الملخص
شهر رجب هو من الشهور الفاضلة في الإسلام، حيث يوصى فيه بالصيام والاستغفار والدعاء بكثرة. ومن بين الأدعية الواردة في هذا الشهر، الدعاء الخامس الذي يبدأ بـ «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَعَانِي جَمِيعِ مَا يَدْعُوكَ بِهِ وُلَاةُ أَمْرِكَ»، ويُقرأ كدعاء مشترك كل يوم من شهر رجب بعد نوافل الصلوات اليومية. وبما أن هذا الدعاء يستشهد به المفكرون المسلمون ويرجعون إليه في المباحث الفلسفية والعرفانية، والمضامين المطروحة فيه أدت إلى خلاف بين الفقهاء والمتكلمين من جهة، والفلاسفة والعرفاء من جهة أخرى، لذا كان من الضروري إجراء بحث حوله. في هذا البحث، تم استخدام المنهج المكتبي بأسلوب وصفي-تحليلي لتقييم سند ومحتوى هذا الدعاء. تظهر الدراسات أن سند الدعاء يعاني من ضعف لوجود راوٍ ضعيف ومجهول الحال، وأن التأريخ الزمني يثبت استقرار نص الدعاء في زمن الشيخ الطوسي في كتاب مصباح المتهجد. أما تحليل محتوى الدعاء، فيعتمد على نوع الرؤية. فالبعض يرى أن الدعاء يحتوي على مضامين سامية من العرفان الإسلامي والتوحيد الأفعالي، بينما يرى فريق آخر أنه بسبب وجود عبارات مثل: «لَا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا»، فإنه يشتمل على مضامين غريبة وكفرية وغير مقبولة عند المتشرعة، ويحكمون بكونه دعاءً موضوعًا. وبشكل عام، يوضح هذا البحث أنه بالنظر إلى السياق العام للدعاء وتوافقه مع سائر الأحاديث والأدعية والمعايير القرآنية والعقلية، يمكن اعتبار هذا الدعاء صحيحًا ومعتبرًا.
1. طرح الإشكالية
شهر رجب من الشهور ذات الفضيلة في الإسلام التي كثرت الوصية والتأكيد على أداء الفرائض فيه، كالحج والزيارة للمعصومين (ع)، والاستغفار والدعاء. وتنقسم أعمال هذا الشهر إلى قسمين: مشتركة وخاصة. «الأعمال المشتركة» تتعلق بجميع أيام شهر رجب، و«الأعمال الخاصة» تختص بأيام أو ليالٍ معينة. من جملة الأعمال المشتركة المذكورة في هذا الشهر، الدعاء الخامس الذي صدر عن أحد نواب الإمام المهدي (ع) كتوقيع من الإمام. محتوى هذا الدعاء، خاصة مقاطعه الأولى، هو محط استشهاد ومرجعية في مختلف فروع العلوم الإسلامية كالفلسفة والعرفان وغيرها. يرى البعض مقامات خاصة للأئمة الأطهار (ع) بناءً على هذه المقاطع، بينما ينكرها فريق آخر ويرفضها ويعتقد بكونها موضوعة. فهل هذا الدعاء حقاً من الأحاديث الصحيحة التي يمكن الاستناد إليها؟ وماذا يكشف التأريخ الزمني لهذا الدعاء عن زمن صدوره؟ وكيف هو تقييمه من حيث السند والمحتوى؟ وأي رأي من آراء المفكرين المسلمين أقرب إلى الصواب؟
كذلك، بما أن هذا الدعاء هو محط استشهاد ومرجعية للمفكرين المسلمين في المباحث الفلسفية والعرفانية وغيرها، والمضامين المطروحة فيه، مثل وحدة الوجود، أدت إلى خلاف بين الفقهاء والمتكلمين من جهة والفلاسفة والعرفاء من جهة أخرى، ويقوم المؤمنون أيضاً بقراءته في أيام شهر رجب، فمن البديهي أن لدراسة اعتباره وقيمته السندية والمحتوائية تأثيراً مباشراً على هذه الاستشهادات. وفي حال ثبوت ضعف الحديث بمساعدة علم الرجال وسائر العلوم ذات الصلة، فإن هذه الاستنباطات تصبح موضع تساؤل. لذا، تبدو أهمية إجراء هذا البحث ضرورية.
حول شهر رجب، كُتبت حتى الآن كتب ومقالات كثيرة، خاصة في كتب الأدعية، وتناولت فضيلة هذا الشهر وأهميته وأعماله. أما فيما يتعلق بشرح ودراسة اعتبار أدعية هذا الشهر، فلم يُنجز عمل كثير، ويمكن الإشارة فقط إلى هذه الموارد: «تقرير عن تحليل مضامين أدعية شهر رجب بناءً على مصباح المتهجد» لزهراء حاج حسني ومهدي مهريزي، وهذا الأثر يتناول الشرح والتحليل العام لمعظم أدعية شهر رجب. و«تأملات في دعاء شهر رجب» لمهدي آصفي، الذي شرح فيه دعاء «يَا مَنْ أَرْجُوهُ لِكُلِّ خَيْرٍ». وتظهر عمليات البحث أنه لم يتم إجراء أي بحث حتى الآن حول الدعاء الخامس من شهر رجب، ونظراً لأهمية مضامينه في مختلف فروع العلوم الإسلامية، تم في هذا البحث تناول دراسة اعتباره سنداً ومحتوى.
2. التعريف بالدعاء الخامس من شهر رجب
«أَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ عَياشٍ قَالَ مِمَّا خَرَجَ عَلَى يَدِ الشَّيخِ الْكَبِيرِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ مِنَ النَّاحِيَةِ الْمُقَدَّسَةِ مَا حَدَّثَنِي بِهِ جُبَيرُ (خير) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَتَبْتُهُ مِنَ التَّوْقِيعِ الْخَارِجِ إِلَيْهِ – بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ادْعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيام رَجَب».
