الملخص
تُعد روايات «كون الزكاة وسخاً وحرمتها على بني هاشم» من الروايات المشهورة التي وردت بعبارات متنوعة في المصادر الحديثية الشيعية والسنية، ورغم شهرتها، لم يُلتفت كثيراً إلى اعتبارها السندي والمحتوائي. توصل هذا البحث، من خلال دراسة تقييمية للروايات المذكورة من حيث السند والمضمون ودراسة الآراء المطروحة، إلى نتيجة مفادها أن معظم هذه الروايات من الناحية السندية تواجه إشكالات في وثاقة الرواة والإرسال. ومن الناحية المحتوائية، تتعارض مع الآيات التي تذكر الله سبحانه ورسوله كآخذين للزكاة، والآيات التي ألغت التفوق العرقي وجعلت التقوى معياراً لتفاضل البشر. كذلك في قسم الآراء المطروحة، قام معظم الباحثين، مع قبولهم لأصل الروايات، بتوجيه مفهوم «الأوساخ» بتبريرات لا تتطابق مع مصادر اللغة ولا تجيب عن الإشكالات المحتوائية. واستناداً إلى نتائج البحث، فإن بني العباس، لإضفاء الشرعية على حكمهم الظالم ونهب سهم الخمس من الغنائم الذي كان مبلغاً كبيراً نظراً لفتوحات ذلك العصر، قاموا بوضع روايات، ضمن توسيعهم لمفهوم أهل البيت، تصف الزكاة بالقذارة والنجاسة وتحرمها على بني هاشم وتجعل الخمس بديلاً لها، ساعين بذلك إلى إظهار أنفسهم بمظهر المتميزين على سائر الناس.
1. بيان المسألة
من الضرورات لفهم المسائل الفقهية والكلامية فهماً صحيحاً، والتي كانت دائماً محط اهتمام المفكرين المسلمين في التحليل الدقيق لتعاليم الدين، هو البحث في الروايات. وفي تقييم الروايات وتحليلها، يُعد كل من البحث السندي والمحتوائي أمراً ضرورياً، حيث إن الغفلة عن أي منهما قد تؤدي إلى فهم خاطئ لأحاديث النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع). من جملة الروايات التي تستدعي التأمل في المصادر الحديثية الشيعية والسنية، والتي توجد حولها آراء متنوعة، هي الروايات المعروفة بـ «الصَّدَقَةُ مِنْ أَوْسَاحِ أَيْدِي النَّاسِ». في هذه المجموعة من الروايات، حُرِّمت الزكاة على بعض أقارب رسول الله (ص) وجُعل الخمس بديلاً لها. النقطة الجديرة بالتأمل في هذه الروايات هي علة التحريم المذكورة، حيث بُيِّن أنها لأن الصدقة هي من «أَوْسَاخِ النَّاسِ» أو «أَوْسَاخِ أَيْدِي النَّاسِ» – أي قذارة أيدي الناس، وأراد الله أن يُنزه المجموعة المذكورة عنها؛ لذا، بدلاً من الاقتيات من الزكاة، جُعل الاقتيات من الخمس، الذي يخلو من القذارة والنجاسة، بديلاً لها. هذا في حين أن الخمس والزكاة كلاهما من أنواع الضرائب الشرعية.
يهدف هذا البحث، بالاعتماد على الآيات القرآنية وسائر الروايات الواردة في موضوع الزكاة، وضمن دراسة سند ومحتوى الروايات المذكورة، إلى تقييم الآراء المطروحة والإجابة عن هذا السؤال: هل الزكاة في الواقع قذارة ونجاسة، وهل يُمنع بنو هاشم منها لمجرد قرابتهم من رسول الله (ص)؟
الأبحاث التي أُجريت حتى الآن حول روايات «الصَّدَقَةُ مِنْ أَوْسَـاخ أَيْدِي النَّاسِ»، كانت تركز في الغالب على مفهوم الروايات وتبيين كون الزكاة قذرة، ولم يجرَ بحث كامل حول تقييمها السندي والتحليل النقدي للروايات المذكورة. على سبيل المثال، مقالة «تبيين تاريخي لممنوعية الصدقات على بني هاشم في عصر النزول» (1399ش) لوحيد باصري، دون تقييم سندي للروايات المذكورة وضمن قبول صدور مثل هذه الروايات عن النبي (ص) حول منع الزكاة على بني هاشم، اعتبرها تدبيراً حكيماً من النبي (ص) لإزالة أي شائبة أو شبهة منفعة في ثقافة القبائل العربية. مقالة أخرى بعنوان «الخطاب القبلي ودوره في التغيير الدلالي لمفهوم أهل البيت (ع) وذوي القربى وتأثيره في البحث عن الهوية الهاشمية» (2018م) لوحيد باصري وآيينه وند، تبحث في مراد أهل البيت وذوي القربى وتعتبر توسيع هذا المفهوم ليشمل بني هاشم مرتبطاً بالأزمنة التي تلت رسول الله (ص)، خاصة في عهد حكام بني العباس. وفي مقالة «دراسة فقهية وتاريخية لحرمة الصدقة على السادات» (1378ش) لمحمد علي خيراللهي، تم التأكيد على قذارة الزكاة وحرمتها على بني هاشم، ولم يقدم إجابة عن الأسئلة المطروحة. في مقالة «بساطة العيش لدى الإمام الخميني ومسألة الشأن» (1378ش) لأحمد عابديني، ضمن قبول الروايات، عُلِّل تعبير القذارة والنجاسة في الزكاة بكراهية بني هاشم لعمالة الزكاة. في البحث الحالي، بالإضافة إلى تتبع الروايات في المصادر الحديثية للفريقين وتقييمها السندي، تم تحليل الآراء المختلفة حول مضمون تلك الروايات من الناحية المحتوائية وبيان تعارضها مع القرآن الكريم وسائر الروايات.
