مدخل إلى لغة الحديث: دراسة تحليلية لتضمين المعلومات في عملية نقل الحديث

الملخص

تُعدّ لغة النص وأهميتها ودورها في نقد النصوص وفهمها وتقييمها من المباحث المهمة في الدراسات النصية المعاصرة. ومن المباحث التمهيدية في هذا المجال، كيفية دراسة لغة النص. يقترح هذا المقال منهجاً لدراسة لغة النص مبنياً على إشكالية تضمين المعلومات في عملية نقل الكلام أو الرواية التاريخية، وذلك من أجل فهم لغة الأحاديث. وبناءً على ذلك، يبدأ المقال بالتمييز بين دراسات لغة الحديث ذات المنهج الكلامي والمنهج اللساني، وفي المنهج اللساني يتناول دراسة المعلومات الضمنية بوصفها شأناً أدبياً ثم شأناً لغوياً. وفي الخطوة التالية، يشير إلى أهم العوامل المؤدية إلى نشوء المعلومات الضمنية من منظور لغوي، ويسعى لإظهار ورود هذه السمة في نصوص الروايات، وبيان أن كثرة المعلومات الضمنية هي إحدى مكونات لغة الحديث. ويوضح هذا البحث أنه من خلال تطبيق مباحث اللسانيات في الدراسات الحديثية، يمكن فتح آفاق جديدة في مجال بحوث الحديث.

١. طرح الإشكالية

تقتحم الدراسات اللغوية اليوم ساحات جديدة وتوسع من دائرة أبحاثها. ومن بين المجالات التي أحدثت فيها دراسات اللسانيات الحديثة تحولاً، دراسات علم النص. فقد قدمت اللسانيات اليوم عشرات المناهج لدراسة النصوص، مثل تحليل الخطاب، وعلم المعنى-السيميائيات، والتحليل البنيوي للنصوص، ونقد النص، وغيرها، وفتحت آفاقاً جديدة في مجال دراسة النصوص. ومن بين هذه المناهج الحديثة، منهج «لغة النص». وليس المقصود بلغة النص الأنظمة العلاماتية والتعاقدية اللغوية كاللغة العربية أو الإنجليزية أو الفارسية أو غيرها، بل هي معنية بالخصائص البيانية لنص ما. والخطوة الأولى في مثل هذا البحث هي أن نرى كيف يمكن تحديد لغة النص. في هذا المقال، تمت دراسة تضمين المعلومات في عملية نقل الروايات كأحد مكونات لغة الروايات. ومن البديهي أن هذا المقال لا يتناول سائر مكونات لغة الروايات التي لها دور في فهمها وتزيد من وعي القارئ بمراد المتكلم. إن البحث عن سابقة لهذه الدراسة في مجال لغة الروايات يكشف عن ندرة الكتابات في هذا الحقل وقلتها. فالكتابات القليلة مثل «الدراسة المقارنة لأوجه الاختلاف بين لغة القرآن ولغة الحديث، مع التركيز على اللسانيات» قد تطرقت إلى مباحث مثل كون لغة الروايات لغة عرفية عامة، وكون الأحاديث قطعية الدلالة، أو موضوع النقل بالمعنى في الأحاديث، ولم تشر إطلاقاً إلى موضوع تضمين المعلومات في الروايات (انظر: درزي، ١٣٩٠ش، في كل أثر). والجدير بالذكر أن طرح مثل هذه المباحث قد اقتُرح سابقاً (زارع زرديني، ١٣٩٢ش، في كل أثر). يتناول هذا البحث كليات حول ماهية اللغة ولغة الأحاديث. وفي القسم التالي، يتناول دراسة المعلومات الضمنية من بعدين أدبي ولغوي، وفي القسم الذي يليه يقدم نماذج لإثبات وجود هذه السمة في الروايات، ويشير إلى الإشكاليات التي تثيرها هذه الظاهرة في الأحاديث. [1]

٢. المباني النظرية للبحث

٢-١. أهمية ودور عنصر اللغة في بيان الحديث

لتحديد المقصود باللغة في هذا البحث، لا بد من التمييز بين مسألتي «الكفاءة اللغوية» [2] و«الأداء اللغوي» [3]. لا تنعكس المعرفة اللغوية دائماً بدقة من قبل مستخدمها، ولهذا السبب يفضل اللسانيون التمييز بين الكفاءة والأداء. الكفاءة اللغوية هي المعرفة اللاواعية لدى المتكلمين بلغة ما حول أصواتها ومعانيها ونحوها. أما الأداء اللغوي فهو السلوك اللغوي الفعلي، أي استخدام اللغة في الحياة اليومية. إن إيجاد تمييز بين الكفاءة والأداء أمر مهم لأنه يكشف عن اختلاف جوهري بين فهم اللساني لدراسة اللغة وفهم علماء التربية في علم النفس، وعلم الاجتماع، وتدريس اللغات الأجنبية، والفروع المماثلة للغة. تهتم اللسانيات في المقام الأول بالكفاءة اللغوية، أي بمجموعة المعرفة التي تحقق الأداء اللغوي. بينما يهتم علماء الفروع الأخرى عادة بالأداء اللغوي، أي باستخدام اللغة. وكل حالة من حالات الأداء اللغوي تستلزم بالطبع امتلاك معرفة لغوية من جانب المتكلم أو المستمع. ولكن الأداء اللغوي يشمل عوامل غير لغوية أيضاً؛ فصحة الشخص الجسدية، وحالته العاطفية، وذاكرته، ومجال انتباهه، والموضوع، وسياق الموقف، كلها عوامل تؤثر، إلى جانب العديد من العوامل الأخرى، في استخدام الشخص للغة. واستناداً إلى هذا التمييز بين الكفاءة والأداء، طرح سوسير التمييز الشهير بين اللغة (Langue) والكلام (Parole) [4]. فاللغة من وجهة نظره هي نظام من القواعد والاتفاقيات الموجودة مسبقاً والمستقلة عن الأفراد. أما الكلام فهو طريقة استخدام هذه المعرفة في كل حالة معينة. وهذا التمييز في أنظمة العلامات غير اللغوية يظهر عموماً بين النظام والاستخدام، وبين البنية والواقع، أو بين الشفرة والرسالة. بعبارة أخرى، الكفاءة اللغوية هي المعرفة اللغوية للمتكلم والمستمع، والأداء اللغوي يعني الاستخدام العملي للغة في المواقف الملموسة (فالك، ١٣٧٧ش، ٣٢؛ چندلر، ١٣٨٧ش، ٣٤؛ ضرابيها، ١٣٨٤ش، ٢٩). يتناول هذا البحث مسألة «الأداء اللغوي» في مجال تكوين الروايات التاريخية أو إنتاج الرواية.

٢-٢. لغة الأحاديث

مع توسع مباحث الهرمنيوطيقا وضرورة فهم النص وتفسيره، أصبح موضوع لغة النص محط اهتمام المفكرين في هذا المجال أيضاً. من هذا المنطلق، فإن فهم النص يتطلب معرفة النظام اللغوي وتحليله (جمشيديها، ١٣٨٧ش، في كل أثر)؛ ومن ناحية أخرى، يعد الاهتمام بـ «لغة النص» اليوم من المسائل المهمة في دراسات علم النص. وقد كان هذا التوجه في توسع مستمر، ويرون أن فهم أي نص يتطلب معرفة لغته (ساماران، دون تاريخ، ١٣٢-١٣٦). وقد وصل هذا التوجه إلى ميدان الدراسات الدينية، وأدى في العالم الإسلامي أيضاً إلى ظهور مباحث جديدة في دراسات الدين. على سبيل المثال، نشهد كتابات في باب «لغة القرآن». وقد طُرحت هذه المسألة حول الأحاديث أيضاً، وظهور مقرر دراسي في مرحلة الدكتوراه في علوم ومعارف نهج البلاغة بعنوان «لغة نهج البلاغة» دليل على هذا المسار. ولكن، على الرغم من أن الكتب والدراسات المنجزة في مجال لغة القرآن أكثر من تلك المتعلقة بالحديث، فإننا في كلا المجالين ما زلنا في بداية الطريق. وضعفنا في دراسة لغة الروايات أكثر وضوحاً. وفي تعبيرات علماء الدين، يُشار أحياناً إلى عنوان لغة الروايات بتعبير «لسان الروايات» أو «لسان الأحاديث». [5]

