الأحاديث المتعلقة بوجه تسمية النساء: نقد المتن على أساس علم أصول الكلمات

المستخلص

في استعراض أنواع الحديث المختلفة، يُعدُّ حديث وجه التسمية أحد الأنواع التي يتعلق جزء منها بأسماء معينة، كأسماء الأنبياء وشخصيات القصص، ويتعلق جزء آخر بدائرة المفردات. وفي هذا النوع الأخير على وجه الخصوص، من الأهمية بمكان إمكانية اختبار محتواه باستخدام مناهج علم أصول الكلمات (الاشتقاق). تسعى هذه المقالة إلى دراسة الألفاظ الثلاثة المتعلقة بالمرأة – أي «مرأة» بمعنى الإنسان الأنثى، و«نساء» بمعنى جمعها، والاسم الخاص «حواء» كأول امرأة – من منظور اشتقاقي، وتبيين كيفية تقييم الأحاديث الواردة حول وجه تسمية هذه الألفاظ. يهدف هذا البحث، في مستواه المحدود، إلى نقد متن هذا القسم من الروايات المتعلقة بتقييم جنس المرأة، وفي مستواه الموسع، إلى فتح باب جديد في توظيف اللسانيات التاريخية في نقد متن الحديث. المنهج المتبع في هذا البحث هو الدراسة الاشتقاقية وفقًا للنماذج المعهودة في اللسانيات السامية التاريخية، وبما يتناسب مع البحث، تم استخدام المقارنة المحدودة بين محتوى الروايات والنصوص المقدسة للأديان السابقة. من حيث النطاق، ينصب محور البحث بشكل خاص على الأحاديث المنقولة عن الإمام جعفر الصادق (ع) التي أشير فيها إلى وجوه التسمية الثلاثة المذكورة. وبالطبع، وردت مضامين مشابهة في المصادر غير الإمامية منقولة عن ابن عباس، والتي تمت دراستها في سياق المقارنة.

١. طرح المسألة

إن مسألة الجنس، والتمييز الجنسي، وتحديات المساواة بين الجنسين، هي قضية نابعة من التحولات الثقافية في العصر الحديث، ولا شك أن البحث عن المفاهيم والتحديات المعاصرة في النصوص الحديثية التي يعود زمن صدورها إلى أكثر من ألف عام مضى، لا وجه له بشكل مباشر؛ ولكن في الوقت نفسه، مع الأخذ في الاعتبار أن الأحاديث هي تجلٍّ للثقل الثاني من الثقلين إلى جانب كتاب الله، فمن المتوقع أن تكون محل عناية وتدقيق في فهم التعاليم الأساسية لدين الله. بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في العصر الحاضر، يكتسب هذا الموضوع أهمية كبيرة، حيث يجب البحث في جذور القضية المعاصرة المتعلقة بمكانة المرأة والنسبية بين الجنسين في النصوص الإسلامية، وإذا كانت هناك شبهات في هذا الصدد، فيجب تقديم إجابة وافية لها. في هذا السياق، يمكن أن يكون قياس مقولات الحديث بآيات القرآن الكريم، بمثابة عرض للحديث على كتاب الله، وأحد أشكال نقد المتن، مفيدًا. كما أن التفريق بين منطوق الحديث وما شاع في الثقافة العامة للمسلمين يمكن أن يوفر أرضية لدفع الشبهات.

من بين الحالات التي يمكن أن تُطرح كشبهة في متون الحديث وتُبحث كموضوع لمثل هذا البحث، أحاديثُ تسمية النساء؛ أي الأحاديث التي تتحدث عن أصل صنع الكلمات المتعلقة بالنساء، أو اسم أول امرأة، وفي الوقت نفسه، ترتبط بمعتقدات حول النساء، مثل نسبتهن إلى النسيان أو تقييمهن كجنس ضعيف. ولعل السبب في ذلك هو أن الثقافة العامة السائدة في القرون التي سبقت العصر الحديث كانت قد امتزجت بالفكر الذكوري إلى درجة أنها كانت تتناغم تمامًا مع هذه المعتقدات، فلم تكن مثل هذه الروايات لتعتبر متضمنة لشبهة أو إبهام لدى علماء القرون السابقة، بحيث تستدعي التدقيق فيها. ولكن في القراءة الثقافية للعصر الحاضر، ومن أجل تنقية تعاليم المعصومين (ع) من الشوائب، لا بد من تقديم إجابة من منظور نقد الحديث أو فقه الحديث لهذه الشبهات.

٢. استعراض متون الأحاديث ومستنداتها

من بين هذه الأحاديث، ورد في المصادر الإمامية أربعة أحاديث مسندة عن الإمام الصادق (ع) وحديثان بسند مرفوع أو مجرد السند عن الإمام علي والإمام الباقر (ع). وفيما يلي نصوص الأحاديث المسندة المنقولة عن الإمام الصادق (ع):

حديث ألف. «عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام، قال: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ – لَمَّا أَصَابَ آدَمُ وَ زَوْجَتُهُ الْحِنْطَةَ أَخْرَجَهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ، وَ أَهْبَطَهُمَا إِلَى الْأَرْضِ … وَ لَمْ يَكُنْ لَآدَمَ أَنْسٌ غَيْرَهَا، وَ لِذلِكَ سُمِّينَ النِّسَاءَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ حَوَّاءَ كَانَتْ أُنْساً لآدم …» (الكليني، ١٣٩١ش، ٤: ١٩٠-١٩١).

حديث ب. «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَمِّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ النَّوْفَلِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)، قَالَ: سُمِّيَتْ حَوَّاءُ حَوَّاءَ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ حَي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَ …. خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا… » (النساء: ١) (الصدوق، ١٣٨٥ق، ١: ١٦).

حديث ج. «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَمِّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ النَّوْفَلِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قال: سُمِّيَتِ الْمَرْأَةُ مَرْأَةً لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الْمَرْءِ – يَعْنِي خُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ آدَم» (المصدر نفسه، ١: ١٦-١٧).

