دراسة وتحليل روايات البداء في إمامة إسماعيل بن الصادق (ع)

خلاصة

توجد في المصادر الشيعية روايات حول وقوع البداء في حق إسماعيل، الابن الأكبر للإمام الصادق (ع). وقد اتخذ فريق هذه الأحاديث ذريعة لتأسيس الفرق، بينما جعلها فريق آخر وسيلة للتشكيك في أصل الإمامة عند الشيعة، واستند إليها فريق ثالث لإنكار عقيدة البداء. من هنا، يسعى هذا البحث، من خلال منهج وصفي-تحليلي، إلى الإجابة عن هذا السؤال: كيف يتم تحليل روايات البداء في إمامة إسماعيل بن الصادق (ع)؟ للإجابة عن هذا التساؤل، تم جمع الروايات ذات الصلة، والتي بلغ مجموعها سبع روايات، ووُضعت في فئتين: الروايات المصرّحة وغير المصرّحة. إن مضمون روايات الفئة الأولى يدلّ صراحةً على وقوع البداء في إمامة إسماعيل، وقد تمّ نقد محتواها -بغضّ النظر عن ضعفها السندي- بأدلة متعددة، وثبت كونها موضوعة. أما مضمون روايات الفئة الثانية، فلم يكن فيه تصريح بوقوع البداء في الإمامة. وهذه الروايات، على الرغم من ضعف سندها، لا مانع من قبولها إذا كان المراد منها هو البداء في تصور الناس لإمامة إسماعيل أو البداء في مقتله.

1. طرح المسألة

كان للإمام الصادق (ع)، الإمام السادس للشيعة، عشرة أولاد: سبعة بنين وثلاث بنات. وكان إسماعيل أكبر إخوته جميعاً وموضع حبّ أبيه وعنايته الشديدة (المفيد، 1414هـ، 2: 209 «أ»)، وقد لُقِّب أيضاً بإسماعيل الأمين (ابن شهر آشوب، 1379هـ، 4: 280).1 ولكونه الابن الأكبر للإمام الصادق (ع)، ظن كثير من الشيعة أن قيادة الشيعة في المستقبل ستكون له (جعفريان، 1386ش، 380)،2 إلا أنه توفي في حياة أبيه في منطقة العُرَيْض،3 ونُقل جثمانه إلى المدينة ودُفن في مقبرة البقيع (المفيد، 1414هـ، 2: 209 «أ»). وقد حزن الإمام (ع) لوفاته حزناً شديداً، وسار أمام نعشه حافياً وبلا رداء. وأمر مراراً بوضع نعشه على الأرض وكشف وجهه لكي ينظر إليه، لكي لا تبقى شبهة لمن كان يظن أنه سيكون خليفته (نفس المصدر، 209-210).4

ومع ذلك، لم تنتهِ المسألة عند هذا الحد، فقد قامت جماعة بعد شهادة الإمام الصادق (ع)، بدعوى مهدوية إسماعيل أو بذرائع أخرى، بتأسيس فرقة باسم الخطابية والباطنية أو الإسماعيلية في التشيع (جعفريان، 1386ش، 380). وفي هذا السياق، وُجدت روايات تتحدث عن وقوع البداء في إمامة إسماعيل، ابن الإمام الصادق (ع)، وانتقال الإمامة إلى الإمام الكاظم (ع). وقامت فرقة من الشيعة باسم «القرامطة»، الذين كانوا يعتقدون بإمامة محمد بن إسماعيل، بتقديم تفسير معكوس لروايات البداء في إمامة إسماعيل لتوضيح وتأييد عقيدتهم الباطلة؛ فزعموا أن النبي (ص) بجملة «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاه» قد خرج من الرسالة والنبوة وأوكلها بأمر الله إلى علي بن أبي طالب (ع) وأصبح من أتباعه، وبمثل هذا النحو في حياة جعفر بن محمد (ع)، انتقلت الإمامة منه إلى إسماعيل بن جعفر، ثم بدا لله في إمامة جعفر وإسماعيل، فجعلها الله في محمد بن إسماعيل. ودليلهم هو رواية جعفر بن محمد (ع) التي قال فيها: «مَا رَأَيْتُ مِثْلَ بَدَاءٍ بَدَا لِلَّهِ فِي إِسْمَاعِيلَ». وبزعمهم، فإن محمد بن إسماعيل، الذي هو نفسه المهدي القائم، حيٌّ غائب ومختفٍ في بلاد الروم (الأشعري، 1360ش، 83-84؛ النوبختي، 1404هـ، 71-72).

إضافة إلى ذلك، أصبحت روايات البداء في إمامة إسماعيل ذريعة لهجوم المخالفين على الشيعة وأهل البيت (ع). فمن جهة، وبناءً على تقرير الأشعري القمي (301هـ) والنوبختي (310هـ)، بعد وفاة إسماعيل في حياة الإمام الصادق (ع)، انصرف بعض الأصحاب عن إمامته وقالوا: لقد كذب علينا جعفر (ع) ولا يمكن أن يكون إماماً، لأن الإمام لا يجب أن يكذب وينطق بما لا يقع. لذا، أنكروا وقوع البداء ومشيئة الله واعتبروهما باطلاً وغير جائز، ومالوا إلى عقيدة البترية وسليمان بن جرير الزيدي. وسليمان بن جرير هو نفسه الذي كان يقول لأصحابه: إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم عقيدتين يبرئون بهما أئمتهم دائماً من الكذب، وهما البداء والتقية (الأشعري، 1360ش، 77-78؛ النوبختي، 1404هـ، 63-64). وقد أورد الشهرستاني في «الملل والنحل» والفخر الرازي في خاتمة كتاب «المحصل» كلام سليمان بن جرير الزيدي وشبهته ونسبوها إلى الشيعة (راجع: الشهرستاني، 1364ش، 186؛ الفخر الرازي، 1411هـ، 602).