٢-٢-١. نظرة فلسفية وكلامية جديدة إلى لغة الأحاديث

بما أن روايات قادة الدين تُعد جزءاً من المجموعة الكلية للدين، يمكن من هذه الزاوية دراسة لغة الحديث، وطرح مباحث من قبيل: هل لغة الدين حقيقية أم اعتبارية؟ وبأي نحو يمكن الحديث عن الله، والقيامة، وعالم الذر، والروح، وبشكل عام عن المباحث الميتافيزيقية وما وراء الحس؟ لقد خصص هذا النوع من الأبحاث حيزاً واسعاً من الأدبيات العلمية لهذا الموضوع في إيران المعاصرة، والتوجه الغالب في هذه الأبحاث هو نظرة فلسفية وكلامية جديدة إلى لغة الروايات، ويمكن أن تشمل الأنواع التالية:

٢-٢-١-١. دراسة لغة الروايات من حيث المعنى

في مباحث اللسانيات، يُطرح هذا السؤال: هل الكلام له معنى أم لا؟ وما هو معيار كون الكلام ذا معنى أو عديم المعنى؟ وهل المعنى دائماً هو ما يُستفاد من الألفاظ والدلالات اللفظية؟ وعلى فرض كونه ذا معنى، هل معنى ذلك الكلام متاح للجميع أم لا؟ ينشأ هذا السؤال من أن بعض العلماء الغربيين اعتبروا القضايا الدينية عديمة المعنى. وقد تصورت هذه المجموعة أن المعنى مرادف للقابلية للفهم التجريبي، وبما أن مضمون جزء من القضايا الدينية هو مباحث ميتافيزيقية وخارجة عن نطاق المعرفة التجريبية، فقد وصموها بعدم المعنى. أما المجموعة الأخرى التي اعتبرت القضايا الدينية ذات معنى، فقد حصرتها في معنى خاص، وأخرجت بيان الواقع ووصف الحقائق من نطاق القضايا الدينية. ومن البديهي أن نطاق هذه المباحث يمتد حتماً إلى لغة الروايات أيضاً؛ لأن روايات المعصومين (ع) تشكل جزءاً كبيراً من القضايا الدينية.

٢-٢-١-٢. دراسة لغة الروايات من حيث الوظيفة

عندما يتكلم المتحدث، فإنه يتبع هدفاً يعبر عن وظيفة كلامه. في بعض الحالات، يكون هدف المتحدث هو وصف وشرح حقيقة ما. وهنا يسعى إلى التواصل مع مخاطبه بأبسط الكلمات ودون زخارف أدبية أو غموض نحوي، ونقل تلك الحقيقة إليه بشفافية تامة. وأحياناً يكون هدفه إثارة وتحفيز المخاطب للقيام بعمل ما أو الامتناع عن فعل. وهنا لا يكون وصف الواقع أمراً ضرورياً، ويكفي أن يؤدي كلام المتحدث إلى تحفيز وإقناع المخاطب بالقيام بعمل ما. وأحياناً يكون هدفه التعبير عن شعوره الداخلي، كما أن الأدباء والشعراء عند الحديث يجيزون أي نوع من المبالغة في الموضوع؛ لأنهم يعتبرونها مرنة للتعبير عن مشاعرهم الداخلية. ويمكن أن يكون أحد أنواع دراسة لغة الروايات موجهاً نحو هذه المسألة: هل توجد مثل هذه التوجهات في لغة الروايات أم لا؟

٢-٢-١-٣. دراسة الحديث من حيث الإسهام المعرفي

هل القضايا الدينية في قالب الروايات تؤدي إلى المعرفة والإدراك؟ توضيح ذلك أن المعرفة والإدراك ينقسمان إلى ثلاثة أنواع: المعرفة الحسية (التجريبية)، والمعرفة العقلية (الفلسفية)، والمعرفة الكشفية (الإلهامية). وقد أضاف البعض نوعاً رابعاً من المعرفة وهو المعرفة الوحيانية إلى أقسام المعرفة. لكن مجموعة من الفلاسفة الغربيين رفضوا هذا النوع من المعرفة لعدم توفرها للجميع، ورفضوا القضايا التي أعلنها الأنبياء كوحي إما كلياً أو أرجعوها إلى أحد الأنواع الثلاثة السابقة. والآن يمكن طرح هذا السؤال: أي نوع من المعرفة تقدمه الروايات الإسلامية، وإلى أي مدى تكون المعرفة التي يحصل عليها المخاطب من هذه الروايات موثوقة؟

٢-٢-٢. نظرة لسانية إلى لغة الأحاديث

في هذا النمط من البحث، يُسعى إلى دراسة لغة النص من منظور علم النص، وتناولها من زاوية كيفية استخدام اللغة في هذا المجال. فإذا تناولنا دراسة لغة الروايات بهذه النظرة، يمكن تحديد ومتابعة المجالات التالية:

٢-٢-٢-١. دراسة لغة الحديث بالنظر إلى أنواعه

للروايات أنواع وأشكال مختلفة؛ على سبيل المثال: الخطب، والرسائل، والزيارات، والأدعية، والأمثال، والكلمات القصار، وكتب العهود، وتقارير الرواة، وغيرها. هذه الأشكال المختلفة مصحوبة بموضوعات متنوعة مثل السياسية، والاعتقادية، والأخلاقية، والفقهية، والحقوقية، وغيرها. وكل من هذه الأشكال أو الموضوعات له لغته الخاصة. فمن البديهي أن لغة الروايات الفقهية تختلف عن الأحاديث الأخلاقية والاعتقادية، وخصائص الأدعية اللغوية والبيانية تختلف عن الخطب. وهذا أحد أبعاد دراسة مسألة لغة الروايات. ومن ناحية أخرى، نظراً لأن العديد من هذه الأنواع من الكلام معروفة بين عامة الناس، فإن دراسة لغتها واختلافها عن الكلام المماثل لها يفتح مجالاً آخر للبحث. على سبيل المثال، ما هو الفرق بين لغة خطب الإمام علي (ع) ولغة خطب بلغاء العرب الآخرين، وما هي مكونات لغة خطب الإمام؟ وغيرها.

٢-٢-٢-٢. دراسة معنى المفردات في لغة الأحاديث

من أصول اللسانيات التحولات التي تحدث في مجال الألفاظ والمعاني في اللغة. ومن ناحية أخرى، قد يكون معنى الألفاظ في قاموس اللغة شيئاً، ولكن في بيان ولغة فرد أو طبقة ما تُستخدم بمعنى آخر. وكل هذا يوضح ضرورة الاهتمام بمعنى المفردات في لسان الروايات. على سبيل المثال، في أحاديث المعصومين، استُخدمت كلمة الصدقة أو الصدقة الجارية للإشارة إلى الوقف.

٢-٢-٢-٣. الدراسة التاريخية للغة الأحاديث

من مجالات البحث في لغة الرواية دراسة المفردات والبنى والقوالب البيانية للروايات من منظور تاريخي. تساعدنا هذه المجموعة من الدراسات كثيراً في تأريخ الروايات، أي عندما تُدرس لغة رواية ما من الناحية التاريخية، يمكن تشخيص قدم النص بشكل أفضل.

٢-٢-٢-٤. الدراسة النسخية للغة الحديث

معظم الروايات لها عدة نسخ، والنسخ تختلف عن بعضها في المفردات، والجمل، والشكل، وقالب البيان. بعبارة أخرى، قد ترد كلمة واحدة في الروايات بعدة ألفاظ، أو يوجد جزء في نسخة ما ليس موجوداً في نسخة أخرى، أو تُضاف تفسيرات إلى النص، … وكلها يمكن أن تفتح أبواباً لمزيد من الدراسة للغة الرواية.