حديث د. «أبي قال: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ وَعَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي الدَّيْلَم عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ، قَالَ: سُمِّيَ النِّسَاءُ نِسَاءً لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَآدَمَ (ع) أَنْسٌ غَيْرُ حَوَّاء» (الصدوق، ١٣٨٥ق، ١: ١٧؛ البرقي، ١٣٣١ش، ٣٣٦).

وهناك حديثان آخران نصهما كالتالي:

حديث هـ. «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ بِإِسْنَادِهِ رَفَعَهُ، قَالَ: أَتَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (ع) يَهُودِيُّ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ أَنْتَ أَخْبَرْتَنِي بِهَا أَسْلَمْتُ قَالَ عَلِيٌّ (ع): سَلْنِي يَا يَهُودِيُّ عَمَّا بَدَا لَكَ … فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ أَخْبِرْنِي… لِمَ سُمِّيَتْ حَوَّاءُ حَوَّاءَ؟ فَقَالَ عليه السلام … وَ إِنَّمَا سُمِّيَتْ حَوَّاءُ حَوَّاءَ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الْحَيَوَان…» (الصدوق، ١٣٨٥ق، ١: ١-٢).

حديث و. «وَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: كَانَ مَوْلَانَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ الْبَاقِرُ عِ جَالِساً فِي الْحَرَمِ وَ حَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَوْلِيَائِهِ إِذْ أَقْبَلَ طَاوُسٌ الْيَمَانِيُّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ثُمَّ [1] قَالَ لِأَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام: أَتَأْذَنُ لِي فِي السُّؤَالِ؟ فقال: فَقَالَ أَذِنَّا لَكَ فَسَلْ! … قَالَ: وَ لِمَ سُمِّيَتْ حَوَّاءُ حَوَّاءَ؟ قَالَ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ حَيَّ يَعْنِي ضِلْعَ آدَم» (الطبرسي، ١٣٨٦ق، ٢: ٦٤-٦٥).

إن نقد سند الأحاديث موضوع البحث ليس هو المحور الأساسي لهذا البحث، ولكن نظرًا لاحتمال أن يكون لعرض نتائج نقد المتن فوائد تترتب على نقد السند، نُقدم تقريرًا موجزًا في هذا الصدد: في سند الأحاديث المتعلقة بوجه التسمية في الألفاظ الثلاثة جميعها، يظهر اسم علي بن أبي حمزة البطائني، الذي وصفه ابن فضال بأنه «كذاب متهم»[2]، وذكر العياشي أنه لا يحل رواية حديث واحد عنه (الكشي، ١٣٤٨ش، ٤٠٣-٤٠٤). وقد لعنه ابن الغضائري ووصفه بأنه أصل الواقفية وأشد الناس عداوة للإمام الرضا (ع) (ابن الغضائري، ١٤٢٢ق، ٨٣). واعتبره النجاشي أحد أركان الواقفة (النجاشي، ١٤٠٧ق، ٢٤٩)، وأقر الشيخ الطوسي أيضًا بكونه واقفيًا (الطوسي، ١٤١٥ق، ٣٣٩؛ المصدر نفسه، ١٣٥٦ق، ٩٦).

وفيما يتعلق بالحسين بن يزيد النوفلي، ذكر النجاشي أن بعض الرجاليين المتقدمين كانوا يعتقدون أنه مال إلى الغلو في أواخر عمره، ولكن النجاشي نفسه يذكر أنه لم يشاهد منه رواية تدل على هذا الغلو (النجاشي، ١٤٠٧ق، ٣٨). وقد توقف العلامة الحلي أيضًا في قبول روايته بناءً على هذا النقاش (الحلي، ١٤١٧ق، ٣٣٩). أما بالنسبة لصالح بن أبي حماد الرازي، وموسى بن عمران النخعي، ومحمد بن أبي عبد الله الكوفي، فتوجد أيضًا إبهامات جدية في تقييم اعتبارهم.

وفي سند الحديث المتعلق بـ«نساء»، عبد الحميد بن أبي الديلم الغنوي، الذي روى عن الإمام الصادق (ع)، قد ضعّفه ابن الغضائري (ابن الغضائري، ١٤٢٢ق، ١١٤)، وبما أنه لم يرد في مصادر الرجال قول في تعديله أو توثيقه أو مدحه، فقد ذكره العلامة الحلي وابن داود الحلي في عداد الضعفاء استنادًا إلى تضعيف ابن الغضائري له (الحلي، ١٤١٧ق، ٣٨٤؛ ابن داود، ١٣٤٢ش، ٢٥٥). وفي الطبقة التالية، وثّق الشيخ الطوسي إسماعيل بن جابر الخثعمي وامتدحه (الطوسي، ١٤١٥ق، ١٢٤)، بينما سكت عنه سائر النقاد المتقدمين. ولهذا السبب، أورده العلامة الحلي وابن داود، مكررين عبارة الطوسي، في عداد الأقوياء؛ ولم يعتبروا رواية واحدة تشعر بذمه متعارضة مع هذا التوثيق (الحلي، ١٤١٧ق، ٥٤؛ ابن داود الحلي، ١٣٤٢ش، ٥٠).

في الطبقة نفسها، أجمعوا على أن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي كان واقفيًا (الكشي، ١٣٤٨ش، ٥٥٥؛ الطوسي، ١٤١٥ق، ٣٣٩؛ النجاشي، ١٤٠٧ق، ٢٤٥). وأضاف ابن الغضائري، إلى جانب الإخبار بأن الواقفة تعده من جماعتها، أن الغلاة يكثرون الرواية عنه (ابن الغضائري، ١٤٢٢ق، ١١٤). وقد وثّقه النجاشي رغم كونه واقفيًا (النجاشي، الموضع نفسه)، ولكن الشيخ الطوسي وصفه بـ«الخبيث» (الطوسي، ١٤١٥ق، ٣٣٩).

