دور علي بن مهزيار في الرقي العلمي والثقافي للشيعة

الملخص

لقد أدى المحدثون والرواة الشيعة في القرون الهجرية الأولى دورًا بارزًا في الرقي العلمي والثقافي للشيعة عبر نقل أحاديث الأئمة (ع) إلى الأجيال اللاحقة. من هنا، فإن معرفتهم تساعدنا على فهم جذور تكوين العلوم والمعارف الشيعية بشكل أفضل. ولا شك أن علي بن مهزيار، من أصحاب الأئمة المتأخرين (ع)، كان له سهم كبير في هذه الحركة والنمو. يهدف هذا البحث إلى الإجابة على هذا السؤال: ما هو الدور الذي أداه علي بن مهزيار في الرقي العلمي والثقافي للشيعة؟ وذلك باستخدام المنهج التاريخي وعلى أساس المنهج الوصفي-التحليلي. وتُظهر نتائج هذا التحقيق أن علم ابن مهزيار ووثاقته ومنزلته لدى الأئمة (ع) قد أدت إلى حفظ أكثر من 700 رواية له في المصادر الشيعية المعتبرة. ومن خلال استخراج هذه الروايات، اتضح أن علي بن مهزيار أدى دورًا بارزًا في تبيين الفقه والمسائل الفقهية لمجتمع ذلك الزمان عبر نقله لـ 482 رواية فقهية. كما سعى لمواجهة الفرق المنحرفة وتبيين إمامة أهل البيت كلاميًا ليقيم سدًا منيعًا في وجه الفرق المنحرفة في عصره ويروج للعقائد الشيعية الصحيحة؛ وسعى ابن مهزيار أيضًا إلى نشر الأدعية الشيعية التماسًا لشفاء آلام أهل التشيع. ومن ناحية أخرى، أدى تفاعل هذا العالم الشيعي مع المراكز الحديثية الأخرى وتربيته للتلاميذ إلى نشر أحاديث الأئمة (ع) في العالم الإسلامي.

1. طرح المسألة

في عصر حضور الأئمة (ع)، يُعد حضور العلماء الشيعة إلى جانبهم من المواضيع الجديرة بالتأمل في تاريخ الشيعة. لقد نقل هؤلاء المحدثون والرواة تراث الأئمة (ع) والشيعة، وأضافوا إلى قوامه ورسوخه. أحد هؤلاء العلماء هو علي بن مهزيار الأهوازي، الذي سعى بأساليب مختلفة لنشر التشيع وتقويته. تولى ابن مهزيار، في زمن كان فيه الأئمة (ع) تحت سيطرة الخلافة العباسية، وكالتهم ونيابتهم، وأجاب على مسائل الشيعة. وقد كان له تأثير كبير في نقل التراث العلمي والفكري للأئمة (ع) إلى الأجيال اللاحقة من خلال حفظ وتدوين أحاديثهم.

تكمن أهمية ابن مهزيار في أنه لا يمكن لأي باحث في مجال المعارف والعلوم الشيعية أن يتجاهله. على الرغم من هذه الأهمية، فإن الأبحاث التي أُجريت حوله يغلب عليها طابع التراجم والرجال، ولا تعرّف بمكانته العلمية والثقافية، كما أن دراسة روايات وأحاديث ابن مهزيار بهدف توضيح دوره في الرقي العلمي والثقافي للشيعة لم تحظَ باهتمام كبير. يمكن تقسيم هذه الأبحاث إلى فئتين رئيسيتين: الأولى، المقالات والكتب ذات الطابع العام والتي كُتبت لجمهور أوسع، والثانية، المقالات الجامعية. من الفئة الأولى، يمكن ذكر كتاب «هم قدم با آفتاب: زندگي نامه علي بن مهزيار اهوازي و خدمات خاندان مهزيار به اسلام و تشيع» (زرگر، 1395ش)، حيث اقتصر المؤلف على سيرة حياة ابن مهزيار وروايات لقاءات أفراد عائلته بالأئمة (ع)، وكذلك مسكن ومدفن علي بن مهزيار، وتجاهل روايات ابن مهزيار في المصادر المتقدمة.

ومن بين المقالات التي كُتبت في هذا المجال وتتبع نفس النهج، يمكن الإشارة إلى مقالات «علي بن مهزيار الاهوازي» (حسين بوري، 1382ش)، و«رجال نامي خوزستان را بشناسيد (علي بن مهزيار اهوازي)» (جزایري، 1343ش)، والتي اقتصرت على ترجمة وحياة علي بن مهزيار. أما من أبحاث الفئة الثانية، أي المقالات الجامعية، فيمكن الإشارة إلى مقال «بررسي جايگاه علي بن مهزيار و خاندان وي در وكالت ائمه (ع)» (عبيدي پور، 1392ش) و«مناسبات فكري دو حوزه علمى تشيع قم و اهواز در قرنهاي دوم و سوم هجري» (هدايت پناه، 1395ش)، حيث اختلف المؤلفون في هذه الأبحاث عن البحث الحالي في المسألة والموضوع، ولم يتطرقوا إلى تقييم واستخراج روايات علي بن مهزيار في المتون الروائية الشيعية.

على الرغم من هذه الأبحاث، لا يزال دور ابن مهزيار، كغيره من أصحاب ورواة كلام الأئمة (ع)، في تكوين العلوم الشيعية لم يتم تقييمه بشكل كافٍ. ومع التذكير بأن في هذه المرحلة من التكوين وُضع حجر الأساس لعلوم وثقافة الشيعة، ولا تزال جوانب من هذه المرحلة بحاجة إلى إعادة بناء، تزداد ضرورة البحث حول الدور الثقافي لرواة مثل ابن مهزيار. لذلك، يسعى البحث الحالي، باستخدام المنهج التاريخي والاستفادة من المنهج الوصفي التحليلي ومن خلال دراسة وتحليل أحاديث علي بن مهزيار، إلى الإجابة على هذا السؤال: ما هو الدور الذي أداه هذا العالم الشيعي في التطور الاجتماعي والثقافي للشيعة؟ وبناءً على هذا المنهج، قام الباحثون بعد دراسة سيرة علي بن مهزيار لفهم جهوده في بناء وتعزيز حديث الشيعة، بالبحث في المصادر الشيعية المعتبرة واستخراج المعلومات من هذه المصادر وتقديمها في شكل كمي؛ ثم قاموا بتصميم رسوم بيانية توجه القارئ نحو تحليل أفضل لأداء ابن مهزيار الحديثي. وفيما يلي، سيتم تناول الإجراءات الأخرى التي قام بها علي بن مهزيار في سبيل الرقي العلمي والثقافي للشيعة.

2. سيرة علي بن مهزيار وآثاره

علي بن مهزيار، من دورق الأهواز1، محدث، مفسر، فقيه وعالم شيعي بارز في القرنين الثاني والثالث الهجري. قدر المحققون المعاصرون، بناءً على القرائن والشواهد، تاريخ ولادته بين عامي 180 و 185هـ، ووفاته حوالي عامي 250 و 254هـ (راجع: الزركلي، 1989م، 5: 37؛ دواني، 1360ش، 2: 107). كان ابن مهزيار من الأسر البارزة في الأهواز (أصغرپور وآخرون، 1402ش، 130) وبلغ في هذه المدينة مرتبة الفقه (الكشي، 1363ش، 548). تلقى العلم والمعرفة في البداية على يد كبار علماء الأهواز مثل فضالة بن أيوب الأزدي (ت. القرن الثالث)، وحسن بن سعيد الأهوازي (ت. 254ق) (راجع: الكليني، 1407ق، 2: 82، 437؛ الطوسي، 1407ق، 2: 142، 290). ثم تعلم على يد علماء الشيعة في مدن أخرى مثل الكوفة وبغداد (راجع: الكليني، 1407ق، 2: 373، 460؛ 3: 267، 306). كما كان هذا العالم الأهوازي من أصحاب الإمام الرضا (ع)، والإمام الجواد (ع)، والإمام الهادي (ع)، وكان له مكانة خاصة لديهم؛ حيث أثنى عليه الإمام الجواد (ع) مرارًا (راجع: الطوسي، 1373ش، 349؛ الكشي، 1363ش، 2: 826-827).

تُنسب إليه العديد من الآثار، حيث قدم النجاشي قائمة تضم 36 عنوانًا من آثار علي بن مهزيار (النجاشي، 1365ش، 253). لم يذكر الكشي أسماء آثاره، لكنه قال إن مصنفات ابن مهزيار تزيد على ثلاثين أثرًا (الكشي، 1363ش، 2: 825). ونسب الطوسي إليه 36 كتابًا، منها 33 كتابًا تشبه كتب الحسين بن سعيد، وثلاثة كتب هي حروف القرآن، الأنبياء، والبشارات، اعتبرها مستقلة عن آثار الحسين بن سعيد (الطوسي، 1420ق، 265؛ لمزيد من المعلومات عن آثار ابن مهزيار، راجع: النجاشي، 1365ش، 253؛ ابن شهرآشوب، 1380ش، 63). وقد ذكر النجاشي والطوسي كل منهما طرقه إلى كتب مهزيار (راجع: النجاشي، 1365ش، 253-254؛ الطوسي، 1420ق، 265).

