الملخص
تحظى مسألة اقتداء النبي عيسى (ع) بالإمام المهدي (ع) بمكانة خاصة بين الأحاديث الإسلامية. يسعى البحث الحاضر إلى دراسة هذه المسألة بأسلوب وصفي-تحليلي وبمنهج تاريخي للصورة، وإعادة قراءتها في ضوء الخطابات الحديثية والتوجهات المختلفة للمحدثين الشيعة، مع الاهتمام في الوقت نفسه بدراسة سندها. تظهر النتائج أن هذا الخبر لم يُنقل بصورة موحدة عبر العصور المختلفة ولدى علماء الحديث الشيعة، وقد مر بأربع حقب خطابية على الأقل: أولاً، طُرح في الكتاب المنسوب إلى سليم بن قيس ضمن حوار بين راهب مسيحي والإمام علي (ع)، وكذلك في الخطاب التفسيري-الروائي في الكتب المنسوبة إلى علي بن إبراهيم القمي وفرات الكوفي. ثم يُلاحظ له حضور غير بارز لدى علماء مثل الشيخ الكليني والشيخ الطوسي. ويبلغ عصره الذهبي مع النقل الواسع له من قبل الشيخ الصدوق، حيث يثبت ويتأصل. وفي المرحلة اللاحقة، يكتسب أهمية لدى المحدثين المتأخرين، ويتجلى حضوره في ارتباط متزايد ببعض المباحث العقائدية. وعلى الرغم من أن هذا الخبر لا يتمتع بسند صحيح وفقاً للأصول الحاكمة في علمي الرجال والدراية في الروايات الشيعية، إلا أن كثرة نقله بطرق مختلفة بين الفريقين تظهر قيمته وأهميته.
1. طرح المسألة
انعكست مسألة صلاة النبي عيسى (ع) خلف الإمام المهدي (ع) بأشكال مختلفة في كتب الفريقين الروائية. فالصيغة الأولى بصورة «صَلَّى – يُصَلِّي خَلْفَهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ» توجد بشكل أكبر في المصادر الروائية الشيعية (الصدوق، 1395هـ.ق، 2: 527)، وصيغتان أخريان بصورة «إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُم» (البخاري، 1433هـ.ق، 4: 168) و«فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (ع) فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ بِنَا» (أحمد بن حنبل، 1421هـ.ق، 23: 63) توجد في مصادر العامة وقد دخلت إلى المصادر الحديثية الشيعية منذ القرن السادس الهجري فصاعداً.
يتناول هذا التحقيق الأسئلة التالية: كيف طُرحت الصورة موضع البحث من قبل المحدثين الشيعة بالنظر إلى الاختلافات الخطابية بينهم؟ أي فئة من الرواة والمحدثين الشيعة نقلت هذا الخبر في المجاميع الحديثية، وأيهم لم ينقله؟ وفي النهاية، ما هي قيمته واعتباره السندي والمتني؟
يبحث المقال الحالي هذه المسألة في مختلف أدوار الحديث الشيعي بنظرة تاريخية للصورة1، ليعيد قراءة نشأتها وكيفية طرحها في التراث الحديثي الشيعي. مع التوضيح بأن هذا الخبر يمكن تتبعه في أربعة خطابات حديثية شيعية: الأول، مكانته في الآثار المتقدمة مثل الكتاب المنسوب إلى سليم، وتفسير القمي، وفرات الكوفي؛ الثاني، في آثار أكثر أهمية مثل الكافي للشيخ الكليني وآثار الشيخ الطوسي؛ الثالث، مكانة هذا الحديث في الآثار الروائية للشيخ الصدوق ودوره الخاص في ربط هذه المسألة بموضوع المهدوية؛ الرابع، بين المحدثين المتأخرين بعد القرن الخامس الهجري. وبالطبع، هذه التسمية والتقسيم من ابتكار الكاتب ومستقاة من البحث حول هذا الحديث نفسه. كما أن أساس التقسيم بين الأطياف المذكورة ليس مجرد اختلاف زمني؛ بل إن الاختلافات المذهبية والخطابية والمنهجية لها أهمية أكبر.
إن ذكر أو عدم ذكر خبر معين من قبل المحدثين يكشف عن اهتمامهم بالقضايا المختلفة؛ لأن المحدث بينما يقصد جمع الأحاديث، يمارس نوعاً من الاجتهاد أيضاً؛ لذا في التحقيق الحالي، يُسعى إلى النظر إلى الكتب الروائية من هذه الزاوية أيضاً.
2. مكانة حديث اقتداء النبي عيسى (ع) بالإمام المهدي (ع)
نُقلت أخبار صلاة النبي عيسى (ع) خلف القائم بطرق مختلفة (المجلسي، 1403هـ.ق، 14: 349). وقد حظي هذا الموضوع بانعكاس خاص في المصادر الروائية لأهل السنة، ونقله كثير من الرواة والمحدثين؛ حتى إنهم اعتبروه متواتراً (انظر: ابن حجر العسقلاني، 1379هـ.ق، 6: 493-494) ومن بينها روايتا أحمد بن حنبل عن جابر والبخاري عن أبي هريرة، تعتبران «صحيحتين» وفقاً لمعايير العامة (انظر: أميري قوام، 1397هـ.ش، 293).
وبما أن جزءاً من عمل دراسة أحاديث أهل السنة قد أُنجز في مقال «اعتبار شناسی روايات اقتدای مسيح به مهدى (ع) در منابع روايى اهل سنت»، لذا نتجاوز دراسة روايات أهل السنة.
