الملخص
يعد الاستناد إلى أحاديث المعصومين (ع) وتبيين وجوهها الدلالية المتنوعة من أهم اهتمامات الملا صدرا في بيان مسائل الحكمة المتعالية. ومن هذه الأحاديث التي استعان بها الملا صدرا في مواضع كثيرة، الحديث المعروف بـ «لا أبالي»، الذي يصرح فيه الله تعالى بأنه خلق فريقًا من الناس للجنة وفريقًا آخر للنار، ولا يبالي في فعله هذا. وقد توصل هذا البحث، بالمنهج الوصفي التحليلي ودراسة عدة من آثار الملا صدرا، لا سيما شرحه على أصول الكافي، إلى أن الملا صدرا يعتبر هذا الحديث حديثًا قدسيًا ومتفقًا عليه بين الشيعة وأهل السنة. وتُظهر دراسة المصادر الروائية الشيعية والسنية أنه لا يوجد حديث يتطابق لفظه تمامًا مع المنقولات التي أوردها الملا صدرا. ومع ذلك، توجد أحاديث يمكن أن يُستنبط منها المعنى الذي قصده الملا صدرا إلى حد ما.
١. طرح المسألة
مع ترجمة الآثار الفلسفية للفلاسفة اليونان القدماء إلى اللغة العربية ومواجهة المفكرين المسلمين لنظرياتهم، كانت إحدى المسائل التي شغلت أذهانهم على الدوام هي مدى تطابق أو عدم تطابق الأفكار الفلسفية مع الآيات القرآنية وأحاديث المعصومين (ع). لقد كان ادعاء الفلاسفة المسلمين هو انسجام أفكارهم الفلسفية مع الأسس الدينية والمنقولات الشرعية، أو على الأقل عدم تنافيها وتناقضها مع البراهين الفلسفية ومفاد الآيات القرآنية والأحاديث. وفي المقابل، كانت إحدى التهم الأساسية التي وجهها كبار المتكلمين، أمثال الغزالي، إلى الفلاسفة وعلى رأسهم ابن سينا، هي تناقض نظرياتهم الفلسفية مع آيات القرآن وأحاديث النبي (ص). لذا، من وجهة نظر أمثال الغزالي، يُتهم الفلاسفة بالخروج عن الدين المبين والشريعة المقدسة. [1]
من بين الفلاسفة والمفكرين المسلمين، كان للملا صدرا الاهتمام الأكبر باستنباط الأسس العقلية والبرهانية من الآيات القرآنية وأحاديث المعصومين (ع) وتطبيقها على المنقولات الشرعية في مجال المعارف الإسلامية. وقد سعى في مواضع متعددة من آثاره الفلسفية إلى الاستشهاد أو الاستناد بالآيات القرآنية وأحاديث المعصومين (ع) لدعم ادعاءاته الفلسفية (على سبيل المثال، انظر: الملا صدرا، 1981م، 8: 303)؛ ومن جهة أخرى، أولى في آثاره التفسيرية وشرحه على أصول الكافي اهتمامًا جادًا ببيان المنقولات الشرعية بيانًا استدلاليًا وبرهانيًا (على سبيل المثال، انظر: الملا صدرا، 1383ش، 1: 220)؛ لأنه يرى أن مفاد العقل والنقل القطعي لا يتعارضان أو يتناقضان، بل يتطابقان.
يهدف هذا البحث إلى معرفة ودراسة وتحليل المصادر الحديثية التي استند إليها الملا صدرا. وما هي درجة اعتبار هذه الأحاديث بالنظر إلى قواعد وضوابط فقه الحديث ومبانٍ علمي الرجال والسند؟ وبهذا الهدف، يتناول البحث الحالي دراسة حالة للحديث المعروف بـ «حديث لا أبالي». فبحسب هذا الحديث، خلق الله فريقًا ليدخل الجنة وفريقًا آخر ليدخل النار؛ وهو أمر يبدو ظاهريًا متعارضًا مع الإرادة والاختيار الإنساني في أداء الأفعال. من هنا، يمكن لهذا البحث أن يكون جديدًا في مجاله.
إن حديث «خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي وَخَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَلَا أُبَالِي» من الأحاديث المهمة التي استند إليها الملا صدرا، خاصة في مسألة كيفية وكنه السعداء والأشقياء في عالم المعاد الأكبر. وقد نُقل هذا الحديث في آثار وكتب الملا صدرا المتنوعة بعبارات مختلفة، وإن كانت تختلف قليلًا في الألفاظ، إلا أنها تفيد معنى واحدًا، وللملا صدرا ادعاء واحد بشأنها. ويبدو – كما سيأتي لاحقًا – أن الملا صدرا في استشهاده واستناده إلى هذه العبارة متأثر تمامًا بالفلاسفة السابقين مثل ابن سينا ومير داماد.