بناءً على الشواهد واستمرارية رواياته في المصادر المتأخرة، يمكن القول إن المؤلفين الشيعة كانوا يتمكنون من الوصول إلى آثار ابن مهزيار حتى القرن السابع على الأقل. فقد كان ابن طاووس (ت. 664ق) يمتلك كتاب الدعاء وكتاب الملاحم لابن مهزيار (ابن طاووس، 1409ق، 142؛ هو نفسه، 1416ق، 30).

من المؤسف أن آثاره لم تسلم من عبث الزمان وضاعت. ومع ذلك، فقد استفاد المؤلفون اللاحقون من هذه الآثار مرارًا في كتاباتهم، وحُفظ حجم كبير من رواياته وأحاديثه في هذه المصادر، والتي لا تزال تتألق على جبين العلم والفكر الشيعي حتى يومنا هذا. تروي مصادر القرون من الثالث إلى السابع بشكل واسع في موضوعات متنوعة عن ابن مهزيار. لذلك، سنتناول التعريف بهؤلاء المؤلفين ومدى استفادتهم من آثار ابن مهزيar.

3. علي بن مهزيار وحفظ ونقل أحاديث الأئمة

إن انعكاس روايات علي بن مهزيار في المصادر الروائية الشيعية يدل على دوره في نشر التراث الحديثي الإمامي. في البداية، سيتم استعراض التراث الحديثي لابن مهزيار، ثم الروايات المكررة، واعتبار الروايات، وأدائه الحديثي.

1-3. روايات علي بن مهزيار في مصادر القرن الثالث إلى السابع الهجري

لفهم أعمق لدور ابن مهزيار في التراث الحديثي للأئمة، تم جمع ودراسة وإحصاء رواياته وأحاديثه في المصادر الروائية الشيعية من القرن الثالث إلى السابع الهجري، وسيتم تحليلها قرنًا بقرن.

1-1-3. القرن الثالث الهجري

علي بن جعفر العريضي2 (ت. 220هـ)، يروي رواية واحدة عن علي بن مهزيار (1409هـ، 318)، وهي حديث عن الإمام الباقر (ع) وموضوعه كلامي.

البرقي (ت. 274هـ)، يروي أربع روايات عن ابن مهزيار (1371هـ، 2: 352، 356، 357)، ثلاث منها بواسطة عن الإمام الصادق (ع) وواحدة عن «أحدهما»3، وموضوعها فقهي.

ابن صفار القمي (ت. 290هـ)، يروي ست روايات عن ابن مهزيار (الصفار، 1404هـ، 1: 230، 323، 327، 481)، حيث ينقل رواية واحدة عن كل من الإمام الصادق (ع)، الإمام الرضا (ع)، الإمام الجواد (ع)، والنبي (ص)، كما يروي حديثين بشكل مباشر وبدون واسطة عن الإمام الهادي (ع)، مما يدل على اتصاله المباشر بالأئمة (ع). موضوع هذه الروايات كلامي ويتعلق بفضائل الأئمة (ع). كما يمكن، من خلال الاشتراك الاسمي بين كتب علي بن مهزيار وابن صفار، استنتاج تأثير آخر لصاحب «بصائر الدرجات» من هذا المحدث الأهوازي. فإن ابن صفار، مثل علي بن مهزيار، ألف كتبًا مثل «الصلاة»، «الوضوء»، «الصيام»، «الحج»، «النكاح»، «الطلاق»، «العتق والتدبير والمكاتبة»، و«التجارات» (النجاشي، 1365ش، 354).

علي بن إبراهيم القمي (القرن الثالث)، في كتاب تفسيره، يروي سبع روايات عن علي بن مهزيار (القمي، 1404هـ، 1: 288، 235، 354؛ 2: 58، 223، 273)، خمس منها عن الإمام الصادق (ع)، وواحدة عن الإمام الباقر (ع)، وواحدة عن الإمام علي (ع). موضوع كل هذه الروايات تفسيري. ويبدو أن هذا المفكر القمي كان يمتلك كتاب تفسير ابن مهزيار، حيث يروي خمس روايات مباشرة عنه.

بالمجمل، في مصادر القرن الثالث، وردت 20 رواية عن علي بن مهزيار، منها أربع روايات كلامية ورواية تفسيرية مكررة. الموضوع الأكثر شيوعًا في هذه الروايات هو الكلامي، حيث يشكل 45%، يليه التفسير والفقه. كما يروي ابن مهزيار معظم الأحاديث بواسطة وبشكل غير مباشر عن الإمام الصادق (ع)، مما يدل على أنه بالإضافة إلى رواية أحاديث أئمة عصره، قد عمل أيضًا على جمع أحاديث وروايات الأئمة السابقين.

2-1-3. القرن الرابع الهجري

عياشي السمرقندي (ت. 320هـ): يروي ثلاث روايات في كتاب تفسيره عن علي بن مهزيار (العياشي، 1380هـ، 1: 173، 204؛ 2: 183). يروي ابن مهزيار هذه الروايات التفسيرية عن الإمام الصادق (ع)، الإمام الباقر (ع)، والإمام الجواد (ع). يبدو أن العياشي، بالنظر إلى الرواية المباشرة عن ابن مهزيار، كان يمتلك كتاب تفسيره.

ابن بابويه (ت. 329هـ): يروي ابن بابويه، والد الشيخ الصدوق، في كتاب «الإمامة والتبصرة من الحيرة»، سبع روايات عن ابن مهزيار (ابن بابويه، 1404هـ، 27، 49، 66، 93، 101، 127، 128). يروي ابن مهزيار أربع روايات عن الإمام الصادق (ع)، وواحدة عن كل من الإمام الباقر (ع)، الإمام الكاظم (ع)، والإمام الحسن العسكري (ع). موضوع كل هذه الروايات كلامي وتتعلق بمجال الإمامة والغيبة.

الكليني (ت. 329هـ): في كتاب الكافي، يروي 151 حديثًا عن علي بن مهزيار بواسطة وبشكل غير مباشر (للاطلاع على أمثلة، انظر: الكليني، 1407هـ، 1: 547؛ 2: 73، 82، 96، …). يروي ابن مهزيار معظم الأحاديث في هذا الكتاب عن الإمام الصادق (ع)، أي 62 حديثًا. ثم يليه بالترتيب الإمام الجواد (ع) بـ31 رواية، الإمام الرضا (ع) بـ25 رواية، الإمام الباقر (ع) بـ18 رواية، الإمام الهادي (ع) بـ7 روايات، الإمام السجاد (ع) برواية واحدة، و7 روايات بعنوان «أحدهما». من المثير للاهتمام أن الكليني كان يثق كثيرًا بروايات ابن مهزيار لدرجة أنه في سلسلة الرواة، أظهر هذه الثقة مرارًا بعبارة «جميعًا عن علي بن مهزيار» (الكليني، 1407هـ، 2: 425، 439، …).

كذلك، في هذا الكتاب، 136 حديثًا مرويًا عنه فقهي، معظمها يتعلق بـ«العبادات»، خاصة الصلاة، و8 أحاديث كلامية عن الإمامة، وحديث واحد يتعلق بالتفسير، و6 روايات أخرى تاريخية تتناول سنة ولادة ووفاة الأئمة (ع). من خلال دراسة سلسلة الرواة، اتضح أن علي بن مهزيار يروي هذه الأحاديث عن مشايخ متعددين، أكثرهم من أساتذته الأهوازيين بـ48 رواية، يليهم أساتذته الكوفيون بـ27 رواية، وهي النسبة الأعلى. بعض الروايات غير محددة المصدر ويُشار إليها بعبارة «بعض أصحابنا».

ابن عقدة الكوفي (ت. 332هـ): يروي رواية واحدة عن علي بن مهزيار (1424هـ، 206)، مقتبسة بواسطة عن الإمام علي (ع)، وموضوعها كلامي.

الخصيبي (ت. 334هـ): يروي حديثًا واحدًا عن ابن مهزيار، وهو حديث عن الإمام الباقر (ع) وموضوعه كلامي ويتعلق بإمامة المهدي (عج) (1419هـ، 360).