تجدر الإشارة إلى أنه؛ وفقاً لبعض المصادر التاريخية، كانت المسألة قيد البحث موضع نقاش، خاصة في العهدين الأموي والعباسي؛ ففي العهد الأموي، طُرح الخبر الكاذب «إن كَانَ مَهْدِيٌّ فَعُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ، وإلَّا فَلَا مَهْدِي إِلَّا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ» (السيوطي، 1425هـ.ق، 175)، وفي العصر العباسي، طرح أبو الخلفاء، السفاح والمهدي العباسي من نسله، وأن عيسى (ع) سيصلي خلف أحدهم (نفسه، 18)، وقد ثبت كذب كل منهما في موضعه (بالترتيب انظر: معارف وآخرون، 1394هـ.ش، كاملاً؛ فقهي زاده وآخرون، 1393هـ.ش، 8). أو وفقاً لحوار بين ابن عباس ومعاوية، يقول ابن عباس رداً على اعتقاد معاوية بأن المهدي هو نفسه عيسى (ع): الإمام منا رجل يصلي عيسى (ع) خلفه، ولو شئت لسميته (الإربلي، 1381هـ.ق، 1: 425). اعتبر رسول جعفريان هذا الحوار موضوعاً، وعدّه شاهداً على محاولة العباسيين تثبيت نظرية المهدوية لصالحهم (جعفريان، 1400هـ.ش، 72-73).
3. أدوار نقل هذا الحديث في المصادر الروائية الشيعية
يمكن دراسة خبر اقتداء النبي عيسى (ع) بالإمام المهدي (ع) بين الروايات الشيعية في أربع حقب سيتم بيانها بالتفصيل؛ وفي الوقت نفسه، سيُشار إلى تحليل سند ومتن الروايات بقدر الحاجة.
1-3. الحقبة الأولى
المقصود بهذه المرحلة هو فترة نقل هذا الخبر في كتب الحديث الشيعية الأولى قبل تدوين الجوامع الحديثية الكبرى:
1-1-3. كتاب سليم بن قيس
تظهر المسألة قيد البحث في المصادر المتاحة لأول مرة في كتاب سليم بن قيس كنص يؤرخ بالنصف الثاني من القرن الأول الهجري2. حتى لو كان كتاب سليم من صنع «أبان بن أبي عياش» (ابن الغضائري، 1364هـ.ش، 36)، فإنه بلا شك نص مصنوع في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، ومثل هذا النص وإن كان مشوباً من حيث حجية الاستناد الحديثي، إلا أنه من حيث إمكانية الاستناد التاريخي والدلالات التي يمكن أن يحملها في ذلك الزمان، يعد نصاً قيماً (گرامي، 1396هـ.ش، 93)3.
إن الجزء الأكبر من بحث كتاب سليم حول النبي عيسى (ع) يتعلق بحوار الإمام علي (ع) مع راهب مسيحي، حيث يقول الراهب: «… حَتَّى يُنْزِلَ [اللَّهُ] عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ (ع) عَلَى آخِرِهِمْ فَيُصَلِّي عِيسَى خَلْفَهُ وَ يَقُولُ إِنَّكُمْ أَئِمَّةٌ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَقَدَّمَكُمْ فَيَتَقَدَّمُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ وَ عِيسَى خَلْفَهُ فِي الصَّفِّ الْأَوَّل» (سليم، 1405هـ.ق، 2: 707).
تظهر هذه الرواية أن بحث ظهور الإمام المهدي (ع) والصلة التي أُقيمت في هذه المسألة بينه وبين النبي عيسى (ع) قد طُرح في القرن الأول الهجري نفسه، وبصرف النظر عن نسبة الكتاب إليه، فإنه يدل على تشكل هذه الصورة في السنوات الأولى للإسلام. بالطبع، بالنظر إلى معايير التنويع الرباعي لسند الحديث والنقاشات الخلافية حول كتاب سليم، فإن قبوله كمسألة قطعية من الناحية السندية يواجه صعوبة.
2-1-3. تفسير القمي
«حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ قَالَ لِيَ الْحَجَّاجُ بِأَنَّ آيَةً فِي كِتَابِ اللَّهِ قَدْ أَعْيَتْنِي، فَقُلْتُ أَيُّهَا الْأَمِيرُ أَيَّةُ آيَةٍ هِيَ فَقَالَ قَوْلُهُ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ» وَاللَّهِ إِنِّي لَأَمُرُّ بِالْيَهُودِيِّ وَ النَّصْرَانِي فَيُضْرَبُ عُنْقُهُ ثُمَّ أَرْمُقُهُ بِعَيْنِي – فَمَا أَرَاهُ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ حَتَّى يَخْمُدَ، فَقُلْتُ أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ لَيْسَ عَلَى مَا تَأَوَّلْتَ، قَالَ كَيْفَ هُوَ قُلْتُ إِنَّ عِيسَى يَنْزِلَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَى الدُّنْيَا – فَلَا يَبْقَى أَهْلُ مِلَّةِ يَهُودِيٍّ وَ لَا نَصْرَانِي إِلَّا آمَنَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيُصَلِّي خَلْفَ الْمَهْدِيِّ، قَالَ وَيْحَكَ أَنَّى لَكَ هَذَا وَ مِنْ أَيْنَ جِئْتَ بِهِ، فَقُلْتُ حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع)، فَقَالَ جِئْتَ بِهَا وَ اللَّهِ مِنْ عَيْنٍ صَافية» (القمي، 1404هـ.ق، 1: 158).
