الملخص
تُعَدُّ الخطبة الفدكية للسيدة الزهراء (عليها السلام) خطبةً أُلْقِيَت في مرحلة تاريخية حساسة بعد وفاة نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، لذا فإن دراسة مضامينها ومحتواها بأساليب البحث النصي يمكن أن تسفر عن نتائج مهمة. في هذا البحث، وباستخدام منهج «تحليل المحتوى الموضوعي»، تم السعي لتحليل مضامين هذا النص التاريخي وتوجهاته، واستخلاص رؤى وأهداف السيدة الزهراء (عليها السلام) من خلال طرحها لموضوعات مختلفة في هذه الخطبة. تشير نتائج البحث إلى أنه خلافًا للافتراض الشائع والتقليدي في المجتمع بأن موضوع هذه الخطبة هو النزاع على ملكية فدك، فإن الهدف الرئيسي للسيدة الزهراء (عليها السلام) من إلقاء الخطبة كان حماية المجتمع الإسلامي من الفتن والأضرار المترتبة عليها؛ لذا، نصف الخطبة يتناول دراسة العلل وعرض مواطن الضعف في المجتمع المسلم، والجزء الثاني يقدم سبل الخروج من تلك الآفات. وتُعَدُّ عوامل مثل تيار النفاق، وانعدام البصيرة وعدم اهتمام الناس بمسؤولياتهم في المجتمع الإسلامي، والتغافل عن التعاليم القرآنية، والنزعة نحو الرفاهية من أهم الآفات التي ابتلي بها المجتمع في تلك الحقبة التاريخية. ويتم تقديم العودة إلى الثقلين، وإعادة النظر في الخطاب النبوي، والعودة إلى التوحيد، والالتزام بالقوانين الفردية والاجتماعية كحلول للخروج من تلك المعضلات. ومن النتائج المهمة الأخرى التي توصل إليها هذا البحث باستخدام منهج تحليل المحتوى، اكتشاف نموذج دراسة المشكلات لدى السيدة الزهراء (عليها السلام)، والذي تم شرح تفاصيله ومخططه في المقال.
1. طرح المسألة
الخطبة الفدكية للسيدة الزهراء (عليها السلام) هي خطبة ألقتها احتجاجًا على الأحداث التي وقعت بعد وفاة نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي تعبر عن القضايا والحوادث التي جرت في ذلك السياق التاريخي. وقد روى هذه الخطبة 92 راويًا، من أبرزهم: زينب الكبرى (عليها السلام)، الإمام الحسين (عليه السلام)، الإمام الباقر (عليه السلام)، عائشة، ابن عباس، عبد الله بن الحسن، أبو هشام، أبو عوانة، وعطية العوفي (راجع: آذربادگان، 1381 هـ.ش، 65). كما ورد نص هذه الخطبة في العديد من المصادر الحديثية والتاريخية الشيعية والسنية، تارةً بشكل كامل وتارةً بشكل جزئي. على سبيل المثال، في كتابي «من لا يحضره الفقيه» (الصدوق، د.ت، 3: 568) و«علل الشرائع» للشيخ الصدوق (1385 هـ.ق، 1: 289)، ورد نص الخطبة كاملاً.
وفي كتب حديثية أخرى مثل: «الاحتجاج» (الطبرسي، 1403 هـ.ق، 1: 131)، و«الشافي في الإمامة» (السيد المرتضى، 1410 هـ.ق، 4: 69-76)، و«دلائل الإمامة» (الطبري، 1413 هـ.ق، 109-122)، و«الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف» (ابن طاووس، 1399 هـ.ق، 263-264)، و«كشف الغمة في معرفة الأئمة» (الإربلي، د.ت، 2: 32)، نُقلت الخطبة الفدكية. ومن بين محدثي الشيعة المتأخرين، نقل العلامة المجلسي الخطبة بطرق عديدة من مصادر مختلفة في «بحار الأنوار» (المجلسي، 1403 هـ.ش، 29: 215 وما بعدها).
ومن أهم مصادر أهل السنة التي نقلت الخطبة الفدكية يمكن الإشارة إلى «المنثور والمنظوم» (ابن طيفور، د.ت، 22) و«السقيفة وفدك» (الجوهري، د.ت، 1: 140). بالإضافة إلى نقل الخطبة، قام الكثيرون بشرح مفاهيمها ومتنها، مثل: «شرح خطبة اللمة» لابن عبدون (423 هـ.ق)، و«الروضة الزهراء في تفسير خطبة الزهراء» لأحمد بن محمد الخزاعي النيسابوري (القرن الخامس)، و«كشف المحجة في شرح خطبة اللمة» للعلامة السيد عبد الله شبر (1242 هـ.ق)، و«اللمعة البيضاء» لمحمد علي بن أحمد قراجه داغي التبريزي (1310 هـ.ق) و«الدرة البيضاء» تأليف محمد تقي بن سيد ابن إسحاق القمي (1344 هـ.ق) (راجع: ژيان، 1398 هـ.ش، 13-15).
بما أنه قد أُجريت في السابق أبحاث مفصلة في مجال التحقق من سند الخطبة الفدكية وتم تأكيد اعتبارها، وبما أن الهدف الرئيسي لهذا البحث هو تحليل محتوى الخطبة، فقد تم الاقتصار على متن هذه الخطبة كمجتمع إحصائي لهذا التحقيق. وتجدر الإشارة إلى أن النظرة الجزئية هي إحدى المعضلات التي وقعت فيها العديد من الأبحاث التي أُجريت حول الخطبة الفدكية، حيث تم التركيز على جزء من الخطبة وإغفال الأجزاء الأخرى. هذه المسألة تؤدي إلى عدم وضوح الروح العامة الحاكمة على الخطبة والهم الأساسي للمتحدثة. فهل كان الهدف الرئيسي للسيدة الزهراء (عليها السلام) من إلقاء هذه الخطبة هو النزاع على ملكية فدك؟ أم كان هدفها الاعتراض على السياسات التي اتُّبعت بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبل الخليفة والناس؟
في هذا البحث، نعتزم باستخدام منهج تحليل المحتوى وتقنية «تحليل المحتوى الموضوعي»1، تحليل مضامين ومقولات متن الخطبة الفدكية، واستخلاص التوجهات والمقولات الحاكمة على النص، ومن ثم تبيين الأهداف المعلنة والخفية للسيدة الزهراء (عليها السلام) من طرح الخطبة في تلك الظروف التاريخية الحساسة.
إن دراسة تاريخ البحث والفجوات الموجودة في الدراسات المنجزة، يبرر أكثر من أي وقت مضى إعادة تناول الخطبة الفدكية باستخدام أساليب البحث متعددة التخصصات والمتمحورة حول النص. الكتب التي أُلفت حول الخطبة الفدكية ركزت في معظمها على ترجمة وشرح هذه الخطبة، أو تناولتها من منظور تاريخي، مما جذب نسبة قليلة من القراء بسبب حجمها الكبير وصعوبة كتابتها. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى كتاب «شرح خطبة حضرت زهرا (س)» (حسيني زنجاني، 1391 هـ.ش) و«بندگي راز آفرينش» (دستغيب، 1398 هـ.ش) اللذين تناولا شرح وترجمة الخطبة. كما أن كتبًا مثل «أسرار فدك» (أنصاري ورجايي، 1376 هـ.ش) و«فدك في التاريخ التشيع والإسلام» (صدر، 1380 هـ.ش) قد تناولت قضية فدك من منظور تاريخي.
في رسالة علمية بعنوان «روابط بينامتني خطبههاي حضرت زهرا (س) با قرآن كريم» (العلاقات البينية لخطب السيدة الزهراء (ع) مع القرآن الكريم)، تم التركيز فقط على الجوانب القرآنية من الخطبة (معتمد لنگرودي، 1394 هـ.ش). وفي مقالات مثل «نكاتي درباره فلسفه احكام شرعي با نگاهي به خطبه فدكيه» (رهبر، 1384 هـ.ش)، و«ساختار توحيد در خطبه فدكيه و نقش آن در اصلاحات انحرافات سياسي و اجتماعي» (معارف، 1393 هـ.ش)، و«گونهشناسي استشهادهاي قرآني خطبه فدكيه» (نيل ساز و بابا احمدي، 1395 هـ.ش)، تم التركيز فقط على بعض المواضيع المطروحة في الخطبة، مع إغفال دراسة الروح العامة الحاكمة عليها.
بما أن هذا البحث يستخدم منهج «تحليل المحتوى»، فإننا سنقدم تعريفًا موجزًا له. يعتقد لورنس باردن2، أحد منظري مجال مناهج البحث، أن تحليل المحتوى ليس مجرد أداة أو وسيلة، بل هو مجموعة من الفنون لتحليل الاتصالات ومجموعة من الأدوات التي تتنوع في أشكالها وتتكيف مع مجال واسع من التطبيقات في حقل الاتصالات (باردن، 1374 هـ.ش، 24). كما يعتبر كرييبندورف3 تحليل المحتوى تقنية بحثية لاستنباط بيانات قابلة للتكرار وذات مصداقية من خلال تحليل النصوص، ويهدف إلى تحليل النص، مثله مثل جميع التقنيات البحثية الأخرى، لتوفير المعرفة والبصيرة وتصوير الواقع وتوجيه العمل (كرييبندورف، 1387 هـ.ش، 81).
في مختلف الأبحاث التي استخدمت منهج تحليل المحتوى لفهم النصوص، خاصة النصوص الدينية، جرت محاولات لتوطين هذا المنهج لخدمة فهم النصوص الدينية. على سبيل المثال، ذكر عترت دوست في أبحاثه تقنيتين هما «تحليل المحتوى الموضوعي» و«تحليل المحتوى المقولاتي»، ولكل منهما وظائف خاصة في فهم بنية النص وطبقاته الخفية بشكل كامل وصحيح (راجع: عترت دوست، 1398 هـ.ش، 291-320؛ عترت دوست و همكاران، 1399 هـ.ش، 99-128).