المسعودي (ت. 346هـ): يروي سبع روايات عن علي بن مهزيار (1426هـ، 192، 228، 242، 263، 269). يروي ابن مهزيار 3 روايات منها عن الإمام الهادي (ع)، ورواية واحدة عن الإمام الحسن العسكري (ع)، ورواية واحدة عن والدته، ورواية واحدة عن الإمام الباقر (ع)، ورواية واحدة عن الإمام الصادق (ع). موضوع كل هذه الروايات كلامي ويتعلق بإثبات إمامة وغيبة الإمام العصر (عج).

النعماني (ت. 360هـ): المعروف بابن زينب، يقتبس 5 روايات عن علي بن مهزيار (1397هـ، 171، 257، 258، 269). يروي ابن مهزيار روايتين عن الإمام الصادق (ع)، ورواية واحدة عن كل من الإمام الكاظم (ع)، الإمام الباقر (ع)، والإمام علي (ع)، وموضوعها كلامي ويتعلق بالإمامة وعلامات ظهور وقيام الإمام العصر (عج).

ابن قولويه القمي (ت. 368هـ): يذكر 41 رواية عن علي بن مهزيار (للاطلاع على أمثلة، انظر: ابن قولويه، 1356ش، 24، 31، 49، …). يروي هذا المحدث الأهوازي 27 رواية عن الإمام الصادق (ع)، وروايتين عن الإمام الباقر (ع)، وروايتين عن الإمام السجاد (ع)، وروايتين عن الإمام الرضا (ع)، و3 روايات عن الإمام الجواد (ع)، ورواية واحدة عن الإمام الكاظم (ع)، و4 روايات بعنوان «أحدهما». من بينها، 36 رواية تتعلق بالزيارة و7 تتعلق بفضائل الأئمة (ع)، ويمكن تصنيفها ضمن الموضوعات الكلامية.

الصدوق (ت. 381هـ): يروي 152 رواية عن علي بن مهزيار. في كتاب «من لا يحضره الفقيه»، 22 رواية (للاطلاع على أمثلة، انظر: الصدوق، 1413هـ، 1: 224، 262، 263)، وفي «الخصال»، 15 رواية (1362ش، 1: 4، 39، 41، 80، …)، وفي «علل الشرائع»، 54 رواية (1385ش، 1: 4، 39، 41، 80، …)، وفي «الأمالي»، 10 روايات (1376ش، 1: 4، 39، 41، 80، …)، وفي «ثواب الأعمال»، 14 رواية (1406هـ، 47، 59، 67، 98، …)، وفي «كمال الدين وتمام النعمة»، 19 رواية (1395هـ، 1: 72، 161، …)، وفي «معاني الأخبار»، 13 رواية (1403هـ، 106، 107، 196، …)، وفي «التوحيد»، رواية واحدة (1398هـ، 47)، وفي «عيون أخبار الرضا»، 3 روايات (1378هـ، 1: 222، 261، 272)، وفي «فضائل الأشهر الثلاثة»، رواية واحدة (1396هـ، 58). يروي ابن مهزيار معظم الأحاديث والروايات عن الإمام الصادق (ع) بـ80 رواية، ثم الإمام الباقر (ع) بـ23 رواية، والإمام الجواد (ع) بـ18 رواية، والإمام الرضا (ع) بـ8 روايات، والنبي (ص) بـ5 روايات، والإمام الهادي (ع) بـ4 روايات، والإمام الحسن العسكري (ع) بـ3 روايات، والإمام الكاظم (ع) بـ3 روايات، والإمام السجاد (ع) برواية واحدة، و8 روايات بعنوان «أحدهما». موضوعات هذه الروايات في الغالب فقهية، حيث أن 68 رواية منها فقهية، ثم بالترتيب 52 رواية كلامية، 19 رواية أخلاقية، 12 رواية تاريخية، ورواية واحدة تفسيرية.

يعترف الصدوق بأن من مصادره الرئيسية في تأليف كتاب «من لا يحضره الفقيه» هي آثار علي بن مهزيار (الصدوق، 1413هـ، 1: 3). كما يمكن فهم ثقة الصدوق بروايات ابن مهزيار من خلال طرقه في الرواية؛ حيث يروي الحديث دون ذكر المصادر وسلسلة الأسانيد، وباستخدام عبارات مثل «بهذا الإسناد عن علي بن مهزيار» (1385ش، 534؛ 1403هـ، 208، 236)، يعكس هذه الثقة.

بالمجمل، في القرن الرابع، ورد 368 حديثًا عن ابن مهزيار، منها 177 رواية عن الإمام الصادق (ع)، 49 رواية عن الإمام الباقر (ع)، 53 رواية عن الإمام الجواد (ع)، 14 رواية عن الإمام الهادي (ع)، 6 روايات عن الإمام الحسن العسكري (ع)، 6 روايات عن الإمام الكاظم (ع)، 34 رواية عن الإمام الرضا (ع)، روايتان عن الإمام السجاد (ع)، 19 رواية بعنوان «أحدهما»، روايتان عن الإمام علي (ع)، و5 روايات عن النبي (ص). ومن الناحية الموضوعية، 88 رواية كلامية، 204 فقهية، 18 تاريخية، 5 تفسيرية، 19 أخلاقية، و36 رواية زيارة، منها 112 رواية فقهية، 14 كلامية، 3 تاريخية، 11 أخلاقية، و8 روايات زيارة مكررة.

3-1-3. القرن الخامس الهجري

المفيد (ت. 413هـ): يروي 60 رواية عن علي بن مهزيار. 47 رواية في «الأمالي» (1413هـ، 179، 180، 184، …)، و6 روايات في كتاب «مزار» (1413هـ، 5، 9، 15، 16)، و4 روايات في «الاختصاص» (1413هـ، 87، 130)، ورواية واحدة في «المقنعة» (1413هـ، 320)، ورواية واحدة في «الإرشاد» (1413هـ، 2: 316)، ورواية واحدة في «جوابات أهل الموصل في العدد والرؤية» (1413هـ، 38). يروي ابن مهزيار 26 رواية عن الإمام الصادق (ع)، و15 رواية عن الإمام الباقر (ع)، و3 روايات عن الإمام الجواد (ع)، و4 روايات عن الإمام الهادي (ع)، و4 روايات عن الإمام السجاد (ع)، و3 روايات عن الإمام علي (ع)، ورواية واحدة عن الإمام الرضا (ع)، و4 روايات بعنوان «أحدهما». موضوعاتها هي: 32 رواية كلامية، 6 روايات فقهية، 6 روايات تفسير، 14 رواية أخلاقية، وروايتان تاريخيتان. من المثير للاهتمام أن المفيد في آثاره، دون ذكر المصادر والرواة، يستخدم عبارة «وبالإسناد أول عن علي بن مهزيار» (الأمالي، 179، 180، 183، 186، …)، و«روي عن علي بن مهزيار» (الاختصاص، 130)، و«ذكر عن علي بن مهزيار» (الاختصاص، 270)، و«وفي رواية علي بن مهزيار» (المزار، 196)، مما يظهر ثقته بهذا المحدث الأهوازي.

أبو صلاح الحلبي (ت. 447هـ): يروي رواية واحدة مباشرة وبدون ذكر سلسلة الرواة عن علي بن مهزيار (الحلبي، 1404هـ، 432). يروي ابن مهزيار هذه الرواية عن الإمام الهادي (ع)، وموضوعها عن الإمامة والمهدوية.

ابن عبد الوهاب (ت. القرن الخامس): يروي رواية واحدة عن الإمامة عن ابن مهزيار (ابن عبد الوهاب، د.ت، 134). يقتبس ابن مهزيار هذه الرواية عن الإمام الهادي (ع). الجدير بالذكر أن المؤلف يروي الحديث بهذه الصيغة: «روى الحميري بإسناده عن علي بن مهزيار»، مما يدل على الثقة بهذا المفكر الإيراني.

الطبري الآملي الصغير (ت. القرن الخامس): يروي رواية واحدة عن الإمامة عن ابن مهزيار عن الإمام الهادي (ع)، وموضوعها عن الإمامة (الطبري الآملي الصغير، 1413هـ، 410). على الرغم من أن المؤلف عاش في القرن الخامس، إلا أنه لا يذكر طرق روايته إلى ابن مهزيار ويروي مباشرة عنه، مما قد يعني أنه كان يمتلك كتابه.