في الطبقة التي تليها، يبرز محمد بن سنان الزاهري، وهو شخصية مثيرة للجدل. فقد نقل الكشي عن الفضل بن شاذان أنه من مشاهير الكذابين (الكشي، ١٣٤٨ش، ٥٠٧) وأنه لا يحل رواية أحاديثه (الموضع نفسه؛ النجاشي، ١٤٠٧ق، ٣٢٨). واعتبره ابن الغضائري ضعيفًا وغاليًا، وصرح بأنه كان يضع الحديث وأنه لا ينبغي الالتفات إلى (رواياته) (ابن الغضائري، ١٤٢٢ق، ٩٢). ووصفه النجاشي بأنه ضعيف جدًا، ونبه إلى أنه لا ينبغي الاهتمام بتفرداته في الرواية (النجاشي، ١٤٠٧ق، ٣٢٨). كما ضعّفه الشيخ الطوسي وطعن فيه (الطوسي، ١٤١٥ق، ٣٦٤؛ المصدر نفسه، ١٣٥٦ق، ١٤٣). وفي الطبقات التالية، محمد بن خالد البرقي وابنه أحمد، على الرغم من مواجهتهما لبعض الانتقادات، إلا أن الانتقادات الموجهة إليهما كانت جميعها تتعلق بتساهلهما في النقل عن الضعفاء، ولم تكن تشير إلى شخصيتهما. [3]

بناءً على ما تقدم، فإن الأحاديث المسندة الأربعة جميعها تُصنف في النقد التقليدي ضمن الأحاديث الضعيفة، أما الموردان الأخيران فهما فاقدان للسند تمامًا. والنقطة الجديرة بالاهتمام هي أن محتوى الأحاديث الخمسة حول وجه تسمية آدم، الإنسان، حواء، المرأة والنساء، قريب جدًا من أخبار «علل الشرائع» في المصادر غير الإمامية، في خبر موقوف عن ابن عباس. ويبدو أن هذا الخبر، الذي رُوي عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، مأخوذ من تفسير الكلبي الذي ضُعِّف سنده في مصادر نقاد حديث أهل السنة (حول هذا السند، انظر: ابن حجر، ١٤٢٢ق، ٥٩).

المهم هو أن الخبر موضوع البحث حول وجه التسمية، ليس في الروايات الأصلية والمشهورة لتفسير الكلبي، بل في رواية هامشية نقلًا عن عيسى بن يونس السبيعي. وقد ورد نقل هذا الخبر المطول بسلسلة سند تصل إلى الكلبي ومنه إلى ابن عباس في أمالي ابن الشجري (المرشد بالله، ١٤٢٢ق، ٢: ١٢٨). ومن المثير للاهتمام أن ابن بابويه يشير أيضًا في الرواية المتعلقة بـ«النساء» إلى أنه استخرجها من حديث طويل (الصدوق، ١٣٨٥ق، ١: ١٧)؛ وهي رواية يمكن مقارنتها من حيث أصول المتون برواية ابن عباس المطولة. بالإضافة إلى ذلك، ورد هذا الخبر في قسمين يتعلقان بـ«المرأة» و«حواء»، نقلًا عن ابن عباس في تفسير أبي الشيخ الأصفهاني (ت ٣٦٩هـ)، والذي لا يمكن الوصول إليه اليوم (نقلًا عن السيوطي، ١٣١٤ش، ١: ٥٢).

كما نقل أبو الحسن الماوردي (ت ٤٥٠هـ) وأبو القاسم ابن عساكر (ت ٥٧١هـ) مضمونًا يتعلق بـ«المرأة» و«حواء» عن ابن عباس دون إسناد (الماوردي، ١٤٠٧ق، ٧٨؛ ابن عساكر، ١٤١٥ق، ٦٩: ١٠٢). وتوجد أيضًا روايات عن الصحابة والتابعين تتعلق فقط بـ«حواء» في المصادر، والتي سيتم بحثها لاحقًا. في تتمة المقال، سنتناول أولًا دراسة محتوى الأحاديث والأخبار المذكورة بمقارنتها بمضامين التوراة، ثم سنتطرق إلى الدراسة الاشتقاقية لكل لفظ من الألفاظ الثلاثة لنقد محتوى الروايات.

٣. مقارنة المتن مع مضامين التوراة

حديث تسمية المرأة بـ«مرأة» متفق عليه، سواء في القول المنقول عن الإمام الصادق (ع) (الصدوق، ١٣٨٥ق، ١: ١٦-١٧) أو في الخبر المنقول عن ابن عباس (المرشد بالله، ١٤٢٢ق، ٢: ١٢٩؛ الماوردي، ١٤٠٧ق، ٧٨؛ ابن عساكر، ١٤١٥ق، ٦٩: ١٠٢؛ السيوطي، ١٣١٤ش، ١: ٥٢)، على أن المرأة سميت «مرأة» لأنها خُلقت من «مرء»؛ ومن الواضح أن «مرء» بمعنى الإنسان الذكر هنا يشير إلى سيدنا آدم (ع). وكما صرح بعض المفسرين مثل أبي الليث السمرقندي (ت ٣٧٣هـ)، فإن سند وجه التسمية هذا هو الاعتقاد بأن حواء قد خلقت من إحدى أضلاع آدم (أبو الليث، د.ت، ١: ٣٠٣). ونحن نعلم أن حكاية خلق حواء من ضلع آدم قد انعكست بأشكال مختلفة في الأحاديث والأخبار، والنقطة الجديرة بالاهتمام هي أن هذا التعليم له سابقة دقيقة في تعاليم التوراة.