2. دراسة روايات «الصَّدَقَةُ مِنْ أَوْسَاحِ أَيْدِي النَّاسِ»
يمكن تقسيم هذه الروايات في تصنيف عام إلى 7 فئات على النحو التالي:
أ- روايات ضمن وصفها الزكاة بالأوساخ، منعت أهل البيت (ع) منها تكريماً لهم.
ب- روايات ضمن وصفها الزكاة بالأوساخ، حرمتها على آل محمد (ص).
ج- روايات ضمن وصفها الزكاة بالأوساخ، منعت أبناء عبد المطلب منها لقرابتهم من رسول الله (ص) وجعلت الخمس بديلاً لهم تكريماً.
د- روايات شبهت الزكاة بغسالة البراز، واعتبرتها من الأوساخ.
هـ- روايات منعت بني هاشم من العمل في جمع الزكاة لكونها أوساخاً.
و- روايات تؤكد حرمة الزكاة على بني العباس.
ز- روايات حرمت الزكاة على النبي والأئمة من بعده فقط، دون وصفها بالأوساخ.
توجد الروايات المذكورة في مصادر الشيعة وأهل السنة. ونظراً لأن الروايات وردت بأسانيد ومتون مختلفة، ففي هذا القسم، بالإضافة إلى ذكر سند الروايات وتقييمها، سيتم تناول المفهوم العام لكل رواية:
1-2. الحديث الأول
«عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الْيَمَانِيِّ عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع يَقُولُ نَحْنُ وَ اللَّهِ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ بِذِي الْقُرْبَى الَّذِينَ قَرَنَهُمُ اللَّهُ بِنَفْسِهِ وَ نَبِيِّهِ ص فَقَالَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ مِنَّا خَاصَّةً وَ لَمْ يَجْعَلْ لَنَا سَهْماً فِي الصَّدَقَةِ أَكْرَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَ أَكْرَمَنَا أَنْ يُطْعِمَنَا أَوْسَاخَ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ» (الكليني، 1407هـ، 1: 539): والله نحن المعنيون بـ«ذي القربى» الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه (ص) في آية الفيء… لم يجعل الله لنا سهماً في الزكاة، وأكرم رسوله وأكرمنا أن نطعم من أوساخ أيدي الناس.
من وجهة نظر علماء الرجال، أبان بن أبي عياش ضعيف ولا يعتد بأقواله (ابن الغضائري، 1364ش، 36؛ ابن قارياغدي، 1429هـ، 1: 549)، لذا فهذا الحديث ضعيف من الناحية السندية. ومن الناحية المحتوائية، عُبر في هذا الحديث عن الزكاة بـ«أوساخ أَيْدِي النَّاسِ» ومُنِع أهل البيت منها تكريماً لهم دون ذكر بني هاشم.
2-2. الحديث الثاني
«قَالَ سُلَيْمُ بْنُ قَيْسٍ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ ع يُحَدِّثُنِي وَ يَقُولُ … لَمْ يَجْعَلْ لَنَا فِي سَهْمِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً وَ أَكْرَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ص وَ أَكْرَمَنَا أَنْ يُطْعِمَنَا أَوْسَاخَ أَيْدِي النَّاسِ» (الهلالي، 1405هـ، 2: 723): لم يجعل الله لنا نصيباً في سهم الزكاة وأكرم نبيه (ص) وأكرمنا أن نطعم من أوساخ أيدي الناس.
نظراً لأن طريق هذا الحديث في كتاب سليم بن قيس الهلالي هو أبان بن أبي عياش؛ فهذا الحديث أيضاً ضعيف من الناحية السندية. ومن الناحية المحتوائية، عُبر فيه عن الزكاة بـ«أوساخ أيدي الناس» ومُنِع أهل البيت منها تكريماً لهم دون ذكر بني هاشم.
3-2. الحديث الثالث
«عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِح ع قَالَ: إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ هَذَا الْخُمْسَ خَاصَّةً لَهُمْ دُونَ مَسَاكِينِ النَّاسِ وَأَبْنَاءِ سَبِيلِهِمْ عِوَضاً لَّهُمْ مِنْ صَدَقَاتِ النَّاسِ تَنْزِيهاً مِنَ اللَّهِ لَهُمْ لِقَرَابَتِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ص وَ كَرَامَةً مِنَ اللَّهِ لَهُمْ عَنْ أَوْسَاحِ النَّاسِ فَجَعَلَ لَهُمْ خَاصَّةً مِنْ عِنْدِهِ مَا يُغْنِيهِمْ بِهِ عَنْ أَنْ يُصَيِّرَهُمْ فِي مَوْضِعِ الذُّلِّ وَ الْمَسْكَنَةِ وَلَا بَأْسَ بِصَدَقَاتِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الْخُمْسَ هُمْ قَرَابَةُ النَّبِيِّ ص الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فَقَالَ وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَ هُمْ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» (الكليني، 1407هـ، 1: 540): إنما جعل الله لهم هذا الخمس… تعويضاً لهم عن صدقات الناس تنزيهاً لهم لقرابتهم برسول الله (ص) وإكراماً لهم عن أوساخ الناس… والله منعهم بذلك من أن يكونوا في موضع الذل والمسكنة… هؤلاء هم بنو عبد المطلب.
هذا الحديث مرسل بسبب عبارة «بَعْضِ أَصْحَابِنَا»، ومن الناحية المحتوائية، بالإضافة إلى أنه اعتبر الزكاة «أَوْسَاخَ النَّاسِ»، فقد منع أبناء عبد المطلب منها لقرابتهم برسول الله (ص) وجعل الخمس بديلاً لهم تكريماً لهم.
4-2. الحديث الرابع
«عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَ أَبِي بَصِيرٍ وَ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ الصَّدَقَةَ أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيَّ مِنْهَا وَ مِنْ غَيْرِهَا مَا قَدْ حَرَّمَهُ وَ إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ …» (الكليني، 1407هـ، 4: 58): إن الصدقة أوساخ أيدي الناس وإن الله قد حرمها عليّ… وإن الصدقة لا تحل لبني عبد المطلب.