الطوسي (ت. 460هـ): في كتاب «تهذيب الأحكام»، يروي 187 رواية (1407هـ، 1: 48، 158، …)، وفي كتاب «الاستبصار»، 74 رواية (1390ش، 1: 54، 60، 180، 184، …)، وفي كتاب «الغيبة»، روايتان (1411هـ، 349، 453) عن علي بن مهزيار. يروي ابن مهزيار 120 رواية عن الإمام الصادق (ع)، و57 عن الإمام الجواد (ع)، و35 عن «أحدهما»، و13 عن الإمام الهادي (ع)، و26 عن الإمام الرضا (ع)، و35 عن الإمام الباقر (ع)، وروايتين عن الإمام علي (ع)، وروايتين عن الإمام الكاظم (ع). من بينها، يروي علي بن مهزيار مباشرة 29 رواية عن الإمام الجواد (ع)، و4 عن الإمام الرضا (ع)، و6 عن الإمام الهادي (ع)، وموضوع كل هذه الروايات فقهي. أكثر الموضوعات الفقهية تتعلق بالصلاة، حيث يخصص لها 136 رواية، تليها الحج بـ38 رواية. في كتاب «تهذيب»، يقول الشيخ الطوسي مرارًا دون ذكر طرقه: «علي بن مهزيار قال» (1407هـ، 5: 428؛ 6: 126؛ 8: 305)، مما يدل على وصول الطوسي إلى كتب ابن مهزيار.

بالمجمل، في القرن الخامس، ورد 326 حديثًا عن علي بن مهزيار، منها 4 روايات عن الإمام السجاد (ع)، و55 عن الإمام الباقر (ع)، و130 عن الإمام الصادق (ع)، و37 عن «أحدهما»، و20 عن الإمام الرضا (ع)، و53 عن الإمام الجواد (ع)، و20 عن الإمام الهادي (ع)، وروايتان عن الإمام الكاظم (ع)، و5 عن الإمام علي (ع). ومن الناحية الموضوعية، 267 رواية فقهية، 37 كلامية، 6 تفسيرية، 2 تاريخية، و14 أخلاقية، منها 183 فقهية، 12 كلامية، 2 تفسيرية، و3 زيارات مكررة.

4-1-3. القرن السادس الهجري

ابن فتال النيسابوري (ت. 508هـ): يروي رواية واحدة عن علي بن مهزيار في مجال الإمامة وخلافة الإمام الحسن العسكري (ع) (1375ش، 1: 247)، وهي مروية عن الإمام الهادي (ع).

الفضل بن الحسن الطبرسي (ت. 548هـ): يروي روايتين عن ابن مهزيار (1390ش، 256، 368)، عن الإمام الهادي (ع) والإمام الصادق (ع). موضوعهما كلامي ويتعلق بغيبة المهدي (عج).

الحسن بن الفضل الطبرسي (القرن السادس): يروي ثلاث روايات عن علي بن مهزيار (1412هـ، 161، 193)، عن الإمام الجواد (ع)، والإمام الكاظم (ع)، والإمام الباقر (ع)، وموضوعها أخلاقي.

الشعيري (ت. القرن السادس): في كتاب «جامع الأخبار»، يروي رواية واحدة فقط عن علي بن مهزيار، عن الإمام الكاظم (ع)، وموضوعها أخلاقي (الشعيري، د.ت، 135).

ابن حمزة الطوسي (ت. القرن السادس): يروي روايتين عن علي بن مهزيار، إحداهما فقهية عن الإمام الصادق (ع) (1419هـ، 514، 545)، والأخرى عن زينب الكذابة التي ظهرت في عهد المتوكل، ولا يذكر ابن مهزيار مصدر خبره. من المثير للاهتمام أن المؤلف يروي الروايتين مباشرة وبصيغة «عن علي بن مهزيار قال»، مما يدل على وصوله إلى كتب مهزيار.

قطب الراوندي (ت. 573هـ): يروي رواية واحدة عن علي بن مهزيار (1409هـ، 3: 1101)، لكنه لم يشر إلى سنده. موضوعها كلامي وعن القائم. وفي كتاب «قصص الأنبياء»، يروي 4 روايات عن علي بن مهزيار موضوعها تاريخي، وهي روايات يرويها عن النبي (ص)، والإمام موسى الكاظم (ع)، والإمام الباقر (ع)، والإمام الصادق (ع).

ابن شهر آشوب المازندراني (ت. 588هـ): يروي 5 روايات عن علي بن مهزيار (1379هـ، 4: 200، 382، 408، 413، 416)، منها رواية عن الإمام الصادق، ورواية عن الإمام الرضا (ع)، وروايتان عن الإمام الهادي (ع)، ورواية عن الإمام الجواد (ع). موضوعها كلامي وعن فضائل الأئمة والمهدوية. من المحتمل أن المؤلف كان لديه وصول إلى كتب ابن مهزيار لأنه استخدم عبارة «علي بن مهزيار قال» (1379هـ، 4: 408).

ابن إدريس الحلي (ت. 598هـ): يروي رواية واحدة فقط عن علي بن مهزيار، موضوعها فقهي، ويرويها عن الإمام الهادي (ع) (1410هـ، 3: 583).

بالمجمل، في القرن السادس، ورد 21 حديثًا عن علي بن مهزيار، منها 4 عن الإمام الباقر (ع)، و4 عن الإمام الصادق (ع)، و1 عن الإمام الرضا (ع)، و1 عن الإمام الجواد (ع)، و5 عن الإمام الهادي (ع)، و3 عن الإمام الكاظم (ع)، و1 عن النبي (ص). الموضوعات هي: 10 روايات كلامية، 2 فقهية، 5 تاريخية، و4 أخلاقية، منها 9 كلامية، 3 أخلاقية، ورواية تاريخية مكررة.

5-1-3. القرن السابع الهجري

علي بن حسن الطبرسي (ت. 600هـ): يروي رواية واحدة فقط عن علي بن مهزيار عن الإمام الكاظم (ع). موضوعها أخلاقي (1385هـ، 320).

ابن مشهدي (ت. 610هـ): يروي 6 روايات عن علي بن مهزيار (1419هـ، 41، 116، 544، 114، 115، 116)، منها 3 عن الإمام الصادق (ع)، و2 عن الإمام الجواد (ع)، و1 عن الإمام السجاد (ع). موضوعها كلها عن الزيارة. كما يذكر المؤلف رواية بصيغة «وفي رواية علي بن مهزيار قال» (1419هـ، 41)، مما يشير إلى احتمال وصول المؤلف إلى كتب ابن مهزيار.

الإربلي (ت. 657هـ): يروي روايتين عن علي بن مهزيار عن الإمام الهادي (ع) (1381هـ، 2: 389، 405). موضوعهما كلامي وعن الإمامة. وكلا الروايتين مذكورتان بصيغة «وعن علي بن مهزيار قال»، مما يدل على استخدام المؤلف لكتب ابن مهزيار.

الشامي (ت. القرن السابع): يروي رواية واحدة عن علي بن مهزيار مباشرة عن الإمام الهادي (ع) (الشامي، 1420هـ، 721)، موضوعها كلامي.

ابن طاووس (ت. 664هـ): في آثاره، يروي 17 رواية عن ابن مهزيار، منها روايتان في كتاب «جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع» (1330هـ، 185، 241)؛ و10 روايات في «فلاح السائل ونجاح المسائل» (1406هـ، 43، 165، 199، 222، 266، 223، 230، 281، 282)؛ ورواية واحدة في «مهج الدعوات ومنهج العبادات» (1411هـ، 233)؛ ورواية واحدة في «فرج المهموم» (1368هـ، 189)؛ ورواية واحدة في «فتح الأبواب» (1409هـ، 142)؛ ورواية واحدة في «الإقبال بالأعمال الحسنة» (1376ش، 1: 47). يقتبس 9 أحاديث منها عن الإمام الصادق (ع)، و4 عن الإمام الجواد (ع)، و2 عن الإمام الكاظم (ع)، وحديث واحد عن الإمام علي (ع)، وحديث واحد عن النبي (ص). موضوعاتها: 4 فقهية، 2 كلامية، 2 تاريخية، و9 عن الزيارة والدعاء.

ابن سعيد (ت. 689هـ): يروي رواية فقهية واحدة عن علي بن مهزيار عن الإمام الصادق (ع) (1386هـ، 29).

في القرن السابع، ورد 28 حديثًا عن علي بن مهزيار، منها 1 عن الإمام السجاد (ع)، و13 عن الإمام الصادق (ع)، و6 عن الإمام الجواد (ع)، و3 عن الإمام الهادي (ع)، و3 عن الإمام الكاظم (ع)، و1 عن الإمام علي (ع)، و1 عن النبي (ص). الموضوعات: 5 روايات كلامية، 5 فقهية، 2 تاريخية، 1 أخلاقية، و15 زيارة، منها 1 فقهية، 4 كلامية، 1 أخلاقية، و6 زيارات مكررة.

