند، واعتبره محور ومدار الكثير من الأمور النظرية. على سبيل المثال، إذا أنكر شخص وجود القديم، فبالتمسك بميزان التعاند، يقال له: إما أن تُعتبر جميع الموجودات حادثة، أو أن بعضها حادث وبعضها قديم. لا شك أن ليست كل الموجودات حادثة، إذن بالضرورة يوجد قديم بينها. هنا قد يُطرح هذا السؤال: لماذا ليست كل الموجودات حادثة؟ في الجواب يقال: لو كانت كل الموجودات حادثة، لكان حدوثها قائمًا بذاته، ولكانت محتاجة إلى علة، وبالتالي لما تحققت، وفي هذه الحالة، لن يكون القول بحدوث الموجودات سوى قول باطل.
وجه تسمية الموازين الخمسة
يشرح الغزالي، بعد أن أوضح الموازين الخمسة بناءً على آيات القرآن، سبب تسميتها، فيقول: «سميتُ ميزان التعادل ميزانَ تعادلٍ لوجود أصلين فيه يتعادلان مع بعضهما. التعادل بين هذين الأصلين هو بحيث يبدو كأنهما يشكلان كفتي ميزان. ووجه تسمية ميزان التلازم هو أن أحد أصليه يشتمل على جزأين، أحدهما لازم والآخر ملزوم. وأما ميزان التعاند فقد سُمي بذلك لأنه يقوم على أساس الحصر بين النفي والإثبات. في الحالات التي يقع فيها الحصر بين النفي والإثبات، يستلزم ثبوت أحد الأمرين نفي الآخر، ونفي أحدهما يستلزم ثبوت الآخر، ولهذا السبب، يتحقق نوع من التعاند والتضاد بينهما». (نفسه، ٤٥)
يقول الغزالي: «هذه الأسماء والألقاب أنا وضعتها وجعلتها لموازيني. ولكن حقيقة الموازين ليست من إبداعاتي واختراعاتي، بل استخرجتها من القرآن المجيد». (نفسه، ٦٥)
هنا قد يطرح هذا السؤال: هل ملاك الاعتبار في هذه الموازين هو العقل أم القرآن المجيد؟ المخاطب الباطني المذهب للغزالي في كتاب القسطاس المستقيم هو من بين الذين طرحوا هذا السؤال وطلبوا جوابه. يسأل الغزالي: «هل يُعرف اعتبار هذه الموازين عن طريق العقل أم عن طريق طاعة واتباع الإمام المعصوم؟ إذا تمسكنا بالعقل لاعتبار هذه الموازين، فإن عقول البشر دائمًا في اختلاف وتعارض، ولكن إذا استند اعتبارها وحجيتها إلى الإمام المعصوم، فهذا هو المذهب والمنهج الذي قبلناه وندعو الناس إليه». يجيب الغزالي على هذا السؤال قائلاً: «نعرف اعتبار هذه الموازين عن طريق التعليم، ولكن هذا التعليم تم بواسطة الأئمة، أي حضرة محمد بن عبد الله (ص)». (نفسه، ٣٢)
ثم يضيف أن حاصل تعليم النبي (ص) هو القرآن المجيد، وبيان صدق واعتبار موازين القرآن يُعلم من القرآن نفسه. يجد مخاطب الغزالي كلامه في هذا الباب غير واضح ومقنع، ويطلب توضيحًا أكثر. يسأل الغزالي: «كيف يمكنك أن تعرف صحة واعتبار القرآن من القرآن نفسه؟». يجيب الغزالي: «أخبرني أنت كيف وبأي شيء تعرف صحة ودقة ميزان الذهب والفضة؟ عندما تدخل سوق المسلمين وتتعامل بأحد الموازين الموجودة، كيف تعرف أنك لم ترتكب ظلمًا بإنقاص أو زيادة الوزن؟». يقول مخاطب الغزالي، وهو شخص باطني: «أنا أحسن الظن بالمسلمين، وأعتقد أنهم لا يغشون في المعاملات، إلا إذا ضبطوا وعدلوا موازينهم. وفي الوقت نفسه، إذا شككت في بعض الموازين، أفحص شاهينها وكفتيها؛ فإذا كانا متساويين ومتعادلين، أطمئن إلى صحتها ودقتها».
