المستخلص
إن اشتراط «انتفاء الشذوذ» في تعريف الحديث الصحيح عند أهل السنة قد أضفى أهمية على الحديث الشاذ عندهم؛ إذ يُعد الحديث الشاذ في جملة الأحاديث الضعيفة والمردودة. وتكشف دراسة المصادر المتاحة عن وجود ثلاثة معانٍ للحديث الشاذ عند أهل السنة. وقد قُدِّمت هذه المعاني تاريخياً بالترتيب من قبل الشافعي (ت ٢٠٤ هـ)، والحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ)، وتلميذه أبي يعلى الخليلي القزويني (ت ٤٤٦ هـ). ويُظهر استعراض مؤلفات علم الدراية في العصور المتأخرة والمعاصرة قبولاً واسعاً لرأي الشافعي ورفضاً للتعريفين الآخرين. والسؤال الذي يكتسب أهمية في هذا السياق هو: ما سبب تفوق تعريف الشافعي على غيره؟ ومنذ متى وبيد أي عالم تم ترجيح هذا الرأي؟ تشير دراسة آثار علم الدراية المتاحة إلى أن جهود ابن الصلاح الشهرزوري (ت ٦٤٣ هـ) كانت مؤثرة في هذا الخصوص. إن حكمه في هذا الشأن يستند من جهة إلى صحيح البخاري، ومن جهة أخرى يتأثر بالنتائج غير المرغوبة المترتبة على التعريفين الآخرين. فمؤلَّفة «تفرد الراوي الثقة» في تعريف الحاكم النيسابوري و«تفرد الراوي» في تعريف الخليلي القزويني، تؤدي إلى إدراج متفردات الرواة الثقات أو مطلق متفردات الرواة في صحيح البخاري ضمن الأحاديث الشاذة. وهو أمر لا ينسجم مع المكانة الخاصة لهذا الكتاب عند أهل السنة. ومن هنا، فإن ابن الصلاح، الذي صرّح هو نفسه بهذه النقطة، قد أظهرها كدليل لترجيح رأي الشافعي.
1. طرح المسألة
بناءً على تصريح آيات القرآن الكريم، تُعدّ السنة النبوية المصدر الثاني لمعرفة تعاليم الإسلام ومبادئه بعد القرآن الكريم. ولكن للأسف، تعرضت سنة النبي الأكرم (ص) في مسار انتقالها ضمن إطار الحديث[1] لآفات متعددة. وقد أدى هذا الواقع التاريخي المرير إلى ضرورة وحتمية توثيق الأحاديث. ولتسهيل مشاركة نتائج التقييم والتوثيق، وُضعت مفاهيم ومصطلحات تعكس المنجزات البحثية في دراسة الأحاديث. وقد ازدادت هذه المفاهيم والمصطلحات تدريجياً لتشكل علماً خاصاً يُعرف بـ«مصطلح الحديث». واليوم، أُلّفت ودُوّنت أعمال عديدة منذ القرون الأولى وحتى العصر الحاضر في مجال دلالة المصطلحات الحديثية.
من بين هذه المصطلحات الحديثية مصطلح «الحديث الشاذ». والحديث الشاذ هو من أقسام خبر الواحد من حيث مخالفته لأحاديث أخرى. وفي هذا التقسيم، إلى جانب الحديث الشاذ، نجد مصطلحات مختلفة أخرى مثل النادر، والمحفوظ، والمعروف، والمنكر (النفيسي، ١٣٩١ش، ٢٥١).
الحديث الشاذ في اصطلاح علماء الدراية المعاصرين من أهل السنة هو: «الحديث الذي يرويه الراوي المقبول مخالفاً لحديث راوٍ أرجح وأقوى منه»[2]. ويوضح محمود الطحان مفهوم «الراوي المقبول» بأنه: «الفرد العادل الضابط الذي يكون ضبطه وإتقانه كاملاً، أو الفرد العادل الذي يكون ضبطه وإتقانه أخف وأقل»[3]. وفي تبيين عبارة «مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ»[4]، يعتبره الراوي الذي يكون أرجح وأقوى من الراوي المخالف بسبب زيادة الضبط والإتقان أو كثرة عدد الرواة ونحو ذلك (الطحان، ١٤٣١ق، ١٢٣).
من الواضح أن معاني ومفاهيم الألفاظ الاصطلاحية تتشكل في سياق زمني، وتشهد خلال مسيرة حياتها، من التكوين إلى الصياغة النهائية، تغيرات دلالية متعددة أحياناً. وفي بعض الأحيان، تُقدَّم في هذا المسار معانٍ متعددة لمفهوم اصطلاحي واحد، يتم قبول أحدها – لأسباب معينة – من قبل أهل العلم، أو يتم تقديم معنى توليفي جديد من تلك المعاني. ولم يكن مصطلح «الحديث الشاذ» خارج قاعدة التطور والتحول الدلالي للمصطلحات العلمية. والسؤال الأساسي حول هذا المصطلح كثير الاستخدام في العلوم الحديثية هو: تثبيت صورته الدلالية النهائية كان تابعاً لأي منهج في بناء المعنى؟ هل نواجه في المسار التاريخي لدلالة هذا المصطلح معاني متعددة قُدمت، أصبح أحدها مقبولاً لدى علماء الحديث؟ أم أن المعنى المقبول النهائي هو نتاج تلك المعاني المتعددة؟ إذا كان المنهج الأول هو الصادق بشأن دلالة مصطلح «الحديث الشاذ»، فمن هو صاحب ذلك المعنى المقبول، وما سبب تفوقه على المعاني الأخرى؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة وكشف معاني المفاهيم الاصطلاحية من مرحلة التكوين إلى التثبيت، يتطلب تحليلاً تاريخياً لذلك المصطلح. ويهدف البحث الحاضر إلى الإجابة على هذه المسائل من خلال منهج تاريخي وتحليل وصفي للبيانات التاريخية المتاحة.
2. دراسة مفهوم الحديث الشاذ واستعراض الآراء
«الشاذ» في اللغة اسم فاعل من «شَذَّ» ويعني «انفرد» (اعتزل، تنحّى، بقي وحده). إذن، يمكن بيان المعنى اللغوي لـ«الشاذ» بأنه «المنفرد عن الجمهور»؛ أي «المنفصل والمنعزل عن الجماعة»، و«المخالف وغير المنسجم مع الجمهور» (الأزهري، ١٣٨٤ق، ١١: ٢٧١؛ الفيروزآبادي، ١٤٢٦ق، ٣٣٤).