أخبرني جماعة عن ابن عياش أنه قال: مما خرج على يد الشيخ الكبير أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد رضي الله عنه من الناحية المقدسة، ما حدثني به خير بن عبد الله، قال: كتبته من التوقيع الذي خرج إليه – بسم الله الرحمن الرحيم، ادع في كل يوم من أيام رجب:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَعَانِي جَمِيعِ مَا يَدْعُوكَ بِهِ وُلَاةُ أَمْرِكَ الْمَأْمُونُونَ عَلَى سِرِّكَ، الْمُسْتَبْشِرُونَ بِأَمْرِكَ، الْوَاصِفُونَ لِقُدْرَتِكَ، الْمُعْلِنُونَ لِعَظَمَتِكَ، أَسْأَلُكَ بِمَا نَطَقَ فِيهِمْ مِنْ مَشِيئَتِكَ فَجَعَلْتَهُمْ مَعَادِنَ لِكَلِمَاتِكَ، وَأَرْكَاناً لِتَوْحِيدِكَ، وَآيَاتِكَ وَمَقَامَاتِكَ الَّتِي لَا تَعْطِيلَ لَهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ يَعْرِفُكَ بِهَا مَنْ عَرَفَكَ، لَا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا إِلَّا أَنَّهُمْ عِبَادُكَ وَخَلْقُكَ، فَتْقُهَا وَرَتْقُهَا بِيَدِكَ، بَدْؤُهَا مِنْكَ وَعَوْدُهَا إِلَيْكَ، أَعْضَادٌ وَأَشْهَادٌ وَمُنَاةٌ وَأَذْوَادٌ وَحَفَظَةٌ وَرُوَّادٌ، فَبِهِمْ مَلَأْتَ سَمَاءَكَ وَأَرْضَكَ حَتَّى ظَهَرَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، فَبِذَلِكَ أَسْأَلُكَ، وَبِمَوَاقِعِ الْعِزِّ مِنْ رَحْمَتِكَ وَبِمَقَامَاتِكَ وَعَلَامَاتِكَ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَنْ تَزِيدَنِي إِيمَاناً وَتَثْبِيتاً. يَا بَاطِناً فِي ظُهُورِهِ، وَظَاهِراً فِي بُطُونِهِ وَمَكْنُونِهِ، يَا مُفَرِّقاً بَيْنَ النُّورِ وَالدَّيْجُورِ، يَا مَوْصُوفاً بِغَيْرِ كُنْهٍ، وَمَعْرُوفاً بِغَيْرِ شِبْهٍ، حَادَّ كُلِّ مَحْدُودٍ، وَشَاهِدَ كُلِّ مَشْهُودٍ، وَمُوجِدَ كُلِّ مَوْجُودٍ، وَمُحْصِيَ كُلِّ مَعْدُودٍ، وَفَاقِدَ كُلِّ مَفْقُودٍ، لَيْسَ دُونَكَ مِنْ مَعْبُودٍ، أَهْلَ الْكِبْرِيَاءِ وَالْجُودِ، يَا مَنْ لَا يُكَيَّفُ بِكَيْفٍ، وَلَا يُؤَيَّنُ بِأَيْنٍ، يَا مُحْتَجِباً عَنْ كُلِّ عَيْنٍ، يَا دَيْمُومُ يَا قَيُّومُ وَعَالِمَ كُلِّ مَعْلُومٍ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَ عَلَى عِبَادِكَ الْمُنْتَجَبِينَ، وَبَشَرِكَ الْمُحْتَجِبِينَ، وَمَلَائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ، وَالْبُهْمِ الصَّافِّينَ الْحَافِّينَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي شَهْرِنَا هَذَا الْمُرَجَّبِ الْمُكَرَّمِ، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَأَسْبِغْ عَلَيْنَا فِيهِ النِّعَمَ، وَأَجْزِلْ لَنَا فِيهِ الْقِسَمَ، وَأَبْرِرْ لَنَا فِيهِ الْقَسَمَ، بِاسْمِكَ الْأَعْظَمِ الْأَعْظَمِ الْأَجَلِّ الْأَكْرَمِ، الَّذِي وَضَعْتَهُ عَلَى النَّهَارِ فَأَضَاءَ، وَعَلَى اللَّيْلِ فَأَظْلَمَ، وَاغْفِرْ لَنَا مَا تَعْلَمُ مِنَّا وَمَا لَا نَعْلَمُ، وَاعْصِمْنَا مِنَ الذُّنُوبِ خَيْرَ الْعِصَمِ، وَاكْفِنَا كَوَافِيَ قَدَرِكَ، وَامْنُنْ عَلَيْنَا بِحُسْنِ نَظَرِكَ، وَلَا تَكِلْنَا إِلَى غَيْرِكَ، وَلَا تَمْنَعْنَا مِنْ خَيْرِكَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا كَتَبْتَهُ لَنَا مِنْ أَعْمَارِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا خَبِيئَةَ أَسْرَارِنَا، وَأَعْطِنَا مِنْكَ الْأَمَانَ، وَاسْتَعْمِلْنَا بِحُسْنِ الْإِيمَانِ، وَبَلِّغْنَا شَهْرَ الصِّيَامِ، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَيَّامِ وَالْأَعْوَامِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ».