بشكل عام، يمكن القول إن هذه البيانات الإحصائية تظهر أن معظم الأحاديث تعود إلى القرنين الرابع والخامس الهجري، حيث تشكل 91% من الأحاديث المنقولة عنه. في القرون المذكورة، وبسبب الظروف السياسية والثقافية والاجتماعية المواتية الناتجة عن ضعف الخلافة وصعود الحكومات الشيعية مثل آل بويه والحمدانيين والفاطميين، ازدهرت العلوم والمعارف الشيعية. ظهرت المجاميع الأربعة الشيعية والآثار والنصوص الجامعة لتلبية احتياجات الشيعة في عصر الغيبة في هذه القرون (الطباطبائي، 1389ش، 2: 25-26). بينما ينخفض اقتباس أحاديث مهزيار في القرنين السادس والسابع إلى 3% و 4% على التوالي. يمكن تفسير ذلك بأنه في النصف الثاني من القرن الخامس، مع صعود الأتراك السلاجقة في إيران وبغداد، توقفت الحركة العلمية، وأدى التضييق السياسي والاجتماعي في العصر السلجوقي إلى نوع من الركود العلمي في المناطق الشيعية (راجع: الطباطبائي، 1389ش، 2: 137).

كذلك، في القرنين السادس والسابع، انخفضت الأحاديث الفقهية لابن مهزيار بشكل حاد مقارنة بالقرون السابقة. يرجع البعض ظهور هذه الفترة إلى عظمة ومكانة الشيخ الطوسي (المدرسي الطباطبائي، 1368ش، 50). على الرغم من أن عظمة الشيخ الطوسي متفق عليها، إلا أن السبب الرئيسي لغياب النشاط الفكري في المجتمع الشيعي يجب أن يُعزى أيضًا إلى الظروف السياسية والاجتماعية غير المواتية. هذه البيئة المضطربة لم توفر مناخًا مناسبًا للتفكير والنهضة العلمية في مجالات الفقه والحديث والمعارف. بالطبع، انتهت فترة الركود في أواخر القرن السادس بجهود علماء مثل ابن إدريس الحلي (ت. 598هـ) (الطباطبائي، 1389ش، 2: 139).

2-3. الأحاديث المكررة لعلي بن مهزيار

تُظهر الإحصائيات التي قُدمت سابقاً أنه من بين 763 حديثاً منقولاً عن ابن مهزيار في التراث الحديثي، إذا صرفنا النظر عن الأحاديث المكررة، يتبقى 392 حديثاً منه. ومن حيث الموضوع، من بين هذه الـ 392 حديثاً، يوجد 198 حديثاً فقهياً، و117 حديثاً كلامياً، و15 حديثاً تاريخياً، و15 حديثاً تفسيرياً، و13 حديثاً أخلاقياً، و34 حديثاً يتعلق بالزيارة.

3-3. اعتبار روايات علي بن مهزيار

تُظهر الإحصائيات التي قُدمت سابقاً اعتبار روايات ابن مهزيار في الكتب الشيعية الهامة، حيث ورد 763 حديثاً لعلي بن مهزيار في المصادر الروائية الشيعية من القرن الثالث إلى السابع، منها 371 رواية مكررة و392 رواية غير مكررة. في الواقع، اعتبره العلماء والفقهاء الشيعة موثوقاً نظراً لقربه واتصاله بالأئمة (ع). ذكر النجاشي (ت. 450هـ)، والشيخ الطوسي (ت. 460هـ)، والعلامة الحلي (ت. 726هـ) عن علي بن مهزيار أنه كان ذا عقيدة سليمة وموثوقاً في نقل الرواية، وليس عليه أي ملامة أو ذم (النجاشي، 1365ش، 253؛ العلامة الحلي، 1411هـ، 92-93).

يصفه مؤلف «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» بأنه ملازم وراوٍ ووكيل للأئمة (ع) (آقابزرك الطهراني، 1408هـ، 2: 151). كما أن ذكر عبارات مثل «بهذا الإسناد عن علي بن مهزيار» و«بالإسناد الأول عن علي بن مهزيار» في هذه الآثار يدل على هذه الثقة (راجع: الكليني، 1407هـ، 3: 404، 429؛ المفيد، 1413هـ، 180، 181، 182، 183، 185). بعض العلماء البارزين في الشيعة يروون في سلسلة أسانيدهم حتى في رواية واحدة بطرق مختلفة عن ابن مهزيار. فمثلاً، يروي الشيخ الطوسي في إحدى الروايات سندها إلى ابن مهزيار من ثلاثة طرق (الطوسي، 1390ش، 1: 191)، مما يدل على اعتبار وصحة روايات هذا العالم الأهوازي.

بما أن تعريف الحديث الصحيح هو ما اتصل سنده بالأئمة (ع) بواسطة أشخاص موثوقين وإماميين (مدير شانه چي، 1387ش، 68)، يمكن القول إن معظم أحاديث ابن مهزيار صحيحة ومعتمدة، لأن معظم أساتذته ومشايخه كانوا أيضاً من أصحاب الأئمة (ع) وموضع ثقتهم (الصدوق، 1413هـ، 4: 446). بالطبع، بعض أحاديث ابن مهزيار مرسلة، حيث لم يذكر اسم الواسطة بينه وبين المعصوم (ع) أو ذكره بشكل مبهم بعبارات مثل «عن بعض أصحابنا» و«عن رجل» (راجع: الطوسي، 1407هـ، 2: 206؛ الكليني، 1407هـ، 3: 399؛ العياشي، 1380هـ، 2: 183). إن تناول هذا الموضوع وتحديد الاعتبار الروائي لجميع روايات ابن مهزيار يتطلب بحثاً آخر ويخرج عن نطاق هذه الدراسة.

4-3. دور علي بن مهزيار في ازدهار حديث الشيعة

كان علي بن مهزيار محدثاً غزير الإنتاج ومن أوائل من بدأوا في تدوين الحديث بشكل مبوب أو مصنف (راجع: النجاشي، 1365ش، 253-254). يمكن القول إن تبويب أي كتاب حديثي ينبع من رؤية المحدث لموضوع الكتاب ومنهجه تجاه الموضوع الذي يجمع فيه الأحاديث والروايات (ستار وآخرون، 1401ش، 15). فكل أثر لابن مهزيار كان يضم مجموعة من الأحاديث في موضوع معين مثل الصلاة، الزكاة، الخمس؛ وقد أصبحت هذه الآثار منشأً لظهور آثار أكبر في القرون اللاحقة. استمرت روايات هذه الآثار في المصادر المتأخرة وانعكست في أنواع مختلفة من الآثار الحديثية مثل الجوامع، التفاسير، الأدعية، الأمالي، كتب المزار، السيرة، والتاريخ.

بناءً على عناوين الآثار والروايات المتبقية منه، يمكن تتبع دوره العظيم في نشر وتوسيع علوم الحديث، الفقه، الكلام، التفسير، التاريخ، والأخلاق. أظهرت الدراسة الإحصائية للروايات المتبقية من ابن مهزيار أن غالبية أحاديثه فقهية، وفي المرتبة الثانية كلامية. فمثلاً، تشكل الروايات الفقهية له مع احتساب الأحاديث المكررة 66% وبدونها 52% من رواياته. الجدير بالذكر أن معظم الآثار المنسوبة إليه يمكن تصنيفها ضمن الآثار الفقهية. آثاره مثل الوضوء، الحج، الصلاة، الزكاة، الخمس، الحدود، كل منها يُعد باباً من أبواب الفقه (النجاشي، 1365ش، 253-254).

أهمية الآثار الفقهية لابن مهزيار تبلغ حداً جعل الشيخ الصدوق في كتاب «من لا يحضره الفقيه» يذكر اعتماده على هذه الآثار (1413هـ، 1: 3). تليها الروايات الكلامية لابن مهزيار التي تشكل 21%، وبدون احتساب الروايات المكررة 30% من أحاديثه. يمكن اعتبار الآثار المنسوبة إليه مثل القائم، البشارات، الأنبياء، رسائل علي بن أسباط، كتاب الملاحم، الرد على الغلاة، الفضائل، من الآثار الكلامية (النجاشي، 1365ش، 253؛ الطوسي، 1420هـ، 265).

تشكل الروايات التاريخية قسماً آخر من أحاديث ابن مهزيار، حيث تمثل 3% من أحاديثه، وبدون الأحاديث المكررة 5% من رواياته؛ يمكن اعتبار آثاره مثل الأنبياء، وفاة أبي ذر، وإسلام سلمان من هذا النوع من الموضوعات التاريخية. الروايات التفسيرية هي من الموضوعات الأخرى في روايات هذا العالم الأهوازي، حيث تمثل 5%، وبدون احتساب الروايات المكررة 4% من رواياته. الجدير بالذكر أن لابن مهزيار تفسيراً مستقلاً يُعرف بتفسير مهزيار (آقابزرك الطهراني، 1408هـ، 4: 249).

