الملخص
يُعد عصر صحابة النبي الأكرم (ص) من أهم الفترات في تاريخ الفكر الأخلاقي في العالم الإسلامي؛ وهي الفترة التي أُتيحت فيها الفرصة لأصحاب النبي (ص) لنشر ما تعلموه منه في مختلف المجالات الأخلاقية والعقائدية والفقهية. ومع ذلك، لم تُجرَ إلا دراسات قليلة للتعرف على آراء مفكري هذه الفترة، وخاصة أفكارهم الأخلاقية، وكثيراً ما يُنظر إليهم على أنهم مجرد ناقلين لسنة النبي الأكرم (ص) دون أي تغيير في محتواها أو تفسير لها. تهدف هذه الدراسة إلى إعادة قراءة الفكر الأخلاقي لعبد الله بن عباس (ت ٦٨ هـ) من خلال نظرة نقدية لهذا التوجه السائد؛ فهو مفسّر من جيل صغار الصحابة، لم يحظ بالاهتمام الكافي بوصفه معلماً للأخلاق، كما أُغفل التأثير المحتمل لأفكاره الأخلاقية على رؤية المسلمين وثقافتهم في العصور اللاحقة. في الخطوة الأولى لدراسة فكر ابن عباس الأخلاقي، سنقوم بإعادة قراءة رواياته الأخلاقية في أقدم المصادر الحديثية، وسنستعرض جانباً من رؤاه الأخلاقية؛ تلك الرؤى التي تتعلق بتهذيب الذهن وإصلاح البصائر، والتي انعكست في أسئلة التابعين له، وفي أسئلته ونقولاته هو عن النبي (ص)، وفي آرائه التفسيرية، وشكلت بعداً مهماً من أبعاد منظومته الفكرية.
١. طرح الإشكالية
لم تُدرس خلفية نشأة المدارس الأخلاقية في العالم الإسلامي إلا قليلاً حتى الآن. ويبدو عموماً أن معاصري النبي الأكرم (ص) في فجر الإسلام لم يلتفتوا إلى تنوع أساليب السلوك الأخلاقي، وأنه مع ظهور دين الإسلام، اتبعوا جميعاً فكراً وسلوكاً أخلاقياً واحداً، تعلموه بطريقة متشابهة من النبي الأكرم (ص). لقد تأثر هذا الافتراض إلى حد كبير بمعتقدات غالبية المسلمين؛ وهو الاعتقاد بأن معاصري النبي الأكرم (ص) – أي الصحابة – كانوا جميعاً عدولاً، ولم يكن لهم دور في نشر الأفكار سوى النقل المحض والأمين لآراء النبي الأكرم (ص). وكانت النتيجة العملية لشيوع هذه النظرة هي قلة الالتفات، في الواقع، إلى احتمال أن يكون الصحابة أنفسهم أصحاب آراء متنوعة.
نعلم أن قسماً كبيراً من تعاليم النبي الأكرم (ص) والقرآن الكريم هو من جنس التعاليم الأخلاقية؛ حتى إن بعض الروايات تذكر أن النبي الأكرم (ص) بُعث لنشر الأخلاق الحسنة (انظر: البرجلاني، ١٤١٢هـ، ص ٣٣). أبعد من ذلك، فإن إحداث أي إصلاح جذري في البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية لأي مجتمع لا يمكن أن يتم دون تقديم رؤى وقيم أخلاقية جديدة. وبناءً على ذلك، يجب أن نتوقع أنه كما يؤدي ظهور أي تحول اجتماعي كبير إلى نشأة مدارس أخلاقية متنوعة، فإن الأرضية لمثل هذا التنوع قد ظهرت أيضاً مع بزوغ فجر الإسلام. هذا الاحتمال لم يؤخذ على محمل الجد حتى الآن (للإشارة إلى ضرورة مثل هذه الدراسات، انظر: باكتجي، ١٣٧٧هـ.ش، ص ٢٠١). وتستدعي هذه الضرورة بذل جهود للتعرف على أقدم الأفكار الأخلاقية الشائعة في العالم الإسلامي، وأقدم الأسئلة الأخلاقية الرائجة في الأجيال الأولى للمجتمع الإسلامي، وبالطبع التحولات اللاحقة للفكر الأخلاقي في العالم الإسلامي.
إن الروايات هي أحد المصادر المناسبة للبيانات اللازمة لمثل هذا التحليل. فعلى الرغم من أن مختلف الصحابة كانوا جميعاً ناقلين لأقوال النبي (ص)، إلا أن كلاً منهم، وبحسب هواجسه الذهنية وشواغله الفكرية والعملية، قد طرح أسئلة على النبي (ص)، وكلاً منهم أيضاً، وبحسب أحواله، سمع إجابات مختلفة منه، وكلاً منهم كذلك، وبحسب هواجسه المعنوية والدنيوية، احتفظ بجزء من تلك الإجابات في ذاكرته. وفيما بعد، عندما توسعت الفتوحات وانتشر الإسلام في العالم، واكتسب كل منهم مكانة دينية مرموقة كصحابي للنبي (ص)، سعوا مجدداً لنشر تلك الرؤى نفسها. وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار روايات مختلف الصحابة عن النبي الأكرم (ص) مصدراً مهماً للتعرف على الرؤى الأخلاقية للصحابة أنفسهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن مكانة الصحابة كأهم تلاميذ النبي (ص) قد أدت إلى أن تُنقل آراؤهم الخاصة في كتب الحديث ويُنظر إليها على أنها توجيهات معتبرة. ويمكننا أن نأمل أنه من خلال وضع آراء كل صحابي جنباً إلى جنب مع الروايات النبوية التي وصلت عن طريقه، يمكننا إيجاد سبيل للتعرف على إطاره الفكري (لتوضيح هذا المنهج، انظر: مهروش، «اندیشه اخلاقی ابن مسعود»، ص ١٤٤).
إن مثل هذه الدراسة، بالإضافة إلى إعادة بناء تاريخ الأفكار الأخلاقية القديمة في العالم الإسلامي، ستؤدي إلى إنجاز مهم آخر. فالكثير من أقوال أهل البيت (ع) وكبار الدين الآخرين قد صدرت في أجواء انتشار هذه الأفكار نفسها، وتحتوي أحياناً على انتقادات دقيقة وتلميحات خفية لهذه الأفكار (كمثال واحد فقط على ذلك، انظر: المصدر نفسه، ص ١٥١). لذا، فإن إعادة قراءة هذه الأفكار يمكن أن تكون مفيدة أيضاً لفهم الأفكار الأخرى الشائعة في البيئة الثقافية للقرون الهجرية الأولى وتاريخ التحولات الاجتماعية في تلك الفترة.
من بين الشخصيات البارزة في جيل الصحابة، عبد الله بن عباس، ابن عم النبي الأكرم (ص) وأحد مفسري القرآن الكريم (للاطلاع على حياته، انظر: البلاذري، ١٣٩٨هـ، ج ٤، ص ٢٧-٥٥). وقد عُدَّ ابن عباس من المكثرين في نقل الحديث (ابن حجر، ١٤١٥هـ، ج ١، ص ٨٨)، وفي بعض المصادر، نُسب إليه نقل ١٦٩٦ رواية نبوية من مجموع روايات الكتب الستة لأهل السنة (الأثيوبي، ١٤١٤هـ، ج ٢، ص ١٨٥). وإذا اعتبرنا مجموعة رواياته في مسند أحمد بن حنبل (ج ١، ص ٢١٤ وما بعدها) مصدراً يضم أغلب رواياته، فسنجد أن ما لا يقل عن ٣٠٠ رواية من هذا الحجم، أي حوالي ٢٠ بالمئة من مجموع رواياته، مخصصة لمواضيع ومسائل أخلاقية مختلفة.
إن نقل هذا الكم من الروايات الأخلاقية يدل على مدى اهتمام ابن عباس بنشر الرؤى الأخلاقية. ومع ذلك، لم تُجرَ حتى الآن دراسة يمكن على أساسها تقدير أي الرؤى والمعتقدات الأخلاقية التي كان يروج لها، وإلى أي مدى تعكس معتقداته الأخلاقية نظاماً فكرياً متماسكاً، وما هي العلاقة والصلة التي يمكن البحث عنها بين نشر هذه المعتقدات ورؤاه الأخرى واهتماماته العلمية أو الأجواء السياسية في عصره.
٢. الأبعاد المختلفة لإصلاح الرؤى
من خلال استعراض موجز لروايات ابن عباس في مسند أحمد، يمكن ملاحظة أن الروايات الأخلاقية لابن عباس تتضمن عدة محاور. قسم منها عبارة عن توصيات للتعامل مع عامة الناس على المستوى الاجتماعي؛ مثل التأكيد على مراعاة الآداب الاجتماعية (كمثال، انظر: أحمد بن حنبل، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٢٦، ٣٢٢)، وحسن الخلق والتعامل الأمثل مع الناس (المصدر نفسه، ج ١، ص ٢٥٧، ٣٢٧)، أو ضرورة مراعاة حقوق الناس (المصدر نفسه، ج ١، ص ٢٣٠، ٢٣٣). قسم آخر يتعلق بالتوصيات حول السلوك الفردي الأمثل؛ مثل ترويج نوع من الزهد وكبح النفس عن التمتع بملذات الدنيا وإن كانت حلالاً (المصدر نفسه، ج ١، ص ٢٣٤، ٣٠٤)، والتصرف وفقاً لآداب الدين ونموذجه (المصدر نفسه، ج ١، ص ٢٥٠، ٣٥٢)، والاهتمام بجودة العمل (المصدر نفسه، ج ١، ص ٢٣٠)، وبالطبع تجنب الإفراط والتفريط (المصدر نفسه، ج ١، ص ٢١٥، ٢٥٦).
المحور الثالث لرواياته الأخلاقية هو التوصيات المتعلقة بمنهج إصلاح الرؤى وتهذيب الذهن. فهناك روايات متعددة عنه حول ضرورة إصلاح النية (المصدر نفسه، ج ١، ص ٢٦٨)، ووجوب إرادة الخير للجميع (المصدر نفسه، ج ١، ص ٣٥١ «الدين النصيحة»)، وضرورة اليقظة الدائمة من الغفلة (المصدر نفسه، ج ١، ص ٣٥٧)، وما إلى ذلك. ورواياته في هذا الشأن تذكرنا برؤى مشابهة نُقلت عن علماء آخرين من القرن الهجري الأول. ويبدو أن التأكيد على ضرورة إصلاح الرؤى كان موضوعاً مشتركاً في التعاليم الأخلاقية الشائعة في القرن الهجري الأول؛ فعلى سبيل المثال، يرى ابن مسعود أن الفرح والسعي للوصول إلى الفهم السامي ضروريان في مسيرة الكمال الأخلاقي للفرد؛ أو مثلاً في الصحيفة السجادية، يُؤكد في نفس الوقت على الإيمان والفهم الصحيح والنية الخالصة كأبعاد ثلاثة مختلفة لكمال العقل (انظر: مهروش، «اندیشه اخلاقی ابن مسعود»، ص ١٤٩-١٥٢؛ والمؤلف نفسه، «اندیشه اخلاقی بازتابیده در صحیفه سجادیه»، ص ٥٣-٥٦).