إن النظرة التاريخية لمفهوم الحديث الشاذ عند علماء أهل السنة تكشف عن وجود تعاريف مختلفة له – على الأقل ثلاثة اتجاهات وتعريفات. وقد أشار محيي الدين النووي (ت ٦٧٦ هـ) أيضاً إلى اختلاف الآراء في تعريف الحديث الشاذ (النووي، بلا تا، ١: ٥٩). وهذه التعريفات الثلاثة قُدِّمت بترتيب زمني من الشافعي (ت ٢٠٤ هـ)، والحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ)، وأبي يعلى الخليلي القزويني (ت ٤٤٦ هـ).
لم يشر الرامهرمزي (ت ٣٦٠ هـ) في كتابه «المُحدِّث الفاصل» الذي يُعد أقدم كتاب في مصطلح الحديث، أي إشارة إلى مصطلح الحديث الشاذ. ويبدو أن الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ) هو أول من بحث في «الحديث الشاذ» ضمن الأحاديث الضعيفة في كتابه «معرفة علوم الحديث» (الحاكم النيسابوري، ١٤٠٠ق، ١١٩-١٢٢). أما أقدم تعريف للحديث الشاذ فقد قدمه محمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤ هـ). حيث صرّح بأن الحديث الشاذ هو «حديث يرويه راوٍ ثقة، ولكنه يخالف رواية الناس» (الحاكم النيسابوري، ١٤٠٠ق، ١١٩؛ الخطيب البغدادي، ١٤٠٥ق، ١٧١؛ ابن الصلاح، ١٤١٦ق، ٦١). ويوضح المحقق المعاصر صبحي صالح، بعد نقله لتعريف الشافعي هذا، في عبارة توضيحية، أن المقصود بـ«الناس» هنا هم «الثقات» (صبحي صالح، ١٩٨٤م، ١٩٧). وبناء على هذا، يؤكد الشافعي على أن الحديث الشاذ ليس حديثاً يرويه راوٍ غير ثقة (الحاكم النيسابوري، ١٤٠٠ق، ١١٩؛ الخطيب البغدادي، ١٤٠٥ق، ١٧١؛ ابن الصلاح، ١٤١٦ق، ٦١). ولعل تأكيده على هذا الأمر يدل على أنه في زمانه كان يوجد تصور خاطئ عن الحديث الشاذ.
وقد نقل تلميذه يونس بن عبد الأعلى المعنى المذكور للحديث الشاذ عن الشافعي بصيغة أخرى. فبناء على روايته، قال له الشافعي: «كلما روى لي راوٍ ثقة حديثاً، وإن لم يروه راوٍ آخر، فلا يُقال لهذا الحديث شاذ، بل الشاذ هو أن يروي الرواة الثقات حديثاً تأييداً لبعضهم البعض، فيخالف بعضهم بعضاً، وفي هذه الحالة يُقال: «شَذَّ عَنْهُم»» (ابن عدي، ١٤٠٩ق، ١: ١١٥).
وقدم أبو يعلى الخليلي القزويني (ت ٤٤٦ هـ) تعريف الحديث الشاذ من وجهة نظر الشافعي مع اختلاف طفيف، وهو عبارة عن حديث راوٍ ثقة يخالف متن رواية الثقات بإحدى الصورتين: الزيادة أو النقصان (الخليلي القزويني، ١٤٠٩ق، ١: ١٧٦). وقد نسب هو نفسه هذا التعريف إلى جماعة من محدثي الحجاز. إضافة إليه، نسب النووي هذا التعريف إلى جماعات كثيرة من أهل الحديث (النووي، بلا تا، ١: ٥٩). وكما هو واضح، فإن هذا التعريف للحديث الشاذ يؤكد على مؤلفتي «وثاقة الراوي» و«المخالفة لنقل المشهور». ويبدو أن أحمد بن حسين البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) أيضاً، الذي أوصى بالابتعاد عن الحديث الشاذ قائلاً: «فَعَلَيْكَ مِنَ الْحَدِيثِ مَا تَعْرِفُهُ العَامَّةُ وَإِيَّاكَ وَالشَّاذَّ مِنْهُ»، قد أكد على مؤلفة مخالفته للحديث المشهور عند الناس (البيهقي، بلا تا، ٦: ٥٢٣).
هذا المعنى المنقول للحديث الشاذ عن الشافعي، لا يظهر صراحة في آثاره المتبقية أي «الرسالة» وكتاب «الأم»؛ ولكن مع ذلك، توجد لديه عبارة حول شروط حجية «خبر الواحد»[5] تقترب من المعنى المنقول عنه في تعريف الحديث الشاذ. من بين هذه الشروط، أن يروي الراوي عن النبي شيئاً يخالف ما يرويه الثقات عن النبي (الشافعي، بلا تا، ٣٧١، ش ١٠٠١؛ وانظر أيضاً: الخطيب البغدادي، ١٤٠٥ق، ٤٠؛ المزي، ١٤٠٦ق، ١: ١٦٤؛ ابن حجر العسقلاني، ١٣٩٠ق، ١: ١٨). وهذا التعبير من الناحية المفهومية قريب جداً من المعنى الذي قدمه هو نفسه للحديث الشاذ.
وهناك عبارة أخرى يمكن القول إنها تدل على معنى قريب من تعريف الشافعي، وهي رأي أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) بشأن الحديث المنقول عن أسماء بنت عميس عن النبي (ص) الذي وصفه بـ«الشاذ المطروح»: «إِنَّهُ مِنَ الشَّاذِّ الْمَطْرُوح» (ابن رجب الحنبلي، ١٣٩٨ق، ١: ٤١٠؛ للاطلاع على رواة هذا الحديث انظر: أحمد بن حنبل، بلا تا، ٦: ٣٦٩، ٤٣٨). ويبدو أن الرواية المذكورة تتعارض مع الحديث المنقول عن أم سلمة – الذي يبدو أنه كان أكثر شهرة (للاطلاع على أمثلة انظر: البخاري، ١٤٠١ق، ٦: ١٨٦؛ مسلم بن حجاج، بلا تا، ٤: ٢٠٤؛ الدارمي، ١٣٤٩ق، ٢: ١٦٧-١٦٨؛ الترمذي، ١٤٠٣ق، ٢: ٣٣٣). إن وصف رواية أسماء بأنها شاذة ومطروحة، على التوالي، يحكي عن تفردها في النقل وعدم قبولها بسبب مخالفتها لروايات أخرى مقبولة. وهما المؤلفتان اللتان صُرّح بهما وأُكّد عليهما في تعريف الشافعي للحديث الشاذ.