قيل عن هذا التفسير: «علي بن مهزيار أورد محتوى تفسير الحسين بن سعيد الأهوازي في تفسيره وقام بتنقيحه» (الحلي، 1411هـ، 39). الروايات الأخلاقية من الموضوعات الأخرى في روايات ابن مهزيار، حيث تشكل 3%، وبدون احتساب الروايات المكررة 4% من أحاديثه. تندرج كتب ابن مهزيار مثل الزهد وكتاب التجمل والمروءة ضمن هذه الفئة. كانت هذه الآثار تُؤلف غالباً بهدف التثقيف، وتدل على اهتمام علي بن مهزيار بنشر الأحاديث الأخلاقية في المجتمع. كما تشمل الروايات ذات موضوع الزيارة 5% من أحاديث ابن مهزيار، حيث يرتبط كتاب المزار له بموضوع الزيارة.

إضافة إلى ذلك، فإن أكثر من 60% من أحاديث علي بن مهزيار مروية بواسطة عن الإمام الباقر (ع) والإمام الصادق (ع)، لأن ذروة حركة وحيوية الحديث الشيعي كانت في تلك الفترة (راجع: الشفيعي، 1387ش، 122؛ كرامي، 1396ش، 99-160). وبعد ذلك، يروي ابن مهزيار معظم الأحاديث مباشرة وبدون واسطة عن الإمام الجواد (ع)، والتي تشكل حوالي 20% من أحاديثه.

4. تفاعل علي بن مهزيار مع المراكز الحديثية الأخرى

كان أخذ وتبادل الحديث والرواية سيرة عملية شائعة بين مشايخ الحديث والمراكز العلمية، وهناك شواهد كثيرة على إثبات ذلك. أحد أسباب ذلك هو سعي المحدثين لتقليل الوسائط في سند الرواية، لأن هذا الأمر كان مقبولاً كأصل علمي بين كبار علماء الشيعة والسنة، حيث كلما قلت وسائط الحديث، كان أقرب إلى الصحة والدقة. لذلك، كان العلماء يسعون من خلال السفر إلى المراكز الحديثية الرئيسية للتأكد من صحة محفوظاتهم أو استكمالها (راجع: المعارف، 1376ش، 379). من خلال دراسة سلسلة أسانيد روايات علي بن مهزيار ودراسة مشايخه وتلاميذه، يمكن تتبع علاقاته الحديثية بالمراكز الحديثية.

استفاد ابن مهزيار من محضر كبار الأساتذة والمشايخ، وعلى رأسهم الأئمة (ع). إن اختيار الأساتذة البارزين من الشيعة والتلمذة عليهم واقتباس الحديث منهم يدل على اهتمامه الخاص بحفظ هذا التراث القيم. بناءً على دراسة إحصائية لأسانيد المصادر الروائية الشيعية، يروي أكثر من 130 حديثًا بشكل مباشر وبدون واسطة عن الأئمة (ع) (راجع: الكليني، 1407ق، 2: 565؛ 3: 263، 282؛ 3: 370، 399). كما يروي أحاديث كثيرة بواسطة، ومن خلال دراسة سلسلة أسانيد رواياته، اتضح أنه سمع الحديث من 93 شيخًا، ويروي معظم الروايات عن فضالة بن أيوب الأزدي الأهوازي (راجع: الكليني، 1407ق، 2: 82، 437، 666؛ الصدوق، 1362ش، 1: 80). ويأتي بعده حماد بن عيسى الكوفي (ت. 209هـ)، الحسين بن سعيد الأهوازي، والحسن بن سعيد الأهوازي في المراتب التالية (راجع: الكليني، 1407ق، 1: 461، 463، 464، 468، 472؛ الصدوق، 1362ش، 2: 502؛ ابن قولويه، 1356ش، 24، 29، 48). أسماء مثل ابن أبي عمير البغدادي (ت. 217هـ)، قاسم بن عروة البغدادي، حسين بن أسد البصري، علي بن حديد المدائني، إبراهيم بن محمد الهمداني، محمد بن علي بن شجاع النيسابوري، وبكر بن صالح الرازي تدل على علاقات علي بن مهزيار، بالإضافة إلى الأهواز، مع سائر المراكز والمناطق الشيعية المختلفة في الكوفة، بغداد، البصرة، المدائن، همدان، نيسابور، والري (راجع: الكليني، 1407ق، 2: 273؛ 3: 267، 306، 308، 374؛ 4: 275؛ الطوسي، 1407ق، 4: 16؛ 5: 12).

بناءً على اعتبار أحاديث علي بن مهزيار ومكانته لدى الأئمة (ع)، كان الكثيرون من مناطق أخرى يأتون لطلب العلم عند هذا العالم الإيراني؛ حتى أصبحت الأهواز محط رحال علماء المراكز الحديثية الأخرى. قام علي بن مهزيار، بهدف نشر وتوسيع الأحاديث، باختيار تلاميذ موثوقين ونقل هذا التراث الإمامي إلى هؤلاء العلماء الشيعة الكبار، وبما أنه كان له تلاميذ بارزون، فقد ساهم بشكل كبير في تطوير العلوم الشيعية بين الإمامية. بناءً على دراسة إحصائية لأسانيد المصادر الروائية الشيعية، يظهر اسم 43 راويًا بين رواة هذا العالم الشيعي، حيث نُقل 415 حديثًا عن طريق هؤلاء الرواة إلى التراث الحديثي الشيعي. من بين هؤلاء الرواة، نُقلت معظم الأحاديث عن طريق العباس بن معروف القمي (عاش في 254هـ) وعبد الله بن عامر بن عمران الأشعري القمي إلى المجاميع الشيعية (راجع: البرقي، 1371ق، 2: 325، 326، 327؛ الكليني، 1407ق، 3: 14، 27، 47، 77، 115، 147، 510، 542؛ الطوسي، 1407ق، 1: 123، 281، 324). قيل إن سهل بن زياد، كناقل للآثار الحديثية الأهوازية إلى الري في القرن الثالث الهجري، لم يروِ إلا عن علي بن مهزيار (أصغرپور وآخرون، 1402ش، 130). من بين رواته الآخرين، يمكن الإشارة إلى محمد بن عبد الجبار القمي، الحسن بن علي الكوفي (ت. القرن الثالث)، محمد بن فرج الكوفي، وعبد الرحمن بن أبي نجران الكوفي (راجع: الكليني، 1407ق، 1: 384، 547؛ 3: 399؛ 4: 136؛ ابن أبي زينب، 1397ق، 171)، وتُظهر اقتباسات هؤلاء الرواة القميين من ابن مهزيار الصلة بين هذين المركزين العلميين الشيعيين.

5. ترويج ثقافة الدعاء وتدوين الأدعية

سعى الشيعة، كأقلية تحت سلطة الخلفاء والسلاطين المعارضين، باستخدام التقية والتفكير المتزايد، إلى حل الأزمات الفكرية والثقافية لمجتمعهم. إذا اعتبرنا الفترة التقريبية لحياة علي بن مهزيار بين عامي 180 و 254هـ، فإن جزءًا من حياته تزامن مع خلافة المتوكل العباسي المتعصب (232-247هـ). كانت هذه الفترة من أصعب الفترات على الشيعة، حيث عانى أتباع المذهب الشيعي من صعوبات كثيرة. في مثل هذه الظروف، كان الدعاء بلغة بسيطة ومفهومة من الأساليب الفعالة لالتئام الآلام. كان لهذا الأمر سابقة في التشيع، وبسبب المقتضيات السياسية، كان الشيعة يستخدمون الدعاء دائمًا لترويج مبادئ التشيع (راجع: توحيدي نيا، 1396ش، 248-254؛ نوري وعاشوري، 1388ش، 89-90). حتى أن أئمة الشيعة الكبار، كلما واجهوا ضغطًا وخناقًا من الخلفاء، كانوا يطرحون المضامين والمبادئ العقائدية الشيعية في قالب الدعاء، وضمن إصلاح المجتمع، يعرّفون الناس بالعقائد الشيعية. كمثال، يمكن الإشارة إلى نشر المضامين العقائدية الشيعية في ثنايا الصحيفة السجادية (راجع: سلمانبور، 1384ش، 89-90). كان ابن مهزيار من المفكرين الذين ساعدوا، من خلال نشر وتوسيع هذه الأدعية في المجتمع، على ترويج المعارف التربوية والدينية الشيعية.