نظراً للتحديات المذكورة، يبدو أن أحد الأبحاث الضرورية في مجال الدراسات الحديثية هو الدراسة السندية والتحليل الدلالي للروايات المذكورة. وفي هذا السياق، كُتب بحث بعنوان «الإمامة ومسألة البداء في إسماعيل بن جعفر (دراسة رواية «مَا بَدَا لِلَّهِ مِثْلَ مَا بَدَا فِي إِسْمَاعِيلَ»)» (فرمانيان وجندقي، 1393ش). وقد ركّز هذا البحث على دراسة رواية «مَا بَدَا لِلَّهِ مِثْلَ مَا بَدَا فِي إِسْمَاعِيلَ» من حيث السند واستغلال الفرق الأخرى لهذه الرواية للطعن في الشيعة. هذا في حين أن هناك عدة روايات حول البداء في إسماعيل؛ فئة منها تدل صراحةً على البداء، وفئة أخرى لا تصرح بذلك. ويجب تحليل هذه الروايات بشكل مفصل من حيث السند، وخاصة من حيث الدلالة. يُضاف إلى ذلك أن علماء الشيعة لديهم آراء مختلفة تجاه مجموع هذه الروايات، لدرجة أن البعض يراها ناتجة عن التقية، بينما يقبل البعض الآخر البداء في إمامة إسماعيل. لذا، ونظراً لعدم اكتمال البحث المذكور من الجوانب المذكورة، يسعى هذا البحث في دراسته الشاملة، بمنهج وصفي-تحليلي، إلى الإجابة عن هذا السؤال: كيف يتم تحليل روايات البداء في إمامة إسماعيل بن صادق (ع)؟ وللإجابة عن هذا السؤال، سيتم أولاً بحث البداء في اللغة والاصطلاح بشكل مجمل، ثم تُطرح روايات البداء في إمامة إسماعيل، وبعدها يتم دراسة وتقييم أسانيد ومحتوى الروايات.

2. البداء في اللغة والاصطلاح

البداء في اللغة يعني الظهور، كما كتب ابن منظور: «بدا الشيء يَبْدُو بَدْواً و بُدُوّاً و بَداءً: ظَهَرَ» (ابن منظور، 1414هـ، 14: 65). ويكتب الشيخ الطوسي أيضاً في كتاب «عُدّة الأصول»: البداء في اللغة يعني الظهور، وهو في جمل «بدا لنا سور المدينة» و«بدا لنا وجه الرأي» وفي الآيتين «وَ بَدا لَهُمْ سَيِّئَاتُ ما عَمِلُوا» (الجاثية: 33) و «بَدا لَهُمْ سَيِّئَاتُ ما كَسَبُوا» (الزمر: 48) بمعنى «ظَهَر» (الطوسي، 1417هـ، 2: 495).

يقول العلامة الطباطبائي، مستخدماً المعنى اللغوي في تعريف مفهوم البداء: البداء هو ظهور أمر من جانب الله على خلاف ما ظهر منه سابقاً، وفي هذه الحالة يمحو الله الأول ويثبت الثاني، وهذا في حين أنه عالم بكليهما (الطباطبائي، 1417هـ، 11: 381). وقد كتب كثير من علماء الشيعة في التعريف الاصطلاحي للبداء: البداء في التكوين كالنسخ في التشريع. فالنسخ يقع في نطاق الأمور التشريعية وأحكام تشريع وأفعال المكلفين، والبداء يقع في نطاق الأمور التكوينية ومخلوقات الزمان. فالنسخ هو بداء تشريعي، والبداء هو نسخ تكويني (مير داماد، 1374ش، 55-56؛ الخوئي، بي تا، 383؛ السبحاني، 1381ش، 3: 388-389).

في اعتقاد الشيعة، عقيدة البداء مدعومة بآيات وروايات كثيرة عن أهل البيت (ع).5 بناءً على هذه العقيدة، أحياناً مسائل مهمة مثل امتحان شخص أو قوم أو أمة، أو تأثير التوبة والعودة إلى الله، أو تأثير الصدقة ومساعدة المحتاجين والقيام بالأعمال الصالحة في دفع الحوادث المؤلمة وما شابهها، تستلزم أن يتم تنظيم مشهد الأحداث المستقبلية مسبقاً بطريقة معينة، ثم مع تغير الظروف، يحدث بشكل آخر ليعلم الناس أن مصيرهم بأيديهم، وأنهم قادرون على تغيير مصيرهم بتغيير مسارهم ونهجهم (مكارم الشيرازي، 1386ش، 110).

3. روايات البداء في إمامة إسماعيل بن الصادق (ع)

بالبحث في المجامع الروائية والكتب الكلامية، تم العثور على سبع روايات حول وقوع البداء في إمامة إسماعيل، وفيما يلي تفصيلها:

1- روى زيد النرسي عن عُبَيْد بن زرارة عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: لم يبدُ لله بداء أعظم من البداء الذي بدا له في ابني إسماعيل (عدة من العلماء، 1381ش، 196).6 وقد أورد الشيخ الصدوق هذه الرواية باختلاف طفيف في عدة من كتبه: ما بدا لله في شيء كما بدا له في ابني إسماعيل (الصدوق، 1398هـ، 336؛ همو، 1414هـ، 41؛ همو، 1395هـ، 1: 69).7 لم يظهر لله بداء مثلما ظهر له في شأن ابني إسماعيل، ولم يظهر لله شيء كما ظهر في شأن ابني إسماعيل، فقد قبضه الله قبلي ليعلم أنه ليس بإمام بعدي.8

2- روى زيد النرسي مباشرة عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: ناجيت الله وسألته مراراً أن يكون ابني إسماعيل [الإمام] من بعدي، فأبى الله إلا أن يكون ابني موسى (ع) من بعدي (عدة من العلماء، 1381ش، 196-197).