ويبدو أن تصريح أبي علي صالح بن محمد البغدادي (ت ٢٩٣ أو ٢٩٤ هـ) بالترادف المعنوي بين الحديث الشاذ والمنكر[6]، يشير إلى معنى غير معروف وغير مشهور للحديث الشاذ، والذي تم التأكيد فيه على مخالفة محتواه لروايات الثقات في تعريف الشافعي.
أما التعريف الآخر للحديث الشاذ، فقد قدمه الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ)، العالم والمحدث المشهور في كتابه «معرفة علوم الحديث». وقد أكد على أن الحديث الشاذ غير الحديث المعلول، واعتبره حديثاً يتفرد بنقله راوٍ ثقة، ولا يوجد له حديث متابع (الحاكم النيسابوري، ١٤٠٠ق، ١١٩). في تعريفه، تم التأكيد فقط على مؤلفة «تفرد الراوي الثقة». وقد نقل النووي (ت ٦٧٦ هـ) هذا المعنى عن أكثر أهل الحديث بتعبير «قيل»[7]، مع أنه صراحة اعتبر هذا المعنى غير صواب (النووي، بلا تا، ١: ٥٩).
التعريف الثالث للحديث الشاذ هو من أبي يعلى الخليلي القزويني (ت ٤٤٦ هـ). وقد نقل رأي «حفاظ الحديث» في معنى الحديث الشاذ بأنه حديث له سند واحد فقط، ويتفرد شيخ الحديث بنقله، سواء كان ذلك الشيخ ثقة أم غير ثقة. ويبدو أنه أكد على «تفرد الراوي» في تعريف مصطلح الحديث الشاذ (الخليلي القزويني، ١٤٠٩ق، ١: ١٧٦). وقد اعتبر حديث الشاذ من راوٍ غير ثقة مصداقاً للحديث المتروك وغير المقبول، ولكنه حكم بالتوقف وعدم إمكان الاحتجاج بحديث الشاذ من راوٍ ثقة. إن وجود مؤلفة «تفرد الراوي» التي تظهر في تعريفي الحاكم النيسابوري وأبي يعلى الخليلي القزويني، يُظهر قرابة وثيقة بالمعنى اللغوي لـ«شاذ»؛ إذ كما أُشير، فإن «شاذ» في اللغة تعني الانفراد والتفرد.
ويبدو أن هذا المعنى الثالث للحديث الشاذ كان هو المعتبر لدى القاضي أبي يوسف الأنصاري[8] (ت ١٨٢ هـ). ففي مسألة فقهية تتعلق برجل له فرسان، وبناءً على رأي أبي حنيفة لا سهم إلا في أحدهما، وبناءً على رأي الأوزاعي له سهم في كليهما، صرح قائلاً بأنه لم يصلنا عن النبي ولا عن أي من الصحابة حديث بخصوص وجود سهم في كلا الفرسين سوى حديث واحد[9]. ويتابع قائلاً إن الحديث الواحد من وجهة نظره هو نفسه الحديث الشاذ، ولا يمكن الإفتاء به (الشافعي، ١٤٠٣ق، ٧: ٣٦٢). وكما هو واضح، فإن خصوصية الحديث الشاذ من منظوره هي فقط «تفرد الراوي» في نقله؛ أما الخصائص الأخرى مثل «وثاقة الراوي» و«مخالفة الرواية لرواية الثقات» فلم تكن معتبرة لديه.
من بين هذه التعريفات الثلاثة، حظي تعريف الشافعي بالقبول، بحيث إن التعريف المعروف اليوم للحديث الشاذ – كما مر – مطابق لتعريفه. وتشير دراسة هذا الموضوع في المصادر المتاحة إلى الدور البارز لابن الصلاح الشهرزوري (ت ٦٤٣ هـ) في هذا الصدد. فبناءً على الشواهد الموجودة، يبدو أنه أول عالم تصدى للحكم بين التعريفات الثلاثة للشافعي، والحاكم النيسابوري، وأبي يعلى القزويني للحديث الشاذ. وهو، مع قبوله لتعريف الشافعي للحديث الشاذ، لا يرى التعريفين الآخرين خاليين من الإشكال. والدليل الذي يقدمه ابن الصلاح لهذا الحكم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأحاديث صحيح البخاري، حيث يذكر نماذج منها[10].
3. الحديث الشاذ وعلاقته بـ«الحديث الصحيح» عند أهل السنة
يرتبط الحديث الشاذ ارتباطاً وثيقاً بمصطلح الحديث الصحيح عند أهل السنة؛ إذ إن من شروط الحديث في التعريف الشائع بينهم انتفاء شذوذه. فبناءً على التعريف المشهور، الحديث الصحيح هو: «الحديث الذي يتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً ولا معللاً» (للاطلاع على أمثلة انظر: ابن الصلاح، ١٤١٦ق، ١٥-١٦؛ النووي، بلا تا، ١: ٥٩؛ ابن حجر العسقلاني، ١٤٢٢ق، ٦٧). وبناءً على هذا التعريف، فإن الحديث الصحيح عند أهل السنة له ستة شروط: ١- أن يكون الحديث متصل السند، ٢ و ٣- أن يكون راويه عدلاً وضابطاً، ٤ و ٥- أن يكون الحديث خالياً من الشذوذ والعلة.