يقول الغزالي لمخاطبه: «لنفترض أن شاهين الميزان في حالة استواء، وأن كفتيه متساويتان ومتعادلتان. ولكن كيف وبأي طريق تعلم أن هذا الميزان صحيح؟». يقول الشخص الباطني: «علمي بصحة ودقة مثل هذا الميزان ضروري، وهذا العلم الضروري يحصل لي عن طريق مقدمتين: إحداهما تجريبية والأخرى حسية. المقدمة التجريبية هي أنني اكتسبت بالتجربة أن ما هو ثقيل يميل إلى الأسفل. لذلك، أعتقد أنه لو كانت إحدى كفتي هذا الميزان أثقل، لمالت حتمًا نحو الأسفل. المقدمة الثانية، وهي مقدمة حسية، هي أنني أشاهد بعيني تعادل وتساوي كفتي الميزان، وهنا، عن طريق هاتين المقدمتين، أحصل على العلم بصحة ودقة الميزان؛ لأني أؤمن بأنه لو كانت إحدى الكفتين أثقل، لمالت حتمًا نحو الأسفل. ومن جهة أخرى، أشاهد بوضوح أن إحدى الكفتين لم تمل نحو الأسفل، إذن من المعلوم أن إحدى الكفتين ليست أثقل من الأخرى».
يقول الغزالي: «هل ما قلته، سوى رأي وقياس عقلي، يُعد شيئًا آخر؟». يجيب الشخص الباطني: «ليس كذلك أبدًا، لأن علمي بدقة الميزان هو علم ضروري مستفاد من مقدمات حسية وتجريبية، وهذا النوع من العلوم لا يمكن تسميته رأيًا وقياسًا». يقول الغزالي لرفيقه في الحوار: «إذا كنت تعرف صحة ودقة الميزان بالبرهان، فكيف تعرف صحة ودقة حجر الميزان؟ ربما كان حجر الميزان الذي تستخدمه أقل أو أكثر مما هو معيار الأوزان في الواقع ونفس الأمر». يجيب الشخص الباطني: «إذا شككت في حجر الميزان، أحدد عياره بحجر آخر أعلم بصحته ودقته. وبهذا الترتيب، ما يساوى حجر الميزان، سيكون مساويًا لما هو في الواقع ميزان؛ لأن مساوي المساوي لشيء، يُعرف بأنه مساويه».
يقول الغزالي لمخاطبه: «هل تعرف واضع الميزان، وهل تعلم من كان أول واضع للميزان؟». يجيب الشخص الباطني: «لا أعرف واضع الميزان. ولماذا أحتاج إلى معرفته، بينما أعرف صحة ودقة الميزان عن طريق المشاهدة؟ معرفة واضع الميزان ليست مطلوبة بالذات، بل تكمن أهميتها في أنها تتدخل في معرفة صحة ودقة الميزان، وبما أنني أعرف صحة ودقة الميزان، فأنا في غنى عن أي مراجعة لواضع الميزان. إذا أردت في كل نوع من القياس بالميزان أن أراجع واضع الميزان، سيطول الأمر، بالإضافة إلى أن العثور على واضع الميزان لن يكون ميسورًا في جميع الحالات». عندما وصل الحديث إلى هنا، قال الغزالي لمخاطبه: «الآن سأريك ميزانًا في المعرفة أوضح وأبين من الميزان المتعارف عليه. واضعه هو الله، ومعلمه جبريل، والمستخدم له هو حضرة إبراهيم وسائر الأنبياء. لقد صدق الله عمل الأنبياء في استخدام الموازين المنطقية، وشهد على صحتها» (نفسه، ٢٩-٣٢).