٢-٢-٢-٥. لغة الأحاديث في ضوء ظاهرة النقل بالمعنى

من المسائل المهمة جداً في دراسة لغة الروايات، النقل بالمعنى، الذي يجب دراسة آثاره وتبعاته بدقة وعناية خاصة من منظور لغوي. على سبيل المثال، قد ينكر باحث ما، بسبب اللسانيات التاريخية واستخدام مفردات لم تكن مستعملة في القرن الأول، صدور بعض الأدعية أو الخطب و… من أحد قادة الدين. ولكن هذه المسألة قابلة للدراسة من حيث ظاهرة النقل بالمعنى في لغة الرواية. ربما يمكن القول إن ظاهرة النقل بالمعنى كانت تتم بطريقة خاصة فيما يتعلق بتلك النصوص التي كانت ذات طابع أدبي، وهو ما يسمى اليوم بإعادة إنتاج النص. في هذه الطريقة، يُسعى إلى تحديث المحتوى والمطالب مع الحفاظ على الجانب الأدبي والفني للأثر. [6]

٢-٢-٢-٦. البحث في كون لغة الحديث شفهية أو مكتوبة

بمعنى، إلى أي مدى تتمتع نصوص الحديث بخصائص اللغة الشفهية، وبتعبير آخر، لها طابع حواري، وإلى أي مدى تتمتع بخصائص اللغة المكتوبة، ولها طابع كتابي.

٢-٢-٢-٧. البحث في مستويات المعنى في طبقات المعرفة الحديثية

يبدو أن الأحاديث، من حيث مستويات المعنى وطبقات المعرفة، لها طيف واسع. بعضها سطحي وله مفاهيم عرفية عامة ولغة حوارية وأمور يومية، مثل الأحاديث الفقهية مع التركيز على المعاملات، وبعضها له بيان أسمى ولغة أعمق، مثل لغة الأحاديث السياسية كالخطب والرسائل، وبعضها له مفاهيم صعبة الفهم وعسيرة المنال، مثل الأحاديث الواردة في شأن الأئمة، كالزيارات الجامعة الكبيرة، أو تلك التي ترتبط بنوع ما بالعلوم الغريبة، أو لها نظرة عميقة ودقيقة إلى مكانة ومنزلة الأئمة، وأحياناً تُعرف بالأحاديث الغالية. للأحاديث أسلوب خاص، ولها منهجية فهم خاصة بها أيضاً. وأحياناً يُشار إلى هذه الفئة من الأحاديث في التراث الروائي بتعبير «صعب مستصعب».

٢-٢-٢-٨. دراسة الخصائص اللغوية للحديث في مرحلة تكوينه

إن دراسة سياقات ظهور كلام ما وارتباطه بمجموعة الخصائص المؤثرة عليه له دور مهم في فهم ودراسة لغة الأحاديث. وفي هذا السياق، يمكن طرح ودراسة مسائل متنوعة، على سبيل المثال، ما هي المكانة والدور الذي تلعبه «اللهجات الإقليمية»، و«اللهجات الاجتماعية»، و«اللغة العامية»، و«الإيماءات ولغة الإشارة» في رواية الأخبار وتكوين تقرير تاريخي أو إنتاج نص وسند حديث؟ من بين خصائص كل لغة، مقدار المعلومات الضمنية التي تُنقل أثناء إنتاج نص ما. بعبارة أخرى، عند إنتاج نص ما، قد يكون تقريراً تاريخياً، أو رواية، أو قصة، أو اعتراضاً، و…، لا يقوم الراوي أو منتج النص بتعريف كل شيء بالتفصيل، بل ينقل بعض المعلومات بشكل ضمني. في هذا المقال، تُدرس عملية إنتاج الرواية على أساس المعلومات الضمنية.

٣. المعلومات الضمنية كعنصر في لغة الحديث

لقد سعى الباحثون اللغويون دائماً إلى التمييز بين نشوء المعلومات الضمنية (لارسون، ١٣٨٨ش، ٣٥٢-٣٥٤) كصنعة أدبية وبين ظهور المعلومات الضمنية كظاهرة لغوية شائعة، ودراسة كل منهما في مكانه وبالطرق المناسبة له. ولهذا السبب، تم تناول إحداها في традиция الدراسات الأدبية تحت عنوان صناعة الإيجاز، وتناول اللسانيون التوجه الآخر كخاصية لغوية. الفرق بين هذين الأسلوبين من الدراسة هو أنه عندما يقوم كاتب أو شاعر، بالنظر إلى أهداف بلاغية وغيرها، بالإيجاز في الكلام عمداً ويسعى إلى القيام بذلك بأجمل وأفضل صورة ممكنة، فإنه يقوم بعمل أدبي ويُذكر ذلك في الأدب. ولكن عندما يستخدم الناس هذا البيان بشكل طبيعي، فإنه يُدرس في اللسانيات. وفي بيان نوع العلاقة بين اللسانيات والأدب، يمكن القول إن اللغة هي أداة أو مادة الأدب. تماماً كما أن الرخام أو البرونز أو الفخار هي مواد فن النحت (سابير، ١٣٧٦ش، ٣٠٨).

٣-١. دراسة المعلومات الضمنية في التقاليد الأدبية (صناعة الإيجاز)

٣-١-١. مدخل

في الأوساط الأدبية، تُدرس مسألة المعلومات الضمنية في صناعة الإيجاز. الإيجاز في الكلام هو أن تكون الألفاظ، مع الوضوح والإبانة، أقل من المعاني؛ بعبارة أخرى، هو تقليل الألفاظ دون أن يخل ذلك بالمعنى، بشرط أن يكون مناسباً للحال والمقام، ومتوافقاً مع استعداد المخاطب، وألا يلحق ضرراً بأركان الكلام، ويبقى وضوحه محفوظاً؛ لأنه إذا كانت قلة اللفظ أكثر من المطلوب، وأوقعت المستمع في مشكلة في فهم المضمون، وأدت إلى خلل في المعنى وإبهام وتعقيد، سُمي الإيجاز «مُخِلاً» أو «مردوداً» ويُعبر عنه بـ«التقصير»، ويكون مثل هذا الكلام معيباً وغير بليغ؛ أما الإيجاز الذي لا يخل بالمقصود، فله قيمة بلاغية ويُسمى في الاصطلاح الإيجاز «المقبول». يُقسم الإيجاز إلى قسمين: الحذف وغير الحذف (القصر). وبالطبع، لا يوجد إجماع في هذه المسألة أيضاً، والبعض يعتبر الإيجاز غير الحذف بلاغياً وفي التقاليد الأدبية، ولا يدرسون إيجاز الحذف إلى جانبه. يجب القول إنه في كلا نوعي الإيجاز، يكون النطاق الدلالي أوسع من المفردات. في إيجاز القصر، يُذكر الكلام ببنية نحوية كاملة ودون أي حذف، ولكن في إيجاز الحذف، يُسقط جزء من البنية النحوية للكلام بالاعتماد على قرينة لفظية أو معنوية (هاشمي، دون تاريخ، ١٧٦-١٨١).

٣-١-٢. دراسة لغة الحديث على أساس العنصر الأدبي للإيجاز

الإيجاز كصناعة أدبية جميل ومهم جداً. فيما يتعلق بدور ومكانة هذا الأسلوب من الدراسة حول لغة الروايات، يمكن القول إنه من جهة يمكن تقسيم الروايات إلى فئتين: الأولى، الروايات ذات الأسلوب واللغة الأدبية التي أُنشئت بطريقة أدبية، وبالتالي فإن نسبة النقل بالمعنى فيها أقل، مثل: الخطب، والرسائل، والأدعية، و… الثانية، الروايات التي هي تقارير تاريخية نقلها الرواة. على هذا الأساس، يمكن تطبيق هذا النوع من الدراسة على روايات الفئة الأولى. على سبيل المثال؛ دراسة وتحليل «خطب» المعصومين (ع) وكذلك «الأدعية» الواردة عنهم من حيث صناعة الإيجاز. من المؤكد أن الاهتمام بتحليل الخطب والرسائل والأدعية وحتى الزيارات المنقولة عن أهل البيت من هذه الزاوية يمكن أن يكون مفيداً جداً وكاشفاً في تعريف الجماليات اللفظية والمعنوية لكلام المعصومين. ومن ناحية أخرى، إذا كنا نسعى لمعرفة الخصائص الأسلوبية لهذه الصناعة في لغة أهل البيت واختلافها عن سائر بلغاء العرب، فإننا نكون قد تحركنا نوعاً ما في وادي علم أسلوب النص. ويبدو أن إيجاز الحذف له ارتباط أكبر بالمعلومات الضمنية، وهو ما سيأتي لاحقاً.