يمكن في الخطوة الأولى لدراسة تعاليم ابن عباس الأخلاقية، البحث عن هذا المعنى نفسه في مجموعة رواياته أيضاً. والدراسة الحالية تتم بهذا الهدف. نريد حالياً أن نفترض صحة نسبة هذه الروايات إلى ابن عباس (للاطلاع على الملاحظات في هذا الشأن، انظر: نيل ساز وزرين كلاه، ١٣٩٨هـ.ش، ص ٢١٤-٢١٦)، ودون الدخول في بحث أصالتها وصحتها، نسعى لإعادة بناء الصورة الذهنية لابن عباس «الرمزي» لمنهج إصلاح الرؤى وتهذيب الذهن؛ الشخصية التي عرفها المسلمون في مختلف العصور، لا الشخصية التي كانت موجودة بالفعل. نريد أن نعرف من وجهة نظر ابن عباس الرمزي، أولاً، ما هي ضرورة السعي لإصلاح الرؤى؛ ثانياً، بأي الأساليب يمكن تحقيق مثل هذا الإصلاح؛ وثالثاً، ما هو الإصلاح الذي يحدثه كل من هذه الأساليب في رؤى الفرد. أما دراسة مدى تطابق آراء ابن عباس الرمزي مع ابن عباس الحقيقي فيجب أن تكون موضوعاً لدراسة منفصلة. وبالطبع، فإن مثل هذه الدراسة ليست بمعزل عن الجهود الحالية؛ فإعادة بناء المنظومة الأخلاقية لابن عباس يمكن أن تمكننا من تقييم علاقة هذه الأفكار ببعضها البعض ودراسة إمكانية نسبتها جميعاً إلى شخصية تاريخية واحدة.
لمعرفة رؤى وتصورات ابن عباس، لدينا عدة مصادر. أحد المصادر المهمة هو آراؤه التفسيرية التي يمكن العثور عليها في أعمال مثل جامع البيان للطبري، وتفسير ابن أبي حاتم، وأمثالهما. والمصدر المهم الآخر هو آراؤه الأخلاقية الخاصة. فابن عباس، بصفته صحابياً وعالماً دينياً، كان له مراجعون، وأحياناً كان يُطرح عليه أسئلة أخلاقية، وأحياناً كانت إجاباته على هذه الأسئلة تُروى أيضاً. والمصدر الثالث المهم هو الروايات التي ينقلها ابن عباس عن النبي الأكرم (ص). ورغم أن هذا النوع من الروايات يبدو ظاهرياً أنه ينقل لنا كلام النبي الأكرم (ص) نفسه، إلا أنه يعكس أيضاً رؤى وتصورات ابن عباس؛ لأن عنصر الاختيار يلعب دوراً في نقلها.
ولتوضيح ذلك، يجب أن نضيف أن بعض هذه الروايات تتضمن أسئلة طرحها ابن عباس بناءً على هواجسه الخاصة على النبي الأكرم (ص)، فأجابه النبي (ص) مع مراعاة أحواله ومناسبة طباعه؛ وهي أسئلة ربما لم تُطرح أبداً على صحابة آخرين. وبعضها الآخر هو أقوال قالها النبي (ص) في جمع من أصحابه، وبقيت تلك الأقوال في ذاكرة عدد قليل من الأفراد الذين أقاموا صلة روحية وفكرية معها، وبناءً على رؤاهم الخاصة، اعتبروا نشرها أولوية وضرورة. وهؤلاء هم من نقلوا تلك الأقوال بعد سنوات لمن لم يحظوا بلقاء النبي الأكرم (ص). إن الصلة بين نقل الرواية ورؤية كل فرد قوية لدرجة أننا نرى أحياناً أن الصحابة ينقلون قولاً واحداً للنبي الأكرم (ص) بصيغ مختلفة ومتعارضة أحياناً بالمعنى (للاطلاع على الأمثلة والدوافع، انظر: باكتجي، ١٣٩٢هـ.ش، ص ٣٧١-٣٧٥؛ والمؤلف نفسه، ١٣٩٤هـ.ش، ص ٦٦-٧٢)، وأحياناً يقطعونه (انظر: المؤلف نفسه، ١٣٨٨هـ.ش، ص ٣٧-٤٩).
من ناحية أخرى، نعلم أن الصحابة بعد وفاة النبي الأكرم (ص) أقاموا في مناطق مختلفة. وعندما واجهوا أسئلة متكررة من أفراد لم يروا النبي الأكرم (ص)، قام كل منهم، بما يتناسب مع حاجة بيئته وثقافة أهل تلك المنطقة ورؤاهم، وبحسب تقديرهم الخاص، بالهمة في ترويج تلك الأقوال من النبي الأكرم (ص) التي رأوا أنها أفضل ما يجيب عن حاجة المجتمع (انظر: مهروش، ١٣٩٥هـ.ش، ص ٢٢٨-٢٢٩). وبناءً على ذلك، يجب أن نتذكر أن الصحابة كانوا متأثرين بشدة برؤاهم الخاصة، سواء في سماع وجمع أقوال النبي الأكرم (ص)، أو في ترويجها. وإذا اعتبرنا فعلهم في إعادة سرد أقوال النبي الأكرم (ص) نوعاً من الترجمة الثقافية، فلنفس السبب الذي يمكننا من خلاله أن نستنتج من ترجمات مترجم ما هي الأفكار التي يحملها وأي الأفكار يختار ترويجها، يمكننا أيضاً من خلال الروايات التي ينقلها كل راوٍ ويروجها أن نستدل على أفكاره وميوله ومصالحه.
ألف- غاية الحياة الأخلاقية
إن الروايات الأخلاقية لابن عباس تضعنا أمام شخصية تعبر عن أسمى أهداف الإنسان تارة بالسعادة والفوز والفلاح (انظر: نافع، ١٤١٣هـ، ص ٩٤)، وتجعل الوصول إليه ممكناً بدخول الجنة (البيهقي، ١٤٠٦هـ، ص ١٤٦) والورود على حوض الكوثر (ابن أبي خيثمة، ١٤٢٧هـ، ج ١، ص ١٢٦). وبناءً على أقواله، فإن الفلاح هو أن يصل الأشخاص في حياتهم إلى النتيجة التي يطلبونها ويكونوا في مأمن من شر ما يخشونه (ابن أبي حاتم، ١٤٢٤هـ، ج ٥، ص ١٤٤١). والصورة التي يرسمها عن السعادة أكثر وضوحاً وتذكرنا بالسعادة الدنيوية المستقرة؛ فالسعادة هي تلك الحياة الطيبة التي يرزقها الله للصالحين في الدنيا (الطبري، ١٤٢٢هـ، ج ١٤، ص ٣٥٢-٣٥٣)؛ وهي الرزق الحلال (ابن أبي حاتم، ١٤٢٤هـ، ج ٧، ص ٢٣٠١) أو حياة القناعة (ابن أبي حاتم، ١٤٢٤هـ، ج ٧، ص ٢٣٠١). ومع ذلك، في بعض رواياته الأخرى، تُطرح السعادة كأمر يقابل الشقاء وكنتيجة أخروية للحياة الطيبة للشخص في الدنيا (انظر: الطبري، ١٤٢٢هـ، ج ١٤، ص ٦٥٤). يقول إن جميع البشر في العالم إما خبيثون وهم أهل الشقاء، أو طيبون وهم أهل السعادة (الطبري، ١٤٢٢هـ، ج ١١، ص ١٧٥). والسعادة أمر مقدر وغير قابل للتغيير (الثوري، ١٤٠٣هـ، ص ١٥٥)، والذين يسعون في أعمال الخير هم الذين قُدرت سعادتهم في علم الله (البخاري، ١٣١١هـ، ج ٨، ص ١٢٢؛ الطبري، ١٤٢٢هـ، ج ١٠، ص ١٧٠؛ ج ١٢، ص ١١٠).
وهكذا، في مجمل رواياته، لا تُرى غاية تتجاوز تحقيق السعادة أو تلك الحياة السعيدة في منزل طيب بعد الموت. وهو لا يرى تحقيق مثل هذه السعادة النفسية في الآخرة ممكناً دون السعي لإصلاح الرؤى. ويبدو أنه يعتقد أنه لكي يكون المرء سعيداً نفسياً بعد الموت، يجب أن يكون كذلك قبل الموت. وبناءً على رواياته، فإن الإصلاح الجذري في الرؤية هو أن يعتقد الفرد أن الله وحده هو المؤثر في العالم، وأن يتابع أعمال الخير بنية طلب مرضاة الله، وأن يداوم عليها ويصبر. بعبارة أخرى، هو يبحث عن السعادة النفسية في فكر صحيح، ونية صالحة، وقلب مفعم بالأمل والصبر.
يعتقد ابن عباس أنه إذا امتلك شخص مثل هذه الرؤية، فإن الذنوب التي تصدر منه بين الحين والآخر يمكن التغلب عليها؛ لأن النبي (ص) (الطيالسي، دون تاريخ، ص ٣٥٣؛ ابن هشام، دون تاريخ، ج ٢، ص ٢٣١) والمؤمنين الذين لم يشركوا (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٧٧) سيشفعون له. وهذه الشفاعة نافعة دائماً؛ إلا إذا أشرك الفرد بالله أو أتى ببدعة عظيمة في الدين (الطيالسي، دون تاريخ، ص ٣٤٣). ومضمون الشفاعة في الروايات المنقولة عن ابن عباس كثير. حتى في الأدعية المنقولة عنه، يمكن رؤية طلب الحصول على مثل هذه الشفاعة (الصنعاني، ١٤٠٣هـ، ج ٢، ص ٢١١). كما أن إنكار مثل هذه الشفاعة في رواياته يوضع على قدم المساواة مع إنكار عدد من المفاهيم الدينية المهمة (المصدر نفسه، ج ٧، ص ٣٣٠).