شرح الدعاء: بسم الله الذي رحمته واسعة وعنايته دائمة؛ اللهم إني أسألك بحق معاني جميع الأدعية التي يدعوك بها ولاة أمرك، أولئك الأمناء على سرك، والمستبشرون بأمرك، والواصفون لقدرتك، والمعلنون لعظمتك. أسألك بحق ما نطقت به مشيئتك فيهم، فجعلتهم معادن لكلماتك، وأركاناً لتوحيدك، وآياتك، ومقاماتك التي لا تتعطل في أي مكان؛ يعرفك بهم من عرفك، لا فرق بينك وبينهم إلا أنهم عبادك وخلقك، فتقهم ورتقهم بيدك، وبدؤهم منك وعودهم إليك. هم أعضاد وشهود، وعطايا وحماة، وحفظة ورواد. بهم ملأت سماءك وأرضك حتى ظهر أنه لا إله إلا أنت. فبذلك وبمواقع العز من رحمتك، وبمقاماتك وعلاماتك، أسألك أن تصلي على محمد وآله، وأن تزيدني إيماناً وثباتاً. يا باطناً في ظهوره، ويا ظاهراً في بطونه وكنونه، يا مفرقاً بين النور والديجور، يا موصوفاً بغير كنه، ومعروفاً بغير شبه، يا حاد كل محدود، وشاهد كل مشهود، وموجد كل موجود، ومحصي كل معدود، وفاقد كل مفقود، ليس دونك من معبود. يا أهل الكبرياء والجود، يا من لا يُكيف بكيف، ولا يؤين بأين، يا محتجباً عن كل عين، يا ديموم يا قيوم وعالم كل معلوم، صلِّ على محمد وآله وعلى عبادك المنتجبين، وبشرك المحتجبين، وملائكتك المقربين، والبهائم الصافين الحافين. وبارك لنا في شهرنا هذا المرجب المكرم، وما بعده من الأشهر الحرم، وأسبغ علينا فيه النعم، وأجزل لنا فيه القسم، وأبرر لنا فيه القسم، باسمك الأعظم الأعظم الأجل الأكرم، الذي وضعته على النهار فأضاء، وعلى الليل فأظلم، واغفر لنا ما تعلم منا وما لا نعلم، واعصمنا من الذنوب خير العصم، واكفنا كوافي قدرك، وامنن علينا بحسن نظرك، ولا تكلنا إلى غيرك، ولا تمنعنا من خيرك، وبارك لنا فيما كتبته لنا من أعمارنا، وأصلح لنا خبيئة أسرارنا، وأعطنا منك الأمان، واستعملنا بحسن الإيمان، وبلغنا شهر الصيام، وما بعده من الأيام والأعوام، يا ذا الجلال والإكرام (الطوسي، 1411هـ، 803؛ ابن طاووس، 1418هـ، 647؛ الكفعمي، 1418هـ، 179؛ البهائي، 1384هـ.ش، 2/32؛ المجلسي، 1403هـ، 98/393؛ القمي، 1375هـ.ش، 233؛ القيومي، 1375هـ.ش، 192؛ الملكي التبريزي، 1375هـ.ش، 142؛ مكارم الشيرازي، 1384هـ.ش، 628؛ حسن زاده الآملي، 1387هـ.ش، 11).
3. التأريخ الزمني للدعاء
يبدو أن أقدم كتاب أدعية يحتوي على هذا الدعاء هو كتاب «مصباح المتهجد وسلاح المتعبد» للشيخ الطوسي. فهو يذكر هذا التوقيع في فصل أعمال شهر رجب نقلاً عن محمد بن عثمان من نواب الإمام المهدي (عج) (الطوسي، 1411هـ، 803). بعد الشيخ الطوسي، يورده السيد ابن طاووس في كتاب «إقبال بالأعمال الحسنة» نقلاً عن جده الشيخ الطوسي (ابن طاووس، 1418هـ، 647). ثم ينقله تقي الدين إبراهيم بن علي الكفعمي، أولاً في كتاب «البلد الأمين» (الكفعمي، 1418هـ، 179) ثم في كتاب «المصباح» (الكفعمي، 1420هـ، 529) في أعمال شهر رجب. يذكره الشيخ البهائي في كتاب «منهاج النجاح في ترجمة مفتاح الفلاح» (البهائي، 1384هـ.ش، 2/32)، وأخيراً يذكره العلامة المجلسي في كتاب «بحار الأنوار» مع ذكر السند نقلاً عن الشيخ الطوسي (المجلسي، 1403هـ، 98/393). ويتناول الميرزا جواد الملكي التبريزي في كتاب «المراقبات» والعلامة حسن زاده الآملي في «رسالة لقاء الله» شرحاً مختصراً لمضامين الدعاء (الملكي التبريزي، 1375هـ.ش، 142؛ حسن زاده الآملي، 1387هـ.ش، 11). كما يذكر جواد القيومي هذا التوقيع في كتاب جمعه للتوقيعات الصادرة عن إمام العصر (ع) بعنوان صحيفة المهدي (القيومي، 1375هـ.ش، 192). في يومنا هذا، أصبحت قراءة هذا الدعاء شائعة ومتداولة بين المؤمنين بفضل ذكره في «مفاتيح الجنان» للشيخ عباس القمي و«مفاتيح نوين» لآية الله مكارم الشيرازي (القمي، 1375هـ.ش، 223؛ مكارم الشيرازي، 1384هـ.ش، 628).
4. دراسة اعتبار سند الدعاء
سند هذا الدعاء هو كالتالي: ابن عياش عن خير بن عبد الله عن محمد بن عثمان بن سعيد عن الإمام المهدي (عج) (الطوسي، 1411هـ، 803). في أسانيد هذا الحديث المنقولة عن أقدم نسخة للدعاء الموجودة في كتاب «مصباح المتهجد وسلاح المتعبد» للشيخ الطوسي، نجد ثلاثة رواة:
1-4. ابن عياش
اسمه الكامل أحمد بن محمد بن عبيدالله بن الحسن بن عياش بن إبراهيم بن أيوب الجوهري، الملقب بأبي عبد الله. كان هو وآباؤه من وجوه بغداد المعروفين، وفي أواخر عمره أصابه اختلال في الحواس، وذُكر أن سنة وفاته كانت (401 هـ). نُقلت له كتب منها «كتاب أعمال شهر رجب وشعبان ورمضان»، «كتاب شعر»، «كتاب غسل»، «كتاب رجالي»، و«كتاب أخبار نواب أربعة للإمام الزمان (عج)» وغيرها (النجاشي، 1407هـ، 86؛ الطوسي، 1415هـ، 78). وبما أن الشيخ الطوسي كان من أصدقائه وأصدقاء أبيه (النجاشي، 1407هـ، 86) وكان له وصول إلى كتبه، فإن طريقه إليه صحيح (الخوئي، 1413هـ، 2/289). لكن بعض الرجاليين سكتوا عنه وبعضهم ضعّفه (الحلي، 1417هـ، 204؛ ابن داود، 1392هـ، 543؛ الخوئي، 1413هـ، 2/289).