في السند المذكور، يوجد بعض كبار أصحاب الإمام الباقر والإمام الصادق (ع) وكلهم ثقات. محمد بن مسلم (النجاشي، 1365ق، 323)، أبو بصير (النجاشي، 1365ق، 441)، زرارة (النجاشي، 1365ق، 175). حماد بن عيسى وعلي بن إبراهيم أيضاً موثقان (النجاشي، 1365ق، 142، 259؛ الطوسي، 1420ق، 156). بخصوص إبراهيم بن هاشم والد علي بن إبراهيم، على الرغم من عدم ورود جرح أو تعديل له في المصادر الرجالية المتقدمة، إلا أن العلامة الحلي يصحح أقواله (الحلي، 1411ق، 5). بناءً على ما سبق، الحديث صحيح من ناحية السند، ومحتواه شبيه بالحديث السابق، فبالإضافة إلى وصف الزكاة بأوساخ الناس، مُنع بنو عبد المطلب منها.
5-2. الحديث الخامس
«الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْهَاشِمِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَحْمَرِ وَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُنْدَارَ عَنِ السَّيَّارِيِّ عَنْ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بِلَالٍ قَالَ : … لَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ صَانَنَا عَنِ الصَّدَقَةِ وَ هِيَ أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ» (الكليني، 1407هـ، 5: 345). في الحديث المذكور، قال الإمام الصادق (ع) في رده على أحد الخوارج: لكن الله عز وجل صاننا عن الصدقة وهي وسخ أيدي الناس.
سند هذه الرواية ضعيف لوجود أشخاص مثل إبراهيم بن إسحاق الأحمر الذي وصفه الشيخ الطوسي بأنه محدث ضعيف غير معتمد في نقل الرواية، وقيل إنه متهم بالغلو في دينه (الطوسي، 1420ق، 16). وكذلك بسبب وجود السياري (أحمد بن محمد بن سيار) الذي ضعفه النجاشي واعتبره فاسد المذهب (النجاشي، 1365ق، 80).
في محتوى هذا الحديث، عُبر عن الزكاة بـ«أوساخ أيدي الناس»، واعتُبر المنع منها نوعاً من الفضيلة، ولكن لم يُصرح بما إذا كانت هذه الفضيلة لجميع بني هاشم أم تقتصر على أهل البيت (ع) فقط.
6-2. الحديث السادس
«عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِي قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع فقال … لَمْ يَجْعَلْ لَنَا فِي سَهْمِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً أَكْرَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ ص وَ أَكْرَمَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَنْ يُطْعِمَنَا مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ …» (الكليني، 1407هـ، 8، 58-63). خطب أمير المؤمنين (ع) فقال: … لم يجعل لنا ربنا أهل البيت نصيباً في الصدقات وأكرم رسوله وأكرمنا أن نطعم من أوساخ الناس.
هذه الرواية مرسلة لأن إبراهيم بن عثمان من أصحاب الإمام محمد الباقر (ع) ولم يكن بإمكانه الرواية عن سليم بن قيس دون واسطة. وفي المحتوى، كما في الروايات السابقة، عُبر عن الزكاة بـ«أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ» واعتُبر المنع منها نوعاً من الفضيلة لأهل البيت (ع).
7-2. الحديث السابع
«وَ قالَ سُفيان بن عيينه قُلتُ لأبي عَبدِ الله (ع): أَكُلُّ الأنبياءِ وَ أَولادِهِم حُرِّمَت عَليهِم الصَّدَقَة ؟ فَقَالَ: لَا ، أَو مَا سَمِعتَ قَولَ إخوة يوسف (ع) وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ حَلَّت لَهم الصَّدَقَة، وَحُرِّمَت عَليهم الغنائم ، وَحُرِّمَت عَلَينا الصَّدَقَة لِأَنَّهَا أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ» (الصدوق، 1415ق، 177): يقول سفيان بن عيينة: قلت للإمام الصادق (ع): هل حرمت الصدقة على جميع الأنبياء وأولادهم؟ فقال: لا، ألم تسمع قول إخوة يوسف (ع): «وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين»؟ حلت لهم الصدقة وحرمت عليهم الغنائم، وحرمت علينا الصدقة لأنها أوساخ أيدي الناس.
سند الحديث مرسل لأن الشيخ الصدوق لم يذكر الرواة بينه وبين سفيان. وفي مصادر الرجال، ذُكر سفيان بن عيينة كأحد أصحاب الإمام الصادق (ع) (البرقي، 1342ش، 41)، ولكن لم يُذكر مدح أو قدح بحقه. في محتوى الحديث، عُبر عن الزكاة بـ«أوساخ الناس» وذُكر أن من الفروق بين النبي (ص) والأئمة (ع) وسائر الأنبياء أن الصدقة كانت حلالاً على الأنبياء السابقين وحراماً عليهم الغنائم، بينما حرمت الصدقة على النبي (ص) والأئمة (ع) لكونها أوساخاً.
8-2. الحديث الثامن
هذه الرواية تتعلق بمناظرة الإمام الرضا (ع) مع بعض العلماء في مجلس المأمون العباسي في بيان الفرق بين العترة والأمة: «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ شَاذَوَيْهِ الْمُؤَدِّبُ وَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُورٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ … لِأَنَّ الصَّدَقَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَهِيَ أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ» (الصدوق، 1378ق، 1: 228): لأن الصدقة محرمة على محمد وآله وهي أوساخ أيدي الناس، فلا تحل لهم.
بالنظر إلى اتصال سند الرواة وأن رواتها: جعفر بن محمد بن مسرور (النجاشي، 1365ق، 123)، ريان بن الصلت (النجاشي، 1365ق، 165)، محمد بن عبد الله الحميري (النجاشي، 1365ق، 354)، وعبد الله بن جعفر الحميري (الطوسي، 1420ق، 293) جميعهم ثقات، فسند الرواية صحيح. من الناحية المحتوائية، في هذه الرواية، خُصِّصت حرمة الزكاة بمحمد وآل محمد (ع) وعُلِّلت بأنها «أوساخ».