في هذا الحديث، قبل بحث صلاة عيسى (ع)، هناك حديث عن إيمان اليهود وغير اليهود به؛ وهذا يعني أن وظيفة الرواية تُحلل في سياق الآية «وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ الكتاب …» (النساء: 159)، وهي تظهر تفسيراً خاصاً للإمام الباقر (ع) يثير تعجب الحجاج وإعجابه بكلام الإمام (ع). لذلك، فإن الخطاب الحاكم على الرواية يدل على التأكيد على مسألة إقامة الصلاة، وضمن رد الفهم الخاطئ للحجاج في تفسير الآية، يُشار أيضاً إلى اقتداء عيسى (ع)، وتنشأ صلة مثيرة للاهتمام بين الأديان السماوية ومسألة إيمان اليهود وغيرهم بالنبي عيسى (ع) مع مسألة اقتدائه بالإمام المهدي (ع)؛ بحيث إن النبي عيسى (ع) نفسه ليس هو المنجي؛ بل يقتدي بشخص آخر.
3-1-3. تفسير فرات الكوفي
بعد تقرير سليم وتفسير القمي، يمكن ملاحظة هذا الخبر في نص منسوب إلى أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع ضمن حديثين في تفسير فرات الكوفي: 1- «فُرَاتٌ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ مُعَنْعَنا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) فِي قَوْلِهِ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ …». قال الإمام الباقر (ع): «… يَا خَيْثَمَةُ سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَعْرِفُونَ [اللَّهَ مَا هُوَ وَ التَّوْحِيدَ حَتَّى يَكُونَ خُرُوجُ الدَّجَّالِ وَحَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [ع] مِنَ السَّمَاءِ وَيَقْتُلَ اللَّهُ الدَّجَّالَ عَلَى يَدَيْهِ وَيُصَلِّيَ بِهِمْ رَجُلٌ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ أَلَا تَرَى أَنَّ عِيسَى يُصَلِّي خَلْفَنَا وَ هُوَ نَبِيٌّ إِلَّا وَنَحْنُ أَفْضَلُ مِنْهُ» (فرات الكوفي، 1410هـ.ق، 139). 2- «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدٍ مُعَنْعَنا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ وَهُوَ يَقُول … إلى أن قال النبي (ص): «إِنَّ عَلِيّاً أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ هُوَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ وَ أَخُو الرَّسُولِ وَ وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ وَزَوْجُ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ وَابْنَاهُ سِبْطَا رَسُولِ اللَّهِ وَ عَمُّهُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ وَأَخُوهُ جَعْفَر الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ وَالْمَهْدِيُّ الَّذِي يُصَلِّي عِيسَى خَلْفَهُ مِنْك …» (فرات الكوفي، 1410هـ.ق، 464-465).
1- هذه الرواية تعتبر قاتل الدجال هو النبي عيسى (ع)، بينما تشهد كثير من الروايات الشيعية بأن قاتل الدجال هو الإمام المهدي (ع)، وأن قتل الدجال على يد النبي عيسى (ع) تذكره أكثر روايات أهل السنة (انظر: الكوراني، 1431هـ.ق، 649). 2- لم يُذكر اسم المهدي (ع) صراحة، بل جاء تعبير «رجل منا» الذي لا يدل فقط على إمامة عيسى (ع) بل على جميع الأفراد المذكورين في بداية الحديث. 3- هذه المسألة عُممت بعبارة «خَلَفَنا» التي إن دلت على جميع أهل البيت (ع) فإنها تشمل سائر الأئمة (ع) أيضاً. 4- في الرواية الثانية، يُطرح بحث الأفضلية للأفراد الذين من ضمنهم يُعرّف الإمام المهدي (ع) كشخص يقتدي به النبي عيسى (ع).
خلاصة
يضع كتاب سليم الرواية ضمن مجموعة الروايات التي تندرج في الخطاب والجو السياسي للقرن الأول. أما التفسير المنسوب للقمي فيورد هذا الحديث ضمن بحث تفسيري حيث يطرح الراوي كلام الإمام الباقر (ع) لنفي رأي الخصم الذي أخطأ في فهم الآية. وفي تفسير فرات الكوفي، يُطرح هذا الحديث مرة أخرى في خطاب تفسيري ولكن بوظائف مختلفة عن الروايتين السابقتين اللتين تم طرحهما.
والحاصل أن الصورة المبحوثة ظهرت لأول مرة في كتب لم تكن أسانيدها تامة وفيها مواطن ضعف. ورغم أننا أوضحنا في التحليل أن هذه المسألة لا تعني بالضرورة رفض الرواية واعتبار مضمونها موضوعاً؛ لأن هناك فرقاً بين ضعف كتاب حديثي أو حديث واحد وبين اعتباره موضوعاً.
2-3. الحقبة الثانية
لا شك أن دور شخصيات مثل الشيخ الكليني والشيخ الطوسي ومكانة كتبهما الروائية في الحديث الشيعي يختلف اختلافاً كبيراً عن المرحلة السابقة. أهمية الخبر الموجود في النظرة الأولى تثير التوقع بأن هذين المحدثين سيذكرانه بالتأكيد في أبواب حديثية مهمة وبشكل موسع، ولكن على عكس المتوقع، طُرح هذا الخبر بشكل عابر وبصورة باهتة نوعاً ما؛ لذا فإن تحليل هذه الرواية يثير الظن بأن طرح هذا الخبر لدى الكليني والشيخ الطوسي لم يكن ضرورياً إلى هذا الحد، وقد يكون هذا الأمر ناتجاً عن عدم الحاجة إلى ذكره أو عن ضعف الرواية4.
