الملخص
النساء، بوصفهن نصف المجتمع الإنساني، كنّ دائمًا، بشكل مباشر أو غير مباشر، محط اهتمام أو خطاب في كثير من آيات القرآن الكريم وروايات المعصومين (ع)، على الرغم من أنهن يحظين بعناية عامة إلى جانب الرجال في معظم التعاليم الدينية الأخرى. في العديد من الآيات والروايات، ذُكرت النساء بالخير وقُدمت لهن توصيات قيمة لاستيفاء حقوقهن. ولكن في بعض الحالات، وإن كانت قليلة، خاصة في بعض الروايات، صدرت أوامر أو نواهٍ تبدو أحيانًا طبيعية ومنطقية، وأحيانًا أخرى مشبوهة ومثيرة للشبهات، وتشم منها أنوف المدققين رائحة الوضع أو التحريف. من بين هذه الموانع «النهي عن تعليم النساء الكتابة»، والذي يظهر بأشكال مختلفة، تلميحًا وتصريحًا، في كتب السنة والشيعة. تسعى هذه المقالة، من خلال تطبيق قواعد علم الحديث وتحليل القرائن الموجودة، إلى إجراء تحليل متني ومضموني لهذه الأحاديث. من جهة، إن صدور هذا النهي وأمثاله في البيئة الاجتماعية المحدودة لصدر الإسلام، حيث كان الأفراد، وخاصة النساء، يفتقرون إلى مهارة القراءة والكتابة، وكانت الثقافة الشفهية هي السائدة في تعاملات الناس، ولم يكن للتدوين استخدام عملي كبير، ومن المحتمل أن انشغالهن بهذا الأمر غير الضروري كان سيصرفهن عن أمور أكثر خطورة كانت من واجباتهن الأساسية ويجلب مفاسد لحياتهن المعتادة، هو أمر معقول ومحتمل. ومن جهة أخرى، يُحتمل أيضًا أن تكون المعتقدات التقليدية والعرف الذكوري للمجتمع البدوي، وليس أحكام الدين وتعاليمه، هي المصدر الأصلي لهذه التعالMيم. على أي حال، فإن هذه الروايات، حتى مع احتمال صحة صدورها عن المعصوم (ع)، لا تدل على حجية هذا النهي في المراحل التاريخية اللاحقة والمجتمعات المستقبلية المتنوعة.
1. طرح المسألة
إن الاشتغال بنقد الحديث هو من التكاليف الجسيمة التي استشعر المحققون في الدراسات الإسلامية على الدوام أنها ملقاة على عاتقهم. إن نقطة الانطلاق في هذه الحركة هي تنقية الأحاديث التي تناقلتها الأيدي على مر القرون، وصرنا اليوم ورثتها. ويمكن تحقيق هذا الأمر الهام من خلال الدراسات الرجالية والسندية، وتحليل المتن، والاستفادة من الأساليب اللغوية. على الرغم من أن جهود المحدثين في تنقية المتون من الوضع والتحريف، وكذلك في تبيين دلالاتها، كانت ملحوظة وقيمة، إلا أن بحوثهم انصبت في الغالب على الأحاديث الفقهية وأحيانًا العقائدية، ونتيجة لذلك، تضاءلت هذه الجهود في الميادين الأخرى. يجب الإقرار بأن الروايات الضعيفة أو المحرفة أو الموضوعة في غير مجالي الفقه والعقيدة، ليست خالية من الخطر ولا تترك أثرًا على سلامة النظرة الدينية للمجتمع. هذه المرويات تشبه الفيروسات التي تظل كامنة وخاملة لفترة، ولكنها في الظروف المناسبة تظهر عليها علامات الحياة وقد تكون قاتلة. إذا توفر للمجتمع العلمي وفرة من الآيات والروايات المعتبرة، فستكون النتيجة بطبيعة الحال تشكيل نظام فكري منسجم وأصيل وإسلامي. ولكن إذا دخلت الروايات الموضوعة أو المحرفة في هذا