ب- اجتناب الشرك
لتحقيق الفلاح، يعد ابن عباس التوحيد ضرورة مهمة. فمثلاً، في تفسير «قد أفلح المؤمنون» (المؤمنون: ١)، يعرف المؤمنين الذين بلغوا الفلاح بأنهم المسلمون «الموحدون» (مقاتل، ١٤٢٣هـ، ج ٣، ص ٥٩). ومن وجهة نظره، فإن الهدف من العبادات المختلفة هو أيضاً تقوية هذه الرؤية الموحدة في الفكر (انظر: الماتريدي، ١٤٢٦هـ، ج ١٠، ص ٨٨ «كل عبادة في القرآن فهي توحيد»). وتشير رواياته الأخرى أيضاً إلى أنه يرى أن أكبر عائق في طريق سعادة الإنسان هو الشرك بالله. وقد نُقل عنه أن المرء لا يمكنه أن يعتبر نفسه مسلماً إلا إذا كف حقاً عن البحث عن شريك لله؛ سواء كان من يرى، في العمل، أن الله ليس هو المؤثر الوحيد في عالم الوجود، فإنه واقع في نوع من الشرك (انظر: أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٣١٩). وفي موضع آخر، يصرح بأن شرط الإيمان هو أن يكون الإنسان على يقين بقدرة الله وجريان إرادته في الوجود؛ بمعنى أن يعلم أنه إذا أراد الناس أن ينفعوا شخصاً أو يضروه خلاف قضاء الله، فلن يستطيعوا (المصدر نفسه، ج ١، ص ٢٩٣، ٣٠٧، ٣١٩)؛ وأن يعلم أيضاً أنه لا ينبغي أن يجعل إرادة أي موجود في مرتبة إرادة الله (المصدر نفسه، ج ١، ص ٢٢٤).
على هذا الأساس، يعتبر الإيمان بتأثير النجوم أو السحر أو الفأل نوعاً من الشرك ولا يراه يجتمع مع التوكل على الله؛ لأنه يعتقد أن من يسلم نفسه بإخلاص لله لن يبقى له هم أو قلق يدعوه إلى اللجوء إلى المنجمين والسحرة والعرافين (انظر: المصدر نفسه، ج ١، ص ٢٧١). حتى الوصف الذي يقدمه للمنافق – وهو أنه شخص يحمل في رأسه هويين في وقت واحد (المصدر نفسه، ج ١، ص ٢٦٨) – يشير إلى أنه يعتبر مثل هذه الرؤى نفاقاً أيضاً.
وبهذا الترتيب، فإن النهي عن صناعة التماثيل هو مضمون متكرر في رواياته؛ وكأنه يرى التصوير عملاً يحق لله وحده القيام به؛ أو ربما لأنه كان يُنظر إلى التصوير على أنه فرع من السحر. وهو ينقل عن النبي الأكرم (ص) أن المصورين يُجبرون يوم القيامة على أن ينفخوا الروح في صورهم (ابن زبير البصري، ١٤٢٣هـ، ص ٥٩؛ الصنعاني، ١٤٠٣هـ، ج ١٠، ص ٣٩٩). كما نُقل عنه أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تمثال (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٧٧).
بل إن ابن عباس يكره أن تُنسب الأفعال المنسوبة إلى الله إلى العباد أيضاً. فهو يروي أن رجلاً قال للنبي الأكرم (ص): «ما شاء الله وشئت»، فنبهه النبي (ص) إلى أنه لا ينبغي أن يُذكر اسم لإرادتهم ورغبتهم إلى جانب إرادة الله (ابن المبارك، ١٤١١هـ، ص ٨٣). وهو يعتقد أنه إذا كانت رؤية شخص أو عمله بحيث يضع أحداً في مرتبة الله، فسيخرج من دائرة الإسلام ولن ينال شفاعة النبي الأكرم (ص) يوم القيامة (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٣٠١).
ج- إصلاح النية
من وجهة نظر ابن عباس، بعد أن يعرف الإنسان الله كمؤثر وحيد في عالم الوجود، يجب عليه دائماً أن يطلب من الله أن يتولى أموره ويرعاها (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٢٣). فالإنسان لا ينال الإيمان إلا حين يجعل الله يتصرف في شؤونه على هذا النحو (ابن المبارك، دون تاريخ، ص ١٢٠). وعندما يتولى الله أمور فرد ما، فهذا يعني أن لديه نية إلهية. وأحد مظاهر إصلاح النية هو أن يحب الشخص لله ويبغض لله (انظر: المصدر نفسه).
في روايات ابن عباس، يُؤكد على أن الله عليم بنوايا البشر ويجازي عليها (الطيالسي، دون تاريخ، ص ٣٥٤). حتى إن معيار صلاح العمل من وجهة نظره هو أن يكون لله؛ وكأن الفرد يرى الله، أو على الأقل إن لم يره، فهو على يقين بأن الله يراه (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٣١٩). وفي موضع آخر، يؤكد على أن نية الإنسان لها دور مهم في قبول عمله أو رده؛ فمن نوى عمل خير، حتى لو لم يفعله، كُتبت له حسنة (المصدر نفسه، ج ١، ص ٢٢٧).
وعلى هذا الأساس، يرى أن عمل من يصلي ركعتين بنية التقرب وبحضور قلب وعقل متوجه أفضل من قيام ليلة كاملة دون حضور قلب وعقل مشتت (ابن المبارك، دون تاريخ، ص ٩٧). ويجب الحفاظ على هذه النية الخيرة حتى في الحياة الاجتماعية والتعامل اليومي مع الناس. فهو يقول إن هذا الإخلاص في النية وحسن النية على أساسه للناس هو ما يجعل الناس يدعمون بعضهم البعض، وليس التدين شيئاً سوى هذا الخير (انظر: أبو يعلى، ١٤٠٤هـ، ج ٤، ص ٢٥٩ «الدين النصيحة»).
د- الصبر على فعل الخير مع حفظ الأمل
من وجهة نظر ابن عباس، بعد أن يعرف الإنسان الله وحده كمؤثر في العالم ويخلص نيته له، يجب عليه أن يستفيد من أعمال الخير إلى أقصى حد. ومن السمات البارزة في روايات ابن عباس الأخلاقية الاهتمام بأهمية العمل الصالح وضرورة الاستمرار فيه وتحقيق أقصى استفادة منه. على سبيل المثال، ينقل عن النبي الأكرم (ص) أنه قال: «صلِّ ما استطعت من الصلاة، واستفد منها ما أمكنك» (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٤٥).
من وجهة نظره، تتحقق هذه الفائدة الكاملة للفرد عندما يكون ذهنه منشغلاً باستمرار بالسعي للعمل الصالح. ويروي ابن عباس عن النبي الأكرم (ص) مثلاً حول أهمية مراقبة الأعمال. وبناءً على هذه الرواية، فإن من ينشغل بأمور الدنيا يغفل عن العبادة؛ تماماً كما لو أن الصياد يغفل عن صيده لحظة واحدة، فإنه يفقده (ابن الجعد، ١٤٠٥هـ، ص ٨٣). وبناءً على روايات ابن عباس، فإن تحقيق مثل هذه المراقبة أمر صعب، وبالطبع يجب على الشخص أن يبقى آملاً ويجتهد. فعمل أهل الجنة يشبه صعود تلة شديدة الانحدار؛ أما عمل أهل النار فيشبه السير على منحدر سهل (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٣٢٧؛ السيد الرضي، ١٤١٢هـ، الرسالة ٣١ «إِنَّمَا مَثَلُ مَن خَبَرَ الدُّنيا …»).
من ناحية أخرى، يعتقد أن ارتكاب الذنوب في هذا المسير له أثر سلبي كبير ويبطل إنجازات أعمال الخير للفرد؛ خاصة الشرك بالله أو التعدي على حقوق الناس (الضبي، ١٤١٩هـ، ص ٣٢٢). سأله أحدهم ذات مرة: هل الفرد ذو الأعمال الصالحة الكثيرة والذنوب الكثيرة أقرب إلى الصلاح أم الفرد ذو الأعمال الصالحة القليلة والذنوب القليلة؟ فأجاب بأنه لا يعرف شيئاً يعادل السلامة من الذنوب (ابن المبارك، دون تاريخ، ص ٢٢). وهكذا، يؤكد ابن عباس بشدة على الصبر في مسار المراقبة على العمل الصالح – بالإضافة إلى المراقبة والأمل. وبناءً على رواياته، يلطف الله بالإنسان الصابر أكثر، وإذا صبر الإنسان على ما لا يحبه، فإن الله سينصره (أبو عبيد القاسم بن سلام، دون تاريخ، ص ١٩٢).
من وجهة نظره، كلما استطاع الإنسان المداومة على عمل الخير والاجتهاد بصبر، يجب أن يكون آملاً برحمة الله. ذات مرة، كان عبد الله بن عمر يقول إن آية «لا تقنطوا» (الزمر: ٥٣) هي الأكثر بعثاً للأمل. لكن ابن عباس كان يرى آية «أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» (البقرة: ٢٦٠) أكثر بعثاً للأمل منها؛ لأنه بناءً عليها، رضي الله عن عبده بمجرد إظهار القبول الخالي من طمأنينة القلب (أبو عبيد القاسم بن سلام، ١٤١٥هـ، ص ٢٧٦؛ لحكاية مشابهة، انظر: النحاس، ١٤٢١هـ، ج ٤، ص ١٣).
أحد أسباب هذا الأمل هو أن ابن عباس يعتقد أن ارتكاب الذنب جزء من طبيعة البشر وعين القدر الإلهي. فهو ينقل عن النبي الأكرم (ص) أنه قال: لو لم تذنبوا، لخلق الله قوماً آخرين يذنبون ثم يستغفرون فيغفر الله لهم ويرحمهم (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٨٩). واستعراض رواياته الأخرى يظهر أن ابن عباس ليس في خوف وهلع من الذنوب، ويعتقد أنه يمكن من خلال أداء أعمال الخير تقليل الميل إلى ارتكاب الذنوب إلى أدنى حد وتجنب الأضرار في طريق الفلاح. وقد نُقل عنه أنه لا ينبغي اليأس، بل يجب زيادة الجهد؛ فإذا سعى شخص في أعمال الخير، مُحيت سلوكياته السيئة (الباهلي، ١٤١٢هـ، ص ١٨١).