هذه الروايات الثماني هي كل الأحاديث المطروحة في مصادر الشيعة، وبالنظر إلى دراستها السندية يمكن القول إن حديثين فقط صحيحان من حيث السند وستة أحاديث أخرى ضعيفة. وفي مصادر أهل السنة، توجد أيضاً روايات يُعبَّر فيها عن الصدقة بـ«أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ»، ومنها أحاديث سيتم دراستها فيما يلي.
9-2. الحديث التاسع
«عَن مَالِكِ، عَن زيد بن أسلم، عَن أَبيهِ، أَنَّه قَالَ: قَالَ عَبد اللهِ بنِ الأَرْقَمِ: أَدْلِلْنِي عَلَى بَعِيرِ مِنَ المَطايا استَحمَلَ عَلَيْهِ أَمِيرُ المُؤمنين. فَقُلتُ: نَعَم. جَمَلاً من الصَّدَقَة. فَقَالَ عَبدُ الله بنِ الأرقم: أَتُحِبُّ أَنَّ رَجُلًا بادِنا فِي يَوم حارٍ غَسَلَ لَكَ ما تَحتَ إِزارِهِ وَرَفَغَيهِ ثُمَّ أعطاكَهُ فَشَرَبتَهُ ؟ قال: فَغَضَبْتُ وَقُلتُ: يَغفرُ اللهُ لَكَ. أَتَقُولَ لِي مِثلِ هذا ؟ فَقالَ عَبد اللَّـهِ بن الارقم: إِنَّمَا الصَّدَقَة أَوْ سَاخُ النَّاسِ يَغْسِلُونَها عَنهُم» (مالك بن أنس، 1406ق، 2: 1001). في هذه الرواية، شبه عبد الله بن الأرقم الصدقة بماء غسل به الإنسان عورته واختلط به. سند هذه الرواية ينتهي بعبد الله بن الأرقم وليس برسول الله (ص)، مما يدل على أنها رأي شخصي له وليست حديثاً أصلاً.
10-2. الحديث العاشر
«عن مالك : أَنَّه بَلَغَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَة لآلِ مُحمدٍ إِنَّما هِي أَوْسَاخُ النَّاسِ» (مَالک بن أنس، 1406ق، 2: ح 1000): لا تحل الزكاة لآل محمد إنما هي أوساخ الناس.
سند الحديث مرسل، لأن مالك بن أنس نسبه إلى رسول الله (ص) دون أي واسطة.
11-2. الحديث الحادي عشر
في بعض المصادر، يُذكر أن منشأ هذه الروايات هو طلب العباس بن عبد المطلب وآخرين من بني هاشم من رسول الله (ص) العمل في جمع الزكاة، وجوابه السلبي لهم بسبب كونها أوساخاً (السجستاني، بلا تا، 3: 147).
سند الرواية المذكور «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ابْنِ نَوْفَلِ الْهَاشِمِيُّ، أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ، وَعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ» صحيح من وجهة نظر أهل السنة (نفسه). ولكن من وجهة نظر الشيعة، فهو ضعيف سنداً لوجود أشخاص مثل ابن شهاب الزهري.
3. دراسة ونقد الآراء
1-3. الرأي الأول
في هذا الرأي، ضمن ترجمة كلمة «أوساخ» إلى القذارة والنجاسة، يُعتبر تخصيص الخمس لبني هاشم بدلاً من الزكاة كرامة لهم، ويُعد كون الصدقة وسخاً وحرمتها على بني هاشم مسألة قطعية لتصريح الأحاديث الشيعية والسنية بها (خيراللهي، 1387ش، 116-126).
في نقد هذا الرأي، مع التغاضي عن سند هذه الروايات، يجب القول: إذا كانت «أوساخ» بمعنى القذارة، ومُنِع بنو هاشم منها بسبب قرابتهم برسول الله (ص) لكون الزكاة قذرة ونجسة، فإننا نواجه الإشكالات التالية:
أ) تعارض مضمون الروايات مع آيات القرآن
حمل مضمون هذه الأحاديث يتعارض مع آيات مختلفة من القرآن، منها:
1. في آيات القرآن، نُفي أي تفاضل بين البشر على أساس العرق، الأرض، لون البشرة، الثروة، وغيرها، وجُعل معيار التفاضل الوحيد هو «التقوى». وهذا يتعارض مع تخصيص امتياز لأقارب رسول الله (ص) لمجرد القرابة: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات: 13).
2. يذكر الله تعالى في آية الكرامة الشخصية السامية للجنس البشري والمواهب الإلهية الممنوحة له: «وَ لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَ فَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا» (الإسراء: 70). الكرامة في هذه الآية تتعلق بحقيقة الإنسان ولا تختص بشخص معين، وهي تعبر عن الكرامة الذاتية للجنس البشري (جوادي آملي، 1366ش، 62). بمعنى أن الله تعالى خلق ذات الإنسان كريمة ونبيلة، لكي لا يلوث جوهره بسهولة ولا يبيع نفسه بثمن بخس. بناءً على هذا، تشمل الكرامة الذاتية السادة وغير السادة جميعاً. لذا، فإن هذه الآية تتعارض مع فكرة أن الله يكرم بعض الناس بمجرد الفقر ليقتاتوا من النجاسات، ويكرم مجموعة أخرى بمجرد القرابة بالنبي (ص) ليقتاتوا من الطيبات. بناءً على هذا، يمكن القول إن الله تعالى لم يرد أبداً كرامة فئة من الناس (بني هاشم، أهل البيت، إلخ) على حساب إذلال الآخرين.