في المصادر الروائية لأهل السنة والشيعة، لم يُعثر على حديث يتطابق لفظه تمامًا مع العبارة التي أوردها الملا صدرا، ولكن توجد أحاديث يبدو أن المعنى الذي قصده الملا صدرا يمكن استنباطه منها. وفيما يلي، سنتناول دراسة مدى اعتبارها بناءً على قوانين وضوابط فقه الحديث.
على الرغم من وجود دراسات متنوعة حول الملا صدرا وآثاره الفلسفية والحديثية في صورة كتب ومقالات وأطروحات ومشاريع بحثية من زوايا مختلفة، إلا أن البحث أظهر أنه لم يُعثر على أي أثر يتناول المسألة قيد التحقيق، أي التحليل الفقهي لعبارة «لا أبالي» في آثار الملا صدرا مع التأكيد على شرح أصول الكافي. والمقالة الوحيدة التي تناولت مفهوم «لا أبالي» بشكل عام ومختصر في النصوص العرفانية هي مقالة بعنوان «وقفة دلالية حول مفردة لا أبالي في الأدب والحديث والعرفان» (1390ش) لموحدي محب. وقد تناول المؤلف في هذا الأثر دراسة مصطلح «لا أبالي» في دواوين الشعراء الفرس، وبعض الأحاديث، وبعض النصوص العرفانية العامة بشكل كلي وبمعزل عن مباحث فقه الحديث. وهو يرى أن تركيب «لا أبالي» الذي شاع في الأدب التقليدي والعامي بصيغة وصفية ومصدرية وبمعنى سلبي، قد استمد أصله وأساسه من التعاليم الدينية، ثم جرى في الأدب والتصوف والعرفان بتعاريف تتناسب مع مقامات السلوك العرفاني.
٢. دراسة المفهوم
قبل الدخول في صلب البحث، ومن أجل توضيح مفهوم المصطلح قيد التحقيق، نقدم شرحًا موجزًا لتعبير «لا أُبالي» الوارد في الحديث. كلمة «لا أبالي» في كتب اللغة والمعاجم تعني عدم الاهتمام وعدم إيلاء الأهمية لشيء بالنسبة للإنسان (الفيومي، 1414ق، 2: 62)، وقد وردت أيضًا بمعنى عدم الكراهة (ابن الأثير الجزري، 1367ش، 1: 156؛ ابن منظور، 1414ق، 11: 75). ومن الواضح أن معنى عدم الاهتمام لا ينسجم مع عبارة الحديث التي استدل بها الملا صدرا؛ لأنه في هذه الحالة يصبح معنى الحديث: «لقد خلق الله السعداء والأشقياء ولكنه لا يهتم بهم أو لا يولي لهم اهتمامًا». هذا الأمر لا ينسجم مع الإرادة الكلية والمطلقة لله وتعلقها بجميع الموجودات. ولكن إذا كان معنى «لا أبالي» هو عدم الكراهة، فإن معنى الحديث يكون تعلق الإرادة الإلهية بخلق البشر أهل الجنة وأهل النار وتعلق إرادته بهم.
٣. حديث «لا أبالي» في آثار الملا صدرا
يستند الملا صدرا في مواضع عدة وبمناسبات مختلفة في آثاره الفلسفية، والحديثية، والتفسيرية إلى هذا الحديث بعبارات متنوعة. ومن أشهر صيغ نقل الحديث في آثار الملا صدرا ما يلي: «خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي وَخَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَلَا أُبَالِي» (الملا صدرا، 1366ش، 5: 242). ويعتبر الملا صدرا هذا الحديث قدسيًا [2] (الملا صدرا، 1366ش، 7: 183) ومورد اتفاق بين الشيعة وأهل السنة (نفس المصدر، 5: 242).[3]
ينقل صدر المتألهين أحيانًا في مواضع من «شرح الهداية الأثيرية» وكذلك مجموعة «الرسائل التسعة» هذه العبارة نفسها دون الإشارة إلى كونها حديثًا (الملا صدرا، 1422ق، 401؛ أيضًا، 1302ش، 175). ولكن من الواضح، بالنظر إلى تأكيداته الأخرى في كتبه الأخرى، أن هذه العبارة في نظره حديث قدسي ومورد اتفاق بين الشيعة وأهل السنة. وبناءً على ذلك، ووفقًا للأصول اللفظية، يُحمل المطلق من كلامه على المقيدات.