3- في رواية أخرى، ينقل زيد النرسي عن الإمام الصادق (ع) قوله: إن الشيطان يتمثل في صورة ابني إسماعيل ليخدع الناس بهذا التصور (أنه حي وإمام)، في حين أن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل في صورة نبي أو وصي نبي. فإن قال لك أحد: إن ابني إسماعيل لم يمت وهو حي، فاعلم أن ذلك هو الشيطان الذي تمثل في صورة إسماعيل. فإني تضرعت إلى الله أن يبقي ابني إسماعيل حياً ويجعله القيم من بعدي، فأبى الله ذلك. وهذا الأمر ليس بأيدينا لنجعله لمن نشاء، بل هو عهد من الله يجعله لمن يشاء. شاء الله أن تستقر الإمامة في ابني موسى (ع) ولم يشأ أن تكون في ابني إسماعيل. ولو حاول الشيطان أن يتمثل في صورة ابني موسى (ع) فلن يستطيع أبداً، والحمد لله (عدة من العلماء، 1381ش، 197).9

4- روى أبو بصير عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: سألت الله أن يجعل هذا الأمر في إسماعيل فأبى الله أن يجعله إلا في أبي الحسن موسى (ع) (الصفار، 1404هـ، 1: 472).10

5- قال أبو هاشم الجعفري: كنت عند الإمام الهادي (ع) بعد وفاة ابنه أبي جعفر، ففكرت في نفسي أردت أن أقول إن قضيته وقصة أبي جعفر وأبي محمد – الإمام الحسن العسكري (ع) – في هذا الزمان كقصة أبي الحسن موسى (ع) وإسماعيل ابني جعفر بن محمد (ع)؛ لأنه كان يُؤمل أن يكون أبو محمد (ع) [الإمام] بعد أبي جعفر. فالتفت إليّ الإمام الهادي (ع) قبل أن أنطق وقال: نعم يا أبا هاشم، بدا لله في أبي محمد (ع) بعد أبي جعفر ما لم يكن يُعرف له، كما بدا له في موسى (ع) بعد وفاة إسماعيل ما كشف عن حاله. إن ابني أبا محمد (ع) هو الخليفة من بعدي، عنده علم ما يحتاج إليه ومعه آلة الإمامة، وإن كره المبطلون (الكليني، 1407هـ، 1: 327؛ المفيد، 1414هـ، 2: 318-319 «أ»؛ الطوسي، 1411هـ، 82-83).11

6- نقل الخواجة نصير الدين الطوسي عن الإمام الصادق (ع) أن إسماعيل كان خليفته، فصدرت منه أمور غير محمودة، فأصبح موسى (ع) خليفة الإمام الصادق (ع). سُئل الإمام (ع) عن ذلك، فقال: بدا لله في إسماعيل (الخواجة نصير الدين، 1405هـ، 421-422).

7- في المجامع الروائية المعتبرة، رُويت عن الإمام الهادي (ع) زيارة في كيفية زيارة الإمام الكاظم (ع). ومن فقراتها المثيرة للجدل هذه الجملة: السلام عليك يا من بدا لله في شأنه (الكليني، 1407هـ، 4: 578؛ الطوسي، 1407هـ، 6: 82؛ ابن قولويه، 1356ش، 301).12

4. تقييم أسانيد الروايات

الروايات الثلاث الأولى منقولة عن زيد النَّرسي وهي موجودة فقط في أصله. وزيد لم يُجرح ولم يُعدل في كتب الرجال، ولذا فهو مهمل بتعبير ابن داود (ابن داود الحلي، 1383هـ، 164). وحول أصله، قال الشيخ الصدوق في فهرسته إن ابن الوليد لم يروه، وإنه مصنوع ومجعول (الطوسي، بي تا، 201؛ ابن داود الحلي، 1383هـ، 164) على يد محمد بن موسى السمان (ابن الغضائري، 1364ش، 1: 62). وإن قيل: بناءً على تقرير النجاشي، فإن ابن أبي عمير هو ناقل أصل زيد النَّرسي (النجاشي، 1407هـ، 174)، وبناءً على قاعدة أن ابن أبي عمير لا يروي إلا عن ثقة (الحر العاملي، 1409هـ، 30: 231)، فإن زيداً يُوثّق وأصله يُؤيّد. في الجواب نقول: إن هذه القاعدة ليست صحيحة من الأساس (الخوئي، 1410هـ، 1: 61؛ السبحاني، 1408هـ، 103)، وحتى مع فرض وثاقة زيد، فإن أصله لا يتمتع بأي أصالة (السبحاني، 1418هـ، 84).

في سند الرواية الرابعة، يوجد ابن أبي حمزة – علي بن أبي حمزة البطائني – وهو واقفي المذهب (الطوسي، بي تا، 283) وضعيف (ابن الغضائري، 1364ش، 1: 51). وينقل الكشي عن الإمام الكاظم (ع) أن الإمام خاطبه قائلاً: أنت وأصحابك مثل الحمير العُفْر (الكشي، 1409هـ، 404). الراوي الضعيف الآخر في سند هذه الرواية هو والد علي بن الحكم، أي الحكم بن زبير النخعي، الذي لا ذكر له في كتب الرجال وهو مهمل. في سند الرواية الخامسة، يوجد إسحاق بن محمد بن أحمد بن أبان، وقد وصفه النجاشي بأنه «معدن التخليط» (النجاشي، 1407هـ، 73)، وللغضائري عنه تعابير مثل «فاسد المذهب» و«كذاب في الرواية» و«وضّاع للحديث» (ابن الغضائري، 1364ش، 1: 42). الرواية السادسة فاقدة للسند، والخواجة نصير الدين الطوسي هو أول ناقل وناقد لها، وهو يقول بعد نقل هذه الرواية: إنها مجرد رواية واحدة موجودة، وعند الشيعة خبر الواحد لا يورث علماً ولا اطمئناناً (الخواجة نصير الدين، 1405هـ، 421-422). في سند الرواية السابعة، راوي الإمام الهادي (ع) غير معين، لذا فهي مرسلة وضعيفة. بناءً على ذلك، فإن أسانيد جميع الروايات السبع ضعيفة وفقاً لمعايير علم الرجال ودراية الحديث.

5. تحليل مضمون الروايات

من الروايات السبع المذكورة، مضامين أربع روايات (الأولى، الثانية، الرابعة، الخامسة، والسابعة) مطلقة ولا تصرح بوقوع البداء في إمامة إسماعيل. أما مضمونا روايتين (الثالثة والسادسة) فيظهر منهما حملهما على وقوع البداء في إمامة إسماعجيل. من هنا، يعتقد الكاتب أنه يمكن وضع مجموع الروايات السبع في فئتين كليتين: 1- الروايات المصرّحة، 2- الروايات غير المصرّحة.