3. وفقاً لآيات القرآن الكريم، كل ما هو طاهر يختص بذات الله تعالى، والطاهرات (من الأعمال والنيات) تصعد إليه، والله تعالى هو المتلقي لها: «مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ» (الفاطر: 10). كذلك، يعرّف القرآن الكريم الله تعالى بأنه متلقي الصدقات: «أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَ أَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (التوبة: 104). من مجموع محتوى الآيتين، يمكن استنتاج أنه من المحال أن يتلقى الله شيئاً قذراً ونجساً، وهذا يتعارض مع كون الصدقات قذرة ونجسة.
4. في بعض آيات القرآن، يُعرّف رسول الله (ص) أيضاً، مثل الله سبحانه، بأنه متلقي الصدقات: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنْ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم» (التوبة: 103).
5. وفقاً لبعض آيات القرآن، الصدقة هي عامل للطهارة والتزكية، فكيف يمكن لشيء هو نفسه مطهر أن يكون قذراً ونجساً؟ «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا …» (التوبة: 103).
6. يأمر القرآن الكريم المؤمنين بالاقتيات من الطيبات واجتناب الخبائث، وهذا الأمر يتنافى مع قذارة ونجاسة الزكاة وجوازها للفقراء من المؤمنين: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ» (البقرة: 172). «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ» (الأعراف: 157).
7. ينسب الله تعالى في القرآن إهلاك الربا ونماء الصدقات كليهما إلى نفسه: «يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم» (البقرة: 276). بناءً على هذه الآية، فإن مقابلة «يَمْحَقُ … الرِّبَا» بـ«يُرْبِي الصَّدَقَاتِ» ونهاية الآية «وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ …» تثبت طيبة الصدقات.
ب) التعارض المتني لروايات «الصَّدَقَةُ من أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ»
اختلاف العبارات في الأحاديث المذكورة آنفاً هو على نحو يكشف التحليل المحتوائي عن اضطراب في المتن ووجود تعارض بينها. على سبيل المثال، في بعض الروايات، يتم التأكيد على حرمة الصدقات على رسول الله (ص) والأئمة (ع) من بعده، مع استثناء سائر بني هاشم من الحكم المذكور، وفي البعض الآخر، يشمل الحكم جميع بني هاشم، وفي بعض الحالات، يُذكر الحكم فيما يتعلق بـ«بني عبد المطلب».
2-3. الرأي الثاني
يرى السيد الرضي في توجيه تعبير أوساخ الزكاة أنه نوع من المجاز، ويوضح في بيان هذا التوجيه أنه عندما يُفصل مال كزكاة عن سائر الأموال، فإن هذا الفصل يؤدي إلى طهارة سائر الأموال، مثل الماء الذي يزيل النجاسات ولكنه يتنجس هو نفسه في عملية التطهير. أو لأنه غالباً ما يدفع الناس زكاة أموالهم من أقلها قيمة لا من أفضلها، لذا، من باب المجاز، عُبر عن الزكاة بأوساخ أيدي الناس (السيد الرضي، 1422ق، 390).
على الرغم من أن السيد الرضي لم يقدم أي استشهاد لإثبات رأيه، إلا أنه يبدو أن رأيه يتوافق أو مستمد نوعاً ما من رواية زيد بن أرقم (مالك بن أنس، 1406ق، 2: 1001) التي ثبت في محلها أنها رأي شخصي لزيد وليست رواية. من جهة أخرى، ربما يكون توجيه السيد الرضي مستمداً من آية 103 من سورة التوبة، حيث يقول الله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها». في هذه الحالة، يجب القول إن التطهير والتزكية في هذه الآية يتعلقان بروح دافع الزكاة وليس بأمواله. ثانياً، هل كانت الأموال الأصلية نجسة لتطهر بفصل الزكاة عنها وتنتقل نجاساتها إلى الزكاة؟ لذلك، يمكن استنتاج أن توجيه السيد الرضي لا يخلو من إشكال، إذ لا يوجد وجه شبه بين الزكاة والغسالة لكي يُراد به المجاز.
كما أن هذا الاستدلال القائل بأن الزكاة هي أوساخ مجازاً لأنها تُدفع من أقل الأموال قيمة، يستلزم أن الزكاة ليست أوساخاً في الحقيقة. وبعبارة أخرى، لازم هذا الرأي هو أنه بتصحيح رؤية المؤمنين ودفعهم الزكاة من أفضل أموالهم، يجوز أخذها لأهل البيت (ع) دون إشكال؛ بينما حرمة الزكاة على أهل البيت (ع) لم تُشترط بأي شرط.
3-3. الرأي الثالث
خلافاً للرأيين السابقين، يسعى هذا الرأي إلى تحديد العلة الأصلية لمنع الصدقة على بني هاشم. وفقاً لهذا الرأي، فإن المقصود بـ«أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ» هو كدح الناس، وحرمة الصدقات على بني هاشم ليست بسبب نجاسة أموال الصدقات أو اختلاف طبيعة بني هاشم أو امتيازات نسبية، بل هو تدبير حكيم من النبي (ص) لإزالة أي شائبة أو شبهة منفعة في ثقافة القبائل العربية. لم يستعن النبي (ص) بأي من الهاشميين الذين أسلموا في فتح مكة أو لم تكن لهم سابقة في الإسلام في أي منصب. وكان منع الصدقات لا يقتصر على الاستهلاك فقط، بل منع النبي (ص) أي ارتباط لبني هاشم بمسألة الصدقات (باصري، 1399ش، 14).
من وجهة نظر أنصار هذا الرأي، فإن تركيب «أَوْسَاخُ النَّاسِ» الذي ورد في المصدر الأول بهذا الشكل، وفي المصادر اللاحقة بصيغة «أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ» مرة واحدة فقط في الرد على الهاشميين الذين طلبوا العمل في الصدقات والاستفادة منها، يمكن أن يشير إلى كراهة أو شبهة كانت موجودة من جانب دافعي الصدقات والزكاة، خاصة أعراب البادية، بسبب عدم معرفتهم الكافية بحكمة الصدقة والزكاة. وكون هذه الأموال «وسخ أيدي الناس» يمكن أن يعني أن الأعراب كانوا يتضايقون من دفع هذه الأموال التي اكتسبوها بجهد ومشقة بالغة، أو كانوا يكرهون ذلك. على أي حال، لا يمكن أن تعني «أوساخ الناس» نجاسة المال الذي تعلق به الصدقة (نفسه، 24).