1-2-3. الكافي للكليني
رواية كتاب الكافي في قسم الروضة هي: «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَيْثَمِ بْنِ أَشْيَمَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ (ص) ذَاتَ يَوْمٍ … إِنَّ جَبْرَئِيلَ أَتَانِي … وَ قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ سَبْعَةً لَمْ يَخْلُقُ مِثْلَهُمْ فِيمَنْ مَضَى وَ لَا يَخْلُقُ مِثْلَهُمْ فِيمَنْ بَقِيَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَيِّدُ النَّبِيِّينَ وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَصِيُّكَ سَيِّدِ الْوَصِيِّينَ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سِبْطَاكَ سَيِّدَا الْأَسْبَاطِ وَ حَمْزَةُ عَمُّكَ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ وَ جَعْفَرُ ابْنُ عَمِّكَ الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ حَيْثُ يَشَاءُ وَ مِنْكُمُ الْقَائِمُ يُصَلِّي عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ خَلْفَه …» (الكليني، 1407هـ.ق، 8: 49-50).
لم ينقل الكليني الروايات السابقة، حتى على الرغم من أن «علي بن إبراهيم» كان شيخه، لم يذكر هذا التفسير أبداً في الكافي، ولذا يرى البعض أن هذا الأمر دليل على ضعف هذا التفسير أو نسبته إليه (معرفت، 1386هـ.ش، 2: 326). وكذلك، مع أن خاله، أي علان الكليني، كان صاحب كتاب باسم أخبار القائم (النجاشي، 1407هـ.ق، 260-261) وقد عدّه الشيخ الصدوق من بين الذين رأوا الإمام المهدي (ع) وتحدثوا معه (1395هـ.ق، 2: 470)، إلا أن الكليني لم ينقل عنه شيئاً في هذا المجال. وعلى الرغم من التوقع، لم يرد هذا الحديث في قسم كتاب الحجة من أصول الكافي الذي يتضمن جزءاً منه روايات المهدوية.
2-2-3. الغيبة للنعماني
النعماني هو تلميذ مباشر للكليني، وللكليني حضور بارز في كتاب الغيبة له (سليميان، 1396هـ.ش، 146-147). وقد أورد هذا الخبر في ضمن حديثين: الأول هو نفس رواية كتاب سليم بن قيس (النعماني، 1397هـ.ق، 74) التي تم تحليلها؛ والرواية الأخرى هي كالتالي: «أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ أَحْمَدُ بْنُ هَوْذَةَ أَبِي هَرَاسَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ النَّهَاوَنْدِيُّ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ وَ مِائَتَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمَّادٍ الْأَنْصَارِيُّ سَنَةَ تِسْع وَعِشْرِينَ وَ مِائَتَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ يَرْفَعُهُ قَالَ: «… فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) إِلَى عَلِيٍّ (ع) فَقَالَ لَهُ يَا عَلِيُّ إِنِّي مُزَوِّجُكَ فَاطِمَةَ ابْنَتِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَ أَحَبَّهُنَّ إِلَيَّ بَعْدَكَ وَكَائِنٌ مِنْكُمَا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالشُّهَدَاءُ الْمُضَرَّجُونَ الْمَقْهُورُونَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِي وَالنَّجَبَاءُ الزُّهْرِ الَّذِينَ … عِدَّتُهُمْ عِدَّةُ أَشْهُرِ السَّنَةِ آخِرُهُمْ يُصَلِّي عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (ع) خَلْفَهُ) (النعماني، 1397هـ.ق، 57-58).
3-2-3. الغيبة للطوسي
مكانة الشيخ الطوسي في الحديث الشيعي لا تخفى على أحد؛ ومن الموضوعات التي اهتم بها بشكل خاص في جمع الروايات وإبداء الرأي حولها، موضوع الغيبة الذي يمكن تتبعه في كتاب «الغيبة»، ويمكن اعتبار هذا الكتاب ورواياته ممثلاً للمدرسة الكلامية-الحديثية في بغداد؛ ولكن الخبر موضع البحث لم يُنقل إلا في قالب رواية واحدة، وذلك عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص): «وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَهْوَازِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي حَدِيثٍ لَهُ طَوِيلِ اخْتَصَرْنَاهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) لِفَاطِمَةَ (ع) يَا بُنَيَّةِ إِنَّا أُعْطِينَا أَهْلَ الْبَيْتِ سَبْعاً لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ قَبْلَنَا نَبِيُّنَا خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ وَ هُوَ أَبُوكِ وَ وَصِيُّنَا خَيْرُ الْأَوْصِيَاءِ وَ هُوَ بَعْلُكِ وَ شَهِيدُنَا خَيْرُ الشُّهَدَاءِ وَ هُوَ عَمَّ أَبِيكَ حَمْزَةُ وَ مِنَّا مَنْ لَهُ جَنَاحَانِ خَضِيبَانِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ وَ هُوَ ابْنُ عَمِّكَ جَعْفَرٌ وَ مِنَّا سِبْطَا هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهُمَا ابْنَاكَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَ مِنَّا وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَهْدِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِي يُصَلِّي خَلْفَهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِ الْحُسَيْنِ (ع) فَقَالَ مِنْ هَذَا ثَلَاثًا» (الطوسي، 1411هـ.ق، 191).