من بين الآثار المسجلة لابن مهزيار في فهارس الطوسي ورجال النجاشي، توجد آثار دعائية له في نوعي «الدعاء» و«المزار». بناءً على الفهارس المتقدمة، يمكن القول إن علي بن مهزيار، إلى جانب أستاذه الحسين بن سعيد الأهوازي، من رواد مدرسة الدعاء في إيران (نيل ساز وآخرون، 1397ش، 54). يعكس صدى رواياته في كتابات العلماء المتأخرين أهمية ومكانة ابن مهزيار. كمثال، يمكن الإشارة إلى دعاء «يا من يكفي من كل شيء…» المروي عن الإمام الجواد (ع) لتيسير الأمور (الكليني، 1407ق، 2: 560؛ الكليني، 1407ق، 3: 342، 346). كما كان ابن طاووس يمتلك كتاب «الدعاء» لابن مهزيار (1409ق، 142)، ورغم تساهله في نقل سلسلة الأسانيد، لا يمكن تحديد العدد الدقيق لرواياته الدعائية، ولكن بناءً على تقديره لشخصية ابن مهزيار الزاهدة (ابن طاووس، 1400ق، 1: 195)، لا شك أنه استفاد كثيرًا من كتابه.

يمكن اعتبار ظهور كتابة الآثار حول الزيارة متزامنًا مع كتب الدعاء؛ لأن أول مؤلف لهذا النوع من الآثار هو معاوية بن عمار الدهني (ت. 175هـ)، الذي كان أول مؤلف لأثر «الدعاء» أيضًا (النجاشي، 1365ش، 411). نظرًا لقرب العراق من الأهواز، نشهد دخول هذا النوع من الأدب إلى إيران في أوائل القرن الثالث، وهو ناتج عن تأثير مدرسة الكوفة في إيران (راجع: نيل ساز وآخرون، 1397ش، 54-55). دخول ابن مهزيار والحسين بن سعيد في هذا المجال دليل على هذا الادعاء. الجدير بالذكر أن فترة الإمام الهادي (220-254هـ) تُعد من الفترات الصعبة في تاريخ التشيع. فترة المتوكل، بإهانته للأئمة من قبل الشعراء، وسجن العلويين وتعذيبهم، وحصارهم اقتصاديًا، كانت تكرارًا لفترة الخناق الأموي في عهد الإمام السجاد (ع). أسوأ هذه الفظائع كانت هدم قبر الإمام الحسين (ع) ومنع زيارة قبر سيد الشهداء وإباحة دم ومال المخالفين (راجع: الطبري، 1387ق، 9: 185-186).

في مثل هذه الظروف، قام علي بن مهزيار بالتأليف في مجال الزيارة كأداة للتوعية في المجتمع. يمكن رؤية روايات هذا الأثر في مصادر الفترات اللاحقة، حيث يذكر ابن قولويه القمي في كتاب «الزيارات» 41 رواية عن علي بن مهزيار (1356ش، 24، 31، 36، …)، أو ابن مشهدي في كتاب «المزار»، يروي 6 روايات عنه (1419ق، 41، 115، 114، 116، 544). تدل هذه الأحاديث على سعي ابن مهزيار في نشر ونقل ثقافة التشيع.

6. تبيين الفقه والمسائل الفقهية

ما تم استخلاصه من دراسة إحصاءات وأرقام المصادر الشيعية يُظهر أن معظم روايات علي بن مهزيار تتعلق بالفقه والأحكام الفقهية، وتوجد روايات له في جميع أبواب الفقه. تُعزى كثرة الروايات الفقهية لابن مهزيار إلى الظروف الاجتماعية والثقافية لعصره، مثل وجود آراء فقهية متضاربة ونشاطات مذاهب فكرية مختلفة مثل أهل الحديث، الحنابلة، المرجئة، المعتزلة، الزيدية، والغلاة في هذا المجال (لمزيد من المعلومات، راجع: هدايت پناه، 1396ش، 221-248؛ منتظر القائم وزينلي، 1396ش، 15-24). بما أن مظاهر الآراء العقدية والكلامية المختلفة تظهر في ممارسات الناس وفي مجال الفقهيات، فإن الإجابة على الأسئلة الفقهية للأفراد في قالب الأحاديث كانت حاجة ملحة للمجتمع، وظهرت بشكل أكبر في روايات ابن مهزيار. كمثال، الغلاة الذين كانوا نشطين جدًا في تلك الفترة، كانوا يعتقدون بنسخ الشرائع والأحكام الفقهية، وحتى أنهم كانوا يجيزون الزواج بالمحارم (راجع: حاجي زاده، 1395ش، 213-238؛ دلبری، 1394ش، 75-96).

في مثل هذه الظروف، لعب علي بن مهزيار، من خلال نشر الأحاديث الفقهية للأئمة (ع)، دورًا مهمًا في الإصلاح الفكري للمجتمع وتعديل الآراء والنظريات الفقهية المنفلتة. في الواقع، هيأ ابن مهزيار، من خلال تعريف الأصول الفكرية للأئمة، الظروف لترويج وتوسيع المذهب الشيعي، لأن البنية التحتية الثقافية لأي مذهب ودين تنبع من أفكار قادة ذلك الدين.

من ناحية أخرى، فإن تدوين الكتب الفقهية بواسطة علي بن مهزيار وبيان الأحاديث والروايات الكثيرة في هذا المجال من قبله، ناتج عن نقص النصوص الكافية والمصنفة من أحاديث النبي (ص) وأهل البيت (ع) حول الأحكام الشرعية، وبالتالي حاجة المجتمع لفهم هذه الموضوعات. في الواقع، كان ابن مهزيار، بسبب وكالته للأئمة (ع) وتردده على مناطق مختلفة، على دراية باحتياجات ومشاكل الناس الاجتماعية في عصره، ورأى أن تحقيق الأحكام الإسلامية ضروري لحل المشاكل الاجتماعية في مجتمعه (راجع: عبيدي پور وعباسي، 1392ش، 21-34). كان ابن مهزيار يرشد الشيعة من خلال تبيين وبيان الروايات والأحاديث الفقهية للأئمة. فمثلاً، نظرًا لحاجة الشيعة لتعلم وأداء أحكام العبادات، نرى أن معظم الأحاديث الفقهية لابن مهزيار تتعلق بهذا القسم (راجع: الكليني، 1407ق، 3: 308، 309، 314، 319، 329، …).

إذا نظرنا إلى الروايات الفقهية لهذا الفقيه الأهوازي، نجد أن جزءًا منها يتعلق بالمسائل الشرعية اليومية والمسائل والأسئلة التي يطرحها الشيعة في أداء واجباتهم الدينية، حيث كانوا يسألون ابن مهزيار، وهو بدوره يستفتي الأئمة إما مباشرة أو عن طريق المكاتبة (راجع: الطوسي، 1407ق، 2: 69؛ الصدوق، 1413ق، 1: 244). في الواقع، يقوم قوام الهوية الدينية على هذه الأحكام والقوانين الفقهية، وبدونها لا يكون لإسلام الأفراد أي مظهر.

7. محاربة الفرق المنحرفة وتبيين الكلام الإمامي

من الطبيعي أن وجود فرق ومذاهب مختلفة في المجتمع الإسلامي بمعتقدات متنوعة ومتعددة أدى إلى أن جزءًا من الأحاديث التي وصلتنا عن الأئمة (ع) تتعلق بالمعتقدات الكلامية في المجتمع الإسلامي. لعب ابن مهزيار، كأحد أصحاب الأئمة البارزين (ع)، دورًا رئيسيًا في نقل هذه الأحاديث الكلامية. من بين هذه الأحاديث، يُعد موضوعا التوحيد والإمامة أكثر بروزًا مقارنة بالموضوعات الأخرى، وسيتم تناولهما فيما يلي.

مباحث التوحيد من المباحث الكلامية البارزة في أحاديث ابن مهزيار. ففي عصره، أدى انتشار نشاطات جماعات مثل أهل الحديث، المعتزلة، أهل الجبر، القدرية، المجسمة، والمشبهة، إلى انتشار الأسئلة حول مباحث التوحيد والصفات الإلهية والتشبيه والتنزيه في المجتمع (الطباطبائي، 1389ق، 2: 328). كمثال، يمكن الإشارة إلى سؤال علي بن مهزيار من الإمام الجواد (ع) حول الصلاة خلف شخص يعتقد بالتجسيم (الصدوق، 1376ق، 277). يمكن القول إن علي بن مهزيار، من خلال نقل روايات عن العرش والكرسي (الصدوق، 1398ق، 47)، إثبات وجود الله ووحدانيته (ابن طاووس، 1413، 189)، أسماء وصفات الله (القمي، 1404ق، 2: 58)، وأفعال الله (الصدوق، 1362ش، 2: 356-357)، قد عمل بشكل غير مباشر على إبطال نشاط هذه التيارات، وبالتالي سعى في نشر العقائد الإمامية الصحيحة ونقد التيارات المخالفة.