2-4. خير بن عبد الله
أبو الحسن، خير بن عبد الله، المشهور بالنساج والزاهد، ولد في سامراء وسكن بغداد. ذكر البعض أن اسمه محمد بن إسماعيل (الذهبي، 1409هـ، 24/105) والبعض محمد بن إبراهيم السامري (ابن كثير، 1408هـ، 11/205). لم يذكر الرجاليون، حتى الشيخ الطوسي والنجاشي، أي شيء عنه، وفقط بعض محدثي الحديث اعتبروه مجهول الحال وذاكراً لهذا الدعاء وزيارة رجب (الخوئي، 1413هـ، 7/83؛ الأبطحي، 1417هـ، 3/375؛ محمدي الري شهري، 1383هـ.ش، 4/286؛ الجواهري، 1424هـ، 375؛ القيومي، 1375هـ.ش، 192). كما اعتبره البعض من تلاميذ الحسين بن روح (ت 326 هـ) من نواب الإمام الأربعة (الحر العاملي، 1422هـ، 282؛ النمازي الشاهرودي، 1413هـ، 346). التحقيق في كتب التاريخ والتراجم يذكره كأحد كبار الصوفية والعرفاء المشهورين ومن جلساء محمد بن إبراهيم الصوفي والجنيد والشبلي وغيرهم من عرفاء ذلك العصر المشهورين (ابن كثير، 1408هـ، 11/205؛ ابن الأثير، 1966م، 8/297؛ الذهبي، 1409هـ، 24/105). كان له حلقة من التلاميذ وهو من الأبدال وأصحاب الطريقة الصوفية، وورد أنه عاش أكثر من مئة عام وتوفي سنة 343 هـ (ابن الجوزي، بدون تاريخ، 2/450؛ ابن خلكان، بدون تاريخ، 2/251).
3-4. محمد بن عثمان
محمد بن عثمان بن سعيد العمري، الملقب بأبي جعفر، هو ووالده من وكلاء الإمام ومن نواب الإمام المهدي (عج) الأربعة. وبما أنه النائب الخاص لإمام العصر (عج)، فلا حاجة إلى دراسة رجالية له، لكن علماء الرجال وثقوه توثيقاً كاملاً (الطوسي، 1417هـ، 1/447؛ الحلي، 1417هـ، 250، 487؛ ابن داود، 1392هـ، 178؛ التفرشي، 1418هـ، 4/262؛ الأردبيلي، 1403هـ، 2/148؛ الوحيد البهبهاني، بدون تاريخ، 316؛ البروجردي، 1410هـ، 1/215؛ النمازي الشاهرودي، 1413هـ، 3/129، 7/202؛ الخوئي، 1413هـ، 7/154). مثال على توثيقه في كتب الرجال: «العَمْرِيُّ يُكَنَّى أَبَا جَعْفَرٍ وَأَبُوهُ يُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو جَمِيعاً وَكِيلَانِ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الزَّمَانِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَهُمَا مَنْزِلَةٌ جَلِيلَةٌ عِنْدَ الطَّائِفَةِ» (الطوسي، 1411هـ، 1/447).
خلاصة
بما أن ابن عياش مُضعَّف عند الرجاليين، وخير بن عبد الله مجهول الحال، وفقط محمد بن عثمان موثق، لذا يمكن الحكم بضعف سند الحديث. وعليه، فإن الحديث من الناحية السندية ضعيف.
5. تأريخ الدعاء الخامس من شهر رجب
في يومنا هذا، بين المستشرقين ومن تبعهم من المسلمين، شاعت أربع طرق لتأريخ الروايات. هذه الطرق الأربع هي: أ. التأريخ بناءً على الجدالات الدينية والخلافات السياسية (منهج غلدتسيهر)؛ ب. التأريخ بناءً على مسار التطور الفقهي للروايات (منهج شاخت)3؛ ج. التأريخ بناءً على تغيرات المتن أو استخدام المضامين المشتركة والكليشيهات (منهج نوت)4؛ د. التأريخ المعروف بـ إسناد-متن5 (معارف وشفيعي، 1394هـ.ش، 104-133؛ آقائي، 1391هـ.ش، 101-140).
1-5. على أساس منهج غلدتسيهر
الذي يستخدم الخلافات السياسية أو الجدالات الدينية في تأريخ الحديث (نيل ساز، 1390هـ.ش، 127-149)، يمكن أن يشير إلى وجود خلاف عقائدي بين الفرق والنحل في ذلك الزمان، مثل الخلاف بين المتصوفة والفقهاء. وبما أن خير بن عبد الله، ناقل الدعاء عن نائب الإمام (عج)، هو نفسه من كبار الصوفية (ابن الأثير، 1966م، 8: 297؛ ابن كثير، 1408هـ، 11: 205؛ الذهبي، 1407هـ، 24/105)، أو بعبارة أخرى، بما أن خير بن عبد الله من الأبدال وكبار العرفاء، فقد تمكن من بين علماء عصره من فهم واستلام نص الدعاء الذي يحتوي على مضامين عرفانية إسلامية سامية من محمد بن عثمان بشكل جيد، ورواه لابن عياش ليصل إلى يد الشيخ الطوسي.