ويشيرون عموماً في تبيين مفهوم «الشذوذ» إلى أن الحديث لا ينبغي أن يكون شاذاً. ويعتبرون «العلة» عيباً غير ظاهر يوجب ضعف الحديث. بعبارة أخرى، العلة هي عوامل وأسباب خفية تتعلق بسند الحديث أو متنه، بحيث لو ظهرت لأضرت بصحة الحديث؛ ورغم أن الحديث ظاهرياً خالٍ من العيب، إلا أن له علة أو عللاً خفية لا يدركها إلا الخبراء والمتخصصون في فن علم الحديث (انظر: النووي، بلا تا، ١: ٥٩؛ الطحان، ١٤٣١ق، ٤٤-٤٥).
ويبدو أن هذا المعنى للحديث الصحيح عند علماء أهل السنة قد شاع منذ عصر ابن الصلاح الشهرزوري (ت ٦٤٣ هـ)، وهو أول عالم ذكر شرطي انتفاء الشذوذ والعلة في الحديث الصحيح؛ إذ لم يُصرح في تعاريف العلماء قبله بشرطي انتفاء الشذوذ والعلة في تعريف مصطلح الحديث الصحيح[11]. وبناءً على ذلك، خالف البعض اشتراط «انتفاء الشذوذ» في تعريف الحديث الصحيح (ابن دقيق العيد، ١٤٠٦ق، ٥؛ ابن حجر العسقلاني، ١٤١٤ق، ٢٣٥؛ السيوطي، ١٤١٥ق، ١: ٦٤).
ولكن يبدو أن علماء أهل السنة المتقدمين قد أشاروا إلى مفهوم الشذوذ واشتراط انتفاء الشذوذ في الحديث لصحته وحجيته. على سبيل المثال – كما أُشير سابقاً – أشار الشافعي إلى ذلك في «الرسالة». وكذلك صرّح أبو داود السجستاني (ت ٢٧٥ هـ) في وصف روايات كتاب «السنن» بعدم حجية الحديث الغريب الشاذ، وفي مقابله ذكر «الحديث المشهور المتصل الصحيح» الذي لا يمكن لأحد رد اعتباره وحجيته (أبو داود السجستاني، بلا تا، ٢٩). وفي هذه العبارة أيضاً، أُشير بطريقة ما إلى انتفاء شذوذ الحديث لصحته وحجيته.
خلافاً لمعنى الحديث الصحيح عند أهل السنة، وكما صرّح الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي (ت ٩٨٤ هـ) – والد الشيخ البهائي – (العاملي، ١٤٠١ق، ٩٣)، فإن شرطي عدم وجود الشذوذ والعلة في التعريف الشيعي لاصطلاح الحديث الصحيح بالمعنى الذي قدمه المتأخرون غير موجودين. فبناءً على تعريفهم، الحديث الصحيح هو: «الحديث الذي يتصل سنده بنقل راوٍ عادل إمامي عن راوٍ مثله في جميع الطبقات، إلى المعصوم (ع)» (الشهيد الثاني، ١٤٢٣ق، ٦٦؛ وانظر أيضاً باختلاف يسير: حسن بن زين الدين، ١٣٦٢ش، ١: ٤؛ همو، ١٤١٧ق، ٢١٦؛ الميرداماد، ١٤٢٢ق، ٧٥؛ المامقاني، ١٤١١ق، ١: ١٤٦-١٥٢؛ الصدر، بلا تا، ٢٣٥؛ السبحاني، ١٤١٦ق، ٥١-٦٨). وسبب هذا الأمر يعود إلى مسألة الفرق بين الصحة الاصطلاحية ومقولة الحجية. فلأن كون الحديث شاذاً أمر عارض لا يؤخذ في الاعتبار إلا في مقام الحكم النهائي بشأن الحديث والعمل به، فلا حاجة إلى ذكره (الميرداماد، ١٤٢٢ق، ٧٦؛ المامقاني، ١٤١١ق، ١: ١٥٢-١٥٣؛ السبحاني، ١٤١٦ق، ٥٦)[12].
4. مكانة «صحيح البخاري» عند أهل السنة
كتاب «الجامع الصحيح» المشهور بـ«صحيح البخاري» هو أشهر كتاب للمحدث الكبير لأهل السنة في القرن الثاني والثالث الهجري، أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ). هذا الكتاب هو أحد الكتب الحديثية الستة الصحيحة عند أهل السنة – والتي تعرف بـ«الصحاح الستة» – بل هو أوثقها وأعلاها منزلة، حتى يمكن القول إن شهرة البخاري مدينة في معظمها لتأليف هذا الكتاب.
في نظر البخاري، كانت المجاميع الحديثية المدونة في عصره تشمل الأحاديث الصحيحة وغير الصحيحة، لذا قرر أن يجمع الأحاديث الصحيحة فقط في كتاب. وبحسب قوله، كان المشجع الأساسي له في هذا العمل أستاذه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه (الخطيب البغدادي، ١٤١٧ق، ٢: ٨؛ ابن عساكر، ١٤١٥ق، ٥٢: ٧٢؛ ابن حجر العسقلاني، ١٤٠٨ق، ٥). وقد أمضى البخاري ستة عشر عاماً في تأليف هذا الكتاب، واختار أحاديثه من بين ستمائة ألف حديث (ابن حجر العسقلاني، ١٤٠٨ق، ٤٩٠).
كان للبخاري معيار لاختيار الحديث الصحيح، عُرف بـ«شرط البخاري». ووفقاً له، يعتبر الحديث صحيحاً إذا أجمع كبار المحدثين على وثاقة كل فرد في سلسلة رواته حتى يصل إلى صحابي مشهور، وكان سنده متصلاً وغير منقطع. وإذا روى راويان أو أكثر عن صحابي واحد فهذا أفضل، ولكن إذا روى راوٍ واحد معتبر فقط، فهذا يكفي أيضاً (نفسه، ٧). وعلى هذا الأساس، راعى البخاري في اختيار الحديث الصحيح اتصال السند، وإتقان ووثاقة الرجال، وكذلك عدم وجود إشكال وضعف في متن أو سند الحديث (عدم العلل)[13]. من خلال تقسيم أحاديث الكتاب في كلام ابن حجر العسقلاني (نفسه، ٦؛ همو، ١٤٠٥ق، ٢: ٥-٦)، يمكن استنتاج أن الشرط المذكور لم يراعَ في جميع أحاديثه، وقد أورد بعض الأحاديث التي لا تنطبق عليها شروطه، وإن كان بلفظ وتعبير مختلف ومتميز (ابن حجر العسقلاني، ١٤٠٨ق، ٣٤٦).