خلاصة
الحاصل أن هذا الحديث، بالنظر إلى ذكره الباهت في كتب الكليني والشيخ الطوسي ولدى المحدثين الذين ينتمون إلى حد ما إلى الخطاب الكلامي-الحديثي، لم يُطرح بشكل جدي؛ مع أن الشيخ الطوسي قد ألف كتاب الغيبة في موضوعات مختلفة تتعلق بالمهدوية. وفي آثار المحدثين العقليين الآخرين مثل الشيخ المفيد والسيد المرتضى لم يُعثر على هذا الحديث أيضاً. لذلك، نستنتج أن هذا الحديث في الخطاب الحديثي ببغداد، الذي كان فيه للنزعة العقلانية حضور أكبر، لم يكن مطروحاً بشكل كبير5.
أما النقطة الأخرى فهي أن مسألة نزول عيسى (ع) وإن نُقلت في قسم من الروايات الشيعية؛ إلا أن جذورها ذات تواتر عالٍ جداً في روايات أهل السنة، وإذا تجاهلنا قسم الروايات المتعلقة بمرافقة واقتداء النبي عيسى (ع) بالإمام المهدي (ع) التي نتناولها في هذا المقال، فإن أصل مسألة نزول عيسى (ع) و«محورية» دوره كـ«منجٍ» ليس لها مكانة كبيرة في الروايات الشيعية، وفي المقابل، بتواتر واسع جداً من أولى كتب الحديث لأهل السنة إلى صحيح البخاري ومسلم وغيرهما، تُطرح مسألة نزول عيسى (ع) كأمر مهم وحتمي. في الواقع، في الأحاديث الشيعية، المحورية للإمام المهدي (ع) وليس للنبي عيسى (ع). يكفي في هذا المجال البحث عن كلمات مثل خروج ونزول عيسى (ع) وغيرها في أحاديث كتاب الكافي للكليني.
3-3. الحقبة الثالثة
ما سيأتي لاحقاً هو الانعكاس الواسع لهذا الخبر في آثار الشيخ الصدوق، خاصة في كتاب كمال الدين وتمام النعمة. وفي هذا السياق، فإن الالتفات إلى اختلاف نظرة محدثين كبار مثل الشيخ الكليني والشيخ الطوسي مع الشيخ الصدوق وسائر المحدثين، أمر يثير التأمل. يمكن أن ترتبط هذه المسألة بعوامل يتجاوز تفصيلها نطاق هذا التحقيق، ولكن لا ينبغي إغفال التوجهات والقضايا التي ابتلي بها هؤلاء المحدثون؛ ومنها أنه في عهد الغيبة الصغرى لم تكن قضية ظهور الإمام المهدي (ع) قضية جدية، وربما في الخطاب الحديثي ببغداد، لم يكن بحث المهدوية، خاصة في عصر الغيبة الصغرى وزمن حياة الكليني، مطروحاً بشكل جدي، وقد يكون السبب في ذلك قربه من أجواء حياة الإمام العسكري (ع) في سامراء والعراق وحل مسائل المسلمين بالاستعانة بعقل متكلمي بغداد؛ أما بالنسبة لمحدث نقلي مثل الشيخ الصدوق بعد مرور سنوات على الغيبة الكبرى وفي الأجواء الفكرية لإيران، ومنها قم ونيسابور، فإن مسألة الغيبة أصبحت مصحوبة بشبهات وحاجة متزايدة إلى طرحها.
1-3-3. آثار الصدوق
1- «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الشَّاءِ أَبُو الْحُسَيْنِ الْفَقِيهُ بِمَرْ وَالرُّوذِ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَبُو إِسْحَاقَ الْأَنْطَاكِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُسْتَفَادِ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سَلَمَةَ النَّمَيْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ زَاذَانَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ يَقُولُ فِينَا سِتُّ خِصَالٍ لَمْ تَكُنْ فِي أَحَدٍ … مِنَّا مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ وَ عَلِيٌّ سَيِّدُ الْوَصِيِّينَ وَ حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبِ الْمُزَيَّنُ بِالْجَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ يَشَاءُ وَ مَهْدِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِي يُصَلِّي خَلْفَهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (ع)» (صدوق، 1362هـ.ش، 1: 320). 2- «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مَا جِيلَوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ»: قال الإمام الصادق (ع) أن رجلاً يهودياً سأل عن أفضلية النبي (ص) على النبي موسى (ع)، فبين النبي (ص) أن نجاة كثير من الأنبياء كانت بواسطة «محمد وآل محمد»، ثم قال: «مِنْ ذُرِّيَّتِيَ الْمَهْدِيُّ إِذَا خَرَجَ نَزَلَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ لِنُصْرَتِهِ فَقَدَّمَهُ وَصَلَّى خَلْفَهُ» (صدوق، 1376هـ.ش، 218). 3- في حديث طويل بهذا السند: «حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ تَمِيمِ الْقُرَشِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ قَالَ…» سأل المأمون الإمام الرضا (ع) عن الرجعة، فاعتبرها الإمام (ع) حقاً، وقال إن النبي (ص) قال: «إِذَا خَرَجَ الْمَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِي نَزَلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (ع) فَصَلَّى خَلْفَه» (صدوق، 1378هـ.ق، 2: 200-202). 4- يقول الشيخ الصدوق في كتاب اعتقادات الإمامية في بحث الرجعة: «قَدْ نَقَلَ مُخَالِفُونَا إِذَا خَرَجَ الْمَهْدِيُّ نَزَلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَصَلَّى خَلْفَه» (صدوق، 1414هـ.ق، 62 وانظر أيضاً: نفسه، 95) ثم يوضح أن هذه الصلاة هي كأنما يصلي خلف رسول الله (ص)؛ لأنه خليفة النبي (ص) (نفسه).