يسعى الغزالي في هذا الحوار الطويل الذي أجراه مع شخص باطني إلى تحقيق هدف واحد فقط. هذا الهدف هو أن طاعة واتباع الإمام المعصوم ليست لازمة، وفي كثير من الحالات، تسبب الفرقة والاختلاف. ولإزالة هذا الاعتقاد من ذهن مخاطبه ونفي لزوم الإمامة، لجأ إلى الموازين المنطقية، واعتبر الطريق المنطقي هو سبيل الوصول إلى الحقيقة. لقد وضع الغزالي في كتاب القسطاس المستقيم المنطق مكان الإمامة، وأكد على هذه المسألة بأنه مع وجود المنطق، لن نحتاج إلى إمام معصوم. يجب الانتباه إلى أن ما طرحه الغزالي في هذا الكتاب، قد طرحه قبله أيضًا في دائرة أوسع محمد بن زكريا الرازي. كان الرازي يعتقد أنه مع وجود العقل بين الناس، لا حاجة لوجود الأنبياء، ومن يتبع العقل السليم، لا يجد نفسه محتاجًا لتعاليم الأنبياء.
النقطة الجديرة بالذكر هي أنه إذا كان الغزالي قد تحاور في هذه المسألة مع شخص باطني، فإن زكريا الرازي أيضًا قد ناقش وجادل في هذه المسألة مع أحد كبار علماء الباطنية. الفرق الوحيد الموجود بين الغزالي وزكريا الرازي في هذه المسألة هو أن الغزالي وضع المنطق مكان الإمامة، بينما جعل زكريا الرازي العقل بديلاً عن النبوة. وبالتالي، فإن الفرق بين رأي الرازي ونظر الغزالي في هذه المسألة يكمن في سعة وضيق نطاق شمول كلامهما، وليس في شيء آخر. وقد مضى الغزالي في هذه المسألة إلى حد أنه قال: «لو لم يكن القرآن مشتملاً على الموازين المنطقية، لما صح إطلاق عنوان النور عليه؛ لأن النور هو ما يمكن به رؤية نفسه ورؤية غيره. بعبارة أخرى، يمكن القول: النور ظاهر بذاته ومظهر لغيره». (نفسه، ٦٨) في نظر الغزالي، ما قيل عن النور هو من خصائص الميزان أيضًا. لذلك، سُمي القرآن المجيد نورًا لاشتماله على الموازين المنطقية. وهو يعتقد أن خروج الإنسان من ظلمات الضلال والجهل لا يتم إلا بالموازين المنطقية. ولهذا السبب، إذا تعلم شخص ميزان القسط، فإنه لا يحيط بعلم واحد فقط، بل يملك ميزانًا يمكنه به قياس كل شيء، ويسيطر على علوم كثيرة. من يملك القسطاس المستقيم، يتمتع بالحكمة، ومن يتمتع بالحكمة، ينال خيرًا كثيرًا.
حسب اعتقاد الغزالي، الخير الكثير لا متناهٍ، وهذا الخير الكثير يحصل لمن يملكون موازين القسط. ورد في القرآن: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام/٥٩). يقول الغزالي في تفسير هذه الآية: «من الواضح جدًا أن جميع العلوم ليست موجودة بالفعل وصراحة في القرآن، ولكن جميع أنواع المعرفة موجودة بالقوة في القرآن، ولا يصل إليها إلا من يملك موازين القسط. وبهذه الموازين، تُفتح أبواب الحكمة اللامتناهية على الإنسان». (نفسه، ١٢٦)
يعتبر الغزالي نفسه صاحب ميزان القسط، وعندما يسأله الشخص الباطني: «كيف تقيس معرفتك، وبأي معيار تقدرها؟» يجيب: «أنا أزن معرفتي بالقسطاس المستقيم وأقدرها به. وفي هذا الوزن والموازنة، أتبع الله وأعمل بأمر نبيه؛ لأن الله قال: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ (الإسراء/٣٥)». سأله الشخص الباطني: «ما هو القسطاس المستقيم؟». يجيب الغزالي: «القسطاس المستقيم هو الموازين الخمسة التي أنزلها الله في القرآن وعلمها للأنبياء» (نفسه، ٥٣). بالنظر إلى ما ذُكر حتى الآن، يمكن الادعاء بسهولة أن الأهمية الفائقة والاعتبار الذي يحظى به المنطق في نظر الغزالي، هو بسبب نوع من الموقف الذي اتخذه في مواجهة نفوذ الفكر الإسماعيلي وسيطرتهم السياسية.