بناءً على رواية العقيلي، عندما أنهى البخاري كتابه، عرضه على كبار وأئمة الحديث مثل أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين. فأثنوا عليه جميعاً وشهدوا بصحته ودقته، ما عدا أربعة أحاديث، مع أن العقيلي نفسه يرى أن رأي البخاري في هذه الأحاديث الأربعة هو الصحيح (ابن حجر العسقلاني، ١٤٠٨ق، ٥: ٤٩١؛ همو، ١٤٠٥ق، ٥: ٤٢٣؛ همو، ١٤٠٤ق، ٩: ٤٦). وقد لقي هذا الكتاب استقبالاً واسعاً، وسمعه تسعون ألف شخص من البخاري (ابن أبي يعلى، بلا تا، ١: ٢٧٤).
يحظى صحيح البخاري بأهمية واعتبار خاص لدى علماء أهل السنة؛ فبحسب ادعاء البعض، أجمعت الأمة الإسلامية على أن أصح كتاب بعد القرآن المجيد هو صحيح البخاري ثم صحيح مسلم (حاجي خليفة، ١٤١٠ق، ١: عمود ٥٤١؛ القسطلاني، ١٣٠٥ق، ١: ١٩؛ ابن حجر الهيتمي، ١٣٨٥ق، ٩). ومع ذلك، تُرى أحياناً آراء مخالفة لهذا الرأي المشهور بين علماء القرون الأولى لأهل السنة. من ذلك أن القاضي أبا بكر ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ) كان يعتبر «الموطأ» «الأصل الأول» وصحيح البخاري «الأصل الثاني» (أبو بكر ابن العربي، بلا تا، ١: ٥؛ وانظر أيضاً: السيوطي، ١٤١٨ق، ٦). وفي أوساط عموم محدثي أهل السنة، يُرجح كتاب صحيح البخاري حتى على صحيح مسلم. خلافاً لرأي أبي إسحاق النيسابوري – أستاذ الحاكم النيسابوري – الذي كان يعتقد أنه لا يوجد تحت هذه السماء الزرقاء كتاب أصح من كتاب مسلم بن حجاج النيسابوري (ابن الصلاح، ١٤١٦ق، ٢٠؛ ابن عساكر، ١٤١٥ق، ١٤: ٢٧٤-٢٧٥ و ٥٨: ٩٢؛ ابن حجر، ١٤٠٨ق، ٨؛ همو، ١٤٠٥ق، ٥: ٤٢٤)[14]. ويبدو أن ترجيح صحيح مسلم على صحيح البخاري كان له أنصار أكثر بين علماء ومحدثي غرب العالم الإسلامي (ابن الصلاح، ١٤١٦ق، ٢٠؛ ابن حجر، ١٤٠٨ق، ٨؛ همو، ١٤٠٥ق، ٥: ٤٢٤).
على كل حال، لا يوجد بين أهل السنة كتاب يضاهي شهرة صحيح البخاري، وقد غلوا فيه أحياناً حتى وضعوه في مصاف القرآن وذكروا له فضائل (أسد حيدر، ١٤٠٣ق، ١: جزء ١، ٧٨). وبحسب قول محمد فريد وجدي، كان البعض يدفعون أموالاً لأشخاص ليقرؤوا أحاديث هذا الكتاب مثل القرآن لجلب البركات والخيرات السماوية (وجدي، بلا تا، ٣: ٤٨٢).
وتتجلى مقبولية واعتبار صحيح البخاري في كثرة الشروح والتعليقات والحواشي عليه، وقد بذل علماء كل عصر جهوداً كبيرة لفهم هذه المجموعة الحديثية بشكل أفضل. كان ابن خلدون يتمنى أن يكتب شرحاً نفيساً لهذا الكتاب يؤدي فيه حق المطلب كاملاً؛ لأنه سمع من أكثر أساتذته أن إعداد مثل هذا الشرح لصحيح البخاري هو واجب على عاتق الأمة المسلمة (ابن خلدون، بلا تا، ٤٤٣). ومن هنا، اهتم كبار المحدثين منذ العصور الماضية وحتى الآن بشرحه، وربما قلّما يوجد كتاب حظي بمثل ما حظي به من شروح وتعليقات. وقد ذكر حاجي خليفة أسماء عشرات الشروح والتعليقات التي كُتبت حتى زمانه (حاجي خليفة، ١٤١٠ق، ١: عمود ٥٤٥-٥٥٥). وبناءً على تقرير محقق صحيح البخاري (طبعة مكة، ١٣٧٦ هـ)، كُتب حتى الآن ٥٩ شرحاً (تاماً أو ناقصاً) على صحيح البخاري، طُبع منها أحد عشر شرحاً. بالإضافة إلى ذلك، كتب ٢٩ شخصاً حواشي عليه، وستة عشر شخصاً كتبوا مقدمات له، وخمسة عشر شخصاً لخصوه.
ويعتقد الدكتور محمود الطحان أن «أول كتاب تم تأليفه في مجال تدوين وكتابة الحديث الصحيح فقط، دون أن تشوبه شائبة من ضعف وعيب ونقص وعلة وغيرها، هو كتاب صحيح البخاري، وبعده كتاب صحيح مسلم، وكلاهما يُعدان من أصح وأوثق الكتب بعد القرآن، والأمة الإسلامية مجمعة ومتفقة على قبولهما وتلقيهما بالرضا والتأييد». وهو في مقارنته بين الكتابين، يعتبر صحيح البخاري أصح الكتابين، حيث يتمتع بفوائد ونكات قيمة ومفيدة وفيرة، وذلك لأن اتصال أسانيد أحاديث البخاري أقوى وأكثر تأثيراً، ورجاله أوثق وأكثر اعتباراً. بالإضافة إلى ذلك، يوجد في صحيح البخاري استنباطات واستدلالات فقهية ونكات بليغة وحكم عميقة لا تُرى مثلها في صحيح مسلم (الطحان، ١٤٣١ق، ٤٨؛ وانظر أيضاً: صبحي صالح، ١٩٨٤م، ١٥٢).