وفيما يتعلق بسبب تسمية النساء بـ«النساء»، ورد في الحديث المنقول عن الإمام الصادق (ع) أن هذه التسمية جاءت لأن «آدم لم يكن له مؤنس غير حواء» (الصدوق، ١٣٨٥ق، ١: ١٧)، ولكن في الخبر الطويل المنقول عن ابن عباس، بعد أن قيل إن سبب تسمية الإنسان بـ«إنسان» هو وجود النسيان فيه، يُشار إلى أن النساء سُمين «نساء» لأنهن «أكثر نسيانًا» (المرشد بالله، ١٤٢٢ق، ٢: ١٢٩؛ قارن: الجوهري، ١٣٧٦ش، ٣: ٩٠٥، الذي نقل فقط الجزء المتعلق بالإنسان والنسيان عن ابن عباس). وفي النقولات القصيرة عن ابن عباس، لم يُشاهد الجزء المتعلق بـ«النساء» على الإطلاق.

والآن، يجدر بنا أن نشير إلى موضع من التوراة، حيث لم تُطرح فيه فقط عقيدة خلق حواء من ضلع آدم، بل أيضًا مسألة وجه تسمية النساء مرتبطة بها. ففي موضع من سفر التكوين ورد ما يلي: «فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. * وَبَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. * فَقَالَ آدَمُ: هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى نِسَاءً، لأَنَّهَا مِنِ انْسَانٍ أُخِذَتْ» (سفر التكوين، ٢: ٢١-٢٣).

النص العبري للآية الأخيرة هو: וַיֹּאמֶר, הָאָדָם, זֹאת הַפַּעַם עֶצֶם מֵעֲצָמַי, וּבָשָׂר מִבְּשָׂרִי; לְזֹאת יִקָּרَא אִשָּׁה, כִּי מֵאִישׁ לֻקְחָה-זֹאת. في هذه العبارة، אִשָּׁה (iššā) تعني «امرأة، إنسانة أنثى»، وאִישׁ (ʾīš) تعني «رجل، إنسان ذكر» (Gesenius, 1030, 35). ولهذا السبب، في الترجمة العربية لسفر التكوين، تُرجمت العبارة الأخيرة على النحو التالي: «… هذه تدعى امرأة، لأنها من امرء أخذت»، وهي ذات قرابة كبيرة من حيث المضمون مع حديث «المرأة» و«المرء». أما العلاقة بين «النساء» و«الأنس» أو «النسيان» فهي خارجة عن سياق سفر التكوين، لأن التوراة لم تستخدم نظير «النساء» أي נָשִׁים (nāšīm) في هذا المبحث، وهذه أهمية كلمة «النساء» في العربية التي أثارت مثل هذا السؤال حول وجه تسميتها. ومهما يكن من أمر، فإن الأخبار الإسلامية في هذا المورد الذي سكتت عنه التوراة قد اختلفت.

في بحث وجه تسمية «حواء»، ربطت الأخبار الإسلامية والتوراة معًا بالصلة بمفهوم «الحياة»، ولكنها تختلف في تفاصيل التوضيح، حيث إن الحديث المنقول عن الإمام الصادق (ع) يبتعد قليلًا عن التوراة. ففي هذا الحديث، قيل إن حواء سُميت بهذا الاسم لأنها خُلقت من «كائن حي» (الصدوق، ١٣٨٥ق، ١: ١٦)؛ وهنا يُؤكد مرة أخرى على خلق حواء من جسد آدم. أما في نص التوراة، فقد ذُكر وجه آخر للتسمية، حيث يقول: «وَدَعَا آدَمُ اسْمَ امْرَأَتِهِ حَوَّاءَ، لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ» (سفر التكوين، ٣: ٢٠). وقد انعكس مضمون مشابه لحديث الإمام الصادق (ع) في الحديث المرفوع عن الإمام علي (ع).

يتأرجح الخبر المنقول عن ابن عباس وغالب أقوال المفسرين المتقدمين بين هذين القولين. فأبو الليث السمرقندي يختار القول الذي يوافق مضمون الحديث المنقول عن الإمام الصادق (ع)، دون أن يحدد مرجعًا لقوله (أبو الليث، د.ت، ١: ٣٣). والماوردي يذكره كأحد القولين دون ذكر قائله (الماوردي، ١٤٠٧ق، ٧٨). وفي الرواية المطولة عن ابن عباس، ذُكر مضمون الحديث المنقول عن الإمام الصادق (ع)، بل وصُرح في مقام التوضيح بخلق حواء من ضلع آدم: «… لأنها خلقت من حيوان، من ضلع آدم الصغرى» (المرشد بالله، ١٤٢٢ق، ٢: ١٢٩). وفي رواية ملفقة عن السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وابن مسعود وصحابة آخرين، ورد هذا المضمون أيضًا (الطبري، ١٤٠٥ق، ١: ٢٢٩؛ المصدر نفسه، ١٣٨٧ق، ١: ١٠٣-١٠٤؛ السيوطي، ١٣١٤ش، ١: ٥٢). ويُلاحظ هذا المطلب عند التابعين مثل السدي نفسه (ابن أبي حاتم، ١٤١٩ق، ١: ٨٥؛ ٥: ١٤٤٨)، وعطاء بن أبي رباح (ابن عساكر، ١٤١٥ق، ٦٩: ١٠٢؛ السيوطي، الموضع نفسه)، وعند أتباع التابعين من مقاتل بن سليمان (مقاتل بن سليمان، ١٤٢٤ق، ١: ٢١٣، ٤٢٨).

أما في معظم الروايات المختصرة لخبر ابن عباس، فإن مضمون التوراة هو الذي يُطرح (ابن سعد، د.ت، ١: ٣٩؛ ابن عساكر، الموضع نفسه؛ نقلًا عن أبي الشيخ، السيوطي، ١٣١٤ش، ١: ٥٢). والماوردي يشير أيضًا إلى هذا القول كأحد القولين (الماوردي، ١٤٠٧ق، ٧٨). وبالإضافة إلى هذين القولين الأصليين، يوجد لدى المفسرين قول ثالث لا يُعرف قائله، يربط اشتقاق «حواء» من «الحُوَّة» (أبو الليث، د.ت، ١: ٣٠٣)، وهي تعني السواد المائل إلى الخضرة، أو الحمرة المائلة إلى السواد (الفيروزآبادي، ١٣٤٤ق، ٤: ٣٢١)، وذلك لوجود هذا اللون في شفتي حواء، أو لأن لون بشرتها كان أسمر (أبو الليث، الموضع نفسه).