في البحث الحالي، تم اختيار تقنية «تحليل المحتوى الموضوعي» من بين مختلف فنون تحليل المحتوى؛ لأن هذا النوع من تحليل المحتوى يهدف إلى قياس الخصائص النفسية للأفراد، ويُجرى عادةً لأهداف مسحية أو اختبارية، وبدلاً من استخدام المقاييس والمؤشرات ذاتية التنفيذ، يتم تقييم مضامين الرسائل. من وجهة نظر سميث4، فإن تحليل المحتوى الموضوعي هو ترميز للمحتوى أو أسلوب الرسائل بهدف تقييم خصائص أو تجارب الأفراد أو الجماعات أو الفترات التاريخية (نئوندورف، 1395 هـ.ش، 192).
في فن تحليل المحتوى الموضوعي، وعلى عكس أساليب التحليل المعتادة، لا يكون الترميز من النوع المغلق؛ أي لا تُستخدم نماذج ثابتة ومحددة مسبقًا؛ بل يبدأ التحليل من النص نفسه، حيث يقوم الباحث بدراسة النص دون أي افتراضات مسبقة ويسجل ما يستنبطه مباشرة من النص. بعد تفكيك النص وتقطيعه بناءً على البنية المحتوائية (الموضوعية)، يقوم الباحث بالكشف عن مضامين النص، ثم بعد الترميز، يمكنه قياس تواتر مضامين النص عن طريق تصنيف المضامين المستخرجة. في المرحلة التالية، وبناءً على نتائج التحليلات الكمية، ينتقل الباحث إلى التحليلات الكيفية والوصفية وتفسير النتائج، وفي النهاية يقوم بالنمذجة وتقديم النتيجة (عترت دوست و احمدي، 1400 هـ.ش، 69-94).
فيما يلي جزء من جدول تحليل محتوى الخطبة حيث تم إدراج المضامين المستخرجة من كلام السيدة الزهراء (عليها السلام) برموز (F)، وأبو بكر (A)، والراوي (R).
بعد إكمال جدول تحليل المحتوى، تم إحصاء كمي للمضامين الرئيسية وتوجهات كلام السيدة الزهراء (عليها السلام) وأبي بكر، وفي قسم التحليل الكيفي، تم تصنيف المضامين الفرعية واستخراج ثلاث مقولات: «دراسة علل المجتمع الإسلامي»، و«حلول الخروج من الآفات»، و«قضية فدك»، وتم شرح وتوسيع المضامين. في هذه المقالة، سيتم تناول قسم الآفات وحلول الخروج منها في كلام السيدة الزهراء (عليها السلام) فقط، وسيتم تبيين مضامينها ومحتواها.
2. دراسة علل المجتمع الإسلامي من منظور السيدة الزهراء (عليها السلام)
تؤكد نتائج التحليلات الكمية لخطبة فدكية ومخطط قياس التواتر لتوجهات كلام السيدة الزهراء (عليها السلام) أن الهاجس الرئيسي للسيدة في الخطبة كان زيادة بصيرة الناس تجاه الآفات التي ابتلي بها المجتمع الإسلامي بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). حوالي 49% من مضامين الخطبة في الجزء المتعلق بكلام السيدة الزهراء (عليها السلام) مخصص لبيان آفات المجتمع الإسلامي وعواقبها. بالطبع، لم تكتفِ السيدة بدراسة الآفات فحسب، بل قدمت أيضًا حلولًا للخروج منها. وقد عرضت الآفات وحلولها بشكل متوازن، حيث خُصص لهذا القسم أيضًا 47% من محتوى الخطبة. والملاحظة المثيرة للاهتمام هي أن 4% فقط من محتوى الخطبة يتعلق بموضوع فدك، لذا فإن التصور بأن الموضوع الرئيسي لهذه الخطبة هو قضية فدك هو تصور غير واقعي تمامًا. المخطط التالي يوضح هذه الإحصائيات ليقدم للقارئ فهمًا أفضل للمحتوى الكلي لخطبة السيدة الزهراء (عليها السلام):
(وصف المخطط البياني رقم 1: سنجش فراوانی جهت گیریهای خطبه حضرت زهرا (س))
المخطط عبارة عن رسم بياني دائري يوضح توزيع توجهات الخطبة. ينقسم إلى ثلاثة أجزاء: 49% مخصص لـ«آسیبشناسی جامعه اسلامی» (دراسة علل المجتمع الإسلامي)، و47% مخصص لـ«ارائه راهکار» (تقديم الحلول)، و4% فقط مخصص لـ«فدک».
تتناول السيدة الزهراء (عليها السلام) في بحثها عن علل المجتمع الإسلامي في تلك الحقبة التاريخية الخاصة، خمس آفات بالغة الأهمية بتفاصيلها، والتي سيتم بيانها بالتفصيل فيما يلي:
1-2. تيار النفاق
من أهم الآفات التي ابتلي بها المجتمع الإسلامي، النفاق، والذي أوضحته السيدة الزهراء (عليها السلام) جيدًا في خطبتها من خلال تبيين أبعاده المختلفة. النفاق في كلام السيدة ليس تيارًا يظهر فجأة، بل له خلفية تاريخية تعود إلى زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). ولهذا السبب، تقول السيدة في جزء من كلامها: «حَتَّى تَفَرَّى اللَّيلُ عَنْ صُبْحِهِ وَ أَسْفَرَ الْحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ وَ نَطَقَ زَعِيمُ الدِّينِ وَ خَرِسَتْ شَقَاشِقُ الشَّيَاطِينِ وَ طَاحَ وَشِيظُ النَّفَاقِ»؛ حتى انهزم جمعهم وفروا من الميدان، إلى أن أشرق فجر الإسلام من أفق الشرك المظلم وظهر وجه الحق الناصع، ونطق زعيم الدين، وخرست أصوات الشياطين، وهلك سفلة المنافقين. من منظور السيدة الزهراء (عليها السلام)، استمر تيار الفتنة في نشاطه الخفي وظهر في الوقت المناسب: «فَلَمَّا اخْتَارَ اللَّهُ لِنَبِيهِ دَارَ أَنْبِيَائِهِ وَ مَأْوَى أَصْفِيائِهِ ظَهَرَ فِيكُمْ حَسَكَةُ النِّفَاقِ»؛ عندما اختار الله لنبيه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه، ظهرت فيكم شوكة النفاق التي كانت كامنة في القلوب.
وللتنبيه على خطر تغلغل النفاق في المجتمع، تناولت السيدة الزهراء (عليها السلام) أيضًا مصاديق النفاق، وعرضت بعض هذه المصاديق التي منها:
أ- عدم تمني الخير لمجاهدي الإسلام في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «تَتَرَبَّصُونَ بِنَا الدَّوَائِرَ وَ تَتَوَكَفُونَ الْأَخْبَارَ»؛ كنتم تنتظرون هلاكنا بهدوء وراحة بال، وتترقبون أخبار سقوط مجاهدي الإسلام.
ب- العمل المنافق لرؤوس الفتنة في غصب الخلافة، الذين كانوا في الظاهر يتظاهرون بالإسلام، ولكن في الباطن كانوا يفكرون في مصالحهم الخاصة والاستفادة من الخلافة: «تَشْرَبُونَ حَسْواً فِي ارْتِغَاء»؛ بحجة أخذ الرغوة من على اللبن، شربتموه كله خفية.
ج- التجهم والعبوس تجاه أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته: «تَجَهَّمَتْنَا رِجَالٌ مُعْتَصَبٌ»؛ واجهنا أناس عابسون.
د- المؤامرات السرية ضد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته: «وَ تَمْشُونَ لِأَهْلِهِ وَ وُلْدِهِ فِي الْخَمْرَةِ وَ الضَّرَاءِ»؛ كنتم تكمنون لأهله وأولاده خلف التلال والأشجار.
الجزء الآخر من بيان السيدة الزهراء (عليها السلام) حول تيار النفاق، يتناول عواقبه وآثاره في المجتمع الإسلامي. تشير السيدة في خطبتها إلى إثارة الفتن والاختلافات والعداوات في المجتمع كجزء من آثار تيار النفاق، وتقول: «وَطَاحَ وَشِيظُ النَّفَاقِ وَ انْحَلَّتْ عُقَدُ الْكُفْرِ وَ الشَّقَاقِ»؛ وهلك سفلة المنافقين وتلاشت روابط الكفر والخلاف. وقد شبهت السيدة الفتن بالنار التي تنتشر بقوة إلى مناطق أخرى، وتدمر المجتمع وتدفعه نحو الهلاك: «ثُمَّ أَخَذْتُمْ تُورُونَ وَقْدَتَهَا وَ تُهَيجُونَ جَمْرَتَهَا»؛ أشعلتم نار الفتن وأججتم جمرها لتزداد اشتعالاً.
ولبيان قبح إثارة الفتن في المجتمع الإسلامي، تعتبر السيدة الزهراء (عليها السلام) إثارة الفتن بمثابة الكفر، وتتوعد مثيري الفتن بنار جهنم: «أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ»؛ اعلموا أنكم سقطتم في الفتنة، وأن جهنم لمحيطة بالكافرين.