وفي بعض الموارد، لا ينقل الملا صدرا الحديث كاملاً؛ بل يكتفي بنقل جزء منه: «فِي الْحَدِيثِ الإِلَهِيِّ الرَّبَّانِيِّ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ نَقْلًا؛ هَؤُلَاءِ خَلَقْتُهُمْ لِلنَّارِ وَلَا أُبَالِي» (الملا صدرا، 1366ش، 1: 378). لذا، فإنه ينقل فقط فقرة من العبارة الأولى. وبناءً على ذلك، لا يوجد فرق جوهري مع النقاط التي سيتم بيانها لاحقًا حول عبارته الكاملة.
قبل الملا صدرا، نقل ابن سينا هذه العبارة واستخدم تعبير «قيل» بشأنها، ولكنه لم يُعثر على ما يدل على اعتباره إياها حديثًا من قبل الشيخ الرئيس (ابن سينا، 1404ق، 422). وبناءً على ذلك، قد تكون هذه العبارة في نظر ابن سينا مجرد جملة عربية مشهورة أو حتى مثلًا سائرًا. ومع ذلك، فإن الميرداماد ينقل هذه العبارة نفسها بعنوان كلام الله تعالى (الميرداماد، 1367ش، 460)، مما يعني أنه اعتبر هذا الحديث قدسيًا. والفخر الرازي أيضًا، متوافقًا مع الفلاسفة، يعتبر هذه العبارة حديثًا قدسيًا ومنقولًا عن الله (الرازي، 1407ق، 9: 236). كما استشهد بعض العرفاء قبل الملا صدرا واستدلوا بنفس هذه العبارة (اللاهوري، 1377ش، 704) واعتبروها قدسية.
وتجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من الاهتمام في آثار كبار العرفاء مثل ابن عربي وشراحه كالقيصري والكاشاني، لم يُعثر على عبارة «لا أبالي» ولا على استشهادات الملا صدرا.
بالبحث المستفيض في آثار ومصادر الحديث الشيعية والسنية، لم يُعثر على عبارة بهذا الترتيب والألفاظ بعنوان حديث، ولكن مضمون الحديث العام وبصيغ أخرى وإضافات كثيرة يوجد بشكل أو بآخر في المصادر الروائية الشيعية، وهو ما سيأتي في قسم آخر من هذا البحث.
في بعض الموارد في آثار الملا صدرا، توجد تعابير مشابهة يظهر فيها اختلاف في التعابير، مما يدل على أنه كان ينقل الرواية نقلًا بالمعنى والمضمون.[4]
ينقل الملا صدرا في كتاب شرح أصول الكافي (1383ش، 1: 384) ومفاتيح الغيب نفس هذه العبارة. ولكن النقطة المهمة في نقل كتاب مفاتيح الغيب هي أن العبارة المذكورة تُنقل بعد آية من القرآن الكريم، ويذكر الملا صدرا بعدها أن: الله قال بعد الآية: هؤلاء للجنة… ورغم أن هذا التعبير من الملا صدرا قد يوحي في البداية بأن العبارة آية قرآنية في نظره، إلا أنه بالنظر إلى نوع عبارات الملا صدرا، فإن مقصوده هو كون العبارة قدسية؛ فمن المؤكد أن هذه العبارة ليست آية قرآنية. ثم يضيف الملا صدرا بعد العبارة المذكورة فقرة «فتعالى الملك الحق» (الملا صدرا، 1363ش، 182)، والتي يُحتمل أنها أُضيفت عمدًا وهادفًا لتشريف وتعظيم كلام الله الحكيم، حيث إن هذه الفقرة لا توجد في أي من آثاره الأخرى، ولا يوجد دليل على كون فقرة «فتعالى الملك الحق» حديثًا في آثار الملا صدرا. وعلى غرار هذا المعنى، يُلاحظ وجود العبارة المذكورة في شرح أصول الكافي أيضًا؛ حيث يكتب في موضع: «عَرَفَ الْخَلْقَ أَحْوَالَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ فَقَالَ: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (الانفطار: 14-15)، ثُمَّ قَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي وَخَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَلَا أُبَالِي» (الملا صدرا، 1383ش، 4: 397). [5]
بالنظر إلى كثرة نقل هذا الوجه من الحديث مقارنة ببقية النقولات في آثار الملا صدرا (1366ش، 5: 242؛ أيضًا، 1363ش، 170)، يبدو أن هذا النقل كان أكثر اعتمادًا واستنادًا واستشهادًا لديه؛ رغم أن مضمونه ومفاده واحد مع النقولات الأخرى. وكما يلاحظ، باستثناء فعل «خلقت» في بداية الفقرتين، لا يوجد فرق جوهري بين هذه العبارة والنقل الأول، ولا يوجد اختلاف معنوي خاص بين هاتين العبارتين. كما ينقل الحديث في مواضع أخرى بعبارة أخرى. على سبيل المثال، يكتب أحيانًا: «فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ هَؤُلَاءِ خَلَقْتُهُمْ لِلنَّارِ وَلَا أُبَالِي» (الملا صدرا، 1360ش، 30)، وأحيانًا ينقله بهذه الصيغة: «فِي الْحَدِيثِ الْإِلَهِيِّ الرَّبَّانِيِّ: هَؤُلَاءِ خُلِقُوا لِلنَّارِ وَلَا أُبَالِي» (الملا صدرا، 1422ق، 459).