وهكذا، يعتقد ابن عباس أن الإنسان، بالنظر إلى جريان القضاء والقدر الإلهي في جميع أمور الحياة، يجب أن يسلم نفسه لله ويكون آملاً بلطفه. وهذا التسليم والتوكل من المضامين المتكررة في أقوال ابن عباس ورواياته النبوية. على سبيل المثال، ينقل عن النبي (ص) أن ٧٠ ألفاً من أمة الإسلام يدخلون الجنة بغير حساب؛ وهم الذين يتوكلون على الله (ابن أبي شيبة، ١٤٠٩هـ، ج ٥، ص ٤٥٢). كما ينقل أن النبي الأكرم (ص) كان يدعو: «اللهم إني أسلمت نفسي إليك… وعليك توكلت…» (المصدر نفسه، ج ١، ص ٣٠٢).
٣. آليات حفظ الأمل
بناءً على ما قيل، يرى ابن عباس أن أثمن غاية للإنسان هي السعادة الأبدية، ويسعى إليها في قرب الله. وهو يرى أن الوصول إلى هذه السعادة يتطلب التمتع بسعادة نفسية في هذه الدنيا أيضاً. وهذه السعادة النفسية، من وجهة نظره، تتحقق للفرد عندما يتيقن بأنه لا يجري عليه قضاء إلا بإرادة الله ويسلم نفسه لله. ثم يخلص نيته لله، ويسعى في أعمال الخير بقلب مفعم بالأمل والصبر. والآن يجب أن نضيف أنه في روايات ابن عباس، يمكن ملاحظة اهتمام خاص بتقوية حس الأمل لدى الأفراد. حتى يمكن القول إن في فكر ابن عباس، يغلب ميل الرجاء تماماً على ميل الخوف.
ألف- الدعاء
يمكن العثور على أحد مظاهر ميل ابن عباس المفعم بالأمل في أدعيته الكثيرة. فابن عباس يعتقد بفعالية الدعاء لدرجة أنه يؤمن بأنه أحياناً لا يوجد حاجز بين دعاء الفرد والله في السماء والأرض (ابن أبي شيبة، ١٤٠٩هـ، ج ٣، ص ٨؛ أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٣٣). وحجم الأدعية المنسوبة إليه كان كبيراً لدرجة أنه نُسب إليه تأليف أثر حول خواص الأدعية (انظر: سزكين، ١٤١١هـ، ج ١، ص ٦٨) أو نُسبت إليه أدعية طويلة (ابن وهب، ١٤١٦هـ، ص ٦٧١). ومن خلال استعراض روايات ابن عباس، يمكن استنتاج أن إحدى آلياته لتحسين الذهن هي التواصل مع الله عن طريق الدعاء. فمن ناحية، يرتبط الدعاء في روايات ابن عباس ارتباطاً مباشراً بالتوحيد ونفي الشرك؛ وكأن من يدعو يؤمن بعمق بأن المؤثر الوحيد في عالم الوجود هو الله. وهو يؤكد على أن الإنسان يجب أن يطلب حوائجه من الله فقط ولا يدع الشك يدخل إلى نفسه، بأنه ما لم يرد الله، فلن ينفعه الآخرون ولن يدفعوا عنه ضراً (ابن الجعد، ١٤٠٥هـ، ص ١١٨٤؛ أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٩٣، ٣٠٢).
بالإضافة إلى أن أصل تأكيد ابن عباس على فائدة الدعاء هو في حد ذاته علامة على الأمل، فإن مضمون الأدعية المنقولة عنه يخبر أيضاً عن نفسية مفعمة بالأمل. فمضامين مثل التوكل على الله وتسليم النفس إليه، واللجوء إلى عزة الله، والتأكيد على أن اللجوء إلى الله هو المخرج دائماً، تُرى بكثرة في الأدعية المنقولة عن ابن عباس (كمثال واحد فقط، انظر: أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٣٠٢).
إن الارتباط بين التسليم لله والإيمان به وتسليم النفس إليه والعودة إليه وطلب المغفرة منه على جميع الأخطاء في أدعية ابن عباس (انظر: مالك بن أنس، ١٤٠٦هـ، ج ١، ص ٢١٥) يظهر بوضوح مدى التلازم الذي كان يشعر به بين هذه المفاهيم.
لقد أدى اعتقاد ابن عباس بالتأثير السلبي للذنوب في تحقيق الطمأنينة إلى تأكيده الشديد على الاستغفار. فهو يعتقد أن من يكثر من الاستغفار، يجعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٤٨). وهو يؤكد بشدة على اللجوء إلى الله للأمان من العذاب (مالك بن أنس، ١٤٠٦هـ، ج ١، ص ٢١٥؛ أحمد، المصدر نفسه، ج ١، ص ٢٥٨). وبناءً على رواية ابن عباس، كان النبي (ص) يلجأ إلى تعظيم الله لتجنب المصائب (الطيالسي، دون تاريخ، ص ٣٤٦؛ أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٢٨).
بالإضافة إلى ذلك، يعتقد ابن عباس أن الإنسان يمكنه بالدعاء أن يصل بفائدته من الحياة إلى أقصى حد ممكن، ولهذا السبب أيضاً، يجب أن يبقى آملاً. وإذا صرفنا النظر عن أدعية صلاته القليلة التي لا تتضمن سوى ثناء الله (كمثال، انظر: مالك بن أنس، ١٤٠٦هـ، ج ١، ص ٢١٥)، فإن مضمون معظم أدعيته هو إيصال الفوائد الدنيوية والأخروية إلى الكمال. ومن هذا القبيل دعاء لطلب تنوير القلب والسمع والبصر، أو زيادة قوة الإدراك (ابن طهمان، ١٤٠٣هـ، ص ٦٤)، وإخراج الحقد من القلب (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٢٧)، والتوفيق للمبادرة بأعمال الخير وترك المنكرات (الصنعاني، ١٤١٩هـ، ج ٣، ص ١٢٦)، وزيادة بركة المأكولات والمشروبات (الطيالسي، دون تاريخ، ص ٣٥٥-٣٥٦)، والحصول على ولد سليم بعيد عن متناول الشيطان (عبد بن حميد، ١٤٠٨هـ، ص ٢٣٠)، وسلامة وأمن السفر (ابن أبي شيبة، ١٤٠٩هـ، ج ٧، ص ٩٩)، وشفاء المرضى (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٣٥٢)، والبعد عن فتن الدنيا (الصنعاني، المصدر نفسه) وفتن ما بعد الموت (مالك بن أنس، ١٤٠٦هـ، ج ١، ص ٢١٥؛ أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٣٠٥).
ب- التوبة
يمكن رؤية مظهر آخر لهذا الأمل في رحمة الله في تأكيده على فعالية التوبة. فمن وجهة نظر ابن عباس، أحد سبل خلاص الإنسان من المشاكل التي يخلقها له الذنب هو أن يكفر عن تلك الذنوب في هذه الدنيا بتحمل مختلف الصعوبات. ومن وجهة نظر ابن عباس، فإن أكبر كفارة للذنوب هي الصبر على المصائب. على سبيل المثال، ينقل عن النبي الأكرم (ص) أن أي مسلم تصيبه مصيبة، ومثلاً يفقد طفلاً صغيراً في طفولته ويصبر، يدخل الجنة (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٣٣٤-٣٣٥).
ومع ذلك، من وجهة نظر ابن عباس، ليس من الضروري دائماً دفع مثل هذه الكفارة الثقيلة للتطهر من الذنب. فالتوبة هي وسيلة للتكفير (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٨٩) وتطهر الإنسان من الذنب (انظر: الطبراني، ١٤١٥هـ، ج ٢٣، ص ١٤٨). كان على الأقوام السابقة أحياناً أن يقتلوا بعضهم البعض كفارة للذنب (المروزي، ١٤٠٦هـ، ج ٢، ص ٧٣٩؛ ابن أبي حاتم، ١٤٢٤هـ، ج ١، ص ١١٠)؛ لكن الله فتح التوبة كباب رحمة لأمة الإسلام (ابن أبي حاتم، ١٤٢٤هـ، ج ١٠، ص ٣١٧١) وجعلها أكبر لطف له بهم (الفاكهي، ١٤١٤هـ، ج ٢، ص ١٨٨). ومغفرة الله بالتوبة ممكنة فقط في هذه الدنيا (ابن أبي حاتم، ١٤٢٤هـ، ج ٨، ص ٢٧٨٢)، وآخر مهلة للتوبة هي حتى وقت الحياة (المرزوقي، ١٤١٧هـ، ص ٢٨٧-٢٨٨؛ الطبري، ١٤٢٢هـ، ج ٤، ص ٦٨٥، ج ٥، ص ٥٤٦-٥٤٧). فقط المتكبرون هم الذين يخسرون بتأخير التوبة (ابن عدي، ١٤١٨هـ، ج ٨، ص ١٧٨).
وهو يحكم فقط على بعض الذنوب الكبيرة جداً بأن التوبة منها غير مقبولة؛ كذنوب مثل الشرك بالله بعد الإيمان (الطبري، ١٤٢٢هـ، ج ٦، ص ٥٧٢، ج ٩، ص ٦٧) أو أعمال في درجة الشرك مثل السحر (السمرقندي، ١٤٢١هـ، ص ٣٥٠)، وقتل المؤمنين الأبرياء (الثوري، ١٤٠٣هـ، ص ٩٦؛ ابن أبي شيبة، ١٤٠٩هـ، ج ٦، ص ٣٩٧)، واتهام النساء العفيفات الغافلات (ابن شبة، ١٣٩٩هـ، ج ١، ص ٣٣٨)، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، أو عقوق الوالدين (السمرقندي، المصدر نفسه). ومع ذلك، يبدو أنه حتى في هذه الحالات، كان مقصده التأكيد على الجانب العام لهذه الجرائم؛ وكأنه يريد أن يقول إن هذه الأنواع من الذنوب ليست من جنس حق الله التي يزول أثرها بمجرد الاستغفار، بل يجب على الشخص حتى لو تاب أن يعاقب على جريمته في الدنيا (كمثال، انظر: الصنعاني، ١٤١٩هـ، ج ١، ص ٤٦٨ «لَيْسَ لِقَاتِلِ مُؤْمِنٍ توبةٌ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ»؛ مسلم، دون تاريخ، ج ٤، ص ٢٣١٨). وقد صرح بعض تلاميذ ابن عباس بأنه لم يعتقد أبداً بوجود ذنب لا يغفره الله أبداً (الطبري، ١٤٢٢هـ، ج ١٩، ص ٣٠٧)؛ وإن كان من الناحية العملية، فإن قدرة الفرد على التخلص من بعض الذنوب مثل قتل المؤمن باستغفار خالص أمر صعب جداً ويتطلب طاعات تفوق المعتاد (انظر: البخاري، ١٤١٩هـ، ص ٤-٥). ويجب اعتبار بعض أقواله الشديدة حول عدم قبول توبة الأشخاص في أمور مثل القتل محاولة للوقاية من وقوع الجريمة (انظر: ابن أبي شيبة، ١٤٠٩هـ، ج ٦، ص ٤٠١).