2-3-3. كتاب كمال الدين وتمام النعمة
كتاب كمال الدين وتمام النعمة للصدوق يضم روايات حول الإمام المهدي (ع) ومسائل الغيبة، وقد ذكر أنه ألفه بطلب من الإمام (ع) (الصدوق، 1395هـ.ق، 1: 3). في المقدمة نفسها، تبرز الصورة المبحوثة بوضوح؛ حيث إنه بعد ذكر الأنبياء الإلهيين والنبي (ص) وأوصيائه من آخر الأئمة (ع)، أي الإمام المهدي (ع)، يذكر بهذه الصورة: «يَملَأُ الأَرضَ قِسْطاً وَ عَدلاً … وَ أَنَّ عِيسَى (ع) يَنزِلُ فِي وَقتِ ظُهُورِهِ فَيُصَلِّي خَلَفَهُ» (نفسه، 1: 22). وهو أول ما يطرحه لتعريف الإمام، مما يدل على رسوخ هذه الصورة في خطابه الحديثي واختلاف منهجه عن محدثين مثل الكليني والطوسي وابن بابويه في التعامل معها. والحاصل أن هذا الكتاب يربط مسألة اقتداء النبي عيسى (ع) ببحث المهدوية أكثر من أي وقت مضى؛ لذا سنتناول دراسة رواياته في ما يلي:
1- «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْجَلُودِيُّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُعَادٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ أَبِي سِنَانِ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ الضَّحَاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) …». وفي جزء من هذا الحديث حول قتل الدجال، ورد: «يَقْتُلُهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِالشَّامِ عَلَى يَدِ مَنْ يُصَلِّي الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (ع) خَلْفَه» وفي تتمة الحديث، تتكرر هذه العبارة هكذا: «إِنَّ الَّذِي يُصَلِّي خَلْفَهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (ع) هُوَ الثَّانِي عَشَرَ مِنَ الْعِتْرَةِ التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ» (نفسه، 2: 527).
2- «حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ سَهْلُ بْنُ زِيَادٍ الْآدَمِيُّ الرَّازِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنِ آدَمَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ أَبِيهِ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّةٍ رَفَعَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)»: في ضمن حديث طويل يخبر فيه الله في ليلة المعراج باختيار الإمام علي (ع) بعد النبي (ص) ثم يقول: «أُخْرِجَ مِنْ صُلْبِهِ أَحَدَ عَشَرَ مَهْدِيَّا كُلُّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ مِنَ الْبِكْرِ الْبَتُولِ وَ آخِرُ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُصَلِّي خَلْفَهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَم …» (صدوق، 1395هـ.ق، 1: 251-252).
3- «حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)»: يذكر النبي (ص) أن خلفاءه اثنا عشر ثم يقول: «الْمَهْدِيُّ الَّذِي يَمْلَؤُهَا قِسْطاً وَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَ ظُلْماً … لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَخْرُجَ فِيهِ وَلَدِيَ الْمَهْدِيُّ فَيَنْزِلَ رُوحُ اللَّهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيُصَلِّيَ خَلْفَهُ …» (صدوق، 1395هـ.ق، 1: 280).
4- «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ النَّخَعِيُّ عَنْ عَمِّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ النَّوْفَلِي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ: قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع): … يَغِيبُ غَيْبَةً يَرْتَابُ فِيهَا الْمُبْطِلُونَ ثُمَّ يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدِهِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا وَ يَنْزِلُ رُوحُ اللَّهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيُصَلِّي خَلْفَه …» (صدوق، 1395هـ.ق، 2: 345).
5- «حَدَّثَنَا الْمُظَفَرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْمُظَفَّرِ الْعَلَوِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنَا جَبْرَئِيلُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ الْبَغْدَادِي قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيُّ عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ أَبِيهِ سَدِيرِ بْنِ حُكَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَقِيصَا …». يقول أبو سعيد عقيصاء: عندما صالح الإمام الحسن (ع) معاوية، لامه الناس، فعرّف الإمام (ع) نفسه بأنه سيد شباب أهل الجنة وأوضح حكمة هذا الأمر بما فعله الخضر، إلى أن قال: «مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَيَقَعُ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةً لِطَاغِيَةِ زَمَانِهِ إِلَّا الْقَائِمُ الَّذِي يُصَلِّى رُوحُ اللَّهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (ع) خَلْفَه» (صدوق، 1395هـ.ق، 1: 315-316).
6- «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِصَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيِّ الْقَزْوِينِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ الْحَنَّاطِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرِ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيَّ الْبَاقِرَ (ع) يَقُولُ الْقَائِمُ مِنَّا … وَ يَنْزِلُ رُوحُ اللَّهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (ع) فَيُصَلِّي خَلْفَهُ …» (صدوق، 1395هـ.ق، 1: 331).
7- «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْجَلُودِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ جَعْفَرِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَكَانَ قَارِئاً لِلْكُتُبِ قَالَ: قَرَأْتُ فِي الْإِنْجِيل …. أَرْفَعُكَ إِلَيَّ ثُمَّ أُهْبِطُكَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لِتَرَى مِنْ أُمَّةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ الْعَجَائِبَ وَلِتُعِينَهُمْ عَلَى اللَّعِينِ الدَّجَّالِ أُهْبِطُكَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ لِتُصَلِّيَ مَعَهُمْ إِنَّهُمْ أُمَّةٌ مَرْحُومَة …» (صدوق، 1395هـ.ق، 1: 160).