هاتان العبارتان أيضًا لا تختلفان من حيث المعنى اختلافًا جوهريًا عن النقولات السابقة، ولا تثيران معنى مختلفًا أو متضادًا في الذهن؛ بل تختلفان فقط في بعض الألفاظ عن العبارة الأولى، دون وجود اختلاف أو تضاد معنوي. ويبدو أن الملا صدرا، بالاعتماد على ذهنه وحافظته، قد أورد مقصود ومعنى العبارة الأولى في بعض كتبه دون الرجوع إلى المصادر الروائية في هذا المجال، أو حتى دون الالتفات إلى نقله في آثاره الأخرى.
٤. حديث «لا أبالي» في المصادر الحديثية
كما أُشير سابقًا، لم يُعثر في المصادر الحديثية الشيعية والسنية على حديث يتطابق لفظه تمامًا مع منقولات الملا صدرا. ومع ذلك، توجد أحاديث يمكن استنباط معنى الملا صدرا منها إلى حد ما، وإن كانت هناك اختلافات أيضًا سنتناولها بالدراسة.
نقل الكليني في أصول الكافي حديثًا – بمضمون قريب من منقولات الملا صدرا – على النحو التالي: «فَقَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ إِلَى الْجَنَّةِ بِسَلَامٍ وَقَالَ لِأَصْحَابِ الشِّمَالِ إِلَى النَّارِ وَلَا أُبَالِي» (الكليني، 1407ق، 2: 6). [6] هذا الحديث له قرابة معنوية إلى حد كبير مع حديث الملا صدرا الأول، حيث يأمر الله أهل النار وأهل الجنة بدخول النار أو الجنة. ولكن الفرق بين هذا الحديث والعبارة المنقولة عن الملا صدرا هو أن هذا الحديث يخاطب أهل النار فقط بـ«لا أبالي»، بينما يخاطب أهل الجنة بـ«ادخلوا بسلام». ويبدو أن استخدام تعبير «لا أبالي» لأهل النار وعدم استخدامه لأهل الجنة يدل على تشريف وتكريم أهل الجنة وتخفيف وتحقير أهل النار، بينما يستخدم الملا صدرا هذا التعبير لكلا الفريقين. كما أن هذا الحديث يتعلق فقط بالدخول إلى الجنة والنار، بينما تتعلق الفقرات الأولى من الحديث الأول بالطينة وبداية الخلق: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ قَالَ كُنْ مَاءً عَذْبًا أَخْلُقْ مِنْكَ جَنَّتِي وَأَهْلَ طَاعَتِي وَكُنْ مِلْحًا أُجَاجًا أَخْلُقْ مِنْكَ نَارِي وَأَهْلَ مَعْصِيَتِي…» (الكليني، 1407ق، 2: 6)؛ حتى أن أكمل نقل للملا صدرا – أي النقل الأول – يصرح بأن الله خلق البعض للجنة والبعض الآخر للنار. ومع ذلك، ولأن بداية الحديث تتعلق بطينة وخلقة البشر، يمكن استنباط المعنى الذي قصده الملا صدرا منه.