ومن الآثار الأخرى لإثارة الفتن في المجتمع الإسلامي التي تشير إليها السيدة، غصب حقوق أهل البيت (عليهم السلام). وتشمل هذه الحقوق غصب خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحق إرث السيدة الزهراء (عليها السلام). والملاحظة المثيرة للاهتمام أن الخلفاء كانوا يدّعون أن غصب خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان لمنع الفتنة، ولكن السيدة الزهراء (عليها السلام) اعتبرته مصداقًا عينيًا للفتنة: «زَعَمْتُمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ» مما ترتب عليه عواقب مثل بلى ثوب الدين: «وَ سَمَلَ جِلْبَابُ الدِّينِ» وانطفاء أنواره: «وَ إِطْفَاءِ أَنْوَارِ الدِّينِ الْجَلِي».
2-2. تقصير الناس في أداء مسؤولياتهم
من الآفات الأخرى التي تشير إليها السيدة الزهراء (عليها السلام) كأحد أهم عوامل وقوع الأحداث المأساوية بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، هو انعدام البصيرة لدى الناس وتقصيرهم في أداء واجباتهم. لقد وبخت السيدة الناس في خطبتها بسبب تقصيرهم في أداء واجباتهم، ومن خلال تقسيم فئات المجتمع إلى عامة الناس وخواصهم، حاولت أن توضح مسؤوليات كل فئة على حدة، مع ذكر وجوه التمايز بينهما وتبيين مكانة وواجبات كل شريحة.
1-2-2. مكانة ومسؤوليات عامة الناس في كلام السيدة الزهراء (عليها السلام)
من منظور السيدة الزهراء (عليها السلام)، فإن أول شأنية للناس التي تجلب لهم المسؤولية هي عبودية الله تعالى، لذا تخاطب الناس في عدة مواضع بهذا العنوان قائلة: «أَنْتُمْ عِبَادَ اللَّهِ». وفي إطار عبودية الله، من شأنيات الناس الأخرى أن يكونوا مخاطبين بالأمر والنهي الإلهي، ومستفيدين من الوحي الإلهي وحملته، لذا وصفت عامة الناس بأنهم المخاطبون والمسؤولون المباشرون عن الأمر والنهي الإلهي، وأنهم حملة دين الله ووحيه من الأسلاف إلى الأخلاف: «نُصْبُ أَمْرِهِ وَ نَهْيهِ، حَمَلَةٌ دِينِهِ وَ وَحْيِهِ».
بعد تحديد المكانة العالية للناس في المجتمع الإسلامي، تبدأ السيدة ببيان المسؤوليات المتناسبة مع هذه المكانة، وتلقي بواجبات ثقيلة على عاتق الناس في المجتمع الإسلامي. إحدى هذه المسؤوليات هي حماية المجتمع الإسلامي من الآفات والانحراف والاعوجاج، لأن الله تعالى قد جعل هؤلاء الناس أمناء على وحيه، وأوكل إليهم مهمة تبليغ الدين إلى الأمم الأخرى: «وَ أُمَنَاءُ اللَّهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ بُلَغَاؤُهُ إِلَى الْأُمَمِ». هذه المسألة تشير إلى أن رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هي رسالة عالمية، وبالتالي فإن نشر دين الإسلام وتبليغه عالميًا يعد من أهم واجبات الناس في المجتمع الإسلامي من منظور السيدة الزهراء (عليها السلام).
2-2-2. مكانة ومسؤولية خواص المجتمع في كلام السيدة الزهراء (عليها السلام)
خواص المجتمع الإسلامي، بالإضافة إلى المسؤوليات العامة التي يتحملها عامة الناس، لديهم مسؤوليات أثقل بسبب شأنيتهم ومكانتهم الاجتماعية. ولهذا السبب، قامت السيدة الزهراء (عليها السلام) قبل بيان مسؤوليات الخواص، ببيان وجوه تمايزهم عن عامة الناس، لتقدم من خلال ذلك مؤشرات لتمييز الخواص في المجتمع الإسلامي. من منظور السيدة الزهراء (عليها السلام)، خواص المجتمع الإسلامي هم الأفراد ذوو السمعة والنفوذ: «يا مَعْشَرَ النَّقِيبَةِ»، والذين يُعتبرون عضد الأمة الإسلامية: «وَ أَعْضَادَ الْمِلَّةِ»، ويملكون قوة بشرية كافية: «وَ أَنْتُمْ ذَوُو الْعَدَدِ وَ الْعُدَّةِ»، ولديهم قدرة قتالية ودفاعية عالية: «وَ لَكُمْ طَاقَةٌ بِمَا أُحَاوِلُ وَ قُوَّةٌ عَلَى مَا أَطْلُبُ»، «وَ الْقُوَّةِ وَ عِنْدَكُمُ السّلاحُ وَالْجُنَّةُ»، ويُعتبرون حماة المجتمع الإسلامي: «وَ حَضَنَةَ الْإِسْلَامِ»، ويتمتعون بوعي أكبر من عامة الناس في المجتمع: «تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ وَ تَشْمَلُكُمُ الْخِبْرَةُ». الماضي المشرق، والشجاعة والجهاد في سبيل الله، والشجاعة والخيرية والصلاحية، ومكانة النخبة والولاء في الماضي هي من الأسباب الأخرى التي تجعل جزءًا من أفراد المجتمع يُحسبون من خواص المجتمع الإسلامي.
ما يظهر بوضوح في كلام السيدة هو التلازم بين المكانة والمسؤولية في المجتمع الإسلامي. كلما ارتفعت مكانة الأفراد في المجتمع، زادت مسؤوليتهم ثقلًا. تتوقع السيدة من الأنصار، بصفتهم خواص المجتمع الإسلامي، ألا يسكتوا عن الظلم الذي وقع عليها وعلى عائلتها، وأن يبدوا رد فعل يليق بمكانتهم: «وَ أَنْتُمْ بِمَرْأَى مِنِّى وَمَسْمَع وَ مُنْتَدى وَ مَجْمَع» وتحذرهم من أن اللامبالاة في المجتمع الإسلامي تساوي انتشار الظلم والجور على الجميع: «مَا هَذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَقِّي وَالسِّنَةُ عَنْ ظُلامَتِي». بناءً على ذلك، فإن واجب إقامة القسط في المجتمع الإسلامي يقع على عاتق الناس، وخاصة الخواص، ولا يمكن لفساد وعدم شرعية الجهاز الحاكم أن يبرر عدم أداء الواجب من قبل الناس. يجب على الخواص، لامتلاكهم وعيًا أكبر بقضايا المجتمع، ألا يقعوا هم أنفسهم في أمواج الفتن، وأن يُوعوا الناس بالفتن الاجتماعية، وألا يسمحوا بانضمام الناس إلى موجات الفتن باتخاذ مواقف مناسبة.
الملاحظة الجديرة بالاهتمام في هذا القسم هي أن توبيخ السيدة (عليها السلام) للأنصار كان أكثر من غيرهم، لأن الأنصار قصروا كثيرًا في أداء واجبهم، لذا اعتبرت انحرافهم مساويًا للعودة إلى الشرك ومصداقًا لمحاربة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «فَأَنَّى حُزْتُمْ بَعْدَ الْبَيَانِ وَ أَسْرَرْتُمْ بَعْدَ الْإِعْلاَنِ وَ نَكَصْتُمْ بَعْدَ الْإِقْدَامِ وَ أَشْرَكْتُمْ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَ هَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّة». وقد عرّفت السيدة (عليها السلام) الخوف بأنه السبب الرئيسي لعودة الناس إلى الشرك والجاهلية الماضية، وتعتقد أن المؤمنين يجب أن يخافوا من الله وحده؛ لذا فإن الذين يخافون من غير الله ليسوا مؤمنين حقيقيين: «أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ».
إن خطاب السيدة الزهراء (عليها السلام) للناس ثم لخواص المجتمع والأنصار يوضح أن انحراف الخواص أسوأ من انحراف عامة الناس، وأن تأثيره على المجتمع الإسلامي أكبر؛ لأن انحراف الخواص يؤدي إلى انحراف جماهير الناس. وقد اعتبرت السيدة (عليها السلام) الأنصار مؤثرين في وقوع الأحداث بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ووبختهم لسرعتهم وتسرعهم في إحداث تلك الوقائع المأساوية: «سَرْعَانَ مَا أَحْدَثْتُمْ». هذه العبارات تظهر أن الأنصار أيضًا يُحسبون من مسببي الأحداث بعد الوفاة، حتى لو لم يكونوا في قلب المعركة، لأن مواقفهم الخاطئة وسكوتهم ولامبالاتهم كانت بحد ذاتها عونًا للفاعلين الرئيسيين في الأحداث التي تلت الوفاة.
3-2. انعدام البصيرة لدى الناس وغياب القدرة على التحليل السياسي
يعد غياب القدرة على التحليل السياسي لدى الناس من بين الانتقادات الجادة التي وجهتها السيدة الزهراء (عليها السلام) إليهم. ففي أجزاء من كلمتها، توبخ السيدة الناس بشدة بسبب انعدام بصيرتهم وميلهم الشديد إلى الباطل وتغاضيهم عن ارتكاب الأفعال الشنيعة: «مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ الْمُسْرِعَةَ إِلَى قِيلِ الْبَاطِلِ الْمُغْضِيةَ عَلَى الْفِعْلِ الْقَبِيحِ الْخَاسِرِ»؛ أيها الناس المتسرعون إلى قول الباطل، والمتغاضون عن الفعل القبيح الخاسر. من وجهة نظر السيدة، فإن الميل إلى الباطل وعدم الاهتمام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما من تبعات ونتائج انعدام البصيرة وغياب القدرة على تحليل قضايا المجتمع المعاصرة، وهو ما يمثل سبب ومنشأ الكثير من المشكلات والقضايا الاجتماعية. وفي إطار تبيين أبعاد الميل إلى الباطل، تتناول السيدة خصائص جبهة الباطل وتوضح أن جبهة الباطل تتكون من قسمين: رؤساء ومروجي الباطل والمائلين إليه. وقد وصفت السيدة رؤساء جبهة الباطل بأنهم مضلون، وعوامل ضلال، لا قيمة لهم وسفلة: «وَنَطَقَ كَاظِمُ الْغَاوِينَ وَ نَبَغَ خَامِلُ الْأَقَلِّينَ وَ هَدَرَ فَنِيقُ الْمُبْطِلِينَ».