8- «حَدَّثَنَا الْمُظَفَرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْمُظَفَّرِ الْعَلَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ قَالَ كَتَبْتُ مِنْ كِتَابِ أَحْمَدَ الدَّهَانِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَمْزَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْمَاعِيلَ السَّرَّاجُ عَنْ خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ: ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّد بْنُ عَلِيِّ الْبَاقِرُ (ع) سَيْرَ الْخُلَفَاءِ الاثْنَيْ عَشَرَ الرَّاشِدِينَ فَلَمَّا بَلَغَ آخِرَهُمْ قَالَ الثَّانِي عَشَرَ الَّذِي يُصَلِّي عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (ع) خَلْفَهُ عَلَيْكَ بِسُنَّتِهِ وَ الْقُرْآنِ الْكَرِيم» (صدوق، 1395هـ.ق، 1: 331-332).
3-3-3. كفاية الأثر
هذا الكتاب من تأليف الخزاز القمي الرازي (ت. 400هـ.ق) من معاصري الشيخ الصدوق والشيخ المفيد، وقد ألفه رداً على من يقولون بعدم وجود رواية عن صحابة النبي (ص) وأهل بيته (ع) على إمامة الأئمة (ع) (الخزاز الرازي، 1401هـ.ق، 7). إن تناوله للمسألة الحاضرة يدل على اهتمام خاص بهذا البحث ضمن مسألة إمامة الأئمة (ع)؛ وبالتالي فإن توجه هذه الروايات هو نحو إثبات أصل الإمامة، حيث يُطرح الخبر المبحوث ضمنها. يربط المؤلف بنقله لهذه الروايات هذه المسألة بموضوع الإمامة في الخطاب الحديثي الشيعي أكثر فأكثر.
1- «حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الرَّازِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالَوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَصْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي شَرِيكَ عَنِ الرُّكَيْنِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ …» ينقل عن زيد بن ثابت أن النبي (ص) عرّف الحسنين (ع) بأنهما أفضل الناس من حيث الجد الأكبر، والجدة، والأب، والأم، والعمة، والعم، والخالة، والخال، حتى يقول: «مِنّا مَهْدِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِي يُصَلِّي عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ خَلْفَهُ قُلْنَا مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هُوَ التَّاسِعُ مِنْ صُلْبِ الْحُسَيْنِ تِسْعَةٌ مِنْ صُلْبِ الْحُسَيْن» (نفسه، 99). في هذه الرواية، طُرحت أولاً فضيلة الحسنين (ع) ثم ذُكر ارتباط الإمام المهدي (ع) بهما.
2- «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ مَالِكِ أَبُودُلَفَ الْخُزَاعِيُّ بِبَغْدَادَ فِي مَسْجِدِ الشَّرْقِيَّةِ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَرَجِ الرِّيَاشِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ أَبِي عَوْفٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ سَعِيدٍ الْمُقْرِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ …» عن أبي هريرة عن النبي (ص) بمضمون يشبه الروايات السابقة في تعريف الأوصياء الإلهيين والأئمة إلى أن يقول: «مَهْدِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِي عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ خَلْفَهُ» (خزاز قمي، 1401هـ.ق، 80).
خلاصة
الخطاب السائد في روايات كتب ابن بابويه، خاصة كتاب كمال الدين، يحكي عن فصل خاص في بحث المهدوية. بمعنى أن ضرورة تناول هذا البحث في عصر ابن بابويه، أدت إلى اهتمامه بمسألة اقتداء النبي عيسى (ع) بالإمام المهدي (ع) أكثر من سائر المحدثين. لذلك، لم تكن هذه المسألة قبل عهده نقطة محورية وأساسية في بعض الروايات. في الواقع، إن جهوده في جمع روايات المهدوية، أكثر من أي وقت مضى، كانت سبباً في الربط بين النبي عيسى (ع) والإمام المهدي (ع). وكما أنه في مقدمة كتاب كمال الدين، يستعين بهذه الصورة لتعريف الإمام المهدي (ع). وبالتالي، فإن صورة «يُصَلَّى خَلْفَهُ» في زمن الشيخ الصدوق، قد وجدت مكانتها أكثر من أي وقت مضى وتأصلت. تظهر أهمية هذه المسألة عندما نرى أن علماء آخرين مثل الشيخ المفيد لم ينقلوا هذا الحديث، ليس فقط في أي من آثاره الموجودة، بل حتى في كتاب تصحيح الاعتقادات الذي ألفه مقابل أثر الشيخ الصدوق، أي الاعتقادات.
4-3. الحقبة الرابعة
في عصر المحدثين المتأخرين، فيما يتعلق بالخبر المبحوث، هناك مسألتان تستحقان الانتباه: الأولى أن هذا الحديث، كنقطة محورية، يكتسب باباً مستقلاً وصياغة جديدة، ويستخدمه بعض المحدثين لتثبيت بعض المسائل الأخرى؛ والأخرى أنه في العصور السابقة، كانت هذه الرواية تُطرح بعبارة «يُصَلِّى عِيسَى خَلْفَهُ»، ولكن الصيغة الأخرى أي: «إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ» وكذلك «فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (ع) فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ بِنَا» التي وردت في روايات أهل السنة، بدأت تجد طريقها إلى الروايات الشيعية منذ القرن السادس فصاعداً (انظر: ابن بطريق، 1407هـ.ق، 432) وهي نفس رواية أهل السنة ولم تُنقل بشكل خاص من قبل الرواة الشيعة.