1-5. الروايات المصرِّحة

المقصود بالروايات المصرِّحة هو تلك الروايات التي تحدثت بوضوح عن البداء في إمامة إسماعيل وانتقالها إلى الإمام الكاظم (ع). روايتان (الثالثة والسادسة) هما من هذا القبيل. حول هاتين الروايتين، يمكن طرح رؤيتين: الأولى، رؤية تقبل صدور الروايات عن المعصوم (ع)، ولكنها تعتبرها من باب التقية. الثانية، رؤية تعتبرها مجعولة وغير صحيحة. والقدر المتيقن في كلتا الرؤيتين هو عدم الاعتداد بهاتين الروايتين وعدم الاستفادة منهما في عقيدة البداء والإمامة.

1-1-5. احتمال التقية في الروايات

بناءً على الأدلة المتاحة، يبدو أن أول من أبدى رأياً حول روايات البداء في إمامة إسماعيل هو والد الشيخ الصدوق، علي بن الحسين بن بابويه القمي (329هـ)، المعروف بالصدوق الأول. وهو في مقدمة كتابه «الإمامة والتبصرة من الحيرة» يبحث بالتفصيل في أن كثيراً من الروايات صدرت على وجه التقية، ثم يشير إلى البداء في إمامة إسماعيل ويكتب: من جملة الروايات التي تدل على التقية وترشدنا إلى أن أخباراً كثيرة وردت لسبب ما، رواية الإمام الصادق (ع) أنه قال: بدا لله في إسماعيل (ابن بابويه، 1404هـ، 15). ويعتقد الصدوق الأول أن أسماء وعدد الأئمة الاثني عشر محددة منذ زمن آدم (ع) ونوح (ع)، لذا فإن هذه الرواية عن الإمام الصادق (ع) صدرت على وجه التقية (نفس المصدر، 16). وكما سيأتي، فإن هذا الاستدلال، أي كون أسماء الأئمة معلومة ومذكورة، يدل أيضاً على كون هذه الرواية مجعولة.

تأثرت هذه الرؤية للصدوق الأول بالجو السياسي الخانق في عصر الإمام الصادق (ع)، حيث كان الإمام (ع) وأسرته تحت رقابة شديدة من الحكام العباسيين، لدرجة أن الإمام نُقل عدة مرات في أيام حكم السفاح والمنصور من المدينة إلى الحيرة،13 وكان هناك تحت رقابة وإشراف الحكومة، ولم يكن الناس يستطيعون التردد عليه والاستفادة من محضره بسهولة (مطهري، 1383ش، 482؛ مظفر، 1421هـ، 1: 26). بل إن المنصور نوى قتل الإمام (ع) عدة مرات (راجع: ابن طاووس، 1411هـ، 184-186 و 187-188 و 192 و 198). وفي بعض الروايات، أُشير إلى أن الإمام الصادق (ع) جعل الإمام الكاظم (ع) والمنصور العباسي وعبد الله (أبناء الإمام الكبار عند شهادته) أوصياء له،14 وربما لهذا السبب، وللحفاظ على حياة الإمام الكاظم (ع)، تم تقديم إسماعيل كإمام.

إن لازم قبول رأي ابن بابويه هو أن الإمام الصادق (ع) اضطر، بسبب خناق العصر وقمعه، إلى تقديم إسماعيل كإمام من بعده. هذا الرأي لا يبدو قوياً جداً؛ أولاً، إذا كان هذا الفعل من الإمام (ع) للحفاظ على حياة الإمام الكاظم (ع)، فمن المفترض أنه قد عرّض حياة إسماعيل للخطر. ومن البديهي أن الإمام الصادق (ع) لن يقوم بمثل هذا الفعل، ولا يوجد أي دليل يؤيده. ثانياً، كما أُشير في المقدمة، اتجه البعض باستغلال هذه الأحاديث إلى تأسيس الفرق، واتخذها آخرون ذريعة للتشكيك في الإمامة عند الشيعة، واستند إليها البعض الآخر لإنكار أصل عقيدة البداء. ومن المستبعد أن يروي الإمام الصادق (ع) في مثل هذه المسألة الهامة أحاديث تحمل مثل هذه الآثار والتبعات. ثالثاً، لم ترد أي رواية في باب التقية بخصوص تعريف الإمام وموضوع الإمامة، ولا يوجد أي دليل على ذلك. من الممكن أن أهل البيت (ع) لم يعلنوا صراحة اسم الإمام اللاحق اقتضاءً للظروف، ولكنهم لم يضللوا الناس. وفيما يخص خلافة الإمام الصادق (ع)، يقول بعض العلماء إنه امتنع عن تعيين خليفته صراحة حتى آخر أيام حياته، ولكنه منذ البداية عرّف الإمام الكاظم (ع) لبعض خواص أصحابه كخليفة له (جعفريان، 1386ش، 380). وستأتي المؤيدات الروائية لهذا القول لاحقاً.

2-1-5. احتمال جعل الروايات

غالبية العلماء الذين أبدوا رأياً حول روايات البداء في إمامة إسماعيل، لم يكن لهم رأي سوى نقدها. أولهم هو الشيخ الصدوق (الصدوق، 1395هـ، 1: 69-70). ويعتقد أنه لم ترد في أي رواية أن الإمام الصادق (ع) صرح بإمامة إسماعيل. هذه الدعوى قصة اختلقها القائلون بإمامة إسماعيل (نفس المصدر، 1: 69). وبعده، تناول الشيخ المفيد (1413هـ، 309 «أ»؛ همو، 1413هـ، 100 «ب») ثم الخواجة نصير الدين الطوسي (1405هـ، 421-422) نقد هذه الروايات. ويبدو هذا الرأي صائباً، لأن الروايتين اللتين تصرحان بوقوع البداء في إمامة إسماعيل تواجهان إشكالات متعددة على النحو التالي:

1- بناءً على العقيدة القطعية للشيعة، فإن مسألة الإمامة بين أئمة الشيعة لم تكن من البداية إلى النهاية أمراً انتخابياً. هذا الموضوع من الشؤون الإلهية التي تتوقف على النص (السبحاني، 1408هـ، 103). كما نُقل عن الإمام الصادق (ع) نفسه روايات متعددة تفيد بأن الإمامة عهد من الله ورسوله يُعهد به للمستحقين لهذا المنصب الواحد تلو الآخر (راجع: الكليني، 1407هـ، 1: 277-278؛ الصفار، 1404هـ، 1: 470-473). لذا، فإن أول وأهم نقد هو تعارض تلك الروايات مع الأحاديث الكثيرة التي رواها الشيعة والسنة عن النبي (ص) والأئمة (ع) والتي ذُكر فيها الأئمة الاثنا عشر بالاسم واحداً تلو الآخر (الصدوق، 1395هـ، 1: 69).

2- الاعتقاد بالبداء في إمامة إسماعيل يتعارض بشكل واضح مع الروايات التي نفى فيها الإمام الصادق (ع) الإمامة عن إسماعيل صراحةً. على سبيل المثال، في رواية عندما تم عد أسماء الأئمة (ع) واحداً تلو الآخر عند الإمام الصادق (ع)، ذكر أبو بصير اسم إسماعيل، فقال الإمام الصادق (ع): ليس بإمام، والله إن هذا الأمر ليس بأيدينا، بل هو بيد الله وحده الذي يضعهم واحداً تلو الآخر في هذا المقام (راجع: الكليني، 1407هـ، 1: 277؛ الصفار، 1404هـ، 1: 471). وفي رواية مشابهة، يقول إسحاق بن عمار الصيرفي: عرض أخي إسماعيل بن عمار عقائده على الإمام الصادق (ع) وذكر الأئمة (ع) واحداً تلو الآخر حتى وصل إلى الإمام الصادق (ع) وعد إسماعيل بعده، فقال الإمام (ع): «إسماعيل ليس بإمام» (النعماني، 1397هـ، 324). وفي رواية أخرى، يعرض الوليد بن صبيح على الإمام الصادق (ع) أنه سمع من عبد الجليل أنه جعله وصيه قبل ثلاث سنوات من وفاة إسماعيل، فقال الإمام (ع): يا وليد، والله ما فعلت ذلك، بل جعلت موسى (ع) وصيي (نفس المصدر، 326).

3- هذه العقيدة تتنافى مع الروايات التي عرّف فيها الإمام الصادق (ع) ابنه الإمام الكاظم (ع) كإمام من بعده في طفولته وبعد ذلك. على سبيل المثال، نُقل أن إسحاق العلوي سأل الإمام الصادق (ع) من هو الإمام التالي؟ فقال (ع): «ذلك الطفل الذي يلعب مع الجدي» (نفس المصدر، 327). وفي رواية أخرى، كان عمره خمس سنوات عندما تم تعريفه كإمام تالٍ (الكليني، 1407هـ، 1: 309). ووفقاً لنقل آخر، يطلب الإمام الصادق (ع) من فيض بن المختار أن يقر بإمامة الإمام الكاظم (ع) ويخبر عائلته وأبناءه وأصدقاءه، ومن بينهم يونس بن ظبيان. وعندما علم يونس، راجع الإمام (ع) للتأكد، وأيد الإمام كلام فيض (نفس المصدر، 1: 309-310).

4- صرح الشيخ المفيد بأن فقهاء الإمامية مجمعون على عدم جواز البداء في الإمامة، والرواية تؤيد ذلك أيضاً؛ نُقل عن الأئمة (ع) قولهم: «إن الله لا يبدو له في نبي من نبوته، ولا في إمام من إمامته، ولا في مؤمن قد أخذ عليه العهد بالإيمان» (المفيد، 1413هـ، 309 «أ»؛ همو، 1403هـ، 100 «ب»).

5- بناءً على روايات مختلفة، لم يكن إسماعيل يتمتع بمكانة روحية ومعنوية سامية تؤهله لارتداء رداء الإمامة. وفي هذا الصدد، يكتب الشيخ الصدوق: كيف يمكن للإمام الصادق (ع) أن يكون قد أشار إلى إمامة إسماعيل بينما قال عنه: «إنه عاصٍ ولا يشبهني ولا أحداً من آبائي» (الصدوق، 1395هـ، 1: 69-70). كما يروي الصدوق أن الوليد بن صبيح قال: «جاءني رجل وقال: تعال معي لأريك ابن ذلك الرجل (الإمام الصادق)، فذهبت معه فأخذني إلى جماعة كانوا يشربون الخمر وإسماعيل بن جعفر بينهم. قال الوليد: خرجت متضايقاً، فجأة رأيت إسماعيل بن جعفر متعلقاً ببيت الله وهو يبكي ودموعه قد بللت ستار الكعبة. حضرت عند الإمام الصادق (ع) وأخبرته بما رأيت، فقال الإمام (ع): إن ابني إسماعيل مبتلى بالشيطان والشيطان يتمثل في صورته». ويكتب الصدوق بعد نقل هذه الرواية: «إذا صحت هذه الرواية عن إسماعيل، فكيف يمكن أن يكون هناك نص على إمامته، بينما روي أن الشيطان لا يتمثل في صورة أي نبي أو وصي نبي» (نفس المصدر، 70).

وغير ما رواه الصدوق، هناك روايات أخرى تعزز هذا الإشكال؛ يروي الكليني أن الإمام الصادق (ع) نهى إسماعيل عن المشاركة في تجارة رجل يشرب الخمر، فلم يعتنِ إسماعيل وذهبت أمواله. في أيام الحج، كان إسماعيل يطوف ويدعو: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها. فقال الإمام الصادق (ع) في هذه الحال: كيف تتوقع من الله الأجر والتعويض وأنت قد ائتمنت شارب الخمر (الكليني، 1407هـ، 5: 299-300). وينقل ابن همام الإسكافي (336هـ) أن إسماعيل أصيب بحمى شديدة، ويعزو الإمام الصادق (ع) سببها إلى ضربه لزوجته. وبعد عفو زوجته، يشفى إسماعيل ويشكر الإمام (ع) الله على أنه جعل عقوبة أبنائه في الدنيا (ابن همام الإسكافي، 1404هـ، 37). وتجدر الإشارة إلى أن هذه الروايات لا تتنافى مع مكانة إسماعيل الرفيعة، فربما يرتكب الإنسان العادل والتقي ذنباً، وإن كان صغيراً، ولكنه يتنبه ويتوب (الخوئي، 1410هـ، 3: 126-127).