كما أشارت السيدة الزهراء (عليها السلام) إلى مدى تغلغل جبهة الباطل في أوساط الناس، وهو ما يوضح أولاً قوة جبهة الباطل واستخدامها الواسع لأدوات الدعاية، وثانياً شدة ميل الناس نحو جبهة الباطل: «فَخَطَرَ فِي عَرَصَاتِكُمْ فَأَلْفَاكُمْ لِدَعْوَتِهِ مُسْتَجِيبِينَ وَ لِلْعِزَّةِ فِيهِ مُلاحِظِينَ». تعبر هذه العبارات عن انتشار نفوذ جبهة الباطل بين الناس وعدم اهتمامهم بحماية حريم المجتمع الإسلامي. لقد شهد المجتمع الإسلامي بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) موجة واسعة من الميل نحو الباطل وترك الحق؛ لذا يمكن الاستنتاج أن جزءًا كبيرًا من الأحداث التي تلت الوفاة كان نتيجة دعم الناس لجبهة الباطل.
من خصائص أسلوب السيدة الزهراء (عليها السلام) في دراسة العلل أنها لا تكتفي ببيان الآفات والنقد السلبي، بل تهتم أيضًا ببيان علل ظهورها وتسعى من خلال تقديم تحليل صحيح لعلل وجذور ظهور الآفات لدى الناس، إلى تزويدهم بالقدرة على التحليل السياسي والبصيرة، وهذه الميزة هي ما يميز نموذج دراسة المشكلات لديها عن غيرها. وفيما يلي شرح لبعض هذه العلل والعوامل:
أ- من وجهة نظر السيدة، فإن أحد أهم علل وعوامل قوة جبهة الباطل هو غياب القائد الحق والإلهي في المجتمع: «أَوْ نَجَمَ قَرْنُ الشَّيْطَانِ أَوْ فَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَذَفَ أَخَاهُ فِي لَهَوَاتِهَا فَلا يَنْكَفِى حَتَّى يَطَأَ جَنَاحَهَا بِأَخْمَصِهِ وَ يَخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيفِهِ»؛ أو كلما ظهر قرن للشيطان أو فتحت فاغرة من المشركين فاها، كان أبي يلقي بأخيه (علي بن أبي طالب) في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه ويخمد لهبها بسيفه.
ب- من علل انعدام البصيرة لدى الناس في المجتمع الإسلامي، عدم التدبر في آيات القرآن الكريم وفهم تعاليم هذا الكتاب السماوية فهمًا صحيحًا: «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ». اعتبرت السيدة الزهراء (عليها السلام)، وفقًا لما ورد في الخطبة، القرآن فارقًا بين الحق والباطل: «هَذَا كِتَابُ اللَّهِ حَكماً عَدْلاً وَ نَاطِقاً فَصْلاً»، لذا تنبه الناس إلى أنه لزيادة وعيهم وبصيرتهم، ولكي يتمكنوا من تشخيص واجبهم ومسؤوليتهم بشكل صحيح في المراحل الاجتماعية الحساسة، يجب أن يتخذوا كتاب الله معيارًا وميزانًا لتشخيص الحق من الباطل، وأن يميلوا إلى الجهة التي يتوافق نهجها القولي والعملي مع تعاليم القرآن.
ج- السبب الآخر الذي تشير إليه السيدة الزهراء (عليها السلام) لانعدام بصيرة الناس هو تجمد قلوبهم وعدم تقبلها للحق: «أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفَالُها». قد يصل الحق إلى الناس، ولكن ما يمنع قبوله هو قسوة القلوب. وفي سياق كلامها، أوضحت السيدة سبب قسوة قلوب الناس، وعزته إلى تأثير الأعمال السيئة على القلب: «كلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَا أَسَأْتُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ» وأشارت إلى التأثير المباشر للأعمال السيئة على القلب وظلمته، وبالتالي سلب أدوات التعقل، أي السمع والبصر، من الإنسان: «فَأَخَذَ بِسَمْعِكُمْ وَ أَبْصَارِكمْ». هذه العبارات تعني أن جزءًا كبيرًا من البصيرة والقدرة على تمييز الحق من الباطل لدى الإنسان يعتمد على مدى تقواه وصلاح أعماله.
4-2. عدم اهتمام المجتمع الإسلامي بالتعاليم القرآنية
من الآفات الأخرى التي تشير إليها السيدة الزهراء (عليها السلام) مرارًا في خطبتها، هو عدم اهتمام المجتمع الإسلامي بالتعاليم القرآنية. يجب القول إن القرآن الكريم يحتل مكانة خاصة في كلام السيدة الزهراء (عليها السلام)، وقد استشهدت بآيات القرآن بكثرة في مختلف أجزاء الخطبة. لقد اعتبرت عدم الاهتمام بالقرآن وأحكامه من أهم عوامل الانحراف في المجتمع الإسلامي، وتعجبت من كيفية انحراف المجتمع مع وجود القرآن: «فَهَيهَاتَ مِنْكُمْ وَكَيفَ بِكُمْ وَ أَنَّى تُؤْفَكُونَ وَكتَابُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكمْ». وقد عزت سبب انحراف المجتمع إلى تحكيم أحكام غير قرآنية والإعراض واللامبالاة به، قائلة: «وَ قَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ أَرَغْبَةً عَنْهُ تُرِيدُونَ أَمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ».
وفقًا لآيات القرآن الكريم، فإن أحكام القرآن في المجتمع الإسلامي هي الكلمة الفصل: «هَذَا كِتَابُ اللَّهِ حَكماً عَدْلاً وَ نَاطِقاً فَضْلا» والإعراض عن أحكامه يساوي الخروج من دائرة الإسلام. ومن يترك كتاب الله وراء ظهره ويختار دينًا غير الإسلام، سيكون في الآخرة من الخاسرين: «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ».
تستمر السيدة الزهراء (عليها السلام) في حديثها عن مكانة وأهمية القرآن في المجتمع الإسلامي وبيان آفات عدم الاهتمام بالتعاليم القرآنية، وتعتبر حرمانها من حقها في الإرث من أبرز مصاديق عدم الاهتمام بالقرآن، وتصفه بأنه رمز لحرمان النساء من حقهن في الإرث في عصر الجاهلية. وكأنها، كأحد أفراد المجتمع الإسلامي الذين تعرضوا للظلم، تقصد تحدي باقي أفراد المجتمع لتلفت انتباههم إلى ظلم وانحراف المجتمع عن أحكام القرآن، وتقدم التحذيرات اللازمة من خطر انهياره. لقد وقع غصب إرث السيدة الزهراء (عليها السلام) في ظروف أوضح فيها الله تعالى أحكام الإرث في القرآن الكريم، وسد بذلك الطريق أمام أي تذرع: «وَ أَبَاحَ مِنْ حَظِّ الذُّكرَانِ وَ الْإِنَاثِ مَا أَزَاحَ بِهِ عِلَّةَ الْمُبْطِلِينَ وَ أَزَالَ التَّظَنِّي وَ الشُّبُهَاتِ فِي الْغَابِرِينَ»؛ فقد بين حصة الأبناء والبنات بوضوح، وأبطل حجة المبطلين، وأزال الشكوك والشبهات لدى الأجيال القادمة. لذا، فإن الذين خالفوا أحكام القرآن علنًا بغصب إرث ابنة نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، قد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وعملهم مصداق للظلم، حسب تعبير السيدة: «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً».
5-2. نزعة الرفاهية لدى الناس والمسؤولين في المجتمع الإسلامي
لا يُعتبر طلب الرفاه والراحة في الحياة آفة بحد ذاتها، ولكن عندما يصبح طلب الرفاه هدفًا ويتخذ طابع نزعة الرفاهية، يتحول إلى آفة خطيرة للمجتمعات البشرية، وتكون هي نفسها منشأ لآفات أخرى. هذه المسألة واضحة تمامًا في كلام السيدة الزهراء (عليها السلام). ففي جزء من كلامها، تذم طلب الرفاه والاستقرار في حياة آمنة لتأثيره الضار على روح الجهاد لدى الأفراد، وتحذر من أنه لتقوية الروح الجهادية، يجب تجنب نزعة الرفاهية واتخاذها هدفًا في الحياة، وفي المقابل، يجب السعي لتقوية الروح الجهادية والمشاركة في الأنشطة الجهادية لتجنب نزعة الرفاهية: «وَ أَنْتُمْ فِي رَفَاهِيةٍ مِنَ الْعَيشِ وَادِعُونَ فَاكَهُونَ آمِنُونَ»؛ أما أنتم، ففي ظروف الجهاد كنتم في كمال الراحة والرفاه، تفكرون في أنفسكم وتتمتعون بالنعم.
في موضع آخر من الخطبة، تذم السيدة (عليها السلام) نزعة الرفاهية لتأثيرها على الابتعاد عن الولاية والقيادة الإلهية، وتوضح أن بعض الناس، بسبب طلب الرفاه والراحة، أبعدوا من كان مؤهلاً للتصرف في الأمور ويملك حق الولاية الإلهية، ومالوا نحو آخرين: «أَلاَ وَ قَدْ أَرَى أَنْ قَدْ أَخْلَدْتُمْ إِلَى الْخَفْضِ وَ أَبْعَدْتُمْ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْبَسْطِ وَ الْقَبْضِ». في الواقع، يشير هذا الكلام إلى أن بعض الأفراد، بسبب طلب الرفاه والراحة، يميلون إلى الجهة التي يمكن أن توفر لهم هذا الهدف، لذا يتركون من هو مؤهل بإذن إلهي للتصرف في الأمور، ويميلون إلى أفراد مثلهم. بناءً على ذلك، حذرت السيدة الزهراء (عليها السلام) الناس مرارًا من العودة إلى أخلاق عصر الجاهلية من كسل ونزعة رفاهية، قائلة: «وَ خَلَوْتُمْ بِالدَّعَةِ وَ نَجَوْتُمْ بِالضّيقِ مِنَ السَّعَةِ»؛ فإذا اعتاد الناس على هذا النمط من الحياة، ستضعف لديهم روح الجهاد ومحاربة الباطل.