٤. الدراسة الاشتقاقية للفظ «مرأة»

كلمة «مرأة» أو بهمزة وصل «امرأة» بمعنى الأنثى من البشر في العربية، صيغت بإضافة تاء التأنيث إلى كلمة «مرء» أو بهمزة وصل «امرء» بمعنى الرجل، الإنسان الذكر. وكلمة «مرء» بدورها كلمة ذات جذر قديم وتوجد في جميع فروع اللغات السامية (مشكور، ١٣٥٧ش، ٢: ٨٣٥-٨٣٦)؛ لكن صيغتها المؤنثة، خارج نطاق العربية، لا تظهر إلا في العبرية واللغات من الفرع الآرامي. في الآرامية الهزوارشية، كلمة /MWRT/ هي مقابل للكلمة البهلوية bānūg، وفي الفارسية الحديثة «بانو» (المصدر نفسه، ٢: ٨٣٦).

في البحث عن الجذر السامي، يجب القول إن جذر هذه الكلمة في السامية القديمة أعيد بناؤه على شكل |*mar’-| أو |*mari’-|، أي قريب جدًا من الشكل العربي، وقد أضيفت له، بالإضافة إلى معناه المحوري «رجل، إنسان ذكر»، توسعات دلالية مثل «سيد، ابن، وزوج» في بعض اللغات السامية (Orel & Stolbova, 1995, No. 1740; Dolgopolsky, 2008, No. 1469). هذه الكلمة نفسها لها جذر أفروآسيوي، وفي تلك اللغة الأم أعيد بناؤها في شكل ثلاثي |*marar-| وشكل أقدم ثنائي |*mar-| بمعنى رجل، إنسان ذكر. بالإضافة إلى السامية، شوهدت بقايا هذه الكلمة في فروع أخرى من اللغات الأفروآسيوية، مثل المصرية، والتشادية الغربية، والتشادية الوسطى (Orel & Stolbova, 1995, No. 1740; Dolgopolsky, 2008, No. 1469).

كما يتضح، فإن جذر ومسار بناء كلمة «مرأة» واضحان، ويمكن بكل ثقة اعتبارها تأنيثًا بسيطًا وقياسيًا للكلمة المذكرة «مرء»، دون الحاجة أصلًا إلى الحديث عن شيء يسمى وجه التسمية.

٥. الدراسة الاشتقاقية للفظ «نساء»

كلمة «نساء»، التي يكثر استخدامها في القرآن الكريم، تعتبر في العربية جمعًا لا مفرد له من جذره. وشكلها الآخر «نِسوة» استُخدم مرتين فقط في سورة يوسف (يوسف: ٣٠، ٥٠)، وقد أشار اللغويون إلى أشكال «نِسوان» و«نُسون» التي ليس لها استخدام في القرآن (انظر: الخليل، ١٩٨١م، ٧: ٣٠٣؛ ابن منظور، ١٣٧٤ش، ١٥: ٣٢١). كان سيبويه يعتقد أن «نِساء» جمع «نِسوة»، و«نِسوة» نفسها جمع لا مفرد له؛ وبالتالي فإن الاسم المنسوب من نساء هو «نِسوي» (سيبويه، ١٣٨٥ش، ٣: ٣٧٩). واعتبر ابن سيده «نُسون» أيضًا مثل «نِساء» جمع «نِسوة» (ابن سيده، ١٤١٧ق، ١: ٣٣٥). فهم اللغويون اللاحقون من كلام ابن سيده أنه كان يعتبر «نساء» على عكس «نسوة» مناسبة في الحالات التي يكون فيها الحديث عن جمع كبير من النساء (ابن منظور، الموضع نفسه؛ الزبيدي، ١٤١٤ق، ٢٠: ٢٣٨). وما يؤيد هذا الفهم هو أنه في آية من القرآن الكريم، جاءت «النساء» في إشارة إلى جنس الإناث، في مقابلة مع «قوم» التي قُصد بها في ذلك السياق جنس الذكور (الحجرات: ١١).

في بعض الاستخدامات القرآنية، يُفهم معنى «البنات» أيضًا من «النساء»، مثل الآيات العديدة التي تتحدث عن سلوك فرعون مع بني إسرائيل في ذبح «الأبناء» (الذكور) واستحياء «نسائهم»، والتي تقتضي المقابلة مع الأبناء أن تفيد معنى «البنات» في الغالب (مثلًا: البقرة: ٤٩؛ إبراهيم: ٦). وفي الترجمات الفارسية للقرآن، ترجم بعض المترجمين كلمة «نساء» في هذا السياق بـ«دختران» (البنات) (مثلًا، انظر: ياحقي، ١٣٨٩ش، ٤: ١٥٠٦). حتى في الآية المتعلقة بالإرث (النساء: ١١)، ترجم بعض المترجمين «النساء» إلى «دختران» (الموضع نفسه).