6- كما مر في تعريف البداء، فإن نطاق البداء هو الأمور التكوينية ومخلوقات الزمان. وعلى هذا الأساس، فإن التغيير والتبديل في الإمامة، لكونه مرتبطاً بالشريعة، يُحسب من باب النسخ؛ كما أن الإسلام نسخ الشرائع الأخرى. لذا، يُبحث في «نسخ الشريعة» وليس «البداء في الشريعة». ومن ثم، لو كانت روايات البداء في إمامة إسماعيل صحيحة، لكان من المناسب استخدام تعبير «النسخ»، كما هو مستخدم بكثرة في الروايات، في شأن إمامة إسماعيل أيضاً.

2-5. الروايات غير المصرِّحة

كما مرّ، فإن الروايات الأولى والثانية والخامسة والسابعة مطلقة وتشير إلى أصل وقوع البداء في شأن إسماعيل، ولكنها لا تصرح بالبداء في إمامته. لذا، يرى كبار العلماء مثل الشيخ الصدوق والشيخ المفيد أن متعلق البداء غير الإمامة. ولكن من وجهة نظر علماء مثل الملا صالح المازندراني والعلامة المجلسي، فإن البداء في الإمامة. وفيما يلي تفصيل كل من هذه الرؤى وتحليلها:

1-2-5. وقوع البداء في نظر الناس

يقول الشيخ الصدوق في تبيين البداء في رواية الإمام الصادق (ع): «مَا بَدَا لِلَّهِ فِي شَيْءٍ كَمَا بَدَا لَهُ فِي إِسْمَاعِيلَ ابْنِي»: «مراد الإمام (ع) هو أنه لم يظهر لله أمر مثلما ظهر له في شأن ابني إسماعيل، إذ قبض روحه في حياتي ليُعلم أنه ليس الإمام من بعدي» (الصدوق، 1398هـ، 336؛ همو، 1414هـ، 41؛ همو، 1395هـ، 1: 69). ويعتقد الصدوق أن البداء الذي حدث كان بالنسبة لنظر الناس في تنصيب إسماعيل لمنصب الإمامة.

وقد تبنى بعض العلماء بعده رأيه؛ فالشيخ الطوسي بعد نقل الرواية الخامسة من هذا البحث كتب: «كان الناس يظنون أن إسماعيل بن جعفر (ع) سيكون الإمام بعد أبيه، فلما توفي علموا بطلان ذلك وثبتوا على إمامة موسى (ع)، كما كانوا يظنون أن محمد بن علي (ع) سيكون الإمام بعد أبيه (الإمام الهادي)، فلما توفي في حياة أبيه تبين لهم بطلان ظنهم» (الطوسي، 1411هـ، 83).

وقد عكس الميرداماد في «نبراس الضياء» (الميرداماد، 1374ش، 9)، والملا صدرا في شرحه لأصول الكافي (صدر المتألهين، 1383ش، 4: 180)، والمظفر في «عقائد الإمامية» (المظفر، 1387ش، 46) رأي الصدوق في آثارهم. وقد تبنى السيد السبحاني هذا الرأي أيضاً ويكتب: «المراد من البداء في شأن إسماعيل هو أنه لما كان إسماعيل أكبر من أخيه موسى (ع) وكانت الأوضاع والظروف توحي بتصور إمامته، فإن بوفاته بدا للناس من جانب الله، أي أن إمامة الإمام الكاظم (ع) التي كانت خفية على الناس، قد ظهرت» (السبحاني، 1408هـ، 101-102؛ همو، 1418هـ، 82-83).

بناءً على هذا الرأي، يفسر السيد السبحاني هذه الفقرة من زيارة الإمام الكاظم (ع): «السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَنْ بَدَا لِلَّهِ فِي شَأْنِهِ»، التي كانت الرواية السابعة في هذا البحث، على النحو التالي: «يا من ظهر في شأنه أمر خالف ظن الناس»، لأنهم كانوا يظنون أن إسماعيل هو خليفة الإمام الصادق (ع)، فلما توفي، ظهر خلاف تصورهم وعلموا أن موسى بن جعفر (ع) سيكون خليفة الإمام الصادق (ع) (السبحاني، 1408هـ، 104؛ همو، 1418هـ، 83).

2-2-5. البداء في القتل

على الرغم من أن الشيخ المفيد، كالصدوق، لم يقبل بالبداء في إمامة إسماعيل، إلا أن لديه رؤية مختلفة في تحليل البداء. وهو يكتب في تبيين رواية «مَا بَدَا لِلَّهِ فِي شَيْءٍ كَمَا بَدَا لَهُ فِي إِسْمَاعِيلَ»: «المراد هو أنه كان هناك احتمال وخوف من قتل إسماعيل، فلطف الله به وكشف عن دفاعه ومنعه من القتل». ويستند الشيخ في تأييد كلامه إلى هذه الرواية: «كَانَ الْقَتْلُ قَدْ كُتِبَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ مَرَّتَيْنِ فَسَأَلْتُ اللَّهَ فِي دَفْعِهِ عَنْهُ فَدَفَعَهُ» (المفيد، 1414هـ، 66 «ب»؛ همو، 1413هـ، 309 «أ»): «كان القتل قد كُتب على إسماعيل مرتين، فسألت الله أن يدفعه عنه، فدفعه». وقد نقل الشيخ هذه الرواية عن الإمام الصادق (ع) (المفيد، 1414هـ، 66 «ب») وعن الإمام الرضا (ع) (همو، 1403هـ، 100 «أ»).