٣-٢. دراسة المعلومات الضمنية في الأوساط اللسانية

هنا، نتناول دراسة دور اللغة كأداة تواصلية في عملية الرواية. هذه المسألة قابلة للدراسة من زوايا مختلفة، إحداها مسألة المعلومات الضمنية في نص ما، وهي من خصائص جميع اللغات.

٣-٢-١. تعريف المعلومات الضمنية

دائماً ما ينشأ التواصل بشكل كامل على أساس المعلومات المشتركة، وفي كل نص يوجد قدر من المعلومات الضمنية. هذه المعلومات لا يُعبر عنها بأي شكل واضح في النص. ومع ذلك، فهذه المعلومات جزء من الرسالة الكلية المقصودة والمفترضة من قبل الكاتب، ويشترك فيها الكاتب وقراء النص، أو هي معلومات قديمة قيلت في مكان آخر من النص. ولأن الكاتب والقراء يفهمون هذه المعلومات بشكل كامل، فإن مقدار المعلومات الموجودة في النص يعتمد على مقدار المعلومات المشتركة الموجودة مسبقاً بين المتكلم (الكاتب) والمخاطب. عندما نتحدث عن شيء ما، نحذف قدراً من المعلومات، لأن المخاطب يعرف هذه الحقائق مسبقاً، وإذا لم نحذفها، فقد يكون ذلك إهانة له، وقد يكون هذا الفعل علامة على أن المخاطب غبي أو جاهل. إذا أردنا توضيح هذه المسألة في قالب مقارنة، يجب أن نقول إن المعلومات الواضحة هي المعلومات التي تُعبر عنها بوضوح بالمكونات المعجمية والصيغ النحوية. والمعلومات الضمنية هي تلك المعلومات التي لا يوجد لها أي صيغة ولكنها جزء من الرسالة الكلية المقصودة والمفترضة من قبل الكاتب (لارسون، ١٣٨٨ش، ٦٠-٦٣). مثل أن يُقال «ابني مريض» حيث يكون اسم الابن وعمره وسنه ضمنياً. [7]

٣-٢-٢. العوامل والسياقات المؤدية لنشوء المعلومات الضمنية

تنشأ المعلومات الضمنية في اللغة، أحياناً بشكل متعمد وأحياناً بشكل غير متعمد وتلقائي في نصوص مختلفة، ومنها الأحاديث. في الحالات التي يأتي فيها الراوي بمطلب بشكل ضمني عمداً لأغراض وأهداف خاصة، سواء بحسن نية مثل الحفاظ على حياة أحد أصحاب الأئمة (ع)، أو الخوف من ذكر اسم شخص معين أو حدث معين في مسألة ما، أو لإبراز أجزاء من النص، أو بسوء نية، أي تقليل دور عامل مؤثر في مسألة ما و…، لن تكون موضوع دراستنا. أما الفئة الثانية من هذه المقولة التي نتناولها هنا، فهي ما يعد من الوظائف العادية للغة ويحدث كظاهرة غير متعمدة في جميع لغات العالم ولا علاقة له بنية أو هدف الراوي. العوامل والسياقات التي تؤدي إلى ظهور هذه الظاهرة في اللغة هي كالتالي:

٣-٢-٢-١. البنى اللغوية

من عوامل نشوء المعلومات الضمنية في نص ما، خصائص البنى اللغوية في اللغات المختلفة. الحذف لوجود قرينة موجود في جميع اللغات. ولكن هناك نوع آخر من الإيجاز يعد من الأنماط العادية للغة ولا علاقة له بالبلاغة، وهو إيجاز الحذف. إيجاز الحذف هو حذف شيء من العبارة، مع وجود قرينة لفظية أو معنوية على الشيء المحذوف، وألا يخل هذا الحذف بالفهم (قلي بور، ١٣٨٥ش، ٧٤-٧٧). وقد عرّف علم اللسانيات الحديث أيضاً بعض البنى التي تحتوي على معلومات ضمنية، وذكر على سبيل المثال البنى المجهولة، والأسماء المجردة (أسماء المعاني)، والبنى الإضافية أو الملكية، والاستعارات. على سبيل المثال، البنية المجهولة «فُتح الباب» تعني أن شخصاً ما فتح الباب، أو الاسم المجرد «العطاء» يعني أن شخصاً ما أعطى آخر شيئاً. في البنى الإضافية مثل «جرة الحليب» بمعنى «جرة فيها حليب». في الاستعارات مثل «هو ساق فاصوليا» بمعنى أن ساق الفاصوليا طويلة ونحيلة وهو أيضاً طويل ونحيل (لارسون، ١٣٨٨ش، ٣٥٢-٣٥٤).

٣-٢-٢-٢. الثقافة

من العوامل الأخرى لنشوء المعنى الضمني في النصوص، الثقافة (لارسون، ١٣٨٨ش، ٦٢). بمعنى أنه عندما يتم الحديث عن مسائل تعد جزءاً من ثقافة قوم أو بلد ما، يُفترض الكثير من المسائل وتُنقل ضمنياً. الثقافة تُطلق على مجموعة أساليب حياة أفراد مجتمع ما. كيفية ارتداء الملابس، وعادات الزواج والحياة الأسرية، وأنماط عملهم، وطقوسهم الدينية، وتسلية أوقات فراغهم، وكذلك السلع التي ينتجونها مثل السهام والأقواس والمساكن و… (غيدنز، ١٣٨٢ش، ٥٦). من المحتمل جداً أن يقرأ شخص من ثقافة ما نصاً تاريخياً أو قصصياً كُتب عن حدث في ثقافة أخرى، وبسبب أن الكثير من المعلومات بقيت مخفية وضمنية، فإنه لا يفهم القصة أصلاً. لأنه هو نفسه لا يحدد المكونات المختلفة الموجودة في القصة، والكاتب لا يكشف عن هذه المعلومات، لأن كل شخص ينتمي إلى تلك الثقافة يعرف من يقوم بأي عمل في الطقوس والاحتفالات والتقاليد التي يصفها. بنية اللغة لا تستلزم ذكر مثل هذه المطالب، ولأن الثقافة توفرها لقرائها، فإن المعلومات تبقى مخفية وضمنية.

٣-٢-٢-٣. الحوارات السابقة المشتركة

الحوارات السابقة المشتركة هي من العوامل الأخرى التي تخلق معنى ضمنياً في نص ما. وجود حوارات سابقة مشتركة بين شخصين أو أكثر غالباً ما يؤدي إلى نقل جزء كبير من المعلومات ضمنياً. غالباً ما توجد في الحوارات العادية موضوعات كثيرة في سياق الحوار تؤدي إلى فهم مقصود المتكلم بدقة دون استخدام الكثير من الكلمات. سواء كان النص تاريخياً أم معاصراً، يجب النظر إلى سياق التواصل كمصدر للمعلومات الضمنية. التأكد من مقصود الكاتب يكون أحياناً شبه مستحيل دون معرفة أشياء مثل العلاقة بين الكاتب والقارئ، والسياق السياسي أو الاجتماعي أو الديني، والجوانب الأخرى للثقافة الموصوفة في النص (لارسون، ١٣٨٨ش، ٣٥٢-٣٥٤).