2-5. على أساس منهج شاخت للتأريخ
الذي يعتمد على إيجاد حلقة مشتركة للروايات (فقهي زاده وشفيعي، 1394هـ.ش، 7-32)، يمكن القول: بما أن الحديث خبر واحد وله سلسلة سند واحدة، فلا يمكن تصور «حلقة مشتركة» له يمكن استخدام هذا المنهج من خلالها. أي أن الدعاء رُوي من طريق واحد فقط وهو حديث فرد، وجميع من روى الحديث بعد الشيخ الطوسي حتى العصر الحاضر قد نقلوه عنه. لذا يمكن الاستدلال بأن نص الدعاء قد ثُبِّت وضُبِط بواسطة الشيخ الطوسي.
3-5. باستخدام منهج نوت للتأريخ
الذي يُستخدم فيه أسلوب «المضمون المكرر» و«الكليشيهات» في تحليل الحديث (معارف وشفيعي، 1394هـ.ش، 104-133؛ آقائي، 1391هـ.ش، 101-140)، يمكن أن يرشدنا إلى أن مقاطع من الدعاء التي تحتوي على مضامين سامية مثل مباحث التوحيد والصفات الإلهية وغيرها، والتي وردت تقريباً في جميع الأدعية والمزارات، هي حتمية الصدور عن المعصوم (ع). وبما أن محتوى الدعاء ورد أيضاً في أدعية أخرى مثل الزيارة الجامعة الكبيرة، يمكن الاستدلال على قوته وصحته (التوضيح في المباحث التالية).
4-5. منهج تأريخ الإسناد-المتن
في هذا المنهج يتم جمع كل الصيغ الموجودة لحديث واحد، سواء من المجامع الحديثية الرسمية وغير الرسمية، وآثار السيرة والمغازي، وكتب التراجم والرجال، وحتى مصادر ومتون التفسير (آقائي، 1391هـ.ش، 121؛ نيل ساز، 1390هـ.ش، 132). بتحليل إسناد-متن هذا الحديث، يمكن إثبات هذه النقطة: بما أن جميع صيغ هذه الرواية متشابهة وسلسلة سندها من الإمام المهدي (عج) إلى الشيخ الطوسي واحدة، أو بعبارة أخرى، بما أن نص الدعاء وسلسلة سنده في جميع كتب الأدعية والمزارات متطابقة، وأقدم مرجع نقله هو كتاب مصباح المتهجد وسلاح المتعبد للشيخ الطوسي، لذا يمكن الاستنتاج أن نص الدعاء في زمن الشيخ الطوسي قد نُسخ وثُبِّت من كتاب ابن عياش الذي كان بحوزته، وقام سائر مؤلفي كتب الأدعية بالنسخ والاستنساخ منه. كما أذعن لذلك السيد ابن طاووس والبقية، وبناءً عليه، فإن النقطة المشتركة والمثبتة النهائية للدعاء هي الشيخ الطوسي (ابن طاووس، 1418هـ، 647؛ الكفعمي، 1418هـ، 179؛ المجلسي، 1403هـ، 98/393؛ البهائي، 1384هـ.ش، 32).
6. تحليل مضمون الدعاء
يحتوي الدعاء، خاصة في مقاطعه الأولى، على مضامين عرفانية إسلامية سامية، ويستمر ببيان الصفات الإلهية ومراتب التوحيد، والصلاة على البشر المصطفين والملائكة المقربين، وتُطرح الطلبات التالية من حضرة الله المنان: الصحة والسلامة وحسن العاقبة، وفرة النعم، طلب المغفرة والرحمة، الأخلاق الحسنة، والاستغناء عن الخلق، إكمال النعمة وتمام الإيمان، زيادة صفة التوكل، طلب عمر نافع ومبارك، والفيض من النعم المعنوية لشهر رجب حتى رمضان وغيرها. حول الدعاء نفسه، خاصة مقاطعه الأولى، توجد عدة آراء بين المفكرين المسلمين:
الفئة الأولى: يرون أن الدعاء يحتوي على مضامين غريبة وكفرية وغير مقبولة عند المتشرعة، ولا ينسبونه إلى المعصوم، ويعتبرونه موضوعًا. من بين هؤلاء العلماء يمكن الإشارة إلى الكفعمي والخوئي والشوشتري. تقي الدين إبراهيم بن علي الكفعمي يعتبر عبارة «لَا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا» كفرية وربما ناشئة عن الغلو (الكفعمي، 1412هـ، 618). آية الله الخوئي يكتب في شرح رجال خير بن عبد الله: «هُوَ مَجْهُولُ الْحَالِ وَابْنُ عَيَاشٍ ضَعِيفٌ وَتَقَدَّمَ بِعُنْوَانِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَمَضْمُونُ التَّوْقِيعِ الَّذِي أَوَّلُهُ «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَعَانِي جَمِيعِ مَا يَدْعُوكَ بِهِ وُلَاةُ أَمْرِكَ»، غَرِيبٌ عَنْ أَذْهَانِ الْمُتَشَرِّعَةِ وَغَيْرُ قَابِلٍ لِلْإِذْعَانِ بِصُدُورِهِ عَنِ الْمَعْصُومِ (ع)»؛ أي أنه مجهول الحال وابن عياش ضعيف، وهذا التوقيع غريب على أذهان المتشرعة وغير قابل للتصديق بصدوره عن المعصوم (الخوئي، 1413هـ، 7/83). العلامة محمد تقي الشوشتري يورد هذا التوقيع في فصل «الأدعية المفترية» ويرى ضعف سنده ومتنه، ويشير إلى موارد لا تتوافق مع الرؤية الكلامية مثل عبارة «لَا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا» التي يعتبرها العلامة كفراً محضاً. وكذلك موارد خاطئة تماماً مثل عبارة «وَبَارِكْ لَنَا فِي شَهْرِنَا هَذَا الْمُرَجَّبِ الْمُكَرَّمِ، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ» حيث من الواضح أن بعد شهر رجب ليس هناك شهر حرام بل شعبان ورمضان، ويشير العلامة إلى هذا الخطأ وموارد أخرى ويستنتج أن الدعاء موضوع ومفترى على المعصوم (ع) (الشوشتري، 1415هـ، 1: 263-265).