3-2-5. قبول البداء في إمامة إسماعيل

بالتتبع والبحث، تبين أن ثلاثة من المحدثين في القرنين الحادي عشر والثاني عشر حملوا الروايات غير المصرّحة على البداء في إمامة إسماعيل: الملا صالح المازندراني (1081هـ)، في تبيين الرواية الخامسة، التي تتحدث عن تشابه البداء بين الإمام الحسن العسكري (ع) وأخيه أبي جعفر مع البداء بين الإمام الكاظم (ع) وأخيه إسماعيل، يكتب: كما كانت عند الشيعة إمامة أبي الحسن موسى (ع) بعد إسماعيل، ولكن في النهاية تحققت إرادة الله تجاه أبي الحسن موسى (ع) وظهر الأمر الإلهي بشأنه بوفاة إسماعيل، كذلك تحققت إرادة الله تجاه أبي محمد الإمام الحسن العسكري (ع) وظهر الأمر الإلهي بشأنه بوفاة أخيه أبي جعفر (المازندراني، 1382هـ، 6: 205).

وللعلامة المجلسي (1110هـ) كلام مشابه لكلام الملا صالح، حيث يكتب: الأمل في إمامة أبي محمد الإمام الحسن العسكري (ع) نشأ بوفاة أبي جعفر، كما نشأ الأمل في إمامة أبي الحسن موسى (ع) بعد وفاة إسماعيل (المجلسي، 1404هـ، 3: 391). ويعتقد الفيض الكاشاني أيضاً أن البداء في الإمامة هو وجه التشابه بين البداء بين الإمام الحسن العسكري (ع) وأخيه أبي جعفر مع البداء بين الإمام الكاظم (ع) وأخيه إسماعيل (الفيض الكاشاني، 1406هـ، 2: 388).

وقد أعطى العلامة المجلسي في توضيح هذه الفقرة من زيارة الإمام الكاظم (ع): «السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَنْ بَدَا لِلَّهِ فِي شَأْنِهِ» احتمالين: 1- هذه الجملة تشير إلى بعض الروايات التي تفيد بأنه كان مقدراً للإمام الكاظم (ع) أن يقوم بالسيف، ولكن بدا لله. 2- هذه الجملة تشير إلى البداء الذي وقع في شأن إسماعيل، ولازم البداء بالنسبة لإسماعيل هو البداء في شأن الإمام الكاظم (ع) (المجلسي، 1404هـ، 18: 304؛ همو، 1403هـ، 99: 9). في الاحتمال الثاني للعلامة، لا يوجد حديث عن متعلق البداء، لذا لا يمكن لكلامه أن يكون كاشفاً عن متعلق البداء بالنسبة لإسماعيل.

ويقول الفيض الكاشاني (1091هـ) عن هذه الفقرة: «جعل الله في شأنه الإمامة بعد أبيه، لأنه ورد في الخبر أن الله قد كتب الإمامة أولاً لإسماعيل، ثم محاها وقبض روح إسماعيل وجعلها لموسى بن جعفر (ع)» (الفيض الكاشاني، 1406، 14: 1539).

4-2-5. تقييم الرؤى الثلاث

الرؤية الأولى كانت تعتبر البداء في نظر الناس تجاه إمامة إسماعيل، وبعبارة أخرى، تعتبره بداءً عارضياً لا ذاتياً. ويبدو أن هذا التحليل أصح من الأقوال الأخرى؛ لأنه بسبب أجواء الخناق والظروف السياسية والاجتماعية المعقدة في عصر بني العباس، وخاصة فترة خلافة المنصور العباسي، لم يتوفر المناخ لتعريف الإمام الكاظم (ع) بشكل صريح وعلني. وبما أنه حتى قبل الإمام الكاظم (ع) كان الأبناء الأكبر سناً يتولون الإمامة، وبناءً على بعض الروايات، تستقر الإمامة في الابن الأكبر لكل إمام،17 فقد ظن بعض الشيعة أن إسماعيل، الابن الأكبر للإمام الصادق (ع)، سيتولى الإمامة. وبوفاة إسماعيل، زال هذا الظن الخاطئ. هذه المسألة لا تتنافى مع روايات تعريف الإمام الكاظم (ع) كإمام منذ طفولته وبعدها، لأنه كما أُشير، فإن الإمام الصادق (ع) قد طرح مسألة إمامته بشكل خاص لعدد من الشيعة المقربين إليه.

الرؤية الثانية – التي تعود للشيخ المفيد – تستند إلى رواية نقلها الشيخ المفيد وحده، ولم يُعثر لها على أثر في المجامع الروائية الأخرى ولا حتى في الكتابات غير الروائية مثل الكتب الكلامية، وهي فاقدة لسلسلة سند متصلة إلى الإمام الصادق (ع) والإمام الرضا (ع). ومع فرض صحة الرواية، لا يوجد مانع من قبول هذا القول، وهو قابل للجمع مع الرؤية الأولى؛ لأن تنصيب الابن الأكبر للإمامة لم يكن فقط توقعاً من الناس، بل إن الحكومة كانت لديها مثل هذا التصور، وربما قرر بنو العباس قتله. لذا، في مرحلة ما، نجا إسماعيل من القتل ببداء إلهي، وفي مرحلة أخرى، بوفاة إسماعيل، حصل البداء في تصور الناس بشأن الخليفة بعد الإمام الصادق (ع).

الرؤية الثالثة (رؤية الملا صالح المازندراني والعلامة المجلسي والفيض الكاشاني) تستند إلى قبول البداء في الإمامة. وكما مر في قسم الروايات المصرّحة، فهي ليست صحيحة من الأساس، وهناك انتقادات جدية موجهة إليها.

6. الخاتمة

بناءً على ما سبق، تم التوصل إلى النتائج التالية:

1- توجد سبع روايات حول البداء في إمامة إسماعيل، تقع في فئتين: 1- الروايات المصرّحة، 2- الروايات غير المصرّحة. الفئة الأولى – التي تضم روايتين – تحدثت بوضوح عن حدوث البداء في إمامة إسماعيل وانتقالها إلى الإمام الكاظم (ع). والفئة الثانية – التي تضم خمس روايات – لم تكن تصرح بوقوع البداء في مسألة الإمامة.