٣-٢-٢-٤. التجارب العامة

المقصود بالتجارب العامة تلك الحوادث والمستجدات التي وقعت في مجتمع ما وتركت آثارها على حياة جميع أفراده. هذه الحوادث والمستجدات هي من النوع الذي يكون جميع أفراد المجتمع على علم بها ومطلعين عليها، وبطريقة ما منخرطين في تلك المسألة. قد تكون هذه التجارب العامة من نوع الحوادث الطبيعية مثل الفيضان، والزلزال، والكسوف، والخسوف، أو الأمراض الوبائية مثل السل، والطاعون، و… وأحياناً تكون هذه الحوادث من نوع الأحداث الاجتماعية مثل القحط، والتقاليد، و… وأحياناً تكون حوادث سياسية مثل الانتخابات، والثورات، والتمردات، والحروب، و… التي ترتبط بطريقة ما بحياة جميع الناس. على سبيل المثال، عندما يُستخدم في حوارات الناس أو كتابات المعاصرين في بلدنا عبارة «الحرب المفروضة»، يُخفى جزء من المعلومات. «الحرب المفروضة» تعني الحرب التي فُرضت على إيران من قبل العراق بتحريض وضوء أخضر من بعض الدول الغربية.

٣-٢-٢-٥. المعلومات العلمية والتخصصية المشتركة

من الأسباب الأخرى لظهور المعلومات الضمنية في النص هو أن المتكلم – المستمع أو الكاتب – القارئ كلاهما قد طالعا نفس المطالب، ولهذا السبب لديهما قدر كبير جداً من المعلومات المشتركة، وبناءً على ذلك ينقلان الكثير من المعلومات ضمنياً. على سبيل المثال، كلاهما روائيان وقد طالعا القصص أو الروايات المشهورة في العالم، والآن عندما يكتبان أو يتحدثان، فإنهما يمرران الكثير من المعلومات بشكل ضمني لبعضهما البعض. أتباع الأديان الإلهية الذين لديهم كتب سماوية، نظراً لأنهم يطالعون نفس الكتاب المقدس، فإنهم ينقلون في كلامهم الكثير من المعلومات الضمنية. من أهم الموضوعات التي تستحق الاهتمام في هذا المجال «المصطلحات العلمية». أي أنه في كل علم أو نص مكتوب، تم إنشاء سلسلة من المصطلحات التي لم تعد تُشرح، والمخاطب يفهم المقصود ويكتشف بنفسه طريقة الربط بين الجمل، بعبارة أخرى، جميع المعلومات الضمنية اللازمة لفهم عدة مصطلحات علمية يحملها معه. هذه المسألة ملحوظة بين أولئك الذين يدرسون في فروع تخصصية، سواء كانت علوماً تجريبية مثل: الفيزياء والكيمياء و…، أو علوماً إنسانية من النوع الإسلامي مثل الفقه والأصول و…، أو غير العلوم الإسلامية مثل: علم الاجتماع وعلم النفس و…، حيث يُنقل حجم واسع من المعلومات ضمنياً ولا يأتي في النص.

٣-٢-٢-٦. وجود مؤشرات في نص ما

المؤشرات هي عناصر لغوية مقيدة بالسياق الموقفي وتشير إلى مكان أو زمان أو شخص يمكن فهمه من خلال السياق الموقفي. أهم المؤشرات المكانية يمكن اعتبارها «هنا» و«هناك»، على الرغم من أن ظروف المكان يمكن أن تتمتع بمثل هذه الخاصية أيضاً مثل «أمام»، «خلف»، «هذا الجانب»، «ذاك الجانب». لتعريف المؤشرات الزمانية، يمكن الإشارة إلى «أمس»، «اليوم»، «غداً»، «بعد ذلك»، «بعد ثلاثة أشهر»، و… أبرز نماذج المؤشرات الشخصية يمكن اعتبارها الضمائر المنفصلة والمتصلة مثل «أنا»، «هو»، «أبوه»، و… من خلال تحليل المؤشرات المستخدمة في النص، يمكن استنتاج العلاقات بين المتكلم في حديث ما ومخاطبه في ذلك النص. المؤشر الذي يستخدمه المتكلم أمام مخاطبه يحدد موقعه بالنسبة لمخاطبه. اختيار صيغة لغوية بدلاً من صيغة لغوية أخرى يتضمن معلومات حول وجهة نظر المتكلم بشأن نوع علاقته بالمخاطب (يول، ١٣٨٥ش، ٢٠). وقد ذكر البعض أيضاً مؤشرات اجتماعية، أي تلك الفئة من المؤشرات التي تعتمد على العلاقة الاجتماعية للمتكلم مع شخص ما، سواء كان مخاطباً أو شخصاً ثالثاً، مثل: «حضرتكم»، «العبد»، و… (صفوي، ١٣٨٣ش، ١٦٧-١٦٩).

٤. دراسة لغة الأحاديث في ضوء تضمين المعلومات

في هذا القسم، نعتزم أن نبين أن من الخصائص اللغوية لجميع الروايات تضمين المعلومات. نتيجة هذه النظرة هي أنه يجب علينا دائماً في كل نشاط علمي-حديثي نقوم به أن نولي اهتماماً وعناية لهذه المقولة، وأن بعض معلومات نص حديثنا تكون ضمنية بشكل غير واعٍ، وأحياناً يكون من الضروري أن نكشف عنها لنتمكن من إجراء دراسة أكثر دقة.

٤-١. أنواع المعلومات الضمنية في الأحاديث

في هذا القسم، سنورد أنواع المعلومات الضمنية في الروايات، وفقاً للترتيب الذي أشرنا إليه في المطالب السابقة، وسنبين أن جميع هذه الأنواع موجودة بين الأحاديث، ومن الضروري أن تحظى هذه المسألة باهتمام أكبر من ذي قبل.

٤-١-١. المعلومات الضمنية في الأحاديث بسبب البنى اللغوية

كما مر سابقاً، من العناصر التي تسبب انتقال جزء من المعلومات، البنى اللغوية، خاصة البنى التي يحدث فيها إيجاز الحذف. في الحديث التالي، تظهر هذه المسألة نفسها. «وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَقَدْ شَبَّكَتْهُ الرِّيحُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أُصَلِّي فَقَالَ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تُجْلِسُوهُ فَأَجْلِسُوهُ وَ إِلَّا فَوَجِّهُوهُ إِلَى الْقِبْلَةِ وَ مُرُوهُ فَلْيُومِ بِرَأْسِهِ إِيمَاءً وَ يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَأَ فَاقْرَءُوا عِنْدَهُ وَ أَسْمِعُوه» (صدوق، ١٤١٣ق، ١: ٣٦٢). في هذه الرواية، يذهب النبي (ص) لزيارة أحد الأنصار الذي أقعده المرض وهو طريح الفراش، وهناك يسأل النبي (ص) عن كيفية الصلاة، فيقول النبي (ص): إن استطعتم أن تجلسوه، فأجلسوه وليصل، وإن لم تستطيعوا أن تجلسوه، وهو في حالته تلك، فوجهوه إلى القبلة و… . تعبير «وإلا» هنا يعني «وإن لم تستطيعوا أن تجلسوه» الذي حُذف من النص بسبب البنى اللغوية.

٤-١-٢. المعلومات الضمنية في الأحاديث بسبب ثقافة العصر

أوسع وأهم سبب لظهور المعلومات الضمنية في الأحاديث هو مسألة الثقافة بكل أبعادها. الثقافة تشمل أموراً كثيرة، حتى الأطعمة. على سبيل المثال، في الحديث التالي، ذُكر اسم طعام ولكن لم يُقدم أي توضيح حول طريقة تحضيره، أو مكان الحديث عن الطعام، أو مكوناته، و… لأنه في ذلك الزمان كانت هذه المسألة جزءاً من المعلومات الضمنية التي تُنقل مع الطعام، ولكن اليوم لم يعد الأمر كذلك. «عَنْ جَعْفَرِ الصَّادِقِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ عَنْ أَبِيهِ ع إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ع أُتِيَ بِخَبِيصِ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ فَقَالُوا لَهُ أَتُحَرِّمُهُ قَالَ لَا وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تَتُوقَ إِلَيْهِ نَفْسِي فَأَطْلُبَهُ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ – أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها (الاحقاف: ٢٠) (مفيد، ١٣٦٤ش، ١٤٧-١٤٨). في هذا الحديث، تشير كلمة «خبيص» إلى طعام لم تعد له اليوم أبعاد ثقافية ومباحث محيطة به بالنسبة لنا. هل كان هذا الطعام للأغنياء أم للفقراء؟ هل كان طعاماً لطبقات خاصة من المجتمع؟ أم ما هو نوع نظرة أفراد ذلك المجتمع إلى هذا الطعام؟ كل هذا غير مفهوم بالنسبة لنا.