(وصف المخطط رقم 2: آسیب شناسی جامعه اسلامی در کلام حضرت زهرا (س))
المخطط يوضح هيكلًا شجريًا لآفات المجتمع الإسلامي. الجذر الرئيسي هو «آسیب های جامعه اسلامی در کلام حضرت زهرا (س)». يتفرع منه خمسة فروع رئيسية: 1. جریان نفاق (تيار النفاق)، 2. بی توجهی مردم به جایگاه و مسئولیت های خود (عدم اهتمام الناس بمكانتهم ومسؤولياتهم)، 3. بی بصیرتی مردم و عدم برخورداری از قدرت تحلیل سیاسی (انعدام البصيرة وغياب القدرة على التحليل السياسي)، 4. بی توجهی جامعه اسلامی به آموزه های قرآنی (عدم اهتمام المجتمع بالتعاليم القرآنية)، 5. رفاه زدگی مردم و مسئولان جامعه اسلامی (نزعة الرفاهية لدى الناس والمسؤولين). وكل فرع من هذه الفروع يتفرع إلى آفات أكثر تحديدًا.
3. حلول الخروج من آفات المجتمع الإسلامي من منظور السيدة الزهراء (عليها السلام)
تتناولت السيدة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها، بالإضافة إلى بيان آفات المجتمع الإسلامي وأسباب وقوعها، بيان حلول الخروج من هذه الآفات، وهذا أحد أبرز وجوه التميز في نموذج دراسة المشكلات لديها. وكما أُشير سابقًا، فإن 47% من تواتر مضامين الخطبة مخصص لتقديم الحلول، مما يوضح أن السيدة (عليها السلام)، مع اهتمامها بالآفات ونقد المجتمع، قد قدمت في اللحظة نفسها حلولاً، وألقت خطبة تاريخية لإصلاح المجتمعات الإسلامية على مر التاريخ. الحلول التي قدمتها السيدة للخروج من آفات المجتمع الإسلامي، بناءً على ترتيب تواترها، تشمل الحالات التالية:
1-3. العودة إلى الخطاب النبوي (ص)
لتشجيع الناس على العودة إلى الخطاب النبوي (صلى الله عليه وآله وسلم)، اتبعت السيدة الزهراء (عليها السلام) استراتيجيات مختلفة في الخطبة، من أهمها مقارنة عصر الجاهلية المليء بالمصائب بعصر ازدهار دين الإسلام. وفي هذا السياق، أشارت السيدة إلى الأوضاع المأساوية والمزرية لمجتمع العرب الجاهليين قبيل البعثة، ومن خلال وصف تلك الظروف ومقارنتها بوضع الاقتدار في فترة حكم دين الإسلام، تسعى جاهدة لتهيئة الأرضية لعودة المجتمع إلى الخطاب النبوي (صلى الله عليه وآله وسلم).
الضعف، والهوان، والذل، والخسة، والظلم، والجهل، والحيرة، وانعدام الأمن، وسيادة الخوف على المجتمع، والأوضاع الاقتصادية المزرية للناس هي من بين الأوصاف التي تشير إليها السيدة في وصف مجتمع العرب الجاهليين. وفي الوقت نفسه، فإن بيان خصائص مثل تفكك جمع الكفار وتراجعهم، وظهور الحق، ونطق إمام الحق في المجتمع، وبالتالي صمت تيار الباطل، هي من بين الحالات التي ذكرتها السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في وصف عصر ازدهار الإسلام: «حَتَّى اِنْهَزَمَ الْجَمْعُ وَوَلَّوْا اَلدُّبُرَ حَتَّى تَفَرَّى اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ وَ أَسْفَرَ الْحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ وَ نَطَقَ زَعِيمُ الدِّينِ وَ خَرِسَتْ شَقَاشِقُ الشَّيَاطِین»؛ حتى انهزم جمعهم وفروا من الميدان. إلى أن أشرق فجر الإسلام من أفق الشرك المظلم وظهر وجه الحق الناصع، ونطق زعيم الدين وخرست أصوات الشياطين.
على سبيل المثال، من بركات ظهور الإسلام الأخرى التي ذكرتها السيدة، القضاء على تيار النفاق وبالتالي تفكك الكفر والخلاف: «وَ طَاحَ وَشِيظُ النَّفَاقِ وَانْحَلَّتْ عُقَدُ الْكُفْرِ وَ الشَّقَاقِ» وحرية التعبير في المجتمع بحيث كان الناس يجرون التوحيد على ألسنتهم دون خوف من المشركين: «وَ فُهْتُمْ بِكَلِمَةِ الْإِخْلاصِ».
من الاستراتيجيات الأخرى للسيدة الزهراء (عليها السلام) لدعوة الناس للعودة إلى الخطاب النبوي (صلى الله عليه وآله وسلم)، شرح الصعوبات والمشقات التي تحملها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لتأسيس المجتمع الإسلامي. جزء من هذه المصائب والمشكلات في كلام السيدة (عليها السلام) يتمثل في وجود أديان مصطنعة: «فَرَأَى الْأُمَمَ فِرَقاً فِي أَدْيَانِهَا»، وانتشار عبادة الأوثان في المجتمع: «عَابِدَةً لِأَوْثَانِهَا»، وإنكار الله تعالى مع معرفته: «مُنْكَرَةً لِلَّهِ مَعَ عِرْفَانِهَا»، وتقديس النار في بعض الأديان: «عُكفــاً عَلَى نِيرَانِهَا»، وتحميل البشر للعبادات الشركية على فطرتهم التوحيدية. كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مسيرته الرسالية بعيدًا كل البعد عن طريق وأسلوب الكفار، ولم يبدِ تجاههم أي مرونة أو تساهل: «مَائِلاً عَنْ مَدْرَجَةِ الْمُشْرِكِينَ ضَارِباً ثَبَجَهُمْ آخِذاً بِأَكظَامِهِمْ» وفي مسيرته الرسالية، كان قاطعًا وصارمًا في تحطيم الأصنام في وجه المشركين: «يجف [يجُدُّ] الْأَصْنَامَ وَ ينْكَثُ الهام» بحيث لم يسمح بأدنى ظهور للشيطان وجنوده، وبمساعدة مجاهدين مثل الإمام علي (عليه السلام)، كان يخنق الفتن في مهدها: «أَوْ نَجَــمَ قَرْنُ الشَّيْطَانِ أَوْ فَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَذَفَ أَخَاهُ فِي لَهَوَاتِهَا فَلَا يَنْكَفِي حَتَّى يَطَأ جَنَاحَهَا بِأَخْمَصِهِ وَ يَحْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيفِهِ».
إن اتساع وتنوع جبهة أعداء الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في مسيرته الرسالية الصعبة، من القضايا الأخرى التي تشير إليها السيدة الزهراء (عليها السلام). أعداء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شملوا الأعداء الداخليين (الأعراب) «بِبْهَمِ الرِّجَالِ وَ ذُؤْبَانِ الْعَرَبِ» والأعداء الخارجيين (أهل الكتاب) «وَ مَرَدَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ»، وهذا يوضح أن رسالة دين الإسلام كانت رسالة عالمية ولم تقتصر على حدود شبه الجزيرة العربية.
في جزء آخر من كلامها، تشير السيدة الزهراء (عليها السلام) إلى آثار حادثة وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على المجتمع الإسلامي، وتستخدم لهذا الغرض تعابير مؤثرة تذكر بقيام الساعة. تعابير مثل ظلمة الأرض، وخسوف الشمس والقمر والنجوم: «وَ أَظْلَمَتِ الْأَرْضُ لِغَيْبَتِهِ وَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَ انْتَشَرَتِ النُّجُومُ» وانهيار الجبال: «وَ خَشَعَتِ الْجِبَالُ»، والتي من ناحية تظهر أهمية حدث وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن ناحية أخرى تظهر شدة تأثير هذه الحادثة على المجتمع. هذه التعابير تظهر أن السيدة لم تنكر تأثير حدث وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على المجتمع، وتعتبر جزءًا من هذه التأثيرات طبيعيًا، ولكن عندما ترافق هذه التأثيرات الطبيعية معضلات أخرى تعددها السيدة، تتضاعف شدتها وتؤدي إلى انحراف المجتمع؛ لذا، لتعديل تأثيرات هذه الحادثة، وبالإشارة إلى كون موت الأنبياء سنة إلهية، لا تعتبر موت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرًا مستحدثًا: «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقَابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيجْزِى اَللهُ الشاكرين» (آل عمران: 144).