هناك روايات تفيد بأن أفراداً قبل اللجوء إلى ابن عباس كانوا قد ذهبوا إلى علماء آخرين ويئسوا من قبول توبتهم بسبب أقوالهم؛ لكن ابن عباس وجد لهم سبيلاً للمغفرة (إسماعيل بن جعفر، ١٤١٨هـ، ص ٢١١؛ يحيى بن سلام، ١٤٢٥هـ، ج ١، ص ٤٢٧). بالإضافة إلى ذلك، نُقل عنه أن عدد الكبائر كثير؛ لكن لا كبيرة مع التوبة، ولا صغيرة مع الإصرار (الماتريدي، ١٤٢٦هـ، ج ٣، ص ١٤٧). وقد نُقل عنه أنه كان يرى أن إغلاق باب التوبة على الفرد هو مصداق للحرج، ويعتبر وقوعه في أحكام الدين ممتنعاً (الجصاص، ١٤١٥هـ، ج ٣، ص ٣٢٧).
ويأخذ ابن عباس التوبة ببساطة شديدة، ويعتبر مجرد إظهار الندم على الذنب بمثابة توبة وحتى كفارة للذنب السابق (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٨٩). وفي الحديث عن كيفية التوبة، أشار إلى العودة إلى الله بقول كلمة التوحيد (الجصاص، ١٤١٥هـ، ج ١، ص ٣٩)، والصلاة (انظر: أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٦٩-٢٧٠)، والسجود (الشيباني، دون تاريخ، ج ١، ص ٥٦٥؛ الشافعي، ١٣٩٣هـ، ج ٧، ص ١٩٨)، والإحسان إلى الأم (البخاري، ١٤١٩هـ، ص ٤-٥).
ج- التذكّر
من بعض روايات ابن عباس، يمكن استنباط أن الآلية الثالثة له للحفاظ على الروح المعنوية المفعمة بالأمل هي التذكّر؛ أي أن يتذكر الإنسان الله، وآياته، ونعمه، ومكانته أمام الله، وممتلكاته في الحياة، والمسار الذي من المفترض أن يسلكه في الحياة، والوجهة التي من المفترض أن يصل إليها. وهو ينقل عن النبي الأكرم (ص) أن الكثير من الناس، على الرغم من تمتعهم بالراحة والصحة، يخسرون (ابن المبارك، دون تاريخ، ص ١)؛ ظاهراً لأنهم لا يعرفون قدرها وينسونها. فالشيطان (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٥٧)، والحرص على المال (المصدر نفسه، ج ١، ص ٣٧٠)، والأهواء النفسية (المصدر نفسه، ج ١، ص ٣٣٠)، ومشغلات الحياة (ابن أبي شيبة، ١٤٠٩هـ، ج ٧، ص ٦٣١) تتسبب في أن يغفل الإنسان عن التذكّر.
ويؤكد ابن عباس على أن يتذكر الأشخاص فتن آخر الزمان، وموتهم، وعذاب القبر، وعذاب جهنم (مالك بن أنس، ١٤٠٦هـ، ج ١، ص ٢١٥؛ أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٢٣، ٢٢٧، ٢٥٨؛ الحميدي، ١٤٠٩هـ، ج ١، ص ٢٢٦). وهو يؤكد على أنه في المعاملات الودية، يجب على المرء أن يجالس من يذكره لقاؤهم بالله (ابن المبارك، دون تاريخ، ص ٧٢). ولإيجاد حالة من التذكر في الشخص، يصر على ذكر الله بتكرار بعض الأوراد. ويعتقد ابن عباس أن الله برحمته قد قلل من كيد الشيطان إلى حد الوسوسة (انظر: أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٣٥ «رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ»)، وأن الإنسان التقي كلما واجه وساوس شيطانية، يمكنه أن يطردها بذكر الله (الثوري، ٢٠٠٤م، ص ٩١).
ولتذكر الله، يؤكد ابن عباس أكثر من أي شيء آخر على الالتزام بأذكار خاصة. على سبيل المثال، ينقل أن النبي الأكرم (ص) كان يداوم عند الحزن على تكرار ذكر خاص يُثنى فيه على الله بوحدانيته، ويُقر فيه بأنه ولي نعمة العالم أجمع والعرش العظيم (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٣٥٦)؛ وكأنهم أرادوا بتذكر أن مدبر العالم واحد وله قدرة تامة أن يحصلوا على الطمأنينة. ومعظم الأذكار الأخرى التي نُقلت عن ابن عباس تذكر بوحدانية الله (كمثال، انظر: أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٢٨، ٢٥٤، ٢٥٩، ٢٨٠)؛ وهو أمر يتوافق تماماً مع مكانة التوحيد في فكره. كما يُرى الاهتمام بالحمد والتسبيح في بعض الأذكار المنقولة عنه (المصدر نفسه، ج ١، ص ٣٥٣؛ للاطلاع على الاختلافات بين الصحابة حول الأذكار، انظر: مهروش، «تاریخ انگاره ذکر…»، ص ٥٧-٥٨).
وهو يعتبر أمر الله بالعدل والإحسان (النحل: ٩٠) أمراً بالصلاة الواجبة وذكر التهليل (زبير بن عدي، النسخة، رواية ٢٢). وهكذا، إلى جانب الاهتمام بذكر التهليل، يهتم بالصلاة أيضاً كطريقة لذكر الله. وهو ينقل أن جبريل قال للنبي الأكرم (ص) إن الله قد أحب الصلاة له، والآن يجب عليه أن يستفيد منها ما استطاع (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٩٦). وفي رواياته، يُلاحظ الاهتمام بقيمة التهجد وقيام الليل، وذكر بعض أدعية النبي الأكرم (ص) في هذا المقام؛ وهي أدعية تتضمن في الغالب إقراراً بملكية الله وقدرته المطلقة وتسليم الأمر إليه (ابن أبي شيبة، ١٤٠٩هـ، ج ٧، ص ٥١؛ أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٣٦٦).
٤. علم كتاب الله بوصفه تذكرة
كما رأينا، يؤكد ابن عباس على ضرورة الأمل للسعادة، وعلى ضرورة تذكر وحدانية الله ومكانة المرء في الوجود للأمل. وبدراسة رواياته، يمكن استنتاج أنه يرى لعلم الكتاب دوراً مهماً في تحقيق التذكر. وقد نُقل عنه أنه قال ثلاث مرات: ذكر الله أفضل الأعمال؛ ثم أضاف: لا تجتمع جماعة لمباحثة كتاب الله إلا وهم ضيوف الله، وما داموا مشغولين بالبحث العلمي، يُحسبون زواراً لله (الضبي، ١٤١٩هـ، ص ٢٧٩)؛ وكأنه هو أيضاً، متوافقاً مع عدد من الصحابة الآخرين (انظر: مهروش، «تاریخ انگاره ذکر»، ص ٦٠-٦١)، كان يربط التذكر بـ«مذاكرة العلم» أو اكتساب المعرفة بكتاب الله. حتى إنه نُقل عن ابن عباس أن مذاكرة العلم في جزء من الليل أحب إليه من قيام الليل للعبادة (معمر بن راشد، ١٤٠٣هـ، ج ١١، ص ٢٥٣). ويبدو أن هذا الارتباط العميق الذي يشعر به بين كتاب الله والتذكر هو الذي جعله يعتقد أن من ليس في داخله معرفة بالقرآن فهو كالبيت الخرب (انظر: أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٢٣).
ألف- ماهية علم الكتاب في نظر ابن عباس
نُقل عن ابن عباس أن العلم ببعض النقاط في الكتب السماوية لا يتيسر إلا للأنبياء (الطيالسي، دون تاريخ، ص ٣٥٦-٣٥٧). وغالباً ما كان ينسب علمه بتفسير القرآن إلى دعاء النبي الأكرم (ص) وموهبة الله له نتيجة هذا الدعاء (البخاري، ١٣١١هـ، ج ١، ص ٢٦). ومع ذلك، يعتقد ابن عباس أنه يمكن الوصول إلى مثل هذا العلم بتعليم المبادئ الأساسية لفهم كتاب الله من الأنبياء والتعمق في تلك المبادئ. فهو من ناحية يؤكد على أن العلم يجب أن يُستمد من القرآن والسنة، وإذا قال شخص شيئاً بناءً على رأيه، فلا يمكن الحكم بأنه يُسجل في حسناته أو في سيئاته (ابن عبد البر، ١٣٩٨هـ، ج ٢، ص ٢٦).
ومن ناحية أخرى، يؤكد أيضاً على أنه يمكن بالاجتهاد الوصول إلى معارف حول كتاب الله. ويمكن ملاحظة تأكيده على إمكانية الوصول إلى علم الكتاب باستخدام الاجتهاد في تصنيفه للآيات حسب نوع الحاجة إلى التفسير. وقد نُقل عنه أن في القرآن أربعة أنواع من الآيات: آيات يجب على الجميع معرفة معناها والعمل بها؛ وآيات يفهم معناها كل من يعرف العربية؛ وآيات يصل العلماء إلى معناها بالاجتهاد؛ وآيات لا يعلم معناها إلا الله (مقاتل، ١٤٢٣هـ، ج ١، ص ٢٧). ويمكن ملاحظة هذا الاعتقاد بإمكانية الفهم الاجتهادي لكتاب الله أيضاً في تقرير محاوراته مع نافع بن الأزرق (المقتول عام ٦٥هـ) من قادة الخوارج.
يُقال إن نافعاً جاء إلى ابن عباس وسأله معترضاً عما يقوله في تفسير القرآن هل هو علمٌ تلقاه من النبي الأكرم (ص) أم نتيجة لتخميناته (نافع، ١٤١٣هـ، ص ٢٧). فابن عباس، دون أن ينكر الطبيعة الاجتهادية لعلمه، لم يصفه بالضرورة بأنه نتاج التعلم من النبي (ص)، بل عرفه بأنه علم وهبه الله له (المصدر نفسه). ثم في تتمة الحديث، يقدم إجابات اجتهادية مفصلة على أسئلة نافع (المصدر نفسه، الكتاب بأكمله).