النقطة المهمة الأخرى هي أن مقصود الملا صدرا هو هذا الحديث المنقول في كتاب أصول الكافي، لأنه أشار إلى ذلك في بعض المواضع (الملا صدرا، 1366ش، 7: 183؛ 5: 242). ولكن عبارة الملا صدرا تختلف عن هذا الحديث الشريف. ففي ذيل هذا الحديث، هناك صراحة في تكليف البشر باختيار السعادة أو الشقاوة، حيث إن المؤمنين مطيعون لأوامر الله بينما الكفار يعصونها: «فَقَالَ لِأَصْحَابِ الشِّمَالِ ادْخُلُوهَا فَهَابُوهَا، فَقَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ادْخُلُوهَا فَدَخَلُوهَا…» (الكليني، 1407ق، 2: 6)، وهذا يدل على اختيار الإنسان للجنة أو النار. في حين أن عبارة الملا صدرا تنفي صراحة الاختيار والإرادة من الإنسان. بعبارة أخرى، استناد الملا صدرا إلى عبارته يهدف إلى شمول القضاء والقدر الإلهي لجميع الموجودات، بما في ذلك الأفعال الإرادية للإنسان (الملا صدرا، 1302ش، 176)؛ لأن جميع الموجودات تُخلق وتُوجد بالجعل البسيط لله. ولاستنباط كون هذه الأفعال إرادية من عبارة الملا صدرا، يجب الاستعانة بمبانيه الأخرى حول إرادية الأفعال البشرية ورؤيته في «الأمر بين الأمرين» (الملا صدرا، 1360ش، 490)، فتطبيق هذه المباني يؤدي إلى نفس معنى الحديث. ولكن المسألة هي أن استنباط هذا المعنى يتطلب استخدام مبانٍ أخرى لصدر المتألهين، وأن الألفاظ التي استند إليها ليست موجودة في هذا الحديث الشريف من أصول الكافي (1407ق، 2: 6).
في بعض أحاديث أهل السنة، وردت الفقرات الأولى من العبارة التي استشهد بها الملا صدرا، ولكن هناك اختلاف في الفقرة التي استند إليها. فنص الحديث في مصادر أهل السنة هو: «خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ» (ابن حنبل، 1416ق، 1: 400). ومن الواضح أنه بدلًا من فقرة «لا أبالي» في كلا القسمين من هذا الحديث، يتم التأكيد على الأداء الإرادي للأفعال، بحيث لا يتعارض الخلق مع إرادية الأفعال. ومن المثير للاهتمام أن النبي (ص) ينقل هذا الحديث عن الله تعالى، أي أنه في مصادر أهل السنة يُعتبر «حديثًا قدسيًا».
بالنظر إلى النقاط المذكورة أعلاه، يبدو أن ادعاء الملا صدرا بإجماع واتفاق الشيعة وأهل السنة على هذا الحديث ليس صحيحًا على إطلاقه، لأن الأحاديث المنقولة في كتب الحديث الشيعية والسنية تختلف لفظًا، ولكن هناك تطابق معنوي نسبي. وبناءً على ذلك، فإن ادعاء الاتفاق بين الفريقين ليس إجماعيًا.
نُقل حديث آخر في كتاب المحاسن الشريف، يفيد مقصود الملا صدرا من حيث المعنى: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَطَ الطِّينَتَيْنِ فَعَرَكَهُمَا وَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا رَاحَتَيْهِ جَمِيعًا وَاحِدَةً عَلَى الْأُخْرَى ثُمَّ فَلَقَهُمَا فَقَالَ هَذِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَهَذِهِ إِلَى النَّارِ وَلَا أُبَالِي…» (البرقي، 1371ش، 1: 137). ومن الواضح وجود اختلافات لفظية بين العبارة التي استشهد بها الملا صدرا وهذا الحديث، ولكن المعنى يبدو واحدًا. وتجدر الإشارة إلى أنه باستثناء الحديث السابق، لم يُعثر على حديث مشابه لهذا في أحاديث أهل السنة.
على الرغم من أن الملا صدرا يدعي قدسية الأحاديث قيد البحث، إلا أن دراسة الروايات المشابهة وذات المضمون الواحد – والتي يُحتمل أنها مصدر منقولات الملا صدرا – تظهر عدم قدسيتها.
على سبيل المثال، سند الحديث المذكور أعلاه هو: «وَعَنْهُ عَنْ أَبِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ الْحَضْرَمِيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ» (البرقي، 1371ش، 1: 137). في هذا السند، «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ الْحَضْرَمِيِّ» شخص وُصف بأنه كذاب، غالٍ، وغير معتمد، ورواياته غير موثوقة (النجاشي، 1365ش، 226). كما قال ابن الغضائري عنه: «ضعيف… غال، متهافت، لا ارتفاع به» (ابن الغضائري، 1422ق، 78). وقد اعتبره بعض رجاليي الشيعة واقفيًا، أي من المتوقفين عند إمامة موسى بن جعفر (ع) (الطوسي، 1373ش، 341).
من وجهة نظر العلامة الحلي، هو «الْمَعْرُوفُ بِالْبَاطِلِ، وَاقِفِيٌّ، كَذَّابٌ، غَالٍ، يَرْوِي عَنِ الْغُلَاةِ؛ لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ الْبَتَّةَ» (الحلي، 1342ش، 470)؛ أي شخص معروف بقول الباطل، واقفي، كاذب، وغالٍ، لا خير في كلامه، ولا أهمية لمنقولاته الروائية على الإطلاق. وبناءً على ذلك، هذه الرواية ضعيفة لوجود شخص يُدعى «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ الْحَضْرَمِيِّ». والسبب الآخر لضعف هذا الحديث هو جهالة أحد رواته، حيث إن المحدث في سلسلة السند قد أورد «عَمَّنْ حَدَّثَهُ»، مما يدل على جهالة وعدم معرفة أحد رواته. فليس من الواضح من هو «عَمَّنْ حَدَّثَهُ» حتى يتحدد مدى الاعتماد عليه أو عدمه.