الفئة الثانية: هذه الفئة ترى أن الدعاء يحتوي على مضامين عالية وسامية للعرفان الإسلامي ومراتب التوحيد الأفعالي، ويستشهدون به في المباحث الفلسفية والعرفانية والكلامية، أمثال الملا صدرا، العلامة الطباطبائي، الإمام الخميني، الملكي التبريزي، العلامة حسن زاده الآملي، آية الله جوادي الآملي، آية الله نجابت الشيرازي، والشهيد المطهري.
يعتقد آية الله جوادي الآملي أن هذا الدعاء بمضامينه الرفيعة يتناول تبيين بعض المقامات المعنوية للأئمة الأطهار (ع). ويذكر أن أهل بيت العصمة والطهارة، كأناس كاملين ومعصومين وواسطة فيض الله، هم الرابط بين الغيب والشهود، إذ لولاهم لما كانت المخلوقات لتستفيد من فيض الوجود. بعبارة أخرى، لو لم يكونوا موجودين، لما كان هناك رابط بين الله والمخلوقات، ولما وجدت فيوضات الله مجرى ومجلى لها؛ أي لما خُلق شيء، وبالتالي لما كان لقدرة الله ووحدانيته أي ظهور وبروز. هذه الحقيقة وردت في هذا التوقيع الشريف على هذا النحو: «…فَبِهِمْ مَلَأْتَ سَمَاءَكَ وَأَرْضَكَ حَتَّى ظَهَرَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ»؛ أي بتلك الخلفاء ووسائط الفيض، ملأت سماءك وأرضك بالموجودات المتنوعة، وهكذا ظهر أنه لا إله إلا أنت، لأن أولاً مكانتهم في نظام الخلق هي الخلافة والوساطة في الفيض، لا الألوهية. وثانياً، هم يتولون الخلافة من جهتك وحدك، لا من غيرك، فالألوهية محصورة فيك (جوادي الآملي، 1385هـ.ش، 4/307).
ويشير في تتمة كلامه إلى أحد أبرز أجزاء الدعاء، وهو مقطع «فَجَعَلْتَهُمْ مَعَادِنَ لِكَلِمَاتِكَ، وَأَرْكَاناً لِتَوْحِيدِكَ، وَآيَاتِكَ وَمَقَامَاتِكَ الَّتِي لَا تَعْطِيلَ لَهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ يَعْرِفُكَ بِهَا مَنْ عَرَفَكَ، لَا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا إِلَّا أَنَّهُمْ عِبَادُكَ وَخَلْقُكَ، فَتْقُهَا وَرَتْقُهَا بِيَدِكَ، بَدْؤُهَا مِنْكَ وَعَوْدُهَا إِلَيْكَ»، ويقول: ألف – المراد بالتوحيد في هذه الجملة هو التوحيد الأفعالي لله، لأن أولاً سياق الكلام (كونهم معادن كلمات الله، وأركان التوحيد، وآياته ومقاماته) لا ينسجم إلا مع التوحيد الأفعالي. ثانياً، «التعطيل» لا يُتوهم إلا في الأفعال الإلهية، وهو ما نُفي بانتشار الفيض في العلم والعين؛ أما التعطيل في الذات الأقدس الإلهي وفي صفاته الذاتية التي هي عين ذاته، فلا يُتوهم أصلاً. ب – استمرارية خلافة الإنسان الكامل أو الأئمة الأطهار (ع)، وكونهم مجرى ومجلى دائم للفيض الإلهي، من لوازم عدم تعطيل المقامات والتجليات الإلهية، لأن فيضه لا يصل إلى «القابل» إلا عبر وسائط، فالقابل لا يملك القدرة على تلقي الفيض بلا واسطة، وإن كان الفاعل قادراً على إفاضة الفيض على كل موجود. ج – «يَعْرِفُكَ بِهَا مَنْ عَرَفَكَ» إشارة إلى المعنى الأول لكون تلك الذوات المقدسة أركان التوحيد. د – «لَا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا» ليس عن مقام ذات الله، لأن الذات الأقدس الإلهي منطقة ممنوعة حتى على الأنبياء الإلهيين الذين عجزوا عن دخولها وإدراكها وظلوا عاجزين. بل هو مرتبط بمقام فعله؛ أي أن كل عمل يصدر عن الذات الأقدس الإلهي بشكل استقلالي، يصدر عنهم بشكل تبعي (جوادي الآملي، 1385هـ.ش، 5/310). ذ – «إِلَّا أَنَّهُمْ عِبَادُكَ وَخَلْقُكَ، فَتْقُهَا وَرَتْقُهَا بِيَدِكَ، بَدْؤُهَا مِنْكَ وَعَوْدُهَا إِلَيْكَ»: يشير إلى عدم استقلالية تلك الذوات المقدسة، وأن تصرفاتهم التكوينية والتشريعية إنما تنشأ عن مقام خلافتهم الإلهية. وتقديم العبودية على سائر الأوصاف يؤكد هذا المعنى (جوادي الآملي، 1385هـ.ش، 4/311).