إذا بحثنا عن نظائر كلمة «نساء» في اللغات السامية الأخرى، فيجب القول إن هذه النظائر لا يمكن تتبعها إلا في الفرع الشمالي الأوسط؛ مثل: كلمة נָשִׁים (nāšīm) بمعنى «نساء، إناث البشر» وנְשֵׁי (nǝšē) بمعنى «زوجات» في العبرية (Gesenius, 1939, 1081)، وكلمة נְשָׁא (nǝšā) بمعنى «امرأة، إنسانة أنثى» وصيغة جمعها נְשֵׁי (nǝšē) في الآرامية الترجومية (Jastrow, 1903, II: 937)، وكلمة נשין بمعنى «نساء، إناث البشر» في آرامية نقوش السفيرة [5] (Zammit, 2002, 400)، وكلمة (nēšē) بنفس معنى الجمع في السريانية، بدون صيغة مفرد (Costaz, 2002, 215)، وكلمة nšiša بنفس المعنى وبدون صيغة مفرد في المندائية (Drower & Macuch, 1963, 354). في الفروع الجنوبية الهامشية والشمالية الهامشية، لا يوجد أثر لنظائر «النساء» (Zammit, 2002, 400). الاحتمال الوحيد يتعلق بكلمة (ʾanǝst) في الجعزية، والذي سيشار إليه لاحقًا. [4]

في اللغة السامية الأم، أعيد بناء كلمتي /*nišw-/ بمعنى «امرأة، إنسانة أنثى» و/*niš-/ بمعنى «رجل، إنسان ذكر» (Orel & Stolbova, 1995, No. 1887-1888)، وهذا في حين أن بقايا /*niš-/ يبدو أنها موجودة في جميع فروع اللغات السامية (انظر: Zammit, 2002, 81). أول استنتاج يمكن استخلاصه من هذه البيانات هو أن /*nišw-/ صيغت من تأنيث /*niš-، مثل العلاقة الموجودة بين «مرأة» و«مرء». لكن النقطة المهمة هي أن /-w/ ليست لاحقة معروفة للتأنيث في اللغات السامية. وقد أظهر أوريل وستولبوفا أن الشكل الأقدم لهاتين الكلمتين في الأفروآسيوية أعيد بناؤه على شكل /*nü/s-/ بمعنى المرأة والرجل على حد سواء (Orel & Stolbova, 1995, No. 1887-1888).

ومن المثير للاهتمام أنه في مرحلة تسبق تشكل لغة الأفروآسيوية الأم، قام دالغوبولسكي في اللغة النوستراتية [6] الافتراضية، التي يُعتقد أنها أصل الأفروآسيوية وعدة عائلات لغوية أخرى، بإعادة بناء جذر «نساء». وقد أعاد بناء الكلمة المعنية على شكل /*nus/y/ بمعنى «امرأة، إنسانة أنثى»، وفي السامية أيضًا يعتبر الكلمة الأصلية /*niš-/ بمعنى «امرأة» وليس «رجل» (Dolgopolsky, 2008, No. 1567). وهكذا، يبدو أن /*niš-/ بمعنى «رجل» في السامية هو بناء معكوس من كلمة أقدم تعني «امرأة»، والتي فقدت معناها الأصلي بسبب وجود كلمات بديلة في بعض فروع السامية، ولم تحتفظ بهذا الاستخدام إلا في الفرع الشمالي الأوسط والجنوبي الأوسط. ولتأييد أسبقية معنى «امرأة» على «إنسان، رجل» في الأفروآسيوية في الجذر قيد البحث، يجب الإشارة إلى الكلمة الأفروآسيوية /*ʾus?-/ التي تعني «امرأة»، والتي من المحتمل جدًا أنها صيغت من نفس الجذر بحذف الصامت الأولي. وتوجد بقايا هذا البناء الأخير في فروع التشادية الوسطى، والأغاوية، والأوموتية من اللغات الأفروآسيوية (Orel & Stolbova, 1995, No. 141).

لتوضيح أدق، يجب القول إنه من الجذر السامي /*niš-/ بإضافة السابقة [7] /*ʾ-/*، صيغ معنيان: معنى اسمي ومعنى فعلي. المعنى الاسمي هو «أنس، إنسان» في اللغة العربية، وאֱנוֹשׁ (ʾĕnōš) بمعنى «رجل، إنسان ذكر» في العبرية ونظائرهما في اللغات السامية الأخرى (Gesenius, 1939, 60; Zammit, 2002, 81)، والمعنى الفعلي «أنِسَ» بمعنى «اطمأن» و«آنَسَ» بمعنى «أدرك، رأى» في اللغة العربية (الشمالية) ونظائرهما في الأوغاريتية والعبرية بمعانٍ من نفس الطيف (Gesenius, 1939, 60).

ويوجد أيضًا بناء اسمي ثانوي صيغ بإضافة لاحقة الجمع /-ū/ إلى نفس الجذر الفعلي ليعطي معنى «الرفقة» أو بتغيير عروضي [8] في اسم الجمع ليصنع «الناس»، مثل كلمة nišū في الأكدية (Black et al., 2000, p. 255) و«ناس» في العربية، وكلاهما بمعنى «الناس». [9] وبناءً على هذا التوضيح، فإن ما يظهر كسلسلة من بقايا /*niš-/ بمعنى «رجل، إنسان ذكر» في مختلف فروع اللغات السامية هو في الواقع مجموعة من هذه الأبنية المختلفة التي تعود جميعها إلى الجذر /*(niš)w-/ بمعنى «امرأة، إنسانة أنثى».

كتكملة لهذا القسم، نتناول الدراسة الاشتقاقية لـ«النسيان» بمعنى «النسي»، الذي سبق الإشارة إلى ارتباطه بالموضوع في الأخبار. وتجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين كلمة «نساء» و«النسيان» (النسي)، والتي كانت تدور في كتب اللغة حول جذور «ن-س-و» و«ن-س-ي»، كانت مبررة بما فيه الكفاية للمطلعين على اللغة العربية الكلاسيكية، وقد لقيت قبولًا في الثقافة العامة للمسلمين. ومن الأمثلة على ذلك، المثل القائل «إن الإنسان محل النسيان» (مثلًا، ابن هشام، ١٤١١ق، ١: ١٠). وهذا الاعتقاد الشائع يرد أحيانًا في ثنايا الأعمال المكتوبة ويُطرح كاشتقاق؛ مثل بحار الأنوار للمجلسي الذي تحدث عن اشتقاق «نساء» من «النسيان» (المجلسي، ١٤٠٣ق، ٥٧: ٢٦٥).