الحاصل أنه على الرغم من أن هذا الحديث يمكن أن يكون مؤيدًا للعبارة التي استند إليها الملا صدرا، إلا أنه بسبب ضعف سنده، لا يمكن الاعتماد عليه، ولا يمكن الجزم بصدوره عن المعصوم (ع)، بل إن عدم صدور هذه الرواية عن المعصوم (ع) هو الأرجح.
٥. استنادات الملا صدرا إلى حديث «لا أبالي»
في الأقسام السابقة، تم بحث وتقييم عبارة الملا صدرا من الناحية الحديثية واللفظية. وسيتم في ما يلي دراسة كيفية استفادة الملا صدرا من هذا الحديث في استدلالاته الفلسفية وفي شروح أحاديث الكافي. بشكل عام، يستخدم صدر المتألهين هذه العبارة الحديثية في مباحث كيفية تعلق الإرادة الإلهية بشرور العالم وارتباطها بسعادة أو شقاوة الإنسان، وهو ما سنتناوله في هذا القسم.
مسألة الشر من القضايا التي كانت دائمًا موضع بحث ونقاش بين المفكرين عبر تاريخ الفلسفة. المسألة هي: كيف ينسجم وجود بعض الشرور في العالم مع الله العليم الحكيم؟ كيف يمكن افتراض أن سيلًا مدمرًا يقضي تمامًا على حياة ومنزل عجوز فقيرة وأرملة، أو أن وباءً شاملًا يؤثر على حياة ومعيشة ملايين البشر في جميع أنحاء العالم ويجعلهم يعانون بشدة؟ ومع ذلك، كان يعتقد بعلية وتدبير الله الحكيم والعادل في نظام الوجود وخيرية تدبيراته.
بشكل عام، يوجد في آثار الملا صدرا إجابتان على مسألة الشر، وهما عدمية الشرور وقلة وجودها. وفي الإجابة الثانية، التي يعتقد أرسطو أيضًا بها حسب نقل الملا صدرا، تنقسم موجودات العالم إلى خمسة أقسام كلية، حيث إن مخلوقات العالم المادي لها خير كثير وشر قليل. وهذا الشر القليل هو من لوازم الخيرات الكثيرة الموجودة في العالم المادي. مثل النار التي لها خير كثير لحياة الإنسان ولكنها قد تحرق يد شخص ما.
يفصل صدر المتألهين بحثه، بالنظر إلى هذه العبارة المأخوذة من الأحاديث، بشكل أكثر تفصيلًا. فيشرح أن الشرور في ما يتعلق بسعادة وشقاوة الإنسان قليلة أيضًا. ويوضح أن البشر المستحقين للشقاوة الدائمة في عالم المعاد قليلون جدًا مقارنة بالسعداء. وقلة عدد الأشقياء مقارنة بالسعداء تتوافق مع الرحمة الإلهية الواسعة؛ لأن هذه الشرور القليلة والضئيلة هي من لوازم كثرة خيرات البشر الأخروية وسعادتهم. والنتيجة هي أنه وفقًا لحديث «خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي وَخَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَلَا أُبَالِي»، فإن الله هو خالق ومنشئ جميع السعداء والأشقياء، وكلهم مشمولون بالقضاء والقدر الإلهي. ولكن بسبب قلة عدد الشرور مقارنة بالخيرات، والأشقياء مقارنة بالسعداء، فإن هذا الأمر لا يتعارض ولا يتناقض مع الرحمة الإلهية الواسعة (الملا صدرا، 1422ق، 401).
النتيجة هي أنه على الرغم من أن خلق بعض البشر، وفقًا للقضاء والقدر الإلهي، يهدف إلى دخولهم النار، إلا أنه بسبب قلة عددهم، فإنهم شرور قليلة، والرحمة الإلهية الواسعة تشمل جميع الموجودات.