٤-١-٣. المعلومات الضمنية في الأحاديث بسبب الحوارات السابقة المشتركة

من المواقف الأخرى التي يتم فيها إنتاج نص، وينتقل جزء من المعلومات ضمنياً، هي المواقف التي يتشكل فيها حوار. على سبيل المثال، يمكن الاستشهاد بالرواية التالية: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ لُحُومِ الْخَيْلِ فَقَالَ لَا تَأْكُلْ إِلَّا أَنْ تُصِيبَكَ ضَرُورَةٌ وَ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَقَالَ فِي كِتَابٍ عَلِيٍّ (ع)، أَنَّهُ مَنَعَ أَكْلَهَا» (كليني، ١٣٦٥ش، ٦: ٢٤٦؛ طوسي، ١٣٦٥ش، ٩: ٤٠). في هذه الرواية، سُئل عن حلية أو حرمة لحم الخيل والحمير، ولكن يبدو أنه من الأفضل أن تكون صيغة جزء من الرواية كالتالي: «قال: وسألته عن لحوم الحمر الأهلية» حيث حُذف السؤال لقرينة مقام الحوار.

٤-١-٤. المعلومات الضمنية في الأحاديث بسبب التجارب (الخطابات) العامة

إذا أراد شخص أن ينتج نصاً في فضاء يكون فيه مجتمع ذلك العصر أو أفراده منخرطين في تجربة عامة، بحيث تكون حياة معظم أفراد ذلك المجتمع منخرطة في تلك المسألة، فلا حاجة لنقل جميع المطالب بوضوح وشفافية، بل يمكنه نقلها كمعلومات ضمنية. على سبيل المثال، الحديث التالي، بسبب احتوائه على تجربة عامة، يحتوي على معلومات ضمنية. «قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (ع) يَقُولُ جَمَعَنَا أَبُو جَعْفَرٍ (ع) فَقَالَ يَا بَنِيَّ إِيَّاكُمْ وَ التَّعَرُّضَ لِلْحُقُوقِ وَاصْبِرُوا عَلَى النَّوَائِبِ وَ إِنْ دَعَاكُمْ بَعْضُ قَوْمِكُمْ إِلَى أَمْرٍ ضَرَرُهُ عَلَيْكُمْ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ لَكُمْ فَلَا تُجِيبُوه» (مفيد، ١٣٦٤ش، ٢٤٣). الإمام الباقر (ع) في هذه الرواية ينصح أبناءه، ومنهم الإمام الصادق (ع)، بأن يحذروا من حقوق الناس، ويصبروا على المصائب، وإذا دعاهم بعض أقاربهم للمشاركة في أمر ضرره أكبر من نفعه، فلا يجيبوه. هذا الحديث صدر في فترة كان فيها زيد والنفس الزكية و… بصدد تنظيم سلسلة من الثورات ضد جهاز بني العباس، وهنا يشير الإمام (ع) إلى أنه إذا دعاكم أحد من أقوامكم إلى أمر ضرره أكبر من نفعه، فلا تجيبوه. مقصودهم هو الإشارة إلى زيد ومحمد النفس الزكية وأبيه وأخيه (كما أشار إلى ذلك السيد غفاري). ربما يمكن الإشارة أيضاً إلى حديث: «قَالَ (ع): كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ – لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ وَ لَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ» حيث تشير كلمة «الفتنة» في هذا الحديث إلى التجربة العامة للمجتمع في موضوع الفتنة، أي مقتل عثمان والثورات التي حدثت في زمانه، وكذلك حرب الجمل والنهروان وصفين، حيث تقاتلت مجموعتان من المسلمين لأول مرة، مما جعل الأجواء غائمة بالنسبة للكثير من الناس، بحيث وقعوا في الفتنة وأصبح تمييز الحق من الباطل صعباً عليهم (نهج البلاغة، الحكمة ٢٦٢).

٤-١-٥. المعلومات الضمنية في الأحاديث بسبب المعارف المتشابهة

من علل ظهور ظاهرة المعلومات الضمنية في نص ما، دراسة مطالب متشابهة. أي أن الكاتب والقارئ (المتكلم والمستمع) قد طالعا مطالب متشابهة. وهذا الأمر يستوجب نقل المطالب ضمنياً والامتناع عن النقل المفصل والمطول. الحديث التالي، بسبب احتوائه على هذا العنصر، يحتوي على معلومات ضمنية. «كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (ع) يَقُولُ وَيْحَ مَنْ غَلَبَتْ وَاحِدَتُهُ عَشَرَتَهُ وَ كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ص) يَقُولُ الْمَغْبُونُ مَنْ غُبِنَ عُمُرَهُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (ص) يَقُولُ أَظْهِرِ الْيَأْسَ مِنَ النَّاسِ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْغِنَى..» (مفيد، ١٣٦٤ش، ٢٠٢-٢٠٣). في هذا الحديث الذي نُقل عن الإمام السجاد (ع)، جاء فيه: ويل لمن غلبت واحدته عشرته. المقصود هنا من عبارة «مَنْ غَلَبَتْ وَاحِدَتُهُ عَشَرَتَهُ» هو أن سيئاته أكثر من حسناته، لأن السيئة الواحدة تُحسب واحدة، والحسنة تُجازى بعشرة أضعاف. وهذا مطلب ورد في القرآن الكريم: «مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزِي إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» (الأنعام: ١٦٠). في هذا الحديث، جاء محتوى الآية الشريفة بشكل ضمني وفي قالب «من غلبت واحدته عشرته».

٤-١-٦. المعلومات الضمنية في الأحاديث بسبب وجود مؤشرات

من علل ظهور المعلومات الضمنية في النصوص وجود المؤشرات. أي وجود عناصر تدل على مؤشرات مكانية وزمانية وشخصية واجتماعية، يمكن أن تضع جزءاً من المعلومات في عملية التضمين. هذه المسألة يمكن تتبعها ومتابعتها في الروايات أيضاً. على سبيل المثال، من أنواع الحديث، الحديث المضمر، وهو الحديث الذي يرويه الراوي دون ذكر اسم معصوم ما، ويكتفي بالإشارة إليه بضمير، وهذا يمكن أن يكون نموذجاً لوجود مؤشرات شخصية في نصوص الروايات. ومن ناحية أخرى، تُستخدم أحياناً تعابير مثل «سألت الإمام» أو «سألت أبا جعفر» و.. للنقل، مما يدل على مؤشر اجتماعي. وجود مؤشرات مكانية يُرى أيضاً في الروايات. على سبيل المثال، في رواية نُقلت في نهج البلاغة عن الإمام علي (ع) أنه قال عن الخوارج: «مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ» (سيد رضي، ١٣٨١ش، الخطبة ٥٨). النطفة بمعنى مؤشر مكاني اختلف في تحديده كثيراً.