الفئة الثالثة: هم الفقهاء والعلماء الذين يقبلون هذا المقطع من الدعاء بتعريف خاص، ومنهم آية الله بهجت ومكارم الشيرازي والعلامة الطباطبائي. من وجهة نظر آية الله بهجت، فإن عبارة «إِلَّا أَنَّهُمْ عِبَادُكَ وَخَلْقُكَ، فَتْقُهَا وَرَتْقُهَا بِيَدِكَ، بَدْؤُهَا مِنْكَ وَعَوْدُهَا إِلَيْكَ» تشير إلى مباحث وحدة الوجود في إطار الوحدة الحكمية والكثرة الحقيقية (محمدي الري شهري، 1390هـ.ش، 130)؛ توضيح ذلك أن وحدة الوجود، قد تعني وحدة مفهوم الوجود وهذا لا إشكال فيه، وقد تعني وحدة حقيقة الوجود كحقيقة نور الشمس ونور المصباح فكلاهما حقيقة واحدة لكن بمصاديق متعددة وهذا أيضاً لا إشكال فيه، وقد تعني وحدة مصداق الوجود بمعنى أنه لا وجود في عالم الوجود سوى الله وكل شيء هو عين ذاته، وهذا القول يستلزم الكفر ولم يقبله أي من الفقهاء (مكارم الشيرازي، 1375هـ.ش، 1014). العلامة الطباطبائي أيضاً، بطرحه ثلاث نظريات: وحدة الوجود، وكثرة وتباين الوجودات، ووحدة في عين كثرة وكثرة في عين وحدة، يقبل بالنظرية الأخيرة (الطباطبائي، 1385هـ.ش، 54-59).
1-6. التقييم المضموني للدعاء
ذكر بعض أهل النظر (بستاني، 1386هـ.ش: 126-332؛ مسعودي، 1394هـ.ش: 160-305؛ نفيسي، 1377هـ.ش: 44-52) معايير منها العرض على القرآن، والأدلة العقلية، والعرض على الروايات القطعية، والمعايير الكلامية، ومخالفة ضرورة المذهب، ومعيار التقييم السندي-المتني، والتوافق مع الأحاديث وسائر الأدعية، وتقييم النقول، ومعاني الجمل وكيفية توافقها مع السياق العام للدعاء، لنقد الحديث والدعاء. باستخدام هذه المعايير والمقاييس في تقييم الدعاء الخامس من شهر رجب، يمكن الإشارة إلى الموارد التالية:
1-1-6. العرض على القرآن
مضامين الدعاء التي تشير إلى مباحث الإنسان الكامل وكون الأئمة الأطهار (ع) خلفاء الله وأولياء الله، لها استشهادات قرآنية حسب رأي بعض المفكرين: أ – الولاية التكوينية لأولياء الله: آيات من القرآن تظهر أن الرسل وأولياء الله يمتلكون ولاية تكوينية، مثل: «وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ» (آل عمران: 49). من هذه الآية والآيات المشابهة (راجع: المائدة: 110)، يُستفاد أن الرسل وأولياء الله، بأمر وإذن منه، يمكنهم عند اللزوم التصرف في عالم التكوين والخلق، وخلافاً للعادة والسير الطبيعي، أن يوجدوا حوادث. أو بعبارة أخرى، هذه الآية وأمثالها من الأدلة الواضحة على الولاية التكوينية لأولياء الله (مكارم الشيرازي، 1374هـ.ش، 2/558، 5/124؛ الطباطبائي، 1417هـ، 3/199)؛ وآيات: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (البقرة: 30)، «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ» (ص: 26) تشير إلى موضوع كون الإنسان الكامل خليفة الله {والذي مصداقه البارز هم الأئمة المعصومون (ع)}. ب – آيات تدل على حضور وسريان الله في جميع أرجاء الوجود ويمكن أن تشير إلى مبحث «وحدة الوجود»: آيات مثل: «فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» (البقرة: 115) التي تدل على أن الله حاضر في كل مكان؛ حضور مطلق بحيث لا يخلو مكان من حضوره وقد ملأ الوجود بأسره. لأن ذلك المعبود الذي هو مع كل الأشياء والأشخاص، هو الإله الذي هو حقيقة الوجود كلها، وهو مع الكل: «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ» (الحديد: 4). لا يخلو مكان في دار الوجود منه، بل هو أقرب إلى كل فرد من نفسه: «أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ» (الأنفال: 24). آيات تصف الله بالأول والآخر والظاهر والباطن: «هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (الحديد: 3). آيات تحصر الحقيقة في الوجود والجهة الحقة للأشياء. مثل: «كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» (القصص: 88)؛ أي أن ما له حقيقة في العالم هو وجود الله تعالى فقط، والأشياء قائمة بوجود الحق. هالك، يعني أنها تهلك إذا سُلب منها وجود الحق، وليس لها حقيقة مستقلة من ذاتها.
2-1-6. معيار التوافق مع الروايات القطعية
أ – «وُلَاةُ أَمْرِ» في هذا الدعاء، مشابه ومترادف مع مقاطع من الزيارة الجامعة الكبيرة «السَّلَامُ عَلَى الْأَئِمَّةِ الدُّعَاةِ، وَالْقَادَةِ الْهُدَاةِ، وَالسَّادَةِ الْوُلَاةِ، وَالذَّادَةِ الْحُمَاةِ، وَأَهْلِ الذِّكْرِ وَأُولِي الْأَمْرِ، وَبَقِيَّةِ اللَّهِ وَخِيَرَتِهِ وَحِزْبِهِ وَعَيْبَةِ عِلْمِهِ وَحُجَّتِهِ وَصِرَاطِهِ وَنُورِهِ وَبُرْهَانِهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ»؛ وأيضاً مقطع «رَضِيَكُمْ خُلَفَاءَ فِي أَرْضِهِ» (الصدوق، 1411هـ، 2/361-362). ب – مقطع «يَعْرِفُكَ بِهَا مَنْ عَرَفَكَ» في هذا الدعاء، مرادف لحديث «بِنَا عُبِدَ اللَّهُ وَبِنَا عُرِفَ اللَّهُ وَبِنَا وُحِّدَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَمُحَمَّدٌ حِجَابُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» (الكليني، 1375هـ.ش، 1/145). ج – مقطع «لَا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا إِلَّا أَنَّهُمْ» في الدعاء له نفس معنى حديث «يَا ابْنَ آدَمَ! أَنَا أَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ، أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ، أَجْعَلْكَ تَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ؛ يا بن آدم! أنا أقول للشيء كن فيكون، أطعني فيما أمرتك، أجعلك تقول للشيء كن فيكون» (المحدث النوري، 1408هـ، 11/258). وبتعبير الإمام علي (ع): «وَاحِدٌ لَا بِعَدَدٍ» (السيد الرضي، 1389هـ، 254)؛ أي أنه واحد ولكن ليس من نوع الواحد الذي يدخل في مقولة العدد ويمكن افتراض ثانٍ وثالث بجانبه، بل هو الواحد الذي تقع كل الوحدات والكثرات في نطاقه، وهو نفسه منزه عن صفات مخلوقاته (مثل الدخول في العدد). وما ورد في الروايات من أنه «يُبْصِرُ بِهِ» و«يَسْمَعُ بِهِ»، إشارة إلى نفس الوحدة الحكمية، مثل حديث قرب النوافل.