من النقاط الأخرى التي يطرحها صدر المتألهين في سياق الرواية قيد البحث، هي مسألة سعادة أو شقاوة الإنسان في يوم القيامة. ففي نظره، يواجه السعداء في الدنيا ابتلاءات شديدة وتكون حياتهم صعبة، وفي المقابل، ستكون حياتهم الأخروية مليئة بالسعادة والرحمة. أما الأشقياء، فتكون حياتهم الدنيوية مصحوبة باللذة والسرور، ولكن حياتهم الأخروية مؤلمة. وبناءً على ذلك، فإن كل فرد من البشر له سعادته وشقاوته الخاصة. وحياة الأشقياء في الآخرة في عذاب وألم دائمين، وهذا الأمر يرجع إلى خلقهم للنار: «خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ» (الملا صدرا، 1363ش، 170).
يعتقد الملا صدرا أن الله هو علة وسبب كل فعل من أفعال المؤمنين أو أهل النار، والذي بموجبه يتجهون إلى الجنة أو النار؛ بالطبع، هذا الأمر لا يتنافى مع كون أفعال الإنسان إرادية واختيارية (الملا صدرا، 1363ش، 182). ومن وجهة نظره، يدل حديث «خَلَقْتُ… فَلَا أُبَالِي» على الرحمة الإلهية العامة التي شملت جميع المخلوقات، ولكن غاية بعض الموجودات تتناسب مع الأسماء القهرية التي يعود باطنها أيضًا إلى الرحمة الإلهية العامة (الملا صدرا، 1386ش، 54)؛ لأنه لا يوجد مخلوق خارج عن الرحمة الإلهية العامة.
٦. النتيجة
مما سبق يمكن استنتاج ما يلي:
١- من أهم الأحاديث التي استند إليها الملا صدرا في تفسير القرآن وشرح أصول الكافي «حديث لا أبالي»، الذي خلق الله بموجبه فريقًا للجنة وفريقًا آخر لدخول النار.
٢- لم يُعثر على نفس ألفاظ وعبارات الملا صدرا في أي من مصادر الحديث الشيعية، ولكن يمكن استنباط مضمونها ومعناها من حديث منقول في أصول الكافي وحديث آخر في كتاب المحاسن للبرقي. حديث أصول الكافي موثوق ومعتمد من حيث السند، ولكن حديث المحاسن يعاني من ضعف سندي وغير معتمد.
٣- عُثر على عبارة الملا صدرا في مصادر الحديث لأهل السنة، ولكن الملا صدرا نقل جزءًا منها فقط، والجزء الآخر من الحديث لم يُعثر عليه في أي من آثاره. وعلى الرغم من أن نقل الملا صدرا للحديث يسبب اختلافًا معنويًا بينه وبين الرواية المنقولة في مصادر أهل السنة، إلا أنه يمكن استنباط معنى الفقرة غير المنقولة من مباني الملا صدرا.
٤- يعتبر الملا صدرا هذا الحديث قدسيًا ومورد اتفاق بين الشيعة وأهل السنة. ولكن يجب القول إن مضمون ومحتوى الرواية ورد في عدة أحاديث فقط، ولم يدع أحد الإجماع عليها، وفي الواقع، فإن نقلها بين الفريقين ليس اتفاقيًا ولا إجماعيًا.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
ابن الأثير الجزري، مبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر، قم، مؤسسة إسماعيليان للطباعة، ١٣٦٧ش.
ابن حنبل، أحمد بن محمد، مسند، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤١٦ق.
ابن سينا، إلهيات الشفاء، قم، مكتبة آية الله المرعشي، ١٤٠٤ق.
ابن الغضائري، أحمد بن حسين، الرجال، قم، دار الحديث، ١٤٢٢ق.
ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار الفكر، ١٤١٤ق.
البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن، قم، دار الكتب الإسلامية، ١٣٧١ش.
پسنديده، عباس، فقه الحديث ٢، قم، دار الحديث، ١٣٩٨ش.
الترمذي، محمد بن عيسى، الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي، القاهرة، دار الحديث، ١٤١٩ق.
الحلي، حسن بن علي بن داود، الرجال، طهران، جامعة طهران، ١٣٤٢ش.
الرازي، فخر الدين، المطالب العالية من العلم الإلهي، تصحيح: سقا أحمد حجازي، بيروت، دار الكتاب العربي، ١٤٠٧ق.
الطوسي، محمد بن حسن، الرجال، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، ١٣٧٣ش.
غفاري صفت، علي أكبر؛ صانعي بور، محمد حسن، دراسات في علم الدراية، طهران، انتشارات سمت وجامعة الإمام الصادق (ع)، ١٣٨٤ش.
الفرغاني، سعيد الدين، مشارق الدراري شرح تائية ابن فارض، قم، مركز انتشارات دفتر تبليغات إسلامي، ١٣٧٩ش.
الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، قم، مؤسسة دار الهجرة، ١٤١٤ق.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٤٠٧ق.
اللاهوري، محمد رضا، مكاشفات رضوي، طهران، روزنه، ١٣٧٧ش.