٤-٢. إشكاليات تضمين المعلومات في عملية نقل الحديث

٤-٢-١. مدخل

على الرغم من أن تضمين المعلومات لا يحمل قيمة إيجابية أو سلبية في حد ذاته، وأن البشر يستخدمونه بشكل تلقائي وغير إرادي، إلا أن ما يمكن أن يحول هذه المسألة العادية في اللغة إلى أمر معقد وحيوي وأحياناً معضلة، هو عندما ترتبط بمقولتين أخريين. أولاً، عندما يُراد نقل نص شفهياً أو كتابياً. أي عندما يكون شخصان في حالة تخاطب وحوار، فإنهما ينقلان المطالب بشكل ضمني لبعضهما البعض. هنا، وبسبب فضاء الحوار وغيره، يكون التفاهم كاملاً، وينتقل مقصد كلام كل منهما إلى الآخر. ولكن إذا أُريد نقل هذا التواصل الكلامي وروايته لشخص آخر، فإنه يتضرر بسبب فقدان ظروف الحوار، وكذلك التدخلات والتصرفات التي يقوم بها البشر بطبيعتهم في نقل الرواية. لذا، فإن ما كان يبدو طبيعياً من قبل، يحتاج هذه المرة إلى الكشف، وأحياناً يمتلك الراوي هذه القدرة، وأحياناً لا يكون على دراية بمثل هذا الأمر. الموضوع الثاني الذي يمكن أن يزيد من شدة جراحات النص هو عندما يمضي وقت قصير أو طويل على إنتاج النص ويخضع لمرور الزمن ويتحول إلى أمر تاريخي. أي على الرغم من أن النص عند نقله كان يظهر بعض الصعوبات، إلا أن مرور الزمن في هذه المسألة سيكون له تأثير سلبي أيضاً. خاصة عندما تمر قرون على إنتاج النص، فإن الكثير من المعلومات التي لم يكن فهمها يمثل مشكلة من قبل، تصبح فجأة مشكلة، وتثير بعض الإشكالات في النص.

٤-٢-٢. ظهور الإبهام في الحديث

أبرز وأهم إشكاليات تضمين المعلومات هو ظهور الإبهام في النص. هذا الإبهام والغموض يمكن أن يكون بسبب فقدان أي من الحالات المذكورة أعلاه. بعبارة أخرى، أولاً، بسبب التحولات اللغوية وزوال المفردات والبنى السابقة أو التغير في معناها أو استخدامها، يزول جزء من لغة التفاهم المشتركة وتفقد قدرتها على التفاهم. ومن ناحية أخرى، يضيع السياق الثقافي للنص، والمعلومات التي كانت ضمنية ومفهومة سابقاً بالاعتماد على الثقافة، تضيع هذه المرة (لنموذج انظر: بهبودی، ١٣٩٠ش، ٣٢٧-٣٧٣). ومن ناحية أخرى، بالتقطيع الذي يحدث في نقل الروايات، تضيع سياقات الحوار أو الأجزاء التي تسبق وتلي نصاً ما. ومن ناحية أخرى، تتضرر المؤشرات المكانية والزمانية والشخصية و… بشدة، ولا يبقى منها سوى الألفاظ. جزء من هذه الظاهرة يُعرف في علوم الحديث بـ«الإضمار» و«الحديث المضمر»، حيث لا يكون معلوماً عن أي إمام نُقل الحديث، ويُشار إليه فقط بضمير. على سبيل المثال، خبر بلفظ «عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله (ع)…». في هذه الرواية، يطرح الراوي أسئلته عليه بتعبير «وسألته (ع) عن…»، وعندما يقطع الراوي الخبر، يأتي بـ«عن سماعة قال: سألته (ع) عن…»، وبهذه الطريقة يحدث الإضمار (للاطلاع على نموذج آخر لحذف السياق والتقطيع غير المناسب، انظر: مسعودي، ١٣٨٥ش، ٢٣٤). وجود هذه المشكلات قد سبب أحياناً صعوبة مضاعفة، حيث إن البعض، لإعادة بناء النص وتقديم ما أصبح ضمنياً وأزال قابلية فهم النص، قد أضافوا توضيحات من عندهم في متون الروايات، وتصرفوا في متن أو سند الروايات، وأحياناً أضافوا مطالب (لنموذج انظر: زارع زرديني، ١٣٨٩ش، ١٦٧).

٤-٢-٣. توهم تعارض الأخبار

من إشكاليات تضمين المعلومات في عملية نقل الحديث، إيجاد توهم التعارض في الأخبار. في هذه الإشكالية، بما أن بعض المعلومات تُنقل ضمنياً في الرواية، فبعد مرور الزمن أو تغير الفضاء المكاني للمخاطب، يبدو نص الرواية الحاضر متعارضاً مع نص بعض الأحاديث الأخرى. عندما يكون الراوي من ثقافة خاصة ويسأل الإمام (ع) عن مقدار الكر، يجيب الإمام أيضاً حسب عرف وثقافة نفسه. وعندما ينقل الراوي الرواية، كان يجب أن يشير إلى أنه من أهل أي مدينة، وأنه سأل سؤالاً كهذا، وكانت الإجابة كذا. تضمين هذه المعلومات في عملية النقل أدى إلى ظهور توهم الاختلاف في الروايات حول مقدار الكر. على هذا الأساس، حمل الشيخ الطوسي، في الجمع بين الروايات المتعددة حول مقدار الكر، على عرف وعادة مخاطبي المعصوم. وفي النهاية يقول: «لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُفتُونَ بِالمُتَعَارِفِ مِن عَادَهِ السَّائِلِ وَ عُرفِهِ وَ لِأَجلِ ذَالِكَ اعتبرنا في إعتبار أرطال الصاع بتسعه أرطـــالِ بِالعَراقي و ذَلِكَ خِلافُ عَادَتِهِم وَ كَذلِكَ الخَبَرُ الَّذِي تَكَلَّمَنَا عَلَيْهِ مِن إِعْتِبَارِهِم بِسِتمائِه رَطل إنَّما ذَلِكَ إعتبار لعادَهِ أهل مَكَهَ فَهُم كَانُوا يَعْتَبِرُونَ عَادُهَ سَائِرِ البِلادِ حَسبَ مَا يُسأَلُونَ عَنهُ» (طوسي، ١٣٦٥ش، ١: ١٢)؛ وكذلك لنموذج مشابه في أحاديث قطع التلبية في عمرة مفردة (انظر: طوسي، ١٣٦٥ش، ١: ١١ و ٢٣٨؛ ٢: ١٧٧). في مواضع متعددة، يقول الشيخ الطوسي: إن الإمام بيّن الحكم بالاعتماد على علم المخاطب أو سائر الأخبار الواردة عن الأئمة السابقين، وإن لم يذكره في اللفظ؛ «… وَ إِنْ لَمْ يَذكره في اللفظ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ المُخاطَب عالِمٌ بِذلِكَ أو تعويلاً عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الأخبار». بعبارة أخرى، علة تضمين هذه المعلومات هو الاعتماد على علم المخاطب (طوسي، ١٣٦٥ش، ٢: ٢١، ٢٨٨؛ ٣: ٢٣٤؛ ٤: ٢٠٢).

٥. النتيجة

١- كلما كانت معرفتنا بماهية الحديث أدق وأعمق، كنا أكثر نجاحاً في نقده وفهمه وتقييمه. جزء من الإبهامات والشبهات والانتقادات وسوء الفهم لدينا للحديث يرجع إلى عدم معرفتنا بماهية هذه الظاهرة وكيفية نشوئها. الحديث في أصله له ماهية لغوية؛ لذا فهو يتبع في نشوئه وانتقاله القوانين الحاكمة على النظام اللغوي، وتطوراته تابعة لتطورات اللغة. على هذا الأساس، من الفروع الحديثة في دراسة الحديث، علم لغة الأحاديث الذي يمكن أن يفتح باباً جديداً في معرفة الحديث بشكل أفضل. معرفة لغة النص وإن كانت علماً حديثاً، إلا أن نطاق أبحاثه يتزايد باستمرار. الدراسات في موضوع لغة الأحاديث يمكن طرحها ومتابعتها من بعدين: فلسفي-كلامي جديد، حيث تُدرس لغة الروايات من حيث الوظيفة والمعنى والإسهام المعرفي، ومن بعد لساني، حيث تُدرس لغة الروايات من حيث أنواعها، وتاريخها، وكونها شفهية أو مكتوبة، وإشكاليات النقل بالمعنى على لغة الرواية، و….

٢- في البعد اللساني ومن منظور لغة النص، من خصائص لغة الأحاديث التي تظهر في مرحلة تكوين الحديث، تضمين المعلومات الذي يمكن أن يحدث بسبب عوامل مثل البنى اللغوية، والثقافة، والمعرفة التخصصية المشتركة، والحوارات المشتركة السابقة، ووجود مؤشرات زمانية ومكانية وشخصية، ومعارف متشابهة.