الوسط، فإن صفاء الأفكار يواجه الخطر ويحدث التباس بين المعتقدات الإلهية والخرافات والأوهام. والمشكلة الأساسية في هذا المجال هي «التسامح الأقصى في قبول الروايات غير الفقهية». ومع وجود مواقع إلكترونية تطرح هذه الموضوعات بكل تجرد من الإنصاف تحت مسمى «الرأي الرسمي للإسلام»، لم يعد هناك مجال لمثل هذا التساهل الذي يبدو علميًا. اليوم، التسامح في تقييم هذه الروايات يعني التسامح في الدفاع عن الدين وإفساح المجال للملحدين وأعداء الإسلام. يجب علينا الآن أن نكون أكثر جرأة من ذي قبل، تمامًا كما تصدى الأستاذ مطهري بشجاعة لرد «حديث سلسلة الحمار» (الكليني، 1407هـ، 1: 237) و«لَا تَحْمِلُوا الْفُرُوجَ عَلَى السُّرُوج» (صدوق، 1413هـ، 3: 468) والعديد من المرويات الأخرى، وبالطبع كانت هذه هي سيرة عدد كبير من العلماء المستنيرين من السنة والشيعة. علينا أيضًا أن نتصرف بشكل أكثر علمية ودقة. لقد أدرك مطهري وأمثاله أن هذا الموضع ليس موضع احتياط أو تأويلات متكلفة (راجع: الملحمة الحسينية، الإسلام ومقتضيات الزمان)، وأنه يجب بإخلاص وشجاعة إزالة غبار الروايات المختلقة عن وجه الدين. وبالطبع، فإن تبيين الروايات التي، وإن لم تكن موضوعة ومكذوبة، قد تعرضت للتحريف أو التفسيرات الخاطئة لأسباب ما، هو أيضًا جزء من هذا الأمر.
من بين الأحاديث المنسوبة إلى النبي (ص) جاء أنه لا تعلموا النساء الكتابة: «لَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَةَ». هذه الرواية التي وردت بتعبيرات مختلفة، مباشرة وغير مباشرة، في بعض المصادر الحديثية لأهل السنة والشيعة، سيتم في هذا المقال تحليلها تحليلًا متنيًا ومضمونيًا. تصنف هذه الروايات في أربع مجموعات: 1- «نهي النساء عن التبرج وإظهار الزينة» 2- «النهي عن تعليم النساء الكتابة مع التأكيد على تعليمهن سورة النور» 3- «الأمر بتعليم النساء الغزل» 4- «النهي عن تعليم النساء الكتابة مع التأكيد على تعليمهن الغزل».
تشكل هذه الروايات عائلة حديثية، وكلها، أحيانًا بالمطابقة وأحيانًا بالتضمن، تشير بطريقة ما إلى موضوع «النهي عن تعليم الكتابة للنساء».
1-1. منهجية البحث وأسئلته
يسعى هذا البحث، بالاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي والرجوع إلى المصادر المعتبرة، إلى تقديم إجابة، ولو موجزة، على هذه الأسئلة: من هم أصحاب هذه التعاليم، وفي أي ظروف تم ترويجها؟ على فرض صحة صدور مثل هذه الروايات عن المعصوم (ع)، ما هي دلالتها الحقيقية ومقصدها الجاد؟
2-1. خلفية الموضوع
لقد تم بحث هذه الروايات، كل على حدة، في ثنايا المصادر التفسيرية والشروح الروائية والأخلاقية أحيانًا عند الشيعة وأهل السنة، ومؤخرًا في بعض المواقع الإلكترونية، وكثيرًا ما تم الاحتجاج بها، وسنشير في سياق المقال إلى أهم هذه الآثار. ولكن حتى الآن، قَلّما أُجريت دراسة متخصصة تبحث في الفروع الأربعة للحديث المذكور ضمن المجموعة الروائية الشيعية والسنية، وتحلل سندها ومتنها، وتعكس دلالتها الحقيقية.