إن الانتباه إلى ما سبق يظهر بوضوح أنه إلى جانب الموازين المنطقية المعتبرة، ظهر عدد من الموازين الشيطانية التي أدت إلى انحراف وضلال الأشخاص. ميزان التعاند هو من بين الموازين التي شاعت بين المتكلمين واستُخدمت بكثرة. وقد استخدم المتكلمون المسلمون في هذا الميزان مصطلحًا آخر، ودرسوه تحت عنوان «السبر والتقسيم». طريقة السبر والتقسيم، كميزان منطقي، لها شروط، إذا لم تُراعَ، ستتحول إلى ميزان شيطاني. أفتى كثير من المتكلمين الأشاعرة بجواز رؤية الله، واستخدموا هذه الطريقة لإثبات ذلك. خلاصة استدلالهم هي: مصحح جواز الرؤية لشيء ما هو إما كونه جوهرًا، أو كونه عرضًا. كون الشيء جوهرًا لا يمكن أن يكون ملاك جواز الرؤية؛ لأن كثيرًا من الأعراض تُشاهد بسهولة. وكون الشيء عرضًا لا يمكن أن يكون ملاك جواز الرؤية؛ لأن بعض ما ليس بعرض قابل للمشاهدة. اللون أو الحركة أيضًا لا يمكن اعتبارهما ملاك جواز الرؤية؛ لأن كلًا منهما قابل للنقض بشيء آخر. وبهذا الترتيب، فإن ما يمكن أن يكون ملاك جواز الرؤية، سوى الوجود، ليس شيئًا آخر، ومن هنا توصلوا إلى نتيجتهم المرجوة وقالوا: «الله بما أنه موجود، يمكن القول برؤيته».
أشار الغزالي في كتاب المستصفى من علم الأصول وكذلك في كتاب محك النظر في المنطق إلى طريقة الأشاعرة في هذا الباب، وأورد عليها إشكالاً. إشكاله على الأشاعرة هو: «لا يمكن اعتبار الوجود ملاكًا حصريًا لجواز الرؤية؛ إذ من الممكن أن يكون هناك ملاك آخر للرؤية لم يتوصل إليه الأشاعرة». (الغزالي، المستصفى من علم الأصول، ٤٣/١؛ نفسه، محك النظر، ٥٤) على أي حال، مع أن الغزالي يُعد من كبار مفكري الأشاعرة، فإنه في كثير من الحالات، انتقد وشكك في عقائد ونظريات هذه المجموعة. وقد علم الآخرين أيضًا طريق النقد، ومهد هذا الطريق لمفكري الأشاعرة من بعده. بعد سنوات، بحث الإمام فخر الدين الرازي، وهو أيضًا من كبار مفكري الأشاعرة، في جواز رؤية الحق، وتعرض برهان هذه المسألة لإشكال ونقد شديدين.
الخاتمة
يحتل كتاب القسطاس المستقيم مكانة خاصة بين آثار الغزالي المنطقية؛ لأنه استنبط قواعد الاستدلال البديهية من النصوص المقدسة للقرآن الكريم، واستنباط قواعد الاستدلال من القرآن الكريم (أول سمة للقسطاس) أمر غير مسبوق وجدير بالثناء. وبما أن المتشرعة كانوا على خلاف مع الفلاسفة، فقد بذل الغزالي جهدًا كبيرًا لترسيخ أسس المنطق وإضفاء المقبولية عليه بين المتشرعة. وكان يرى أن الاختلاف يكمن في المصطلحات فقط، وركز في هذا الخصوص على المصداق المحوري. كان للمنطق في بداية نشأته طابع وجودي (أنطولوجي)؛ بمعنى أنه استمد مادته مباشرة من نظام الأشياء، لا من نظام الأفكار. فبارمنيدس (الفيلسوف المعروف في العصر القديم) يعرّف قانون الوحدة بأنه قانون الوجود نفسه، ويستنتج من ذلك أن تصور التغير في الأشياء غير ممكن. وديموقريطوس أيضًا يستنبط من مبدأ منطقي آخر أنه لا يحدث في العالم أمر من دون علة وسبب. ونظريات أفلاطون المنطقية لها أيضًا طابع وجودي. ولهذا الموضوع، يمكن ذكر هذه العلة وهي أن المثالية الموضوعية تعتبر الوجود الحقيقي هو الفكر نفسه الذي لا نسبية فيه ويجب اعتباره مطلقًا. وبالطبع، فإن اللاأدرية الكانتية وال corrientes التابعة لها تنفي الرؤية الوجودية للمنطق وتوصي بمنطق التصورات.