5. أثر مبدأ صحة أحاديث «صحيح البخاري» في دلالة المصطلحات
كما أُشير سابقاً، قبل ابن الصلاح الشهرزوري تعريف الشافعي للحديث الشاذ، لكنه لم يرَ التعريفات المنقولة عن الآخرين، أي الحاكم النيسابوري وأبي يعلى الخليلي القزويني، خالية من الإشكال. ودليل كلامه في عدم صحة هذين التعريفين هو أنهما يشملان متفردات الراوي العادل الحافظ الضابط، وبناءً على ذلك، يجب تصنيف أحاديث مثل: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ» (البخاري، ١٤٠١ق، ١: ٢) و«أَنَّ رَسُولَ اللهِ (ص) دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ» (البخاري، ١٤٠١ق، ٢: ٢١٦ و٤: ٢٨ و٥: ٩٢ و٧: ٤٠) في زمرة الأحاديث الشاذة. وكما اعترف ابن الصلاح نفسه، فإن الأمر بشأن الحديث الأخير أوضح وأكثر جدية؛ لأن هذا الحديث تكرر في صحيح البخاري.
إن استناد ابن الصلاح واحتجاجه بعدم صحة تعريفي الحاكم النيسابوري وأبي يعلى الخليلي القزويني يكمن في أنه إذا تم قبول هذين التعريفين، وبسبب اشتمالهما على متفردات الراوي العادل الحافظ الضابط، يجب اعتبار أحاديث مثل «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ» و«أَنَّ النَّبِيَّ (ص) دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ» في جملة الأحاديث الشاذة. والتوضيح هو أن في التعريفين المذكورين، تم التصريح بمؤلفتي تفرد الراوي الثقة وتفرد الراوي على التوالي كعناصر لتعريف الحديث الشاذ، وهما مؤلفتان لو تم قبولهما فإنهما تشملان رواة سند حديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ». وعبارة ابن الصلاح في هذا الصدد هي كالتالي: «أقول: ما حكم به الشافعي من الشذوذ بأنه غير مقبول لا إشكال فيه، وأما ما نقلناه عن الآخرين في تعريف الشاذ ففيه إشكال؛ لأنه على سبيل المثال لا يمكن تسمية حديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ» الذي رواه راوٍ حافظ ضابط عادل ولكنه انفرد به في طبقة واحدة، بأنه غير معقول. فهذا الحديث لم يروه إلا محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عمر عن رسول الله بشرط الصحة عند أهل الحديث، والحديث يتفرد في ثلاثة رواة (عمر، وعلقمة، ومحمد بن إبراهيم). وكمثال لتوضيح وتبيين هذا الحديث، نأتي بحديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر: «أن النبي نهى عن بيع الولاء وهبته» الذي لم يروه إلا عبد الله بن دينار، أو حديث مالك عن الزهري عن أنس: «أن النبي دخل مكة وعلى رأسه مغفر» الذي لم يروه إلا مالك عن الزهري، وكل هذه الأحاديث منقولة في الصحيحين، وفي طبقة واحدة من السند يكون الحديث فرداً، وليس في الأحاديث الصحيحة الغريبة من هذا النوع قلة»[15] (ابن صلاح، ١٤١٦ق، ٦٢). يجب الانتباه إلى أن هذين الحديثين المذكورين ليسا المصداق الوحيد للحديث الشاذ في صحيح البخاري في حال قبول تعريفي الحاكم النيسابوري وأبي يعلى الخليلي القزويني، لأنه بناءً على رأي العلماء والمحققين من أهل السنة، توجد مصاديق متعددة لمتفردات الراوي الثقة في صحيح البخاري. وكما أشار ابن الصلاح الشهرزوري نفسه، ليس فقط إلى هذا الواقع، بل أظهر وجود حالات مشابهة في صحيح مسلم أيضاً (نفسه، ٦٢-٦٣).
من ناحية أخرى، بناءً على تعريف الحديث الصحيح الذي يؤكد على شرط «انتفاء الشذوذ»، تخرج هذه الأحاديث من دائرة الأحاديث الصحيحة، وبالتالي فإن صحيح البخاري، خلافاً لادعاء مؤلفه وهدفه من تأليف الكتاب، لن يكون مشتملاً على أحاديث غير صحيحة فحسب، بل سيجد فيه طريقه أحاديث ضعيفة ومردودة أيضاً[16]؛ لأنه بناءً على رأي العلماء وعلماء الدراية، فإن كون الحديث شاذاً هو أحد أنواع الأحاديث الضعيفة والمردودة (غير المقبولة)[17]. كل هذا يؤدي إلى معارضة وجود عنصر تفرد الراوي أو الراوي الثقة في تعريف الحديث الشاذ. وبهذا، فإن الحكم بشأن التعريفات الموجودة للحديث الشاذ قبل ابن الصلاح قد تأثر بنتائج تلك التعريفات. ولما كان تعريف الشافعي للحديث الشاذ، خلافاً للتعريفين الآخرين، لا يستتبع نتائج وتبعات فاسدة، فقد حظي بقبول ابن الصلاح والعلماء بعده.
وينبغي إضافة هذه النقطة أيضاً، أن بعض العلماء وعلماء الدراية بعد ابن الصلاح الشهرزوري، قد حاولوا رفع أي التباس من خلال إظهار أن الحكم بتفرد حديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ» غير صواب. من بينهم يمكن ذكر أبي عبد الله علاء الدين مُغلطاي (ت ٧٦٢ هـ). فهو في كتابه الذي ألفه بهدف إصلاح أخطاء ابن الصلاح الشهرزوري، والذي عكس ذلك في عنوان الكتاب أيضاً، أي «إصلاح كتاب ابن الصلاح»، يعتقد أن ابن الصلاح قد أخطأ في حكمه بتفرد الحديث المذكور؛ إذ إن عمر بن الخطاب لم يتفرد في نقله عن النبي (ص). وقد ذكر أسماء صحابة آخرين رووا هذا الحديث عن النبي (ص) وهم كالتالي: أبو سعيد الخدري، علي بن أبي طالب، سعد بن أبي وقاص، عبد الله بن مسعود، عبد الله بن عمر، أنس بن مالك، عبد الله بن عباس، معاوية بن أبي سفيان، أبو هريرة، عبادة بن صامت، عتبة بن عبد، هزال بن يزيد، عقبة بن عامر، أبو ذر الغفاري، جابر بن عبد الله الأنصاري، عتبة بن نُدر، عتبة بن مسلم (مغلطاي، ١٤٢٨ق، ٢٣٠-٢٣٨).