من المباحث الكلامية الأخرى في روايات ابن مهزيار، مسألة الإمامة. يبدو أن هناك صلة وارتباطًا معنويًا بين رواياته في باب الإمامة والبيئة الثقافية المعاصرة لعلي بن مهزيار، وهو ما سيتم تناوله فيما يلي. تشير التقارير التاريخية إلى أنه في القرن الثاني والنصف الأول من القرن الثالث الهجري، كانت هناك آراء مهمة ومثيرة للجدل فيما يتعلق بمسألة الإمامة بين أصحاب الفرق والمذاهب الإسلامية. في هذه الفترة الزمنية، كانت هناك جماعات مختلفة مثل أصحاب الحديث، أصحاب الرأي، العثمانية، والمرجئة، يعتقدون أن الخلافة أمر انتخابي وأن النص من جانب الرسول (ص) لتعيين الإمام لم يحدث (راجع: ابن حجر العسقلاني، 1326ق، 3: 2-3؛ ولمزيد من التوضيحات، راجع: صداقت ثمر حسيني، 1393ش، 86-89). كما أن فرقة الزيدية، التي كانت نشطة في ذلك الوقت، كانت تعتقد بالإمامة الانتخابية، وهو ما يتعارض مع معتقدات الإمامية (راجع: ولوي، 1400ش، 140-143).

في هذه الفترة، قام ابن مهزيار بنشر أحاديث الأئمة (ع) حول الإمامة بالنصب والنص من الأئمة (ع) وتقديم خليفة الإمام الهادي (ع) لمواجهة هذه التيارات (راجع: الصدوق، 1395ق، 1: 223؛ ابن شهر آشوب، 1379ق، 4: 423؛ الكليني، 1407ق، 1: 326؛ الإربلي، 1381ق، 2: 405؛ المسعودي، 1384ش، 459).

من الفرق المنحرفة الأخرى في ذلك الزمان، كانت فرقة الفطحية. كانوا جماعة قبلوا إمامة عبد الله الأفطح، ابن الإمام الصادق (ع)، بعد شهادة الإمام الصادق (ع) (148هـ). كانت الفطحية تعتقد بإمامة أخوين. هذه الجماعة نفسها، بعد شهادة الإمام العسكري (ع)، قبلت إمامة جعفر بن علي المعروف بجعفر الكذاب (راجع: النوبختي، 1355ش، 77-78؛ 85-86؛ 98-99). قام علي بن مهزيار، ضمن بيان أحاديث عن إمامة الإمام موسى الكاظم (ع) (الصدوق، 1385ش، 1: 207)، في قالب المكاتبة والمناظرة، بالرد على شبهات هذه الفرقة. مثال بارز على ذلك مناظراته مع علي بن أسباط الفطحي المذهب، حتى أنه استطاع أن يجعله يتراجع عن عقيدته (النجاشي، 1365ش، 252).

الواقفية، من الفرق المنحرفة الأخرى التي ظهرت بعد شهادة الإمام موسى الكاظم (ع)، وكانت تعتقد أن الإمام موسى الكاظم (ع) حي وهو القائم، وأنكروا إمامة الإمام الرضا (ع) وسائر الأئمة (ع) (راجع: حسين زاده شانه چي، 1384ش، 49-78؛ صفري فروشاني، 1388ش، 3-22). يبدو أن علي بن مهزيار، بالإضافة إلى نقل أحاديث الأئمة (ع) عن المهدوية (راجع: الصدوق، 1395ق، 2: 380)، من خلال تأليف كتب مثل البشارات، الملاحم، والقائم، قد عمل على إبطال عقائد المهدوية الواقفية والإصلاح الفكري للمجتمع (النجاشي، 1365ش، 253؛ الطوسي، 1420ق، 265).

من الجماعات الأخرى، كان الغلاة، الذين ينقسمون إلى فرقتين: الألوهية والمفوضة. أتباع الألوهية كانوا يعتقدون بألوهية النبي (ص) وأهل البيت (ع)، وأتباع المفوضة كانوا يعتقدون بتفويض أمر الخلق والرزق وحساب العباد إلى النبي والأئمة (لمزيد من التوضيحات، راجع: دلبری، 1394ش، 75-96؛ جباري، 1384ش، 59-80). الروايات التي نُقلت عن ابن مهزيار تُظهر أن تيار الغلو كان يمس الكثير من أفراد المجتمع. في هذه الظروف، سعى هذا العالم الإيراني، من خلال ترويج تعاليم الأئمة (ع) ونشر أحاديثهم مثل لعن الغلاة وأتباعهم من قبل الإمام الجواد (ع) (الكشي، 1409ق، 528)، إلى إقامة سد منيع في وجه الفرق المنحرفة في عصره. كما أن تأليف كتاب باسم «الرد على الغلاة» بواسطة علي بن مهزيار يدل على سعيه لمحاربة هذه الجماعة وانحرافاتها.

8. خاتمة

في هذا البحث، تم من خلال دراسة حياة وروايات علي بن مهزيار المتبقية في المصادر المتأخرة، تناول دوره العلمي والثقافي، وتم التوصل إلى النتائج التالية:

1- سعى علي بن مهزيار، كأحد المحدثين والفقهاء البارزين في الشيعة، من خلال اختيار أساتذة من الطراز الأول في الشيعة، إلى تلقي معارف أهل البيت (ع) من مشايخ موثوقين ومعتبرين، بعضهم كان من أصحاب الإجماع. كما أنه من خلال تربية تلاميذ في مراكز شيعية مثل قم والأهواز، والذين أصبحوا جميعًا علماء من الطراز الأول، نقل روايات الأئمة (ع) إلى الأجيال الشيعية اللاحقة. الكتب الروائية الشيعية الهامة مدينة لجهوده في تلقي الأحاديث من الأئمة (ع) وكبار مشايخ الشيعة، وكذلك نقلها إلى كبار علماء الدين.

2- جمع ابن مهزيار الروايات التي تدور حول مسألة أساسية أو فرعية ذات مضامين مشتركة في مجموعة واحدة. لذلك، لم يكن اهتمامه مقتصرًا على حفظ الحديث النبوي، ويبدو أنه سعى إلى إقناع مخاطبيه في موضوع ما، وأحيانًا إغنائهم عن الرجوع إلى كتب أخرى. كان وريثًا لقسم عظيم من التراث الحديثي والروائي الشيعي في مختلف مجالات الفقه والكلام والتفسير وغيرها من المعارف الشيعية. سعى علي بن مهزيار، من خلال نقل هذه الأحاديث، إلى إرساء أساس متين في بناء عقائد وأصول الشيعة. لا شك أنه لولا خدماته، لضاع جزء مهم من هذا التراث في غبار الزمان ولم يصل إلى الجيل الحاضر.

3- تصدى علي بن مهزيار، من خلال اقتباس ونقل الأحاديث الكلامية والعقائدية لأهل البيت (ع)، لنشاطات المدارس الكلامية المختلفة مثل أهل الحديث والجماعة، الزيدية، الواقفية، الفطحية، والغلاة. حيث خُصص 21% من أحاديثه للموضوعات الكلامية.

4- بناءً على هذه الروايات المتبقية من ابن مهزيار في مصادر القرون من الثالث إلى السابع، يمكن تتبع دوره في مختلف العلوم. تُظهر دراسة الروايات المنقولة عن علي بن مهزيار أن ميله في مجال العلوم كان ميلاً نقلياً. معظم رواياته في مجال الفقه، حيث تشكل هذه الروايات 66% من أحاديثه. يُعد تراثه الحديثي خدمة عظيمة لفقه وحديث آل محمد (ع). تدل هذه الإحصائيات على استجابة الأئمة (ع) لاحتياجات عصرهم، وكذلك النقل المناسب لهذه الإجابات إلى الناس بواسطة ابن مهزيار.

5- بما أن عصره كان من الناحية السياسية من أصعب الفترات على الشيعة، وفي مثل هذه الظروف، كان الدعاء بلغة بسيطة ومفهومة من الأساليب الفعالة لالتئام الآلام؛ كان ابن مهزيار من المفكرين الذين ساعدوا، من خلال نشر وتوسيع هذه الأدعية في المجتمع، على ترويج المعارف التربوية والدينية الشيعية.

6- التنوع الموضوعي للروايات المتبقية من ابن مهزيار يُظهر أن المذهب الشيعي قد اهتم بجميع جوانب حياة الإنسان، وفي هذه المجالات، يعبر عن رأي الشارع المقدس دون أي شائبة أو انحراف.

الهوامش

  1. اسم لمدينة قديمة من مدن خوزستان، اشتهرت أيضاً بدورق الفرس، وتقع أطلالها بالقرب من شادكان الحالية (راجع: أحمدوند ورودگر، 1399ش، 18: 300-302).
  2. هو من أبناء الإمام الصادق (ع).
  3. تُستخدم هذه العبارة للإشارة إلى الإمام الباقر (ع) أو الإمام الصادق (ع).
Scroll to Top