تعتبر السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) موت الأنبياء حكمًا قطعيًا من الله أشار إليه القرآن الكريم: «أَعْلَنَ بِهَا كِتَابُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ» وبالإشارة إلى هذه السنة الإلهية، تؤكد على ضرورة الاعتبار من تاريخ الأنبياء ومصائر أقوامهم: «وَ لَقَبْلَهُ مَا حَلَّ بِأَنْبِياءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ حُكْمٌ فَصْلٌ وَ قَضَاء حَتْمٌ». وفي الوقت نفسه، بالرجوع إلى تاريخ الأنبياء، سنجد أنه ليس فقط موتهم كان سنة إلهية، بل تعيين خليفة من قبلهم لإدارة المجتمع بعدهم كان أيضًا سنة إلهية. في الواقع، كان تعيين الخليفة حلاً لتقليل شدة تأثير موت النبي على المجتمع بعده؛ لذا، يجب على الناس أن يمنعوا انحراف مجتمعهم بالاعتبار من التاريخ واتباع السنن الإلهية، وألا يسمحوا للمجتمع بأن يتأثر أكثر من اللازم بوفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
2-3. التمسك بالثقلين
من الحلول الأخرى المذكورة في كلام السيدة الزهراء (عليها السلام) لإصلاح آفات المجتمع الإسلامي، التمسك بالثقلين والعودة إليهما. لقد اعتبرت السيدة أن أحد الأسباب الرئيسية لانحراف المجتمع الإسلامي هو عدم التزام الناس بوصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الأخيرة بالتمسك بالقرآن وأهل البيت (عليهم السلام) كعاملين للنجاة من الضلال، وخصصت جزءًا من الخطبة لتعريف ووصف هذين الثقلين.
الركن الأول من الثقلين هو القرآن الكريم، وما يظهر بوضوح في جميع أجزاء الخطبة هو استخدام السيدة المتكرر لآيات القرآن لتوثيق كلامها. وأبرز صفة تؤكد عليها السيدة في وصف القرآن هي شفافية ووضوح معارفه: «أُمُورُهُ ظَاهِرَةٌ وَ أَحْكَامُهُ زَاهِرَةٌ وَ أَعْلامُهُ بَاهِرَةٌ وَ زَوَاجِرُهُ لَائِحَةٌ وَ أَوَامِرُهُ وَاضِحَةٌ»، ولهذا السبب تؤكد بشدة على التدبر في القرآن وتحيل الناس إلى القرآن لحل خلافاتهم: «هَذَا كِتَابُ اللَّهِ حَكماً عَدْلاً وَ نَاطِقاً فَصْلا» كما أنها استعانت بآيات القرآن للاحتجاج على أبي بكر بشأن الإرث، وتعتبر عمومية آيات الإرث دليلاً على صدق دعواها. وتجدر الإشارة إلى أن كون القرآن مفهومًا لا يترك أي عذر للناس لتبرير عدم الرجوع إليه بحجة عدم إمكانية فهمه. الحجم الكبير لاستخدام آيات القرآن في الخطبة يظهر أهمية مكانة القرآن كالثقل الأكبر من منظور السيدة، حيث أشارت إلى آيات القرآن حوالي 20 مرة خلال الخطبة.
الركن الآخر من الثقلين هو عترة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد سعت السيدة في كلامها لتعريفهم للناس، وفي هذا السياق، تعرف نفسها بهذه الطريقة: «أَيُّهَا النَّاسُ اعْلَمُوا أَنَّى فَاطِمَةُ وَ أَبِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَقُولُ عَوْداً وَ بَدْواً وَ لا أَقُولُ مَا أَقُولُ غَلَطاً وَ لاَ أَفْعَلُ مَا أَفْعَلُ شَطَطاً»؛ أيها الناس، اعلموا أني فاطمة وأبي محمد. ما أقوله في البداية أقوله في النهاية (كلامي كله من منطلق الصدق)، كلامي ليس بخطأ، وفي أفعالي لا أسلك طريق الضلال ولا أتجاوز الحق. وفي موضع آخر من الخطبة، تعرف نفسها بأنها ابنة من ينذر بعذاب شديد قادم، وفي جزء آخر، لتعريف نفسها وزوجها، تقول: «فَإِنْ تَعْزُوهُ وَ تَعْرِفُوهُ تَجِدُوهُ أَبِى دُونَ نِسَائِكُمْ – وَ أَخَا ابْنِ عَمِّى دُونَ رِجَالِكُمْ وَ لَنِعْمَ الْمَعْزِي إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَیهِ»؛ إذا بحثتم عن نسبه وعرفتموه، ستجدونه أبي وليس أبا أي من نسائكم، وابن عمي وليس أخا رجالكم. ويا له من نسب كريم، صلى الله عليه وعلى أبنائه.
ما يظهر في هذه البيانات هو تأكيد السيدة على نسبتها ونسب زوجها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وفي أجزاء أخرى من الخطبة، كلما ذكرت اسم نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، تستخدم مباشرة كلمة «أبي»، ويبدو أن هذه الإشارات تهدف إلى تعريف عترة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم). وفي سياق تعريف أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشكل خاص، تتناول بيان خصائص الإمام علي (عليه السلام) باعتباره أقرب شخص إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتشير إلى أمور مثل؛ طاعته الدائمة لأوامر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتحمله للمصاعب في سبيل الله، وجهاده ونصحه، وسعيه واستعداده الدائم للتضحية في سبيل الإسلام.
من أهم أجزاء كلام السيدة في مجال تعريف عترة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بيان نتائج الالتزام بولايتهم. ومن الثمرات التي تشير إليها السيدة الزهراء (عليها السلام) في مجال الالتزام بالولاية؛ نظام الأمة، حفظ الوحدة الإسلامية، ومنع الفرقة، دوران عجلة الإسلام، جريان الخير والبركة في الحياة، أفول الشرك والوثنية، تقليل الكذب والمكر في المجتمع، تقليل الفوضى والاضطراب في المجتمع، واستحكام نظام الدين، وهذا يوضح أن الكثير من مشكلات المجتمع الإسلامي بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان سببها عدم التزام الناس بولاية أهل البيت (عليهم السلام): «وَ طَاعَتَنَــا نِظَاماً لِلْمِلَّةِ وَ إِمَامَتَنَا أَمَاناً لِلْفُرْقَةِ …». ونظرًا لأنه لم يمض وقت طويل على وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) عند إلقاء الخطبة، يبدو أن هدف السيدة من تعريف وبيان فضائل أهل البيت (عليهم السلام) كان أن يعرف الناس العترة التي عرفها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين كعامل لعدم الضلال إلى جانب القرآن، ليتمكنوا من خلال العمل بوصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من إنقاذ أنفسهم ومجتمعهم من الضلال.
3-3. العودة إلى التعاليم التوحيدية
من خلال شرح وإعادة قراءة التوحيد في خطبتها، دعت السيدة الزهراء (عليها السلام) الناس إلى العودة إلى التوحيد الحقيقي. من منظور السيدة فاطمة (عليها السلام)، عبارة «لا إله إلا الله» هي كلمة التوحيد، وهذه الكلمة أو الأمر المهم تأويله الإخلاص: «کلِمَةٌ جُعِلَ الْإِخْلاصُ تَأْوِيلَهَا»، كلمة لها ارتباط عميق بالقلب والفطرة: «وَ ضُمِّنَ الْقُلُوبُ مَوْصُولَها» والتفكر فيها يسبب نورانية الفكر: «وَ أَنَارَ فِي التَّفَكَرِ مَعْقُولُهَا». لم تكتفِ السيدة بتقديم تعريف للتوحيد، بل بينت أيضًا سبل معرفة الله، لأن معرفة الله مقدمة وطريق للوصول إلى التوحيد. إحدى الطرق التي أشارت إليها السيدة للوصول إلى معرفة الله تعالى هي الاهتمام بأوصاف الله. لذا توضح أنه لا يمكن رؤية الله بالعين المجردة: «لْمُمْتَنِعُ مِنَ الْأَبْصَارِ رُؤْيتُه»، ولا وصفه باللسان: «وَ مِنَ الْأَلْسُنِ صِفَتُهُ»، ولا إدراك كيفيته بالأوهام والخيالات: «وَ مِنَ الْأَوْهَامِ كيفيتُهُ».
الطريق الآخر للوصول إلى التوحيد من منظور السيدة الزهراء (عليها السلام) هو الاهتمام بسعة ونعم الله التي لا تحصى. وقد أوضحت السيدة في خطبتها أبعاد هذه السعة جيدًا، وتعتبر شمول نعم الله للنعم المادية والمعنوية أحد وجوه سعة النعم الإلهية. على سبيل المثال، تشير السيدة (عليها السلام) إلى بعض النعم مثل خلق السماوات والأرض و… التي منحها الله للإنسان قبل طلبه: «وَ الثَّنَاءُ بِمَا قَدَّمَ»، وتعتبر الإلهامات الغيبية الإلهية جزءًا من النعم المعنوية، وبسبب هذه الإلهامات، تشكر الله: «لَهُ الشَّكرُ عَلَى مَا أَلْهَمَ».
إن نعم الله واسعة لدرجة أن الإنسان لن يتمكن أبدًا من إحصائها وشكرها: «جَمَّ عَنِ الْإِحْصَاءِ عَدَدُهَا». وسعة هذه النعم لدرجة أنها خارجة عن إدراك الإنسان، ويمتد مداها إلى الأبد: «وَ نَأَى عَنِ الْجَزَاءِ أَمَدُهَا وَ تَفَاوَتَ عَنِ الْإِدْرَاكَ أَبَدُهَا». طريق زيادة واستدامة هذه النعم هو شكر الله: «وَ نَدَبَهُمْ لِاِسْتِزَادَتِهَا بِالشَّكرِ لاتِّصَالِهَا». في الواقع، دعا الله عباده بهذه العطايا بشكل غير مباشر إلى الشكر، ودعاهم إلى السعي للحصول على مثل هذه النعم: «وَ اسْتَحْمَدَ إِلَى الْخَلَائِقِ بِإِجْزَالِهَا وَ ثَنَّى بِالنَّدْبِ إِلَى أَمْثَالِهَا».