على الرغم من أن جهد صاحب هذا الرأي في كشف علة هذا التمييز جدير بالثناء، إلا أنه بصرف النظر عن تجاهل الإشكالات السندية والاضطراب الموجود في الروايات ومضمونها، لم يُقدم وجه لترجمة أو فهم كلمة «أوساخ» بمعنى الكدح من مصادر اللغة وغيرها في هذا الرأي.
4-3. الرأي الرابع
على الرغم من أن هذا الرأي يتفق مع الرأي الثالث من حيث النتيجة، وكلاهما يعتبر تعبير «أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ» عن الزكاة يهدف إلى خلق تنفير لدى بني هاشم من العمل في الزكاة، إلا أنهما يختلفان في الأدلة المقدمة؛ لذا يُطرح كرأي رابع. بناءً على هذا الرأي، كان بنو هاشم يريدون تولي مسؤولية جمع أموال الزكاة، ليخصصوا لأنفسهم سهم «الْعَامِلِينَ عَلَيها». لذلك، ربما قال النبي الأكرم (ص) هذا القول لتنفير طباعهم وصرفهم عن فكرة جمع الزكاة وأكلها بشكل كلي (السيستاني، 1414ق، 1: 70؛ عابديني، 1378ش، 265-354).
يجيب هذا الرأي على إشكال اتهام النبي (ص) بمخالفة الواقع في تحريم الزكاة على بني هاشم وتحليل الخمس لهم، بتوضيح أن النبي (ص) لم يأمر بخلاف الواقع، لأن هناك فرقاً بين مال الزكاة ومال الخمس. في الزكاة الواجبة، يتملك المكلف أولاً المال، وبعد تملكه وحيازته لمدة عام، يُكلف بدفع جزء منه كزكاة. لذا، في البداية يكون المال ملكاً له ثم يُؤمر بإعطاء الزكاة، ولهذا السبب، لا يعطيها البعض برغبة وطيب نفس… أما مال الخمس، الذي هو في الأساس غنيمة من الكفار، فيقسم إلى خمسة أقسام، قسم منه هو الخمس والباقي يوزع على المحاربين. لذا، فإن النظرة الاجتماعية لمال الزكاة المفصول من ممتلكات الناس ومال الخمس المفصول قبل التوزيع، مختلفة. ولم يكن النبي الأكرم (ص) يريد لبني هاشم أن يستفيدوا من الزكاة إلى هذا الحد، حتى لا يخطر ببال أحد أنه أصبح نبياً وشكل حكومة ووضع قوانين ليعتني بأقربائه (عابديني، 1378ش، 265-354).
في نقد هذا الرأي يمكن القول: هل لم يكن بإمكان رسول الله (ص) بطريقة أخرى أن يُفهم بني هاشم أن هذا العمل ليس في مصلحتهم، وهل كان الطريق الوحيد هو التعبير عن الزكاة بالقذارة والنجاسة لخلق التنفير لديهم؟ كذلك، فإن ادعاء الكاتب في الفرق بين الخمس والزكاة يكون صحيحاً فقط إذا كان الخمس يتعلق بالغنائم فقط، بينما وفقاً للمباني الشيعية، يتعلق الخمس بأرباح المكاسب أيضاً، وكمبلغ فائض عن الدخل والمصاريف، يُدفع مثل الزكاة بعد مرور عام وهو في ملكية المالك. لذا، فإن تبرير الكاتب لا يخلو من إشكال.
4. الرأي المختار
إن دراسة الروايات التي تحكي عن قذارة ونجاسة الزكاة واستبدال الخمس بها لبني هاشم (كما تم بحثه في المباحث السابقة) تواجه إشكالات من حيث السند (عدم وثاقة الرواة أو الإرسال) وكذلك من حيث المحتوى (التعارض مع آيات القرآن الكريم وسائر الروايات).
في مقابل هذه الروايات، توجد روايات تخلو من هذه الإشكالات. في هذه الروايات، أولاً: استبدال الخمس بالزكاة يخص أهل البيت (ع) فقط ولا يشمل سائر بني هاشم. ثانياً: هذا الأمر أيضاً ليس بسبب قذارة ونجاسة الزكاة أو قرابتهم من الرسول (ص). وكمثال، يمكن الإشارة إلى الروايات التالية:
أ) «… قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ وَأُمِرْنَا بِإِسْبَاغِ …» (علي بن موسى الرضا، 1406ق، 46): نحن أهل البيت لا تحل لنا الصدقة، وأُمرنا أن نكون دائماً على وضوء.
الحديث المذكور نقله أحمد بن عامر عن الإمام الرضا (ع) وهو بدوره عن أجداده الطاهرين وعن رسول الله (ص). مجموعة الروايات المنقولة عن أحمد بن عامر عن الإمام الرضا (ع) تُعرف بصحيفة الإمام الرضا (ع) وهي موثقة من قبل الرجاليين المتقدمين من الشيعة، النجاشي (النجاشي، 1365ق، 100). جد أحمد بن عامر من شهداء كربلاء (نفسه، 100). في هذا الحديث، الإمام الرضا (ع) ضمن تعريفه بنفسه كأهل البيت، حرم الصدقة عليهم.
ب) «الْعَيَّاشِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ع قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْنَا الصَّدَقَةَ أَبْدَلَنَا بِهَا الْخُمُسَ فَالصَّدَقَةُ عَلَيْنَا حَرَامٌ وَ الْخُمْسُ لَنَا فَرِيضَةٌ وَ الْكَرَامَةُ لَنَا حَلَالٌ» (العياشي، 1380ق، 2: 64): روى العياشي في تفسيره بسنده عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: إن الله الواحد الأحد لما حرم علينا الصدقة أبدلنا بها الخمس، فالصدقة علينا حرام، والخمس لنا فريضة، والكرامة لنا حلال.