على أي حال، شوهدت نظائر «نسي» بمعنى «نسي» في مختلف فروع اللغات السامية؛ وتشمل: الأكدية /(mašû(m/ (Black et al., 2000, 203). الأوغاريتية /NŠY/ (Del Olmo & Sanmartín, 2003, 650). العبرية (nāšāh) (Gesenius, 1939, 674). آرامية الكتاب المقدس (nešā, nešî) (Jastrow, 1903, II: 939). السريانية (nešā) (Costaz, 2002, p. 214). المندائية /nša/ (Drower & Macuch, 1963, 306). العربية الجنوبية القديمة /NŠY/. المهرية /nehū/. الجعزية /nasaya/ (Leslau, 1991, 403).

فيما يتعلق باستخدام «نسي» بمعنى «النسي»، يجب القول إن هذا الاستخدام من خصائص اللغات السامية، ولا يُرى في المرحلة السابقة، أي الأفروآسيوية.

٦. الدراسة الاشتقاقية لاسم «حواء»

على الرغم من أن القرآن الكريم تحدث مرارًا عن زوجة آدم (ع)، إلا أنه لم يستخدم اسم «حواء» قط؛ ففي الثقافة الإسلامية، لا يُطلق على زوجة آدم هذا الاسم إلا في الروايات. يُعتبر «حواء»، سواء في العربية أو في اللغات السامية الأخرى، اسمًا علمًا، ولهذا السبب واجه تغييرات طفيفة، في حدود التوافق مع النظام الصوتي للغة المضيفة. هذا الاسم في الأصل جاء في العبرية على شكل חַוָּה (ḥawwāh) واستُخدم في التوراة. وقد ربطه علماء اللغة العبرية، استنادًا إلى توضيحات الكتاب المقدس نفسه، بالجذر الثلاثي חיה (HWH) بمعنى «الحياة» (مثلًا Gesenius, 1939, 154)، لكن ارتباط اسم حواء بهذا الجذر هو أقرب إلى فرضية دينية-أسطورية منه إلى فرضية لغوية. على أي حال، هذا الاسم، بالإضافة إلى العبرية، شوهد في العربية على شكل «حوّاء»، وفي السريانية على شكل (ḥawwāʾ)، وفي المندائية على شكل /haua/ (إغناطيوس، ١٩٦٩م، ٨٤؛ Drower & Macuch, 1963, 117).

على الرغم من أن ارتباط اسم حواء بجذر الحياة يعتمد على بيان الكتاب المقدس، إلا أن إيجاد ارتباطات دلالية أخرى له ليس خاليًا من الاحتمال. ومن ذلك، أولئك الذين ربطوا اسم «حواء» بالكلمة الآرامية (ḥiwat) بمعنى «حية»، وربطوه بمكانة الحية في القصة وسعوا لربطه بدور الحية في إغواء آدم، وهذا أيضًا ذو طابع أسطوري قوي. إن ربط حواء بالحية، خاصة في إطار تمهيد لإجبار آدم على الأكل من الشجرة الممنوعة في الأدبيات الربانية [10] اليهودية، كان له أيضًا أرضية لإنشاء علاقة وجودية بين شخصية حواء والحية. حول هذه النظرية، انظر: (Gesenius, 1939, 295; Jastrow, 1899, 209-211).

وقد قارن البعض في دراسة أسطورية حواء في الأديان الإبراهيمية بـ«خيبا» [11]، الإلهة الحورية المذكورة في رسائل تل العمارنة، وأظهروا أن هذه الإلهة كانت تُعبد في العصر البرونزي في منطقة بيت المقدس (Munn, 2004).

من ناحية أخرى، كانت الإلهة عشيرة [12]، زوجة «إيل» [13]، أم الآلهة المتعلقة بالألفية الأولى قبل الميلاد، تُلقب بـ«حَوَّات» [14]، ويُحتمل أن يكون هذا هو أصل اسم حواء في التوراة (Dever, 2005).

على أي حال، ليس من المستبعد أن يكون لاسم حواء أصل غير سامي – مثلًا حوري – ولكن في بعض الاحتمالات المطروحة، لا يزال من الممكن أن يكون جذرها ساميًا ويظل ارتباطها الافتراضي بمعنى الحياة محفوظًا.

في مقام المقارنة، تجدر الإشارة إلى أنه في اللغة الهندية الأوروبية، هناك احتمال أن تكون كلمة *gʷen- بمعنى «امرأة، زوجة» مرتبطة من حيث الجذر بمفهوم «الحياة»؛ فالكلمة الفارسية «زن» ونظائرها في لغات أخرى مثل اليونانية والألبانية والأرمنية والجرمانية والسلافية مأخوذة من تلك الكلمة. وقد قدم بعض الباحثين مثل جورجييف توضيحات حول التحولات الصوتية المحتملة التي توضح تكون كلمة *gʷen- من جذر *ǵen- بمعنى «الولادة» (حسن دوست، ١٣٩٣ش، ٣: ١٥٧٩). وفي اللغة الكورنية [15]، من الفرع السلتي للغات الهندية الأوروبية، يُحتمل أن تكون كلمة gwreg بمعنى «امرأة، زوجة» مرتبطة بكلمة gwrier بمعنى «الخالق» (معنى قريب من «الوالدة») (Bock et al, 2012, 27, 153).

٧. الاستنتاج

١- كنتيجة للدراسة، يمكن القول فيما يتعلق بـ«المرأة» أن كون أول إنسانة أنثى قد خُلقت من جسد أول إنسان ذكر هو تعليم معروف في الأديان السامية، وخاصة في سفر التكوين في التوراة؛ وهذا التعليم، بغض النظر عن كونه يواجه تحديات جدية، ليس له فائدة في البحث الحالي، وذلك لأن بناء «المرأة» من «المرء» هو تأنيث بسيط يقع في إطار القواعد الصرفية، وهو أكثر قياسية من أن يحتاج إلى وجه تسمية. والأعجب من ذلك هو لماذا يجب تفسير بناء كلمة في بيئة اللغة العربية في فترة متأخرة جدًا من حياة الإنسان على الأرض بالاستناد إلى قصة الخلق.