بدراسة روايات ابن عباس، يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أنه من وجهة نظره، فإن تحقيق مثل هذا الفهم الاجتهادي لتحصيل علم الكتاب ممكن للعامة، ويتحقق بالتعليم. ففي روايات عن ابن عباس، يُعرف الوصول إلى العلم بأنه نتيجة «الدراسة»، أي المطالعة والتعلم (الثوري، ١٤٠٣هـ، ص ١٠٩).
وهذه الدراسة والمراجعة من وجهة نظر ابن عباس ليست سوى أن يسأل الأشخاص عن الزوايا الخفية والمسائل غير المعروفة في القرآن؛ وهو ما ينقله هو نفسه عن النبي الأكرم (ص) أنه قال: «هل لشفاء الجهل والجهالة من عمل غير السؤال؟» (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٣٣٠).
هذا «العلم» بالكتاب الذي يسعى إليه ابن عباس يمكن أن يكون مرتبطاً بحدث يتعلق بزوجات النبي الأكرم (ص) نزلت بشأنهن آيات؛ حيث سأل ابن عباس عمر بن الخطاب عن قصة عائشة وحفصة التي كانت سبباً في نزول سورة التحريم، وصرح عمر أيضاً بأنه إذا كان لديه «علم»، فسيخبر به بالتأكيد (الطيالسي، دون تاريخ، ص ٦). وبنفس الطريقة، يمكن أن يتحقق مثل هذا العلم بالسؤال عن الأمور الخفية في الكتاب الديني؛ أمور لا يوجد في ظاهر الكتاب سبيل لفهمها. فمثلاً، قيل في الكتاب الديني إن المؤمنين يدخلون الجنة؛ لكن وقت ذلك لم يُذكر صراحة (انظر: يحيى بن سلام، ١٤٢٥هـ، ج ١، ص ٤٧٧). أو مثلاً، قيل إن شخصاً عالماً بعلم الكتاب أحضر عرش بلقيس، ولم يُذكر صراحة ما هو ذلك العلم (المصدر نفسه، ج ٢، ص ٥٤٥).
ومن المسائل الأخرى التي يجب معرفتها جيداً للوصول إلى علم الكتاب، الناسخ والمنسوخ في القرآن؛ فمن تكلم في القرآن دون علم بهما هلك (الزهري، ١٤١٨هـ، ص ١٦)؛ كما أن كل من يتكلم في القرآن دون المعرفة اللازمة، فقد ألقى بنفسه في النار (الصنعاني، ١٤١٩هـ، ج ١، ص ٢٥٣؛ أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٣٣).
ب- غاية علم الكتاب، نيل الحكمة
باستعراض بعض روايات ابن عباس، يمكن استنتاج أن العلم الذي يبحث عنه في كتاب الله هو من جنس الحكمة؛ أي عبارات موجزة وموعظية في توضيح حقائق الأمور. وأحد شواهد الارتباط بين كتاب الله والحكمة في فكر ابن عباس هو إحدى رواياته النبوية. فبناءً على هذه الرواية، طلب شخص من النبي الأكرم (ص) العلم. فلما أمروه ثلاث مرات بتعلم القرآن ولم يقتنع، علموه حكمة ثم دعوه مجدداً إلى تعلم القرآن (الفقه الأكبر، ١٤١٩هـ، ص ١٤٢)؛ وكأنهم أرادوا أن يفهموه أن العلم يجب البحث عنه في القرآن، وذلك العلم هو من جنس الحكمة.
ويمكن رؤية مثال آخر في قصة إجابة ذي القرنين على سؤال أحد الملوك عن حكمة بعض الأمور، التي نقلها ابن عباس، وفي نهايتها، وُصف ذو القرنين بأنه «عالم» بسبب علمه بتلك الحكم (مقاتل، ١٤٢٣هـ، ج ٣، ص ٥٢). حتى في بعض الروايات، جاء دعاء النبي الأكرم (ص) لابن عباس بمنحه الحكمة مصحوباً بالدعاء له بالوصول إلى تفسير القرآن؛ وكأن كليهما من جنس واحد (البلاذري، ١٣٩٨هـ، ج ٤، ص ٢٩؛ أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٦٩).
وينقل ابن عباس عن النبي الأكرم (ص) أيضاً أنه قال إن علياً (ع) هو باب مدينة الحكمة (خيثمة بن سليمان، ١٤٠٠هـ، ص ٢٠٠). وهذا أيضاً لا يمكن اعتباره منفصلاً عن ميوله الفكرية؛ لأن علياً (ع) كان من مصادر علم ابن عباس التفسيري، وكان مثله من الصحابة القلائل الميالين إلى التفسير (للاطلاع على اختلاف الصحابة في هذا الشأن، انظر: باكتجي، ١٣٨٩هـ.ش، ص ٧٧-٨٣؛ وللإشارة إلى اعتماد ابن عباس على علم علي (ع) التفسيري، انظر: ابن وهب، ١٤١٦هـ، ج ٢، ص ٧٠).
من وجهة نظر ابن عباس، ليس من المستبعد أن يكون غير المؤمنين أيضاً حاملين للحكمة، دون أن يكون لديهم فهم عميق لها (ابن عبد ربه، ١٤٠٤هـ، ج ٢، ص ١٧٣). وهو يؤكد على أنه يجب تقدير مثل هذه الحكم أيضاً (ابن قتيبة، ١٤٢٤هـ، ج ١، ص ٤٨؛ ابن خلاد، ١٤٠٤هـ، ص ٤١٩). ومع ذلك، فإن السبيل الوحيد ليتمكن الشخص بنفسه من الوصول إلى الحكمة هو أن يتأمل في آيات الله. ومن وجهة نظره، فإن عدم تواصل الفرد مع آيات الله يساوي عدم امتلاك الأهلية لأخذ الحكم (الثعلبي، ١٤٢٢هـ، ج ٤، ص ٣٠٩). وهو يقول عن الكفار الذين يمرون بآيات الله غير مبالين، إن قلوبهم مضطربة لدرجة أن الحكمة لا تجد إليها سبيلاً (الفراء، دون تاريخ، ج ١، ص ٣٥٣).
بناءً على ذلك، يجب أن نتوقع أنه من وجهة نظره، فإن طريق اكتساب الحكمة لا يقتصر على إعادة قراءة كتاب الله؛ بل حيثما يستطيع الشخص أن يتأمل في آيات الله بدقة، يمكنه أن يجد الحكمة. وتشير الأدلة إلى أنه كان لديه نفس النظرة تقريباً تجاه هذه المسألة. على سبيل المثال، نُقل عنه أنه من أخلص أعماله لله أربعين يوماً، جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه (القاضي القضاعي، ١٤٠٥هـ، ج ١، ص ٢٨٥). لذا، يجب أن يُعزى التأكيد الذي وضعه على البحث عن الحكم من خلال دراسة كتاب الله إلى اعتقاده بأن آيات الله موجودة في كتابه أكثر من أي مكان آخر.
تشير روايات متعددة إلى أن ابن عباس كان يعتقد بضرورة البحث عن علم الشريعة في كتاب الله؛ وكأن الحكمة التي كان يبحث عنها تتحقق بالمعرفة بالشريعة. وبغض النظر عن أن عبارات ابن عباس تجمع بين علم الشريعة والمعرفة بالكتب السماوية (إسماعيل بن جعفر، ١٤١٨هـ، ص ١٠٨)، فقد نُقل عنه مراراً وتكراراً تصريحه بأن المراد بالحكمة المذكورة في القرآن هو العلم بشرائع الدين (السمعاني، ١٤١٨هـ، ج ١، ص ٣٧٦)، وأحكام الحلال والحرام (السرخسي، ١٤٠٦هـ، ج ١، ص ٢)، والوصول إلى المعارف اللازمة لمثل هذه المعرفة؛ معارف من قبيل أي آية ناسخة أو منسوخة، وأيها محكمة ومتشابهة، وأيها مقدمة أو مؤخرة (النحاس، ١٤٠٩هـ، ج ١، ص ٢٩٧؛ الطبري، ١٤٢٢هـ، ج ٥، ص ٨).
ومع ذلك، لا ينبغي الظن أنه من وجهة نظر ابن عباس، فإن مجرد المعرفة بهذه التفاصيل يعني الوصول إلى الحكمة. فالحكمة من وجهة نظره هي العقل الكامل (الطبري، ١٤٢٢هـ، ج ٢٠، ص ٤٩) أو الفهم الصحيح (ابن الجوزي، ١٤٠٤هـ، ج ٦، ص ٣٢٤)، والتي تتحقق للشخص عندما تصل معرفته بكتاب الله إلى ذروتها (ابن كثير، ١٣٨٨هـ، ج ٢، ص ٣٣٩). وأحياناً كان يرادف هذه الحكمة بـ«الفقه في القرآن» (الطبري، ١٤٢٢هـ، ج ٥، ص ١٠)، وأحياناً بـ«فهم معنى القرآن» (القرطبي، ١٣٧٢هـ، ج ٣، ص ٣٣٠). وهذا «التفقه في الدين» من وجهة نظره هو نصيب من أراد الله به خيراً: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (الزرقي، ١٤١٨هـ، ص ٤٩١).
ج- علم الكتاب ومؤسسة التعليم
إن جل الجهد الفكري لابن عباس، أي العقود الثلاثة الأخيرة من حياته، كان في فترة ما بعد الفتوحات؛ وهي فترة فُتحت فيها أراضٍ مختلفة، وتوسعت العلاقات بين الثقافات نسبياً، وبالتالي ظهرت مسائل نظرية مختلفة في المجتمع الإسلامي؛ مسائل يمكن رؤية انعكاسها في أفكار قادة الخوارج مثل نافع بن الأزرق وغيرهم من التيارات الفكرية في تلك الفترة. وفي هذه الأثناء، كان معظم المسلمين يبحثون عن حل للأزمات الفكرية والاضطرابات السياسية في إغلاق باب النقاشات التفسيرية، ويعتبرون السؤال عن معنى القرآن خروجاً عن واجبات المؤمنين.