من الطرق الأخرى للوصول إلى معرفة الله، التفكر في نظام الخلق. وقد علمت السيدة الزهراء (عليها السلام) الناس هذا الطريق والمنهج في التفكر: خلق الله موجودات العالم دون الحاجة إلى مادة أولية ومثال سابق: «ابْتَدَعَ الْأَشْيَاءَ لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ قَبْلَهَا وَ أَنْشَأَهَا بِلا اِحْتِذَاءِ أَمْثِلَةٍ اِمْتَثَلَهَا». نظام الخلق المذهل وإتقان الطبيعة هو أفضل طريق لمعرفة الله، ودليل كافٍ على أن مدبرًا وحكيمًا في غاية العلم والوعي قد أوجدها، ولم يكن في خلقها يهدف إلى أي منفعة أو فائدة؛ سوى تثبيت حكمته، وتنبيه العباد على عبادته، وإظهار قدرته، وتقوية وتثبيت دعوته، وتحقيق روح التعبد في المجتمع البشري: «مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إلى تكوِينِهَا وَلاَ فَائِدَةٍ لَهُ فِي تَصْوِيرِهَا إِلَّا تَثْبِيتاً لِحِكمَتِهِ وَ تَنْبِيها عَلَى طَاعَتِهِ وَإِظْهَاراً لِقُدْرَتِهِ تَعَبداً لِبَرِيتِهِ وَ إِعْزَازاً لِدَعْوَتِهِ».
4-3. الالتزام بالقوانين الفردية والاجتماعية في المجتمع الإسلامي
اعتبرت السيدة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها الالتزام بالقوانين الفردية والاجتماعية في المجتمع الإسلامي أحد الحلول الأخرى للخروج من الآفات التي ابتلي بها المجتمع الإسلامي.
من بين توصيات السيدة في قسم القوانين الفردية، يمكن الإشارة إلى مراعاة التقوى: «فاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ»، وطاعة أوامر الله ونواهيه: «وَ أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَ نَهَاكُمْ عَنْهُ»، والالتزام بزيادة العلم والوعي. لم تكتفِ السيدة الزهراء (عليها السلام) في هذا القسم ببيان القوانين فحسب، بل تناولت أيضًا بيان فلسفة كل منها. ويبدو أن هدف السيدة من بيان فلسفة القوانين الإلهية هو تشجيع الأفراد بشكل أكبر على تطبيقها.
على سبيل المثال، تعتبر السيدة مراعاة التقوى سببًا لحسن العاقبة: «وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»، واكتساب العلم والوعي عاملاً للوصول إلى الخشية الإلهية: «فإنه إنَّمـــا يخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ». ووفقًا لبياناتها، الإيمان سبب للتطهر من الشرك: «فَجَعَلَ اللَّهُ الْإِيمَانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشَّرْك»، والصلاة سبب للتنزه عن الكبر: «وَ الصَّلاةَ تنزيهاً لَكُمْ عَنِ الْكَبْرِ»، والزكاة سبب لتزكية النفس ونمو الرزق: «وَ الزَّكَاةَ تَزْكِيةً لِلنَّفْسِ»، والصوم عامل لتثبيت الإخلاص: «وَ الصّيامَ تَثْبِيتاً لِلْإِخْلاصِ»، والصبر وسيلة لجلب الثواب الإلهي: «وَ الصَّبْرَ مَعُونَةً عَلَى اِسْتِيجَابِ الْأَجْرِ»، والنهي عن شرب الخمر للتنزه عن الرجس: «وَ النَّهى عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسِ»، وحرمة الشرك لإخلاص الربوبية: «وَ حَرَّمَ اللَّهُ الشِّرْكَ إِخْلاصاً لَهُ بِالرُّبُوبية» والوفاء بالنذر للوصول إلى العفو والمغفرة الإلهية: «وَ اَلْوَفَاءَ بِالنَّذْرِ تَعْرِيضاً لِلْمَغْفِرَةِ».
جزء من توصيات السيدة يتعلق أيضًا بالمجتمع وأفراده. فالحج، الذي هو عبادة جماعية، سبب لتشييد الدين واستحكامه: «وَ الْحَجَّ تشييداً لِلدِّينِ»، والعدل عامل لربط القلوب: «وَ الْعَدْلَ تَنْسِيقاً لِلْقُلُوبِ»، والالتزام بطاعة أهل البيت (عليهم السلام) سبب لنظام الأمة: «وَ طَاعَتَنَا نِظَاماً لِلْمِلَّةِ»، وإمامتهم سبب لمنع الفرقة: «وَ إِمَامَتَنَا أَمَاناً لِلْفُرْقَةِ». والجهاد عامل لعزة الإسلام ورفعته: «وَ الْجِهَادَ عِزّاً لِلْإِسْلامِ»، والأمر بالمعروف سبب لإصلاح المجتمع: «وَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعَامَّةِ»، وبر الوالدين وسيلة للحفظ والحماية من سخط الله: «وَ بِرَّ الْوَالِدَينِ وِقَايَةً مِنَ السُّخْطِ»، وصلة الأرحام لإطالة العمر وزيادة العدد: «وَصِلَةَ الْأَرْحَامِ مَنْسَأَةً فِي الْعُمُرِ وَ مَنْمَاةً لِلْعَدَدِ»، والقصاص عامل لحفظ الدماء: «وَ الْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ». ووفقًا لبيانات السيدة، جعل الله إيفاء الكيل والميزان لإيجاد الثقة وحفظ الأموال من النقص والضرر: «وَ تَوْفِيةَ الْمَكاييلِ وَ الْمَوَازِينِ تَغْييراً لِلْبَخْس»، واجتناب القذف للحماية من اللعنة: «وَ اِجْتِنَابَ الْقَذْفِ حِجَاباً عَنِ اللَّعْنَةِ»، وترك السرقة لإيجاد العفة والأمن العام: «وَ تَرْكَ السَّرِقَةِ إِيجاباً لِلْعِفَّةِ».
في نهاية هذا القسم أيضًا، وبهدف فهم أفضل للحلول المقدمة في خطبة السيدة الزهراء (عليها السلام) للخروج من آفات المجتمع الإسلامي، تم عرض مجموعتها في المخطط التالي:
(وصف المخطط رقم 3: راهکارهای برون رفت از آسیبهای جامعه اسلامی در کلام حضرت زهرا (س))
المخطط يوضح هيكلًا شجريًا للحلول المقترحة. الجذر الرئيسي هو «راهکارهای برونرفت از آسیبهای جامعه اسلامی» (حلول الخروج من آفات المجتمع الإسلامي). يتفرع منه أربعة فروع رئيسية: 1. بازگشت به گفتمان نبوی (العودة إلى الخطاب النبوي)، 2. تمسک به ثقلین (التمسك بالثقلين)، 3. بازگشت به توحید (العودة إلى التوحيد)، 4. پایبندی به قوانین فردی و اجتماعی (الالتزام بالقوانين الفردية والاجتماعية). كل فرع من هذه الفروع يتفرع بدوره إلى حلول أكثر تفصيلًا.
4. نموذج دراسة المشكلات لدى السيدة الزهراء (عليها السلام) في الخطبة
في الختام، وبناءً على مجموعة المواضيع المطروحة في المقال، يمكن استخلاص نموذج منطقي لأسلوب دراسة المشكلات لدى السيدة الزهراء (عليها السلام) من الخطبة. كما أُشير، فإن إحدى خصائص أسلوب دراسة العلل لدى السيدة الزهراء (عليها السلام) هي أنها لم تكتفِ ببيان الآفات، بل بينت أيضًا علل وجذور وقوعها. الأسلوب الذي اتبعته السيدة في دراسة علل المجتمع الإسلامي هو نموذج مناسب لتحديد الآفات ورفعها. وقد أظهرت من خلال تطبيق هذا الأسلوب أنه لرفع الآفات، لا يكفي تحديد المشكلة فقط، بل يجب معرفة جذور الآفات والقضاء على عللها، لأن تحديد المشكلة هو جزء من الطريق فقط، والجزء الرئيسي لحل المشكلة هو تحديد العلل ورفعها. في كثير من الحالات، نلاحظ أنه على الرغم من تحديد المشكلات، تظل قائمة بسبب عدم تحديد العلل والعوامل المسببة لها.
كما أن السيدة في قسم تقديم الحلول لم تكتفِ بتقديم بسيط، بل قدمت أيضًا فائدة وثمرة ذلك العامل. يُستنتج من هذا أن تحديد علل وجذور الآفات، وتبيين فائدة وثمرة العوامل المقدمة كحلول، هو جزء مهم وجدير بالاهتمام إلى جانب دراسة العلل وتقديم الحلول، وفي نموذج دراسة المشكلات للسيدة الزهراء (عليها السلام)، يجب الاهتمام بهذه المواضيع الهامة. وتجدر الإشارة إلى أن نوع نظرة السيدة (عليها السلام) إلى مشكلات المجتمع الإسلامي يدل على أن الخطبة تتجاوز الزمان والمكان، وتدل على بصيرة ووعي عالٍ للمتحدثة؛ لأن شرط التوعية وزيادة البصيرة في المجتمع هو أن يكون الفرد نفسه في المقام الأول يتمتع بوعي وبصيرة كافيين؛ لذا، فإن أسلوب حضور السيدة في المجتمع، ووعيها وبصيرتها، وتحليلها للأحداث وآفات المجتمع، ليس فقط نموذجًا للنساء الحرائر في العالم، بل هو نموذج لجميع أفراد المجتمع الإسلامي. ولهذا السبب، فإن نموذج وأسلوب دراسة المشكلات للسيدة الزهراء (عليها السلام) من وجهة نظر مؤلفي هذه المقالة يتم شرحه على النحو التالي:
(وصف المخطط رقم 4: مدل مسألهشناسی حضرت زهرا (س))
المخطط يوضح عملية دائرية من أربع خطوات: 1. شناسایی آسیبها (تحديد الآفات)، 2. تبیین علل و ریشه آسیبها (تبيين علل وجذور الآفات)، 3. معرفی راهکارهای برون رفت از آسیب (تقديم حلول للخروج من الآفات)، 4. تبیین فواید و آثار راهکارها (تبيين فوائد وآثار الحلول).