2- بالدراسة، تبين أن كل الروايات السبع ضعيفة من حيث السند.

3- بتحليل مضمون روايات الفئة الأولى (الروايات المصرّحة)، اتضح وجود رؤيتين: التقية والجعل في الروايات. رؤية التقية في الروايات ليست صحيحة لعدة أسباب. في المقابل، تبدو رؤية الجعل في الروايات صحيحة؛ لأن تلك الروايات أولاً، تتعارض مع النصوص الكثيرة التي ذكر فيها النبي (ص) والأئمة (ع) الأئمة الاثني عشر بالاسم واحداً تلو الآخر. ثانياً، تتعارض مع الروايات التي نفى فيها الإمام الصادق (ع) الإمامة عن إسماعيل صراحةً. ثالثاً، تتنافى مع الروايات التي عرّف فيها الإمام الصادق (ع) ابنه الإمام الكاظم (ع) كإمام من بعده في طفولته وبعدها. رابعاً، أجمع الإمامية على عدم جواز البداء في الإمامة، وبعض الروايات تؤيد ذلك. خامساً، إسماعيل، على الرغم من شخصيته الرفيعة، لم يكن يتمتع بمكانة روحية ومعنوية تؤهله لارتداء رداء الإمامة. سادساً، تتعارض هذه الروايات مع تعريف الشيعة للبداء.

4- حول محتوى روايات الفئة الثانية (الروايات غير المصرّحة)، توجد ثلاث رؤى: الرؤية الأولى كانت تعتبر البداء في خصوص تصور الناس لإمامة إسماعيل. ونظراً لأنه حتى قبل الإمام الكاظم (ع) كان الأبناء الأكبر يتولون الإمامة، فقد ظن بعض الشيعة أن إسماعيل، الابن الأكبر للإمام الصادق (ع)، سيتولى الإمامة، وبوفاته تم تصحيح هذا التصور الخاطئ. الرؤية الثانية كانت تستند إلى رواية منقولة عن الإمام الصادق (ع) والإمام الرضا (ع) تفيد بوجود احتمال لقتل إسماعيل، فلطف الله به ومنع قتله. الرؤية الثالثة كانت تقبل بالبداء في الإمامة. ومن بين هذه النظريات، تبدو النظرية الأولى أصح، على الرغم من أنها قابلة للجمع مع النظرية الثانية، أما النظرية الثالثة فليست صحيحة من الأساس، وهناك انتقادات موجهة لقسم الجعل في الروايات المصرّحة.

الهوامش

1. في بعض كتب السيرة، تم إحصاء سبعة أولاد (ستة بنين وبنت واحدة) (الإربلي، بي تا، 2: 161).

2. بناءً على بعض الروايات، تستقر الإمامة في الابن الأكبر لكل إمام: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ فِي الْكَبِيرِ مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ عَاهَةٌ» (الكليني، 1407هـ، 1: 285 و351).

3. اسم منطقة في المدينة (الحموي، 1995م، 4: 114).

4. وفقًا لبعض الروايات، أمر الإمام الصادق (ع) مرتين قبل الغسل ومرة بعد الغسل والكفن بكشف وجه إسماعيل، وقبّل جبهته وذقنه ورقبته (الصدوق، 1395هـ، 1: 71).

5. يكتب العلامة الطباطبائي في الميزان: الروايات في موضوع البداء عن الأئمة (ع) كثيرة وفي حد الاستفاضة، ولا ينبغي الالتفات إلى قول من يقول إنها خبر واحد (الطباطبائي، 1417هـ، 11: 381).

6. زَيْدٌ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)، قَالَ: «مَا بَدَا لِلَّهِ بَدَاءً أَعْظَمُ مِنْ بَدَاءٍ بَدَا لَهُ فِي إِسْمَاعِيلَ ابْنِي».

7. «مَا بَدَا لِلَّهِ فِي شَيْءٍ كَمَا بَدَا لَهُ فِي إِسْمَاعِيلَ ابْنِي».

8. زَيْدٌ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)، قَالَ: …

9. زَيْدٌ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)، قَالَ: …

10. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: …

11. عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هَاشِمِ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ: …

12. مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ الرَّزَّازُ الْكُوفِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (ع) قَالَ: «تَقُولُ بِبَغْدَادَ… السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَنْ بَدَا لِلَّهِ فِي شَأْنِهِ».

13. نقل الكليني روايتين بخصوص حضور الإمام الصادق (ع) عند السفاح في مدينة الحيرة (الكليني، 1407هـ، 4: 83-84).15 16

14. روى محمد بن مُرازِم عن أبيه رواية بخصوص حضور والده مع الإمام الصادق (ع) عند المنصور في مدينة الحيرة (نفس المصدر، 8: 87).

15. على بعد ثلاثة أميال من مدينة الكوفة، في منطقة يقال لها النجف (الحموي، 1995م، 2: 328).

16. روى الكليني أن الإمام الصادق (ع) جعل المنصور العباسي، ومحمد بن سليمان، وعبد الله، والإمام الكاظم (ع)، وحميدة أوصياءه (الكليني، 1407هـ، 1: 311). وفي رواية أخرى، أُشير إلى المنصور، وعبد الله، والإمام الكاظم (ع)، ومحمد بن جعفر (ع) مولى لأبي عبد الله (نفس المصدر، 1: 311-312)، ووفقًا لرواية، جعل عبد الله الأفطح والإمام الكاظم (ع) والمنصور العباسي أوصياءه (قطب الدين الراوندي، 1409هـ، 1: 328).

17. عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ فِي الْكَبِيرِ مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ عَاهَةٌ (الكليني، 1407هـ، 1: 285 و351). وفيما يتعلق بكون الإمام السجاد (ع) أو حضرة علي الأكبر (ع) الأكبر سناً، هناك خلاف بين كتاب السيرة، والقدر المسلم هو أنه بعد استشهاد الإمام الحسين (ع)، كان الإمام السجاد (ع) أكبر أبنائه الباقين على قيد الحياة.

Scroll to Top