الرد على كلام مغلطاي هذا هو أن متن الحديث في روايات الصحابة المذكورين يختلف عن متن رواية عمر بن الخطاب. على سبيل المثال، روى أبو سعيد الخدري كلام النبي بعبارة «الأعمال بالنية» (انظر: الدارقطني، ١٤١٧ق، ١: ٤٦-٤٧، ح ١٢٨). وقد سعى أبو حفص عمر بن رسلان البلقيني (ت ٨٠٥ هـ)، مع تأكيده على هذه النقطة ورد رأي مغلطاي في عدم تفرد حديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ»، إلى الإجابة على مشكلة اشتمال تعريف الحاكم النيسابوري على هذا الحديث بطريقة أخرى. وتتمثل محاولته في تقديم تفسير لتعريف الحاكم النيسابوري للحديث الشاذ بحيث لا ينطبق على حديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ». فبناءً على تفسيره، كان مقصود الحاكم النيسابوري من الانفراد في ذلك التعريف هو «المخالفة للشواهد أو القواعد»، وهو مفهوم غير موجود في خصوص حديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ».
إضافة إلى ذلك، يعتقد أن مقصود الحاكم النيسابوري وأبي يعلى الخليلي القزويني من ذكر الراوي الثقة هو دون اعتبار شرط «الحفظ». ومن هنا، لن يواجه تعريفهما مشكلة مع الحديث المذكور؛ لأنه كما مر، تفرد الراوي العادل الحافظ الضابط بنقله، بينما خاصيتا «الحفظ» و«الضبط» زائدتان على خصوصية «الوثاقة»، وقد تحدثا هما بشكل مطلق عن الخصوصية الأخيرة فقط. ومن هنا، فإن حديث الراوي الثقة الحافظ المتفرد لن يكون مصداقاً لتعريفهما (البلقيني، بلا تا، ٢٣٨-٢٤١)[18].
بشأن كلام مغلطاي هذا، يجب القول أولاً إن التفسير الذي قدمه لمعنى الانفراد في تعريف الحاكم النيسابوري وعبّر عنه بـ«المخالفة للشواهد أو القواعد» لا يمكن استنباطه من كلام الحاكم النيسابوري. ولهذا الغرض، ننقل عين عبارة الحاكم النيسابوري: «فَأَمَّا الشَّاذَّ فَإِنَّهُ حَدِيثٌ يَتَفَرَّدُ بِهِ ثِقَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ وَلَيْسَ لِلْحَدِيثِ أَصْلٌ مُتَابِعٌ لِذَلِكَ الثِّقَةِ». ثانياً، إن توجيهه بأن عبارة الحاكم النيسابوري تشمل فقط متفردات الراوي الثقة، وليس متفردات الراوي الثقة الحافظ الضابط، غير مقبول أيضاً؛ لأنه بناءً على العلاقة المنطقية السائدة بين «متفردات الراوي الثقة» و«متفردات الراوي الثقة الحافظ الضابط»، فإن الحكم بشذوذ «متفردات الراوي الثقة» يشمل الآخر أيضاً.
6. الاستنتاج
١- إن المكانة الخاصة للصحيحين، وخاصة صحيح البخاري، بين أهل السنة، في الفكر الديني بشكل عام والدراسات الحديثية بشكل خاص، واضحة وغير قابلة للإنكار. وهيمنة هذا الكتاب تمتد حتى إلى معنى ومفهوم المصطلحات الحديثية. ودراسة نموذج الحديث الشاذ، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحديث الصحيح في الفكر الحديثي لأهل السنة، تكشف بوضوح عن الظل الذي ألقاه هذا الكتاب على قبول أحد المعاني الثلاثة له.
٢- بناءً على تعريف العلماء وعلماء الدراية قديماً وحديثاً من أهل السنة، من بين شروط الحديث الصحيح، عدم اشتماله على «الشذوذ»؛ إذ إن «الشذوذ» يوجب ضعف الحديث ورده. فإذا كان الحديث مشتملاً على «الشذوذ» سُمي «الحديث الشاذ». وما يكتسب أهمية هنا هو تعريفهم لـ«الشذوذ» و«الحديث الشاذ». وتتبع المصادر التاريخية ذات الصلة يكشف عن وجود ثلاثة تعريفات بين علماء أهل السنة. وهذه التعريفات الثلاثة قُدمت تاريخياً بالترتيب من الشافعي، والحاكم النيسابوري، وأبي يعلى الخليلي القزويني. والعنصر الفاعل في معنى الحديث الشاذ من وجهة نظر الشافعي هو «مخالفة حديث الراوي الثقة لحديث الثقات»، بينما في التعريفين الآخرين تم التأكيد على «تفرد الراوي الثقة» و«تفرد الراوي» على التوالي.
٣- في القرن السابع الهجري، قام ابن الصلاح الشهرزوري في كتابه في علم الدراية، بتقديم هذه التعريفات الثلاثة في معنى مصطلح «الحديث الشاذ»، وفي حكمه، رجّح تعريف الشافعي. وكان هذا الحكم موجهاً تماماً بكتاب صحيح البخاري ومبنياً على النتائج المترتبة على التعريفات الثلاثة فيما يتعلق بروايات هذا الكتاب. فهو يعتقد أنه في حال صحة تعريفي الحاكم النيسابوري وأبي يعلى الخليلي القزويني، فإن قسماً من أحاديث صحيح البخاري مثل «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ» و«أَنَّ النَّبِيَّ (ص) دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ» ستكون من مصاديق الحديث الشاذ؛ إذ إن هذه الأحاديث هي من متفردات عمر بن الخطاب وأنس بن مالك على التوالي.