حول رجال هذه الرواية يجب القول: محمد بن مسعود العياشي من الثقات الذين وُصفوا في مصادر الرجال الشيعية بأوصاف مثل جليل القدر، واسع الأخبار، وبصير بالرواية (الطوسي، 1420ق، 396). عيسى بن عبد الله العلوي، على الرغم من عدم وجود وصف له في كتب الرجال المتقدمة، إلا أن رواية الشيخ الصدوق والعياشي والبرقي عنه تدل على حسنه وكماله (النمازي الشاهرودي، 1405ق، 6: 166). عبد الله بن فضل العلوي، والد عيسى بن عبد الله، من تلاميذ الإمام الصادق (ع) ومن الرواة الثقات وله كتاب (النجاشي، 1365ق، 223).
بناءً على ما سبق، هذا الحديث لا إشكال فيه من حيث السند، ومن حيث المحتوى، دون التعبير عن الزكاة بالأوساخ، تم التأكيد على حرمة الزكاة على أهل البيت (ع) وليس كل بني هاشم، وجُعل الخمس بديلاً لها. في هذه الرواية، عُلِّل هذا الأمر بـ«كرامة» الأئمة (ع).
من مقابلة الصدقة بالخمس في هذه الرواية وذكر «الكرامة» للخمس، يُستفاد أن في الخمس كرامة ليست في الزكاة (لا أن الزكاة قذرة)، وأن منع الزكاة عن أهل البيت هو لكي لا يقعوا في مذلة.
توضيح ذلك أن أهل البيت (ع) الذين بلغوا مقام العصمة وبعد رسول الله (ص) هم سراج هداية البشرية، يجب أن تكون لديهم موارد اقتصادية لكي يستخدموها في نشر الدين الإلهي. ونظراً لأن المصرف الرئيسي للزكاة هم الفقراء ودفعها لهم يرافقه نوع من الترحم، فإن الله سبحانه باستبدال الخمس بالزكاة، الذي هو حق في أصل المال لله والرسول وأهل البيت، لم يدع أهل البيت في موضع الذل والفقر وترحم الآخرين.
بناءً على ما سبق، لا تُعتبر حرمة الصدقات امتيازاً لبعض أقارب النبي (أهل البيت)، لأن علة هذا الأمر ليست قرابتهم بالنبي، بل مكانتهم وشأنهم الذي كانوا يتمتعون به. أما سائر بني هاشم، فليس لديهم ميزة خاصة تجعلهم مستثنين من أخذ الزكاة مثل أهل البيت، ومجرد القرابة برسول الله (ص) لا توجب امتيازاً خاصاً. وهذا عدم الاستثناء يتوافق مع الآيات القرآنية التي تنص على أن معيار الكرامة بين العباد هو التقوى وليس المسائل القومية والعرقية (الحجرات: 13).
1-4. بنو العباس وعنوان «أهل البيت»
يبدو أن بني العباس، لتبرير حكمهم الظالم شرعاً، ولتمييز أنفسهم عن سائر الناس، وجذب منافع الخمس بالنظر إلى الفتوحات والغنائم الهائلة، قد أحدثوا تغييرات في هذه الروايات مثل «توسعة» مفهوم أهل البيت وذي القربى، وإظهار الزكاة كـ«أوساخ»، وتخصيص الخمس لـ«بني هاشم».
أ- التوسعة في مفهوم أهل البيت
«أهل البيت» و«آل محمد» لا يشملون إلا الأفراد الذين، مثل رسول الله (ص)، وصلوا إلى مقام العصمة وأصبحوا قادة هدى، وهؤلاء ليسوا إلا من ذُكروا في «آية التطهير» بهذا العنوان: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» (الأحزاب: 33). وفقاً لروايات الشيعة والسنة، المقصود بأهل البيت هم محمد، علي، فاطمة، الحسن، والحسين عليهم السلام.
وفقاً لرأي مفسري الشيعة وأهل السنة، المقصود بـ«أهل البيت» هو الإمام علي (ع)، السيدة الزهراء (س)، الإمام الحسن، والإمام الحسين (ع) (الطبري، 1420ق، 22: 5؛ ابن أبي حاتم، 1419ق، 9: 3131؛ الطبراني، 2008م، 5: 192؛ الثعلبي، 1422ق، 8: 42؛ الطبرسي، 1372ش، 8: 560؛ الطباطبائي، 1417ق، 16: 311؛ حسين بن علي (ع)، 1430ق، 1: 238-430).
مع ذلك، سعى بنو العباس إلى شمول مصاديق العنوان المذكور. وتعود جهودهم في توسيع مصاديق هذا العنوان إلى سنوات قبل وصولهم إلى الحكم. الحوار بين عبد الله بن عباس والخليفة الثاني شاهد على هذا الادعاء. ففي حوار عبد الله بن عباس مع الخليفة الثاني حول شأن الخلافة، استند إلى آية التطهير، وسعى إلى تعميم عنوان أهل البيت على جميع بني هاشم، بما في ذلك بني العباس: «… فَقالَ عُمر … يا ابنَ عَباسِ أَبَت قُلُوبُكُم يا بني هاشِمِ إِلَّا غِشًّا في أَمرِ قُريش لا يَزولَ وَ حِقْدًا عَلَيها لا يَحُول فَقالَ ابنَ عَباس مهلًا يا أمير المؤمنين لا تنسب هاشماً إلى الغش فَإِنَّ قُلُوبَهم مِنْ قَلبِ رَسولِ الله الذي طَهَّره اللهُ وَ زَكاه وَ هُم أَهْلَ الْبَيْتِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ تعالى لهم إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً …» (ابن أبي الحديد، 1404ق، 12: 54).