٣- يمكن أن يكون تضمين المعلومات مضراً في حالتين؛ الأولى، نقل أو رواية حادثة في قالب نص، لأن جميع القرائن في عملية الرواية غير قابلة للنقل، وهذا الأمر نفسه يسبب الإبهام والإجمال في متن الرواية. والثانية، مرور الزمن وإيجاد فاصل زمني؛ مرور الزمن وتغير الخطابات والاتفاقات الاجتماعية للعصور يسبب أيضاً إشكالات في فهم الروايات. من الإشكاليات الأخرى التي تنشأ تبعاً لتضمين المعلومات في الأحاديث، توهم تعارض الأحاديث. بمعنى أن تضمين المعلومات الجانبية في عملية نقل الحديث يسبب ظهور تعارض في مدلول حديث ما بالنسبة لحديث آخر.

٤- صعوبة فهم بعض الأحاديث يمكن أن تكون بسبب عدم الالتفات إلى التوجهات اللغوية، ومنها تجاهل تضمين المعلومات في الأحاديث. الاهتمام بموضوع «تضمين المعلومات» يمكّن باحث الحديث من تحديد سياقات التضمين، وعند الاستفادة من الأحاديث، يستخدمها إلى جانب سائر مكونات فهم الحديث.

المصادر

القرآن الكريم، ترجمة مهدي إلهي قمشئي، قم، انتشارات پیام مقدس، ١٣٩٠ش.

بهبودي، محمدباقر، حسين مني و أنا من حسين، طُبع في ذكرى العلامة الأميني، باهتمام سيد جعفر شهيدي ومحمدرضا حكيمي، قم، بوستان كتاب، ١٣٩٠ش.

باكتجي، أحمد، فقه الحديث: مباحث النقل بالمعنى، طهران: جامعة الإمام الصادق (ع)، ١٣٩٤ ش.

تولان، مايكل، علم الرواية: مدخل لغوي-نقدي، ترجمة فاطمة علوي وفاطمة نعمتي، طهران، سمت، ١٣٨٦ش.

جمشيديها، غلامرضا، ووحيد شالجي، الهرمنيوطيقا ومسألة تاريخية الفهم الإنساني، فصلية تحقيقات فرهنگي، السنة الأولى، العدد ٤، شتاء ١٣٨٧.

جندلر، دانيال، مبادئ علم العلامات، ترجمة مهدي بارسا، طهران، سوره مهر، ١٣٨٧ش.

درزي، قاسم، الدراسة المقارنة لأوجه التمايز بين لغة القرآن ولغة الحديث، مع التركيز على اللسانيات، مجلة دراسات بينية للقرآن الكريم، السنة الثانية، العدد الرابع، ربيع وصيف ١٣٩٠، ص ٧٣-٨٣.

زارع زرديني، أحمد، مدخل إلى فلسفة الحديث، مجلة صحيفه مبين، العدد ٥٣، ربيع وصيف ١٣٩٢.

، المنهج الحديثي للعلامة محمد تقي الشوشتري، رسالة دكتوراه، جامعة فردوسي مشهد، ١٣٨٩ش.

سابير، إدوارد، اللغة: مدخل لدراسة الكلام، طهران، سروش، ١٣٧٦ش.

ساماران، مناهج البحث في التاريخ، مجموعة مترجمين، مشهد، آستان قدس رضوي، د.ت.

السيد الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة، ترجمة محمد دشتي، قم، انتشارات لاهيجي، الطبعة الرابعة، ١٣٨١ش.

الصدوق، محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤١٣ق.

صفوي، كورش، مدخل إلى علم المعنى، طهران، سوره مهر، الطبعة الثانية، ١٣٨٣ش.

الطوسي، محمد بن حسن، الاستبصار، تحقيق حسن موسوي خرسان، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، ١٣٦٣ش.

، التهذيب، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٣٦٥ش.

ضرابيها، إبراهيم، لغة العرفان: تحليل لوظيفة اللغة في بيان التجليات العرفانية، طهران، بينادل، ١٣٨٤ش.

فالك، جوليا، اللسانيات واللغة، ترجمة خسرو غلامعلي زاده، مشهد، آستان قدس رضوي، ١٣٧٧ش.

قلي بور كيلاني، مسلم، تلخيص جواهر البلاغة، قم، انتشارات قدس، ١٣٨٥ش.

الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٣٦٥ش.

غيدنز، أنتوني، علم الاجتماع، ترجمة منصور صبوري، طهران، نشر ني، الطبعة العاشرة، ١٣٨٢ش.

لارسن، ميلارد، أصول ومبادئ نظرية الترجمة، ترجمة صديقة أمير شهنوازي، طهران، استادي، الطبعة الرابعة، ١٣٨٨ش.

مسعودي، عبدالهادي، منهج فهم الحديث، طهران، سمت وكلية علوم الحديث، الطبعة الثانية، ١٣٨٥ش.

المفيد، محمد بن نعمان، الأمالي، مشهد، آستان قدس رضوي، مؤسسة البحوث الإسلامية، ١٣٦٤ش.

الهاشمي، أحمد، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، الإسكندرية، دار ابن خلدون، د.ت.

همداني، مصطفى، «المعنى الضمني»، موقع پژوهه، ١٣٩٦ش.

http://pajoohe.ir/%D9%85%D8%B9%D9%86%DB%8C-Meaning_a-42534.aspx

يول، جورج، البراغماتية في اللغة، ترجمة محمد عموزاده ومنوجهر توانگر، طهران، سمت، الطبعة الثانية، ١٣٨٥ش.

الهوامش

1. تجدر الإشارة إلى تعدد المعاني في المجتمع العلمي المعاصر في إيران لمصطلح «الرواية»، الذي لا يُقصد به أحياناً الأحاديث والأخبار المنقولة عن المعصومين (ع)؛ بل يُقصد به علم السرد (narratology). وقد استُخدمت هذه المؤلفات في الأدب، وخاصة الأدب القصصي، والتاريخ، وعلم الاجتماع، وبالطبع لديها القدرة على استخدام بعض مبانيها وأساليبها في دراسة الحديث أيضاً. للاطلاع على هذا التوجه، انظر: تولان؛ ١٣٨٦ش، (١).

2. linguistic Competence

3. linguistic performance

4. langue/ parole

5. تجدر الإشارة إلى أنه أحياناً في الكتابات الإيرانية المعاصرة، لم يُستخدم تعبير «لسان الروايات» بدقة، وعندما استخدموا عنواناً مثل «فضائل عمار من لسان الروايات»، كان غرضهم الروايات التي وردت فيها فضائل عمار.

6. أفضل وأشمل أثر في دراسة لسانية ظاهرة النقل بالمعنى في الحديث هو كتاب «فقه الحديث: مباحث النقل بالمعنى» الذي يقدم نموذجاً مناسباً جداً للدراسة اللغوية لهذه الظاهرة في الأحاديث (انظر: باكتجي، ١٣٩٤ش، في كل أثر).

7. تجدر الإشارة إلى أن ما هو أساس التحليل في هذا البحث هو المعلومات الضمنية والصريحة (Explicit & Implicit information) والتي تختلف عن المعنى الصريح والضمني (التلويحي) (Explicit & Implicit Meaning). المعنى الصريح هو المعنى الذي يُفهم من اللفظ والظاهر الواضح للرسالة وبشكل متساوٍ من قبل الجميع. «وكذلك كل نص، له معنى باطن، داخلي، معلوم إلى حد ما، وبالتالي موضوعي، وهذا بمعزل عن القصد الواضح للمرسل أو التفسير الانتقائي للمتلقي؛ هذا المعنى يسمى المعنى الضمني أو التلويحي. المعنى الصريح له خاصية العمومية (معنى واحد للجميع) والموضوعية (يشمل مفاهيم دون تقييم)، ولكن المعنى الضمني يختلف حسب ثقافة المتلقي ونوع التقييم (اتجاه إيجابي أو سلبي) (انظر: همداني، ١٣٩٦ش، في كل أثر).

Scroll to Top