3-1-6. المعيار العقلي
عادة ما يلجأ الفلاسفة بمساعدة قوة العقل والتفكير إلى إثبات أو رد موضوع ما. في قسم تحليل المحتوى، تم التطرق إلى هذه المباحث بأدلة فلسفية وعرفانية. لذا، فإن العقل أيضاً، بمساعدة القرآن والروايات وبأدواته الخاصة، يؤيد المضامين العرفانية للدعاء. على سبيل المثال، يوضح العقل أن ذات الحق، لكونها وجوداً مطلقاً وغير متناهٍ، فإن العارف برؤية عظمة الحق يرى الموجودات المتناهية أمامه لا شيء ولا تُعتبر شيئاً، وأينما نظر سيراه في كل مكان (مطهري، 1379هـ.ش، 142). جاء في القرآن: «فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» (البقرة: 115). كما يقول الإمام علي (ع): «مَا رَأَيْتُ شَيْئاً إِلَّا وَرَأَيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ وَمَعَهُ وَفِيهِ» (الفيض الكاشاني، 1428هـ، 1/49). ولهذا السبب، يرى العارف في كل شيء تجلي حسن وجمال المعشوق الأزلي ويعشقه: «أنا مسرور بالعالم لأنه مسرور به، عاشق لكل العالم لأن كل العالم منه» (سعدي، 1394هـ.ش، 591).
4-1-6. معيار التقييم السندي-المتني
كما ذُكر، يوجد في سلسلة السند خير بن عبد الله الذي اعتبره الرجاليون مجهول الحال ولم يوردوا في حقه مدحاً أو ذماً، لكن المؤرخين وكتّاب التراجم اعتبروه من كبار الصوفية في زمانه. وبما أن مضامين الدعاء عرفانية، فهذا يحتمل فرضيتين: 1- إما أن الراوي، لكونه على دراية بالعرفان، وضع هذه المطالب ونسبها إلى نائب الإمام. 2- الراوي، لكونه من الأبدال والعرفاء المشهورين، تمكن من تلقي هذا الدعاء من نائب الإمام وفهمه ونقله للآخرين. استقامة وقوة محتوى المتن وتوافقه مع الأدعية الأخرى يعزز الاحتمال الثاني، أي بما أن محتوى المتن مقبول، لذا فإن هذا الحديث نفسه وبعض التوقيعات الأخرى التي يقع هو في سلسلة سندها، يمكن أن تكون وسيلة لتعريف الراوي ومدحه.
7. الاستنتاج
نتائج البحث في كتب الأدعية، والرجال، والتاريخ، والفلسفة، والعرفان، وتأريخ وتقييم سند ومحتوى هذا الدعاء هي كالتالي: 1- دراسة الاعتبار السندي تظهر أنه بما أن ابن عياش مُضعَّف وخير بن عبد الله مجهول الحال عند الرجاليين، يُحكم بضعف سند الدعاء. لكن قوة ومحتوى المتن العالي وتوافقه وقرينته مع الأدعية الأخرى، يجبر هذا الضعف. لذا يمكن الاعتماد على متن الدعاء واعتباره صحيحاً. 2- دراسة الاعتبار المضموني تظهر أيضاً أنه بما أن الإمام المعصوم بصفته ولي الأمر أو خليفة الله، له مقام الشفاعة بإذن الله، وفي هذا الدعاء أيضاً نضعهم عند الله كشفعاء ونطلب حاجاتنا، فإن متن الدعاء صحيح والحديث قابل للاعتماد. 3- الاستثناء الموجود في عبارة «لَا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا إِلَّا أَنَّهُمْ عِبَادُكَ وَخَلْقُكَ» يؤكد على عبودية ومخلوقية «ولاة الأمر» ويخلص الدعاء من رائحة الكفر والغلو. 4- تأريخ الحديث يظهر أن متن الدعاء قد استقر في زمن الشيخ الطوسي في كتاب «مصباح المتهجد وسلاح المتعبد». 5- تقييم السند-المتن للحديث يقول إنه بما أن خير بن عبد الله نفسه كان من الأبدال وكبار العرفاء، فقد تمكن من فهم المضامين العالية للدعاء ونقل الحديث عن نائب الإمام (عج)، كما أن الفلسفة والعرفان الإسلامي يؤيدان أيضاً المضامين العالية للدعاء. 6- إجمالاً، بالنظر إلى السياق العام للدعاء (جعل الإنسان الكامل ولياً لله شفيعاً عند الذات الإلهية) وتوافقه مع سائر الأحاديث والأدعية والمعايير القرآنية والعقلية، يمكن اعتبار هذا الدعاء صحيحاً ومعتبراً.
الهوامش
1. أستاذ مشارك بجامعة شهيد جمران الأهواز، إيران (المؤلف المسؤول). البريد الإلكتروني: Gh.bostani@scu.ac.ir و gbostanee@yahoo.com
2. طالب دكتوراه في علوم القرآن والحديث بجامعة شهيد جمران الأهواز، إيران. البريد الإلكتروني: a_khansha@phdstu.scu.ac.ir
3. Schacht.
4. Note.
5. Isnad-Cum-Matn.