٤- إن إدراج هذه الأحاديث في زمرة الأحاديث الشاذة يتناقض مع هدف البخاري في تأليف كتابه وادعائه اشتمال الكتاب على الأحاديث الصحيحة فقط، ومع المكانة الخاصة لهذا الكتاب بين أهل السنة. ومن هنا، فإن أفضل حل في هذا الصدد هو قبول تعريف الشافعي ورفض التعريفين الآخرين؛ لأنه بناءً على التعريف الذي قدمه الشافعي، لن يكون هذان الحديثان شاذين بسبب عدم وجود مخالفة من أحاديث الثقات. وتتبع تعريف الحديث الشاذ في المصادر بعد ابن الصلاح يكشف عن قبول رأيه وتفوق تعريف الشافعي على التعريفين الآخرين.
الهوامش
1. ورد في تعريف مصطلح «الحديث»: «كَلامٌ يَحْكي قَوْلَ الْمَعْصُومِ أو فِعْلَه أو تقريره». للمثال، انظر: البهائي، ١٤٢٤هـ، ٥٣٤؛ الصدر، بلا تا، ٨٠.
2. «ما رَواهُ الْمَقْبُولُ مُخالِفاً لِمَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ». صبحي صالح، ١٩٨٤م، ١٩٦؛ الطحان، ١٤٣١ق، ١٢٣.
3. الراوي المشروط في الحديث الصحيح، انظر: الطحان، ١٤٣١ق، ٤٤.
4. الراوي المشروط في الحديث الحسن، انظر: الطحان، ١٤٣١ق، ٥٧-٥٨.
5. هو يستخدم مصطلح «خبر واحد» بعنوان «الخبر الخاص». في هذا الصدد انظر: العوني، ١٤١٦ق، ١٣١.
6. بناءً على رواية الخطيب البغدادي (١٤٠٥ق، ١٧١)، اعتبر أبو علي صالح بن محمد الحديث الشاذ هو نفسه الحديث المنكر الذي لا يعرف؛ «الحديث الشاذ الحديث المنكر الذي لا يعرف». وبناءً على هذا المعنى، يكون الحديث الشاذ عبارة عن «حديث مفرد مردود»؛ إذ إن عبارة «الذي لا يعرف» في هذا التعريف تدل على معنى الحديث المفرد، وعبارة «المنكر» تدل على كونه مردوداً. ولكن يجب الانتباه إلى أنهم اعتبروا الحديث المنكر تفرد راوٍ ضعيف، خلافاً للحديث الشاذ الذي هو تفرد راوٍ ثقة. في هذا الصدد انظر: ابن الصلاح، ١٤١٦ق، ٦١-٦٥.
7. مع أن عبارته «روايَةُ الثَّقَةِ ما لَمْ يَرْوِهِ الثَّقَاتُ» تختلف عن المعنى الذي قدمه الحاكم النيسابوري، إلا أنها تفيد نفس المعنى.
8. هو أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري (١١٣-١٨٢هـ) المشهور بالقاضي أبي يوسف من أبرز تلاميذ أبي حنيفة.
9. يبدو أن مقصوده هو الحديث الذي رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (بلا تا، ١٩: ١٨٦).
10. في تتمة المقال سنتحدث عن هذا الموضوع بالتفصيل.
11. للاطلاع على تعاريف الحديث الصحيح قبل ابن الصلاح، على سبيل المثال: «فَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ [أهل الحديث] مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ وَعُدِّلَتْ نَقَلَتُهُ» (الخطابي، ١٣٥١ق، ١: ٦)، و«وَصِفَةُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحَابِيٌّ زَائِلٌ عَنْهُ اسْمُ الْجَهَالَةِ وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ تَابِعِيَّانِ عَدْلَانِ ثُمَّ يَتَدَاوَلُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ بِالْقَبُولِ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ» (الحاكم النيسابوري، ١٤٠٠ق، ٦٢).
12. من الجدير بالذكر أن مثل هذا الاختلاف بين الشيعة وأهل السنة يقتصر على التعريف الاصطلاحي للحديث الصحيح؛ إذ إنه في مقام العمل، قد يقبل علماء الشيعة أحاديث شاذة ومعللة لا يقبلها أهل السنة (الشهيد الثاني، ١٤٢٣ق، ٦٧).
13. من الجدير بالذكر أنه يشترط لاتصال السند إثبات الملاقاة بين الراوي والمروي عنه.
14. نُقل عن الشافعي أيضاً أنه كان يعتبر كتاب «الموطأ» لمالك بن أنس أصح الكتب (ابن الصلاح، ١٤١٦ق، ٢٠؛ ابن حجر العسقلاني، ١٤٠٨ق، ٨؛ همو، ١٤٠٥ق، ٥: ٤٢٤). ورغم ذلك، فقد برر ابن الصلاح الشهرزوري هذا القول للشافعي بأنه «على وجه الأرض كتاب في العلم [الحديث] أصح من كتاب مالك» بأنه قال هذا الكلام عندما لم يكن هناك خبر عن صحيح البخاري وصحيح مسلم. ابن الصلاح، ١٤١٦ق، ٢٠. وقد كرر ابن حجر العسقلاني نفس الكلام (انظر: ابن حجر العسقلاني، ١٤٠٨ق، ٨؛ همو، ١٤٠٥ق، ٥: ٤٢٤).
15. أضاف السيوطي نماذج أخرى أيضاً تندرج ضمن الأحاديث الشاذة بناءً على تعريفي الحاكم النيسابوري والخليلي القزويني (السيوطي، ١٤١٥ق، ١: ٢٦٩).
16. خصص الفصل الرابع من كتابه للحديث الضعيف وأقسامه (ص ١٦٥-٢١٤) ومنها الحديث الشاذ (ص ١٩٦).
17. بحث الدكتور محمود الطحان في إصلاح الحديث الشاذ في القسم الثاني من كتابه (ص ٧٦-١٥٥) الذي خصصه للأحاديث المردودة تحت عنوان «المطلب الثاني: الخبر المردود» (انظر: الطحان، ١٤٣١ق، ١٢٣).
18. هو بعد دراسة ادعاء مغلطاي في نقل حديث «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» عن صحابة غير عمر، استنتج ما يلي: «فَظَهَرَ أَنَّهُ – أَي الحديث – لَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ إِلَّا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ عُمَرَ، عَلَى الصَّحِيحِ» (البلقيني، بلا تا، ٢٣٩).