غالبًا ما يُسمى منطق أرسطو بالمنطق الصوري؛ طالما أن منطق أرسطو هو تحليل لصورة الفكر. وهذه التسمية صحيحة، ولكن سيكون من الخطأ الكبير افتراض أن المنطق في نظر أرسطو يتعلق حصرًا بالفكر الإنساني؛ بحيث لا يكون له أي ارتباط بالواقع الخارجي. فهو يتعامل أساسًا مع صورة البرهان، ويفترض أن نتيجة البرهان العلمي هي معرفة معينة عن الواقع. على سبيل المثال، في القياس الصوري «كل إنسان فان، سقراط إنسان، إذن سقراط فان»، الموضوع ليس فقط أن النتيجة مستنتجة بشكل صحيح وفقًا للقوانين الصورية للمنطق. يفترض أرسطو أن النتيجة متحققة في الواقع. وبالتالي، فإنه يفترض مسبقًا نظرية واقعية عن المعرفة، وفي نظره، المنطق، وإن كان تحليلاً لصورة الفكر، فهو تحليل لفكر يتناول الواقع بالتفكير. بالنظر إلى ما ذُكر، يمكن القول إن المنطق في نظر كثير من المفكرين الكبار لم يكن صورة محضة، ولم يكن منقطع الصلة بالواقع، ولكن إبداء الرأي حول ما إذا كانت نظرية الغزالي المنطقية، مثل نظريات أفلاطون المنطقية، لها طابع وجودي أم لا، ليس بالأمر السهل. ولكن في الوقت نفسه، يجب الاعتراف بأن الغزالي عرف الموازين المنطقية بأنها محكمة ومعتبرة، واعتمد عليها بشدة.
المصادر والمراجع
١. القرآن الكريم.
٢. إبراهيمي ديناني، غلام حسين؛ منطق ومعرفت در نظر غزالي، طهران، أميركبير، ١٣٧٠ش.
٣. حسن زاده آملي، حسن؛ قرآن وعرفان وبرهان از هم جدايي ندارند، قم، انتشارات قيام، ١٣٧٤ش.
٤. سبزواري، هادي؛ شرح منظومه، طهران، بينا، ١٣٦٩ش.
٥. شيرازي، صدرالدين محمد بن إبراهيم؛ الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤١٠ق.
٦. غزالي، محمد بن محمد؛ الاقتصاد في الاعتقاد، بيروت، دار قتيبة، ١٤٢٣ق.
٧. غزالي، محمد بن محمد؛ القسطاس المستقيم (الموازين الخمسة للمعرفة القرآن)، دمشق، المطبعة العلمية، بي تا.
٨. غزالي، محمد بن محمد؛ المستصفى من علم الأصول، القاهرة، المكتبة التجارية، ١٩٩١م.
٩. غزالي، محمد بن محمد؛ المنقذ من الضلال، ترجمة صادق آئينهوند، طهران، أميركبير، ١٣٦٢ش.
١٠. غزالي، محمد بن محمد؛ تهافت الفلاسفة، ترجمة علي أصغر حلبي، طهران، مركز نشر دانشگاهي، ١٣٦١ش.
١١. غزالي، محمد بن محمد؛ شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، بغداد، الإرشاد، ١٣٩٠ق.
١٢. غزالي، محمد بن محمد؛ محك النظر، بيروت، دار الفكر، ١٩٩٤م.
١٣. غزالي، محمد بن محمد؛ معيار العلم في فن المنطق، بيروت، دار ومكتبة الهلال، ١٤٢٧ق.
١٤. غزالي، محمد بن محمد؛ مقاصد الفلاسفة، القاهرة، دائرة المعارف مصر، ١٩٦١م.
الهوامش
1. تاريخ الاستلام: ١٣٩٦/٨/٢٠، تاريخ القبول: ١٣٩٧/٤/١٣. المعرّف الرقمي (DOI): 10.22081/jqr.2018.49078.1761
2. أستاذ مساعد في كلية الدكتور شريعتي التقنية والمهنية. change@shariaty.ac.ir