في المقابل، كان ابن عباس يعتقد أن الله لا ينزل كتاباً إلا وهو يريد أن يعرف الناس تفسيره (مقاتل، ١٤٢٣هـ، ج ١، ص ٢٦). وكان يعتقد أن بقاء القرآن مرهون بمذاكرته، وإذا لم يجعله الأفراد موضوعاً لبحثهم، فستترك جماعة القرآن وراء ظهورها بمرور الوقت (الدارمي، ١٣٤٩هـ، ج ١، ص ١٤٧). ومن ناحية أخرى، لم يكن متفائلاً بشأن العلاقات الثقافية بين المسلمين وأهل الكتاب؛ وهي علاقات يمكن استنتاجها من خلال تحليل لهجته أنها كانت مبنية على مراجعة المسلمين من جانب واحد لأهل الكتاب لتلبية احتياجاتهم العلمية. وكان ابن عباس يوبخ هؤلاء المراجعين قائلاً: أليس اليهود والنصارى يرجعون إلينا لفهم كتابهم حتى نرجع نحن إليهم؟ ألم يقل القرآن إنهم باعوا كتاب الله بثمن قليل، ونقضوا العهد وحرفوا الكلمات؟ وهل يوجد شيء في كتابهم الديني ليس موجوداً في كتابنا الديني؟ (إبراهيم بن سعد، ١٤٢٣هـ، ص ٩٢؛ الشافعي، ١٣٩٣هـ، ج ١، ص ٢١٣). وعلى هذا الأساس، كان يحذر من أنه كلما لم يسع المؤمنون أنفسهم لتفسير القرآن، سيظهر أناس يوجهون هذا المجال نحو اتجاهات غير مناسبة (انظر: مقاتل، ١٤٢٣هـ، ج ١، ص ٢٦).
وهكذا، في فترة غلب فيها الفكر الجهادي في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وكان الناجون من فتوحات الجهاد يبحثون عن وسيلة لإحياء هذا الجهاد، كان هو أيضاً من بين الذين سعوا لتقديم قراءتهم الخاصة لذكر الله كبديل مناسب للجهاد (انظر: مهروش، «تاریخ انگاره ذکر»، ص ٥٨-٦٠). وعندما سُئل عن الجهاد، قال: هل يريدون أن أرشدهم إلى شيء أفضل من الجهاد؟ أن يبنوا مسجداً يُقام فيه محفل لتعليم القرآن، وسنة النبي (ص)، وفقه الدين (الفسوي، ١٤٠١هـ، ج ٣، ص ٤٠٠).
كان ابن عباس نفسه من مؤسسي مثل هذه المحافل، ويُقال إنه فسر سورتي البقرة وآل عمران كلمة بكلمة على المنبر (ابن سعد، دون تاريخ، ج ٦، ص ٣٦٧). كما وردت تقارير عن عقده لجلسات تدريس في ليالي شهر رمضان (أخبار الدولة العباسية، دون تاريخ، ص ٣٤)، وربما يكون حديثه عن فضل المذاكرة الليلية على الإحياء (انظر: السطور السابقة) مرتبطاً بهذه المجالس نفسها. وكانت مواضيع تدريسه مبرمجة وتشمل الشعر والتاريخ والتفسير والأحكام الشرعية (ابن سعد، المصدر نفسه، ج ٢، ص ٣٦٨). وكان يدعو الجميع لحضور هذه المجالس، ويعد بحضورها نصيباً كبيراً من رحمة الله (وكيع، ١٤٠٤هـ، ص ٨٣٠). وخارج هذه الحلقات أيضاً، كان يعتبر أي فرصة للتعليم أمراً ثميناً ويتعامل معها بصرامة (ابن سعد، المصدر نفسه، ج ٢، ص ٣٨٦، ج ٥، ص ٢٨٨، ج ٦، ص ٢٥٦؛ ابن عساكر، ١٤١٥هـ، ج ٧٣، ص ٢٠٥).
كما نُقلت ذكريات كثيرة عن جهود ابن عباس نفسه في طلب العلم؛ جهود ربما أراد ابن عباس بنقلها أن تكون نموذجاً لتلاميذه. فقد نقل أنه كان دائماً ملازماً لكبار أصحاب النبي الأكرم (ص) يسألهم (ابن سعد، دون تاريخ، ج ٢، ص ٣٧١)، وأحياناً كان يسأل عدة أشخاص عن مسألة واحدة (نافع، ١٤١٣هـ، ص ١٤)، وأمام شخصيات من طبقته، أظهر تواضعاً كبيراً (ابن سعد، المصدر نفسه، ج ٢، ص ٣٦٧). وكان يقول إنه في طلب العلم، تحمل المشاق، ولما وصل إلى العلم، نال العزة (ابن عبد ربه، ١٤٠٤هـ، ج ٢، ص ٨٠). وبهذه الطريقة، كان يوصي تلاميذه أيضاً بألا يغفلوا عن مراجعة العلماء لاكتساب المعرفة (ابn سعد، المصدر نفسه، ج ٢، ص ٣٦٧-٣٦٨، ج ٦، ص ٢٥٦؛ أحمد، دون تاريخ، المصدر نفسه، ج ١، ص ٢٢٣).
بالإضافة إلى تأسيس حلقات العلم وتربية التلاميذ، كان ابن عباس يقدم لتلاميذه توصيات تربوية كثيرة؛ توصيات حول عدم إغفال فضل تعليم الآخرين (معمر بن راشد، ١٤٠٣هـ، ج ١١، ص ٤٦٩)، وعدم التشدد مع التلاميذ (الطيالسي، دون تاريخ، ص ٣٤٠)، وفي الوقت نفسه، مراقبة أمر التعليم (أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٣٩)، واستخدام بيان بليغ (المصدر نفسه، ج ١، ص ٢٦٩)، والسعي لجعل الأفراد لا يسمعون الحقائق فحسب، بل يرونها (المصدر نفسه، ج ١، ص ٢٧١)، والتعامل الحسن مع التلاميذ (المصدر نفسه، ج ١، ص ٣٦٥؛ انظر أيضاً: ابن سعد، دون تاريخ، ج ٢، ص ٣٨٦، ج ٥، ص ٢٨٧-٢٨٨).
كما يجب اعتبار التقارير الكثيرة حول تشجيعه على كتابة العلم (كمثال، انظر: أحمد، دون تاريخ، ج ١، ص ٢٢٣، ٢٤٧؛ مقاتل، ١٤٢٣هـ، ج ٥، ص ١٣؛ الخطيب البغدادي، دون تاريخ، ص ٢٦٢)، وتشجيع التلاميذ على الإفتاء (ابn أبي حاتم، ١٣٧١هـ، ج ٧، ص ٨)، والسعي لتوسيع مصادر التعليم بطرح السنة النبوية إلى جانب كتاب الله كمادة تعليمية (الطيالسي، دون تاريخ، ص ٣٥٥؛ المروزي، دون تاريخ، ص ٢٢؛ السمعاني، ١٤١٨هـ، ج ١، ص ٣٧٦، الذي ينسب هذا القول إلى آخرين) من بين جهوده لتطوير مؤسسة التعليم؛ وهي مؤسسة رأى أن تطويرها ضروري لإصلاح الرؤى.
٥. الخلاصة والاستنتاج
في هذه الدراسة، أردنا أن نعرف ما إذا كان يمكن في الأقوال المتبقية عن ابن عباس التعرف على وجود فكر أخلاقي متماسك أم لا، ولهذا الغرض، ركزنا على التقارير التي تشير إلى رؤيته لضرورة ومنهج إصلاح الرؤى. وجدنا:
١. شواهد تدل على نظرة ابن عباس المنسجمة والمنهجية لإصلاح الرؤى. فبناءً على هذه الشواهد، فإن الخير الأسمى من وجهة نظر ابن عباس، الذي يُعبر عنه تارة بالسعادة الأبدية، وتارة بالفوز والفلاح، وتارة بالقرب من الله، لا يمكن تحقيقه إلا بالتمتع بنفسية سعيدة في هذه الدنيا.
٢. للوصول إلى مثل هذه السعادة النفسية، يجب أولاً الإيمان بأن الله هو المؤثر الوحيد في عالم الوجود وتسليم النفس إليه؛ ثم إخلاص النية لله، والسعي في العمل الصالح، والصبر على هذا العمل، والبقاء آملاً في مواجهة الصعوبات مثل الضعف في مواجهة الذنوب. ويجب أيضاً تقوية هذا الصبر والأمل بالمراقبة الدائمة؛ المراقبة لعدم نسيان أعمال الخير، والأمل برحمة الله نتيجة للأعمال التي تتم بنية صالحة.
٣. كما رأينا، يؤكد ابن عباس بشكل خاص على الدعاء والتوبة والتذكر لتربية روح الصبر والأمل. والمطلوب منه هو أن يربي الأفراد في أنفسهم روح التوكل بالدعاء، ويستعيدوا أملهم برحمة الله بالتوبة، ويصلوا إلى الحكمة بالتذكر. وهو، أبعد من الإشارة إلى أهمية الجهود الفردية للتذكر، يؤكد على ضرورة تأسيس مؤسسة علمية محورها القرآن الكريم، ويعتبر قيام حلقات الدرس والبحث حول الكتاب والسنة شرطاً ضرورياً لإصلاح الرؤى من أجل النمو الأخلاقي.
الهوامش
١. القرآن الكريم.
٢. إبراهيم بن سعد، الجزء، بيروت، دار الكتب، ١٤٢٣هـ.
٣. ابن أبي حاتم الرازي، عبد الرحمن بن محمد، التفسير، بيروت، دار الفكر، ١٤٢٤هـ.
٤. ______، الجرح والتعديل، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٣٧١هـ.
٥. ابن أبي خيثمة، أحمد، التاريخ الكبير، السفر الثالث، القاهرة، دار الفاروق الحديثة، ١٤٢٧هـ.
٦. ابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد، المصنف، بيروت، دار الفكر، ١٤٠٩هـ.
٧. ابن الجعد، علي، المسند، الكويت، مكتبة الفلاح، ١٤٠٥هـ.
٨. ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي، زاد المسير، بيروت، المكتب الإسلامي، ١٤٠٤هـ.
٩. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٥هـ.
١٠. ابن خلاد الرامهرمزي، حسن بن عبد الرحمن، المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، بيروت، دار الفكر، ١٤٠٤هـ.
١١. ابن زبير البصري، مجاعة، الحديث، بيروت، دار البشائر الإسلامية، ١٤٢٣هـ.
١٢. ابن سعد، محمد، الطبقات، بيروت، دار صادر، دون تاريخ.
١٣. ابن شبة، عمر، تاريخ المدينة، تحقيق فهيم محمد شلتوت، جدة، حبيب محمود أحمد، ١٣٩٩هـ.
١٤. ابن طهمان، إبراهيم، المشيخة، دمشق، مجمع اللغة العربية، ١٤٠٣هـ.
١٥. ابن عبد ربه، أحمد بن محمد، العقد الفريد، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٠٤هـ.