5. الخاتمة
في هذا البحث، تم السعي باستخدام منهج «تحليل المحتوى» وتقنية «تحليل المحتوى الموضوعي» إلى الكشف عن التوجهات والمقولات العامة الحاكمة على متن خطبة السيدة الزهراء (عليها السلام) المشهورة بالخطبة الفدكية، وبعيدًا عن النظرة التقليدية والتفسيرية، تم الكشف عن المنطق الحاكم على كلام السيدة وتبيينه. وتشير نتائج البحث إلى ما يلي:
1- التوجهات العامة الثلاثة في خطبة السيدة الزهراء (عليها السلام) هي: دراسة علل المجتمع الإسلامي، وحلول الخروج من الآفات، وموضوع فدك.
2- حوالي 49% من كلام السيدة الزهراء (عليها السلام) مخصص لتوجه دراسة علل المجتمع الإسلامي، و47% لتقديم حلول الخروج من الآفات، و4% فقط من محتوى الخطبة مخصص لموضوع فدك، لذا فإن تسمية الخطبة وإطلاق موضوعها على قضية ملكية فدك فقط، يعبر عن تصور خاطئ وناقص لمجموعة كلمات السيدة (عليها السلام).
3- من منظور السيدة الزهراء (عليها السلام)، أهم آفات المجتمع الإسلامي بعد وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) التي مهدت للانحراف هي: تيار النفاق، عدم اهتمام الناس والخواص بمكانتهم ومسؤولياتهم الفردية والاجتماعية، انعدام البصيرة لدى الناس وغياب القدرة على التحليل السياسي، عدم اهتمام المجتمع بالتعاليم القرآنية، ونزعة الرفاهية لدى الناس والمسؤولين في المجتمع الإسلامي. وما يهم في هذا السياق هو الإشارة المتسلسلة إلى الآفات في كلام السيدة (عليها السلام)، لأن كل آفة من الآفات المذكورة في الخطبة، بالإضافة إلى تأثيراتها الفردية على المجتمع، لها تبعات تؤدي في النهاية إلى ظهور آفات أخرى في المجتمع.
4- أشارت السيدة الزهراء (عليها السلام) في ذيل تعريف كل آفة من آفات المجتمع الإسلامي، إلى علل وعوامل ظهور تلك الآفة، وسعت إلى زيادة وعي الناس للقضاء على جذور تلك الآفة بشكل كلي من المجتمع الإسلامي. لذا، على سبيل المثال، ذكرت عوامل مثل «الميل إلى الباطل» و«عدم الاهتمام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» كعوامل لظهور آفة انعدام البصيرة لدى الناس.
5- كما بينت السيدة (عليها السلام) في ذيل تعريف كل آفة من آفات المجتمع الإسلامي، آثارها وتبعاتها لزيادة انتباه الناس إلى مخاطرها. لذا، على سبيل المثال، عرفت إثارة الفتن في المجتمع، وغصب حق أهل البيت (عليهم السلام)، وبلى ثوب الدين، وانطفاء أنواره كأحد تبعات رذيلة النفاق في المجتمع، واعتبرت التهرب من الجهاد والابتعاد عن الولاية من تبعات آفة نزعة الرفاهية، والعودة إلى أحكام الجاهلية وغصب إرث البنات كإحدى آفات عدم الاهتمام بأحكام القرآن في المجتمع الإسلامي.
6- في خطبة السيدة الزهراء (عليها السلام)، تم تقسيم جماهير الناس إلى قسمين: خواص وعامة، ولكل مجموعة تم تعريف مؤشرات ووظائف منفصلة. وفي هذا السياق، يُعتبر عدم اهتمام الناس، وخاصة الأنصار، بمكانتهم ومسؤولياتهم في المجتمع الإسلامي من أهم عوامل إثارة الفتن والأحداث المأساوية بعد وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).
7- القسم الثاني من خطبة السيدة الزهراء (عليها السلام) مخصص لتقديم حلول الخروج من الآفات. وقد قدمت السيدة الحالات التالية كحلول رئيسية: العودة إلى الخطاب النبوي (صلى الله عليه وآله وسلم)، العودة إلى الثقلين، العودة إلى تعاليم التوحيد، والالتزام بالقوانين الفردية والاجتماعية في المجتمع.
8- من أهم إنجازات هذا البحث، استخراج نموذج دراسة المشكلات للسيدة الزهراء (عليها السلام) الذي يظهر جيدًا كونه يتجاوز الزمان والمكان. إن تبيين علل وجذور ظهور الآفات إلى جانب دراسة العلل، وكذلك تبيين فوائد وآثار الاهتمام بالحلول إلى جانب تقديمها، هي من النقاط المغفول عنها في سياق دراسة علل المعضلات الاجتماعية، والتي لم يلتفت إليها إلا القليلون، ولكن يُلاحظ أن السيدة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها قد تناولت تبيين هذين القسمين ولم تغفل عن العلل والجذور والآثار والتبعات.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
آذربادگان، حسين علي. «نگاهی گذرا به اسناد و منابع مکتوب خطبه فدک». علوم حديث، 26 (1382): 47-69.
ابن طاووس، علي بن موسى، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، قم، الخيام، 1399ق.
ابن طیفور، احمد بن ابی طاهر، بلاغات النساء، قم، الشريف الرضي، بيتا.
اربلی، علی بن عيسى، كشف الغمة في معرفة الائمه (ع)، تصحیح: ابراهیم میانجی، تهران، اسلامیه، بی تا.
انصاری، محمدباقر؛ رجایی، حسین، اسرار فدک؛ محاکمه غاصبین فدک در کلام دختر وحی برای نسل های آینده، قم، الهادی، 1376ش.
باردن، لورنس، تحلیل محتوا، ترجمه: محمد یمنی دوزی سرخابی و ملیحه آشتیانی، تهران، شهید بهشتی، 1374ش.
جوهری، احمد بن عبدالعزيز، السقيفه و فدک، بغداد، مكتبة نينوى، بی تا.
حسینی زنجانی، سید عزالدین؛ شرح خطبه حضرت زهرا (س)، قم، بوستان کتاب، 1391ش.
دستغیب، سید عبدالحسین، بندگی، راز آفرینش؛ شرح خطبه حضرت زهرا (س)، قم، داوری، 1398ش.
رهبر، مهدی. «نکاتی درباره فلسفه احکام شرعی با نگاهی به خطبه فدکیه». مصباح، 56 (1384): 84-99.
سید مرتضی، علی بن حسین، الشافي في الامامة، قم، إسماعيليان، 1410ق.
صدر، محمدباقر، فدك في التاريخ التشيع و الاسلام بحث حول المهدى، قم، مرکز شهید صدر، 1380ش.
صدوق، محمد بن علی، علل الشرائع، تحقیق: محمد صادق بحر العلوم. نجف، المكتبة الحيدرية، 1385ق.
____، من لا يحضره الفقيه، تحقيق: علی اکبر غفاری، قم، جامعه مدرسين، بی تا.
طبرسی، احمد بن علی، الاحتجاج، مصحح: محمدباقر موسوی خرسان، مشهد، المرتضوی، 1403ق.
طبری، محمدبن جرير، دلائل الامامة، قم، مؤسسة البعثة، 1413ق.
عترت دوست، محمد. «روش شناسی فهم حدیث در فرایند سه گانه تحلیل متن، تحلیل محتوا و تحلیل گفتمان». حدیث پژوهی 11، 21 (1398): 291-320. doi: 10.22052/0.21.291.
_________. فتحيه فتاحی زاده، زینب حسینی زاده و محمد رضایی مقدم. «تبيين ساختار هندسی خطبه های سه گانه غدیر با استفاده از روش تحلیل محتوای مقوله ای». امامت پژوهی 9، 25 (1398): 99-128. doi: 10.22034/jep.2020.202531.1113.
_______، و مهدیه احمدی. «راه کارهای مقابله با اشرافی گری بر مبنای تحلیل محتوای نامه امام علی علیه السلام به عثمان بن حنی». اسلام و مطالعات اجتماعی 9، 34 (1400): 67-94. doi: 10.22081/jiss.2021.60600.1789.
کریپندورف، کلوس، مبانی روش شناسی تحلیل محتوا، ترجمه: هوشنگ نائینی، تهران، روش، 1387ش.
مجلسى، محمدباقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر اخبار الائمة الاطهار (ع)، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403ش.
معارف، مجید، «ساختار توحید در خطبه فدکیه و نقش آن در اصلاحات انحرافات سیاسی و اجتماعی»، پژوهش های نهج البلاغه 43 (1393): 7-30.
معتمد لنگرودی، فرشته، «پایان نامه: روابط بینامتنی خطبه های حضرت زهرا (س) با قرآن»، تهران، دانشگاه الزهرا (س)، 1394ش.
نیل ساز، نصرت؛ و زهره بابا احمدی میلانی. «گونه شناسی استشهادهای قرآنی خطبه فدكيـــه». ســــراج منیر 7، 23 (1395): 31-54. doi: 10.22054/ajsm.2017.7451.
نئوندورف، کیمبرلی ای، راهنمای تحلیل محتوا، ترجمه: حامد بخشی و وجیهه جلالیان بخشنده، مشهد، جهاد دانشگاهی، 1395ش.
الهوامش
1. تحليل المحتوى الموضوعي.
2. لورنس باردن.
3. كرييبندورف، كلاوس.
4. سميث، تشارلز ب.