الملا صدرا، محمد بن إبراهيم، تفسير القرآن الكريم، قم، بيدار، ١٣٦٦ش.
________، أسرار الآيات، طهران، الجمعية الإسلامية للحكمة والفلسفة الإسلامية، ١٣٦٠ش.
________، شرح الهداية الأثيرية، بيروت، مؤسسة التاريخ العربي، ١٤٢٢ق.
________، شرح أصول الكافي، طهران، مؤسسة الدراسات والبحوث الثقافية، ١٣٨٣ش.
________، الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية، مقدمة وتصحيح وتعليق: السيد جلال الدين الآشتياني، نشر مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الرابعة، ١٣٨٦ش.
________، مجموعة الرسائل التسعة، قم، مكتبة المصطفوي، ١٣٠٢ش.
________، مفاتيح الغيب، طهران، الجمعية الإسلامية للحكمة والفلسفة الإيرانية، ١٣٦٣ش.
الميرداماد، مير برهان الدين محمد باقر الأسترآبادي، القبسات، طهران، جامعة طهران، ١٣٦٧ش.
النجاشي، أحمد بن علي، الرجال، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، ١٣٦٥ش.
الهوامش
١. كثير من أهل الحديث والفقهاء لديهم أيضًا مثل هذا التوجه تجاه نظريات الفلاسفة والعرفاء المسلمين ويعتقدون أن مبانيهم لا تتوافق مع الآيات القرآنية والأحاديث المنقولة وتتعارض معها.
٢. يدعي الملا صدرا أنه ينقل هذا الحديث من أصول الكافي، في حين أن هذا الحديث لم يُعثر عليه في أصول الكافي.
٣. الحديث القدسي هو كلام ينقله النبي (ص) عن الله، وفي هذا النوع من الأحاديث يكون المعنى والمضمون من الله والألفاظ من النبي الأكرم (ص) (غفاري صفت، ١٣٨٤ش، ١٥).
٤. يمكن القول بجزم إن الاستثناء الوحيد في هذا الصدد هو سعيد الدين الفرغاني. وهو من تلاميذ ابن عربي بالواسطة ومن كبار العرفاء المسلمين وشراح مدرسة ابن عربي، وينقل هذا الحديث من سنن الترمذي على النحو التالي: «… إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ آدَمَ فَضَرَبَ بِيَمِينِهِ عَلَى اليُمْنَى، فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ كَالْفِضَّةِ وَمِنَ اليُسْرَى سَوْدَاءَ كَالْحُمَمَةِ ثُمَّ قَالَ: «هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي، وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي»» (الفرغاني، ١٣٧٩ش، ٧٥٥). النص الذي استشهد به الفرغاني في كتاب مشارق الدراري من سنن الترمذي هو كالتالي: «خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ» (الترمذي، ١٤١٩ق، ٥: ١١١). من الواضح أن الفرغاني حذف أجزاء رئيسية من الحديث، وهي عمل أهل الجنة والنار وفقًا لطينتهم وذاتهم. على أي حال، يبدو أن كتاب مشارق الدراري للفرغاني هو أيضًا أحد مصادر استناد الملا صدرا في الاستشهاد بهذا الحديث. على الرغم من أن فقرات العمل وفقًا للطينة النارية أو الجنية لا توجد في أي من آثار الملا صدرا، إلا أنه يسعى، بالنظر إلى مبانيه في بحث اختيارية أفعال الإنسان، إلى تبريرها وتبيينها استدلاليًا.
٥. النقل بالمعنى عند العقلاء هو الأسلوب المعتاد في النقل الشفوي، وفي النقل الكتابي أيضًا يُستخدم في حالات النقل غير المباشر. وقد أمضى أئمة الشيعة هذا الأسلوب في نقل القول وأقروا به (پسنديده، ١٣٩٨ش، ١١٠).
٦. «إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ» (الانفطار: ١٣). (التصحيح بناءً على الآية الصحيحة)
٧. سلسلة أسانيد هذا الحديث في كتاب أصول الكافي هي كالتالي: «أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع): …» (الكليني، ١٤٠٧ق، ٢: ٦). وقد ورد هذا الحديث أيضًا في كتاب المحاسن، وسلسلة أسناده بحذف بعض رواة الكافي (البرقي، ١٣٧١ش، ١: ٢٨٢). ويُظهر البحث والتفتيش في مصادر الرجال الشيعية أن جميع رواة هذا الحديث ثقات ومعتمدون، بحيث لا يمكن الطعن فيهم (انظر: النجاشي، ١٣٦٥ش، ٩٢؛ الطوسي، ١٣٧٣ش، ١٤٦).