أولى الإربلي (ت. 692) في كتاب «كشف الغمة» اهتماماً بهذه المسألة وخصص لها باباً مستقلاً وأورده إلى جانب روايات ذات مضمون مشابه. وقد نقل حديث أهل السنة المعروف عن أبي هريرة عن النبي (ص) أنه قال: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَ إِمَامُكُمْ مِنْكُمْ» وأشار إلى صحة الحديث عند محدثي أهل السنة. كما يروي عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن النبي (ص) قال: «فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (ع) فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ بِنَا فَيَقُولُ أَلَا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاء …» وينقل أيضاً رواية ابن ماجه في هذا السياق (الإربلي، 1381هـ.ق، 2: 481)؛ ثم بطرح سؤال حول سبب اقتداء نبي بوصي نبي آخر، يطرح أفضلية الإمام (ع) على عيسى (ع) ويضيف: المقصود بأمير المسلمين هو المهدي (ع)، وفي هذا السياق يفند ادعاء من فسروا الإمام بأنه «الكتاب».
خلاصة
الحاصل أن من تجليات هذا الحديث في هذه الفترة، دخوله أكثر من ذي قبل إلى حقل المسائل العقائدية الشيعية؛ بمعنى أن الحديث المبحوث يجد في هذا القسم جانبه الوظيفي أكثر من أي وقت مضى ويُستفاد منه من قبل طيف من المحدثين الشيعة لإثبات أخبار أخرى. كما أن هذا الحديث ورد في الروايات الشيعية غالباً بعبارة «يُصَلَّى خَلْفَهُ»، ولكن الصيغة الأخرى أي «إمامُكُم مِنكُم» الموجودة في مصادر العامة، دخلت أيضاً بألفاظها إلى الخطاب الحديثي الشيعي منذ عهد المحدثين المتأخرين.
4. النتيجة
تحليل ودراسة صورة اقتداء النبي عيسى (ع) بالإمام المهدي (ع) في الأحاديث الشيعية بالنظر إلى الخطابات والتوجهات المختلفة للمحدثين الشيعة تجاه نقلها، يظهر النتائج التالية:
1- هذه المسألة نُقلت أولاً في آثار مثل الكتاب المنسوب إلى سليم، وتفسير القمي، وفرات الكوفي، وهي آثار لا يمكن الاطمئنان إلى سلامتها واعتبارها بشكل كامل.
2- هذا الخبر نُقل بشكل عابر من قبل محدثين مثل الشيخ الكليني والشيخ الطوسي، ولم يُذكر في أبواب حديثية مهمة، كما لم يُشر إليه في آثار محدثين متكلمين مثل الشيخ المفيد والسيد المرتضى.
3- هذا الخبر انتشر في آثار الشيخ الصدوق، خاصة كتاب كمال الدين وتمام النعمة، وتأصلت مكانته وأصبحت أكثر بروزاً من ذي قبل.
4- في عصر المحدثين المتأخرين، اتسعت النظرة الكلامية-العقائدية لهذا الحديث واكتسب جانباً وظيفياً وارتبط أكثر من ذي قبل بمسائل مثل أفضلية ومكانة الإمام مقارنة بسائر الأنبياء. كما أن هذا الخبر الذي كان يُطرح قبل هذه الفترة بعبارة «صَلَّى – يُصَلِّى عِيسَى خَلْفَهُ» وما شابهها، أصبح يُنقل بعد هذه الفترة بعبارة «إمامُكُم مِنكُم» و«فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ بِنَا» التي شاع نقلها بين أهل السنة، ودخلت أيضاً كتب المحدثين الشيعة المتأخرين.
5- على الرغم من أن هذا الخبر من حيث الأصول الحاكمة في علمي الرجال والدراية في الروايات الشيعية لا يعد صحيح السند بالمصطلح، إلا أن كثرة نقله بطرق مختلفة بين الفريقين تظهر قيمته وأهميته.
الهوامش
- تاريخ الصورة فرع علمي ينظر على نطاق واسع إلى المفاهيم كما ظهرت وتغيرت عبر التاريخ. يسعى مؤرخ الصور إلى تنظيم الروايات التاريخية حول صورة أساسية ثم تتبع تطوراتها أو حتى تحولاتها كما ظهرت في سياقات وأزمنة مختلفة؛ لذلك، بشكل عام، تاريخ الصورة هو بحث حول المفكرين والصور والأنماط الفكرية عبر الزمن (Gordon, 2013: 2).
- حسب زعم الكاتب، فإن جزءاً من الروايات الواردة عن الأئمة الشيعة، والتي ستأتي لاحقاً، كانت في مواجهة نفس الاستغلالات التي كانت تحدث، وفي الواقع، تظهر توجيه هذه المسألة من قبل الأئمة (ع).
- (للاطلاع على عدد من أهم الجدالات حول هذا الكتاب، انظر: الخوئي، 1413هـ.ق، 9: 226-238؛ جوادي، 1384هـ.ش، كاملاً).
- سبب ذكر الشيخ الطوسي إلى جانب الكليني وقبل الشيخ الصدوق (على الرغم من تأخر زمن الشيخ الطوسي عن الصدوق) هو توافق الشيخ والكليني في النقل الباهت لهذا الحديث وحضور كلا المحدثين في بيئة بغداد، وكما ذكرنا سابقاً، فإن معيار التقسيم في هذا المقال ليس زمنياً بحتاً.
- يقول نيومان: إن تأكيد الكافي على أن المرجعية في المسائل العملية والاعتقادية تختص بالأئمة (ع) يظهر أن الكليني أدرك أن تقديم الخطاب الحديثي الشيعي في ذلك الوقت كان مناسباً بشكل خاص، بدلاً من الخطاب الذي روج له بنو نوبخت، وكذلك بدلاً من العقلانية بشكل عام، وبدلاً من الحديث السني الذي شاع مجدداً (نيومان، 1386هـ.ش، 273).