١٦. ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، جامع بيان العلم وفضله، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٣٩٨هـ.
١٧. ابن عدي، عبد الله، الكامل في ضعفاء الرجال، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٨هـ.
١٨. ابن عساكر، علي بن حسن، تاريخ دمشق، بيروت، دار الفكر، ١٤١٥هـ.
١٩. ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم، عيون الأخبار، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٢٤هـ.
٢٠. ابن كثير، إسماعيل بن عمر، قصص الأنبياء، القاهرة، مطبعة دار التأليف، ١٣٨٨هـ.
٢١. ابن المبارك، عبد الله، المسند، تحقيق مصطفى عثمان محمد، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١١هـ.
٢٢. ______، الزهد، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، بيروت، دار الكتب العلمية، دون تاريخ.
٢٣. ابن وهب، عبد الله، الجامع، الرياض، دار ابن الجوزي، ١٤١٦هـ.
٢٤. ابن هشام، عبد الملك، السيرة، القاهرة، شركة الطباعة الفنية المتحدة، دون تاريخ.
٢٥. أبو عبيد القاسم بن سلام، فضائل القرآن، بيروت، دار ابن كثير، ١٤١٥هـ.
٢٦. ______، الخطب والمواعظ، تحقيق رمضان عبد التواب، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، دون تاريخ.
٢٧. أبو يعلى الموصلي، أحمد بن علي، المسند، دمشق، دار المأمون، ١٤٠٤هـ.
٢٨. الأثيوبي، محمد بن علي، إسعاف ذوي الوطر، المدينة، مكتبة الغرباء الأثرية، ١٤١٤هـ.
٢٩. أحمد بن حنبل، المسند، بيروت، دار صادر، دون تاريخ.
٣٠. أخبار الدولة الإسلامية، تحقيق عبد العزيز الدوري وعبد الجبار مطلبي، بيروت، دار الطليعة، دون تاريخ.
٣١. إسماعيل بن جعفر، حديث علي بن حجر، تحقيق عمر بن رفود سفياني، الرياض، مكتبة الرشد، ١٤١٨هـ.
٣٢. الباهلي، عفان بن مسلم، الأحاديث، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤١٢هـ.
٣٣. البخاري، محمد بن إسماعيل، الأدب المفرد، تحقيق سمير بن أمين زهيري، الرياض، مكتبة المعارف، ١٤١٩هـ.
٣٤. ______، الصحيح، بولاق، المطبعة الأميرية، ١٣١١هـ.
٣٥. البرجلاني، محمد بن حسين، الكرم والجود، بيروت، دار ابن حزم، ١٤١٢هـ.
٣٦. البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف، بيروت، جمعية المستشرقين الألمانية، ١٣٩٨هـ.
٣٧. البيهقي، أحمد بن حسين، البعث والنشور، بيروت، مركز الخدمات والأبحاث الثقافية، ١٤٠٦هـ.
٣٨. باكتجي، أحمد، «الأخلاق الدينية»، دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، إشراف كاظم موسوي بجنوردي وآخرون، المجلد ٧، طهران، مركز دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، ١٣٧٧هـ.ش.
٣٩. ______، تاريخ تفسير القرآن الكريم، طهران، الجمعية العلمية لطلاب جامعة الإمام الصادق (ع)، ١٣٨٩هـ.ش.
٤٠. ______، تاريخ الحديث، تحقيق يحيى مير حسيني، طهران، الجمعية العلمية لطلاب الإلهيات بجامعة الإمام الصادق (ع)، ١٣٨٨هـ.ش.
٤١. ______، فقه الحديث بالتركيز على مسائل اللفظ، طهران، جامعة الإمام الصادق (ع)، ١٣٩٢هـ.ش.
٤٢. ______، فقه الحديث: مباحث النقل بالمعنى، طهران، جامعة الإمام الصادق (ع)، ١٣٩٤هـ.ش.
٤٣. الثعلبي، أحمد بن محمد، الكشف والبيان، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٢٢هـ.
٤٤. الثوري، سفيان بن سعيد، التفسير، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٠٣هـ.
٤٥. ______، الحديث، بيروت، دار البشائر الإسلامية، ٢٠٠٤م.
٤٦. الجصاص، أحمد بن علي، أحكام القرآن، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٥هـ.
٤٧. الحميدي، عبد الله بن الزبير، المسند، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٠٩هـ.
٤٨. الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، الكفاية في علم الرواية، المدينة، المكتبة العلمية، دون تاريخ.
٤٩. خيثمة بن سليمان، الحديث، بيروت، دار الكتاب العربي، ١٤٠٠هـ.
٥٠. الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن، السنن، دمشق، مطبعة الاعتدال، ١٣٤٩هـ.
٥١. زبير بن عدي، النسخة، الجزء الثاني، نسخة مخطوطة في المكتبة الظاهرية بدمشق برقم ٧٨، الورقة من الخمسين إلى السادسة والخمسين، متاحة على موقع الألوكة الإلكتروني، مجموعة رقم ٣٨١٤، ص ٤٦ وما بعدها من ملف PDF؛ والنص المحقق على موقع جامع الكتب الإسلامية الإلكتروني.
٥٢. الزرقي، إسماعيل بن جعفر، الحديث، الرياض، مكتبة الرشد، ١٤١٨هـ.
٥٣. الزهري، محمد بن مسلم، تنزيل القرآن، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤١٨هـ.
٥٤. السرخسي، محمد بن أحمد، المبسوط، بيروت، دار المعرفة، ١٤٠٦هـ.
٥٥. سزكين، فؤاد، تاريخ التراث العربي، ترجمة محمود فهمي حجازي وآخرون، الرياض، جامعة الإمام محمد بن سعود، ١٤١١هـ.
٥٦. السمرقندي، نصر بن محمد، تنبيه الغافلين، بيروت، دار ابن كثير، ١٤٢١هـ.
٥٧. السمعاني، منصور بن محمد، التفسير، الرياض، دار الوطن، ١٤١٨هـ.
٥٨. السيد الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة، قم، دار الذخائر، ١٤١٢هـ.
٥٩. الشافعي، محمد بن إدريس، الأم، بيروت، دار المعرفة، ١٣٩٣هـ.
٦٠. الشيباني، محمد بن حسن، الآثار، حيدر آباد دكن، لجنة إحياء المعارف النعمانية، دون تاريخ.
٦١. الصنعاني، عبد الرزاق بن همام، المصنف، بيروت، المكتب الإسلامي، ١٤٠٣هـ.
٦٢. ______، التفسير، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٩هـ.
٦٣. الضبي، محمد بن فضيل، الدعاء، الرياض، مكتبة الرشد، ١٤١٩هـ.
٦٤. الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، القاهرة، مكتبة ابن تيمية، ١٤١٥هـ.
٦٥. الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، القاهرة، دار هجر، ١٤٢٢هـ.
٦٦. الطيالسي، سليمان بن داوود، المسند، بيروت، دار المعرفة، دون تاريخ.
٦٧. عبد بن حميد، المسند، القاهرة، مكتبة السنة، ١٤٠٨هـ.
٦٨. الفاكهي، محمد بن إسحاق، أخبار مكة، بيروت، دار خضر، ١٤١٤هـ.
٦٩. الفراء، يحيى بن زياد، معاني القرآن، القاهرة، الدار المصرية، دون تاريخ.
٧٠. الفسوي، يعقوب بن سفيان، المعرفة والتاريخ، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤٠١هـ.
٧١. الفقه الأكبر، المنسوب إلى أبي حنيفة، مع الشرح الميسر على الفقهين الأبسط والأكبر، دبي، مكتبة الفرقان، ١٤١٩هـ.
٧٢. القاضي القضاعي، محمد بن سلامة، مسند الشهاب، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٥هـ.
٧٣. القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، القاهرة، دار الشعب، ١٣٧٢هـ.
٧٤. الماتريدي، محمد بن محمد، تأويلات أهل السنة، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٢٦هـ.
٧٥. مالك بن أنس، الموطأ، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٦هـ.
٧٦. المرزوقي، أحمد بن محمد، الأزمنة والأمكنة، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٧هـ.
٧٧. المروزي، محمد بن نصر، تعظيم قدر الصلاة، المدينة، مكتبة الدار، ١٤٠٦هـ.
٧٨. المروزي، نعيم بن حماد، زيادات بر كتاب الزهد لابن المبارك، بيروت، دار الكتب العلمية، دون تاريخ.
٧٩. مسلم بن حجاج، الصحيح، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، دون تاريخ.
٨٠. معمر بن راشد، الجامع، حيدر آباد دكن، المجلس العلمي، ١٤٠٣هـ.
٨١. مقاتل بن سليمان البلخي، التفسير، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٢٣هـ.
٨٢. مهروش، فرهنگ، «اندیشه اخلاقی ابن مسعود»، پژوهشنامه اخلاق، السنة السابعة، صيف ١٣٩٣هـ.ش، العدد ٢٤، ص ١٤٣-١٦٢.
٨٣. ______، «تاریخ انگاره ذکر در فرهنگ اسلامی»، دراسات القرآن والحديث، السنة التاسعة، خريف وشتاء ١٣٩٤هـ.ش، العدد ١٧، ص ٤٣-٧٨.
٨٤. ______، تاریخ فقه اسلامی در سده های نخستین: از آغاز اسلام تا شکل گیری مکتب اصحاب حدیث متأخر، طهران، ني، ١٣٩٥هـ.ش.
٨٥. ______، «اندیشه اخلاقی بازتابیده در صحیفه سجادیه»، دراسات تاريخية للقرآن والحديث، العدد ٥٧، ربيع وصيف ١٣٩٤هـ.ش، ص ٣٨-٦٦.
٨٦. نافع بن الأزرق، المسائل عن عبد الله بن العباس، قبرص، الجفان والجابي، ١٤١٣هـ.
٨٧. النحاس، أحمد بن محمد، إعراب القرآن، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٢١هـ.
٨٨. ______، معاني القرآن، مكة، جامعة أم القرى، ١٤٠٩هـ.
٨٩. نيل ساز، نصرت وزرين كلاه، إلهام، «حل تعارض روایات تفسیری ابن عباس»، دراسات فهم الحديث، السنة الخامسة، ربيع وصيف ١٣٩٨هـ.ش، العدد الثاني، ص ٢١٣-٢٣٧.
٩٠. وكيع بن الجراح، الزهد، المدينة، مكتبة الدار، ١٤٠٤هـ.
٩١. يحيى بن سلام، التفسير، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٢٥هـ.