فيما بعد، نجحت أسرة بني العباس بشعار خادع «الرضا من آل محمد» (البلاذري، 1417ق، 4: 130) في خداع الناس والسيطرة على الحكم. ولم تكتف هذه الأسرة بالسيطرة على الحكم، بل حاولت من خلال الدعاية أن تظهر نفسها كوريث شرعي وحيد لرسول الله (ص)، حتى أنهم أنكروا أن الإمام الحسن (ع) والإمام الحسين (ع) من ذرية رسول الله (ص). وكان حكام بني العباس، ومنهم هارون الرشيد، يسعون دائماً، بالإضافة إلى التفاخر بانتسابهم إلى مقام الرسالة، إلى إنكار نسب الأئمة إلى النبي. فقال يوماً للإمام الكاظم (ع): كيف تدعون أنكم أبناء النبي وأنتم أبناء علي؛ فكل إنسان يُنسب إلى جده لأبيه، لا جده لأمه؟! وأثبت الإمام الكاظم (ع) بالاستناد إلى الآيات 84 إلى 86 من سورة الأنعام أن أبناء البنت يُعتبرون ذرية أيضاً. ففي الآيات المذكورة، يُذكر عيسى (ع) كذرية لإبراهيم، مع أنه ينتسب إليه عن طريق أمه (الصدوق، 1378ش، 1: 82).
ب- جعل روايات «أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ»
في مصادر أهل السنة، يرتبط الطرح الأولي لهذه الروايات بالعباس بن عبد المطلب. ففي كتاب سنن أبي داود، بعد ذكر روايات في مدح العباس بن عبد المطلب، ورد أن العباس وربيعة بن الحارث أرسلا ابنيهما الفضل وعبد المطلب إلى رسول الله (ص) ليطلبا منه أن يوليهما عمالة الزكاة، لكن النبي (ص) ضمن رده السلبي عليهما، اعتبر الزكاة وسخ أيدي الناس وقال إنها حرام على آل محمد. ثم أمر بتأمين تكاليف زواجهما من الخمس (السجستاني، بلا تا، 3: 147). في هذه الرواية، عُبر عن ابني العباس وربيعة بـ«آل محمد»، وعن الزكاة بوسخ أيدي الناس، وجُعل الخمس بديلاً لها.
بعد التوسعة في مفهوم أهل البيت، كان لإظهار الزكاة كقذارة ونجاسة وتحريمها على بني هاشم (كرامة لهم) دور كبير في تمييز بني العباس كعائلة حاكمة عن بني هاشم وإظهارهم كصفوة منفصلة عن سائر الناس. وكان هذا الأمر أيضاً غطاءً شرعياً مناسباً لظلمهم وذريعة لنهب أموال الخمس.
5. الاستنتاج
بالنظر إلى الدراسات حول روايات «الصَّدَقَةُ من أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ» التي تذكر قذارة ونجاسة الزكاة واستبدال الخمس بها لبني هاشم (كرامة لهم)، يمكن استخلاص النتائج التالية:
1- تظهر دراسة هذه الروايات وجود إشكال سندي في معظمها؛ إشكالات من قبيل: الإرسال، ضعف الراوي بسبب اتهامه بالغلو… والأحاديث الصحيحة سنداً، تتعارض من حيث المحتوى مع آيات من القرآن الكريم. آيات تعتبر الإنسان ذا كرامة ذاتية وتجعل أساس التفاضل بين البشر ليس العرق واللون والقرابة بالنبي (ص) وغيرها، بل مراعاة التقوى. وكذلك تتعارض مع الآيات التي تعبر عن الزكاة بالطيبات وتعرف الله ورسوله بأنهما آخذان لها، وتوصي المؤمنين، فقراء وأغنياء، بالاستفادة من الطيبات.
2- بالإضافة إلى هذه الروايات، توجد أحاديث لم تذكر فيها الزكاة كقذارة ونجاسة، ولم تحكم بتفضيل وكرامة جميع بني هاشم، بل منعت فقط أهل البيت (ع) من أخذ الزكاة؛ والسبب في ذلك هو مقام عصمة أهل البيت (ع) وحملهم لمشعل هداية البشرية بعد النبي (ص)، وضرورة أن تكون لديهم موارد اقتصادية يستخدمونها لنشر الدين الإلهي.
3- يبدو أنه نظراً لكون المصرف الرئيسي للزكاة هم الفقراء، ودفعها لهم يرافقه نوع من الترحم، فإن الله سبحانه باستبدال الخمس بالزكاة، قد أبعد أهل البيت عن موضع الذل والفقر وترحم الآخرين.
4- قام بنو العباس، من خلال التوسع في مصاديق عنوان «أهل البيت»، بتصوير أن المراد بـ«أهل البيت» هم جميع بني هاشم، ثم بوضع روايات تظهر الزكاة كقذارة ونجاسة وتحرمها على بني هاشم وتجعل الخمس بديلاً لها كرامة لهم، سعوا إلى تمييز أنفسهم كعائلة حاكمة من بني هاشم عن سائر الناس، ليكون هذا الأمر غطاءً شرعياً مناسباً لمظالمهم وخداع الناس ونهب سهم خمس الغنائم الذي كان، بالنظر إلى فتوحات ذلك العصر، مبالغ كبيرة.
الهوامش
1. الأستاذ المساعد بقسم علوم القرآن والحديث، مجمع الشهيد محلاتي العالي للتعليم، قم. البريد الإلكتروني: sharifi.abbas22@gmail.com
2. الأستاذ المساعد بقسم علوم القرآن والحديث، مجمع الشهيد محلاتي العالي للتعليم، قم (المؤلف المسؤول). البريد الإلكتروني: mohammadshahsanaiee@gmail.com
3. الأستاذ المشارك بقسم علوم القرآن والحديث، جامعة الفردوسي، مشهد. البريد الإلكتروني: esmaeelizadeh@um.ac.ir