٢- فيما يتعلق بكلمة «النساء»، فإن قِدم جذور هذه الكلمة ليس فقط في الأفروآسيوية، بل في مرحلة النوستراتية من جهة، وأن كلمة «أنس» بمعنى «الاستقرار» في اللغات الأوغاريتية والعربية (الشمالية) قد تشكلت في العصر السامي الأوسط من جهة أخرى، ينفيان إمكانية أن تكون كلمة «النساء» قد صيغت على أساس معنى «الأنس». كما أن استخدام مادة «نسي» بمعنى «النسيان» هو أيضًا من خصائص اللغات السامية ولم يُشاهد في المرحلة السابقة، أي الأفروآسيوية، وعلى هذا الأساس، لا ينبغي أخذ اشتقاق «النساء» من «النسيان» على محمل الجد.

٣- بخصوص اسم حواء، بناءً على أنواع بناء المعنى، ليس من المستبعد أن تكون حواء بمعنى «الوالدة» – بتعبير التوراة: أم جميع الأحياء – قد صيغت بنفس هذا التركيب في الفضاء السامي. بالاعتماد على هذا الاحتمال، يمكن الدفاع عن مضمون الروايات الإسلامية وكذلك التوراة حول وجه تسمية «حواء»، ولكن فيما يتعلق بوجه تسمية «المرأة»، فإنه تعقيد لأمر بسيط، وفيما يتعلق بـ«النساء»، فإنه مسار معكوس بالنسبة لنتائج الدراسة الاشتقاقية. بناءً على ذلك، وبغض النظر عن النقاط التي قيلت بشكل عابر حول التقييم السندي للأحاديث، فإن الأدلة الاشتقاقية حول حديث «حواء» تعزز احتمال صحة مضمونه، وفي حالة حديث «النساء»، تضعفه، وفيما يتعلق بحديث «المرأة»، تُطرح مسألة عدم الحاجة إلى تبرير.

٤- في المجمل، في وجه تسمية «المرأة»، يُلاحظ انسجام بين مضامين الأخبار الإسلامية والتوراة. وفيما يتعلق بكلمة «النساء»، التي سكتت عنها التوراة، فإن الدخول في هذا السؤال يقتضيه الفضاء المتعلق باللغة العربية. وفيما يتعلق بـ«حواء»، على الرغم من توافق رواية أهل السنة مع مضمون التوراة، فإن الرواية الإمامية قد ابتعدت عنها. ونظرًا لضعف سند الأخبار المذكورة، قد تكون هذه الأخبار مصداقًا للإسرائيليات التي تحتاج إلى مساءلة وإعادة نظر.

الهوامش

  1. أشار الصدوق نفسه في كتابه الآخر «معاني الأخبار»، في مبحث فتحه حول معاني الأسماء، إلى أنه نقل في كتاب «علل الشرائع» بأسانيد مختلفة أحاديث من مشايخ الحديث حول وجوه التسمية، من بينها ما يتعلق بـ«مرأة» و«نساء» و«حواء» (الصدوق، ١٣٦١ش، ٤٨)، ولكنه لم يقدم سندًا جديدًا في هذا الصدد.
  2. في حديث الكليني المتعلق بوجه تسمية النساء، ورد اسمه بصيغة «الحسن بن علي بن أبي حمزة»، والذي يجب أن يكون خطأ في ضبط اسم «علي». فعلى الرغم من أن لعلي بن أبي حمزة ولدًا اسمه الحسن وهو من الرواة المعروفين، إلا أننا نعلم من جهة أن والده علي هو الذي يروي عن الإمام الكاظم (ع) الذي يُكنى في السند بـ«أبي إبراهيم»، ومن جهة أخرى، فإن الحسين بن يزيد النوفلي – كما يظهر في أسانيد ابن بابويه – هو من رواة علي بن أبي حمزة وليس ابنه.
  3. بخصوص الحديثين المتعلقين بوجه تسمية آدم والإنسان، انظر: الصدوق، ١٣٨٥ق، ١: ١٤-١٥.
  4. ما ينبغي إضافته إلى كلام اللغويين هو أن التفريق بين الكثرة والقلة يكون في الحالات التي يكون فيها الحديث عن النساء بمعنى «الإناث من البشر»، ولكن عندما يعود الحديث إلى «الزوجات»، حتى لو كان العدد محدودًا، فإن «نساء» هي المستخدمة فقط. ومن ذلك، يمكن الإشارة إلى استخدام هذه الكلمة لمخاطبة زوجات النبي (ص) في تعبير «يا نساء النبي …» (الأحزاب: ٣٢) الذي لا يشير إلى جمع غفير.
  5. نقوش السفيرة.
  6. اللغة النوستراتية، اسم لعائلة لغوية كبرى افتراضية، تُعتبر، وفقًا لفرضية، الأصل المشترك لعائلات اللغات الهندية الأوروبية، والأفروآسيوية، والألطية، والأورالية، والقوقازية، والدرافيدية.
  7. السابقة التصريفية (Preformative).
  8. تغيير عروضي (Prosodic Change).
  9. إن استخدام كلمة «الناس» في العربية القرآنية، في سورة الناس، بصورة متناظرة مع كلمة «الجنّة» للإشارة إلى نوع الإنسان (الناس: ٦)، مقارنةً بأن «الناس» غالبًا ما تُستخدم في القرآن الكريم بمعنى «القوم»، يُظهر أنه في الجذور القديمة، يجب أن تكون هاتان الكلمتان قد صيغتا من جذر واحد مع نفس الملاحظة الدلالية المشار إليها.
  10. الأدبيات الربانية (Rabbinic literature).
  11. خيبا (Kheba).
  12. عشيرة (Asherah).
  13. إيل (El).
  14. حَوَّات (Hawat).
  15. الكورنية، لغة محياة ترتبط بمنطقة كورنوال في جنوب غرب إنجلترا.
Scroll to Top