2. دراسة هذه الروايات في مصادر أهل السنة
في مصادر أهل السنة، وردت الأحاديث المتشابهة في العائلة والمضمون مع رواية النهي عن تعليم الكتابة للنساء بطرق مختلفة، يمكن تقسيمها إلى عدة فئات:
1-2. النهي عن تبرج النساء وإظهار الزينة
حديث «اسْتَعِينُوا عَلَى النِّسَاءِ بِالْعُرْيِ» نُسب لأول مرة في المصنف لابن أبي شيبة الكوفي (ت 235 هـ) إلى عمر بن الخطاب؛ وسنده كالتالي: «حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: اسْتَعِينُوا عَلَى النِّسَاءِ بِالْعُرْيِ إِنَّ إِحْدَاهُنَّ إِذَا كَثُرَتْ ثِيَابُهَا وَحَسُنَتْ زِينَتُهَا أَعْجَبَهَا الْخُرُوجُ» (الكوفي، 1989م، 3: 467). وفي المعجم الأوسط للطبراني (ت 360 هـ)، أورده الطبراني بسند مختلف تمامًا عن ابن أبي شيبة ومنسوب إلى النبي (ص): «حدثنا موسى بن زكريا عن زكريا بن يحيى الخزاز عن إسماعيل بن عباد عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس أن النبي (ص) قال: استعينوا على النساء بالعري» واعتبره من تفردات قتادة عن سعيد، ومن سعيد عن إسماعيل، الذي تفرد به في النهاية زكريا بن يحيى الخزاز (الطبراني، 1995م، 8: 165-168). ونقله ابن عدي (ت 365 هـ) في الكامل عن «الحسن بن سفيان، ومنه إلى زكريا بن يحيى الخزاز، إلى إسماعيل بن عباد المزني، إلى سعيد بن أبي عروبة، إلى قتادة، إلى أنس»، ونسبه في النهاية إلى النبي (ص). وأضاف أن الشيخ قال: «هذا الحديث بهذا السند منكر، ولم يروَ عن سعيد غير إسماعيل، وعن إسماعيل غير سعيد» (ابن عدي، 1988م، 1: 312-313). وبناءً عليه، يمكن القول إن الرواية الثالثة من حيث السند مطابقة للرواية الثانية، والاختلاف فقط في موسى بن زكريا وحسن بن سفيان.
وتجدر الإشارة إلى أن كثيرًا من شراح الروايات وعلماء الشيعة والسنة، كما سيأتي، اعتبروا تعليم الكتابة ودخول النساء في ميدان التعامل الاجتماعي مع الرجال في ذلك الزمان من موارد ومصاديق التبرج وإظهار الزينة.
2-2. النهي عن تعليم النساء الكتابة مع التأكيد على تعليمهن سورة النور
ظهر هذا الحديث لأول مرة في كتاب «المجروحين» لابن حبان (ت 354 هـ) منسوبًا إلى النبي (ص) عن طريق عائشة، وبسند: «محمد بن إبراهيم بن منصور بتستر قال: حَدَّثنا عبد القدوس بن عبد الكبير الحبحابي قال: حدثنا محمـــد بـــن إبراهيم الشامي قال: حَدَّثنا بقية بن الوليد. وَ رَوى عن شُعيب بن إسحاق عـــن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال: قال رسول الله (ص): «لَا تُنْزِلُوهـــن الغُرَف وَ لَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَة وَعَلِّمُوهُنَّ الْمِغْزَلَ، وَ سُورَةَ النُّور» (ابن حبان، د.ت، 2: 302). وقد روى الطبراني (ت 360 هـ) هذه الرواية بعد الخضرمي و(بدون بقية بن الوليد)، وأوصلها إلى إبراهيم الشامي وأكمل السند قائلًا: «حَدَثَنا محمد بن عَبدِ اللهِ الحضرمى قال ثنا محمد بن إبراهيم الشامى قالنا شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله (ص):…» وأضاف أن هذا الحديث لم يروَ عن هشام بن عروة إلا عن شعيب، وهو أيضًا رواه عن الشامي (الطبراني، 1995م، 6: 34-41). ونقله الثعلبي (ت 427 هـ) عن أبي داود الأنصاري، والكرابيسي، وشيبة، وفنجويه، حيث يشتركون في السند من الشامي إلى النبي (ص): «أَخْبَرَني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حَدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بن محمد بن شيبة قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الكرابيسي قال: حدثنا سلمان بن توبة أبو داود الأنصاري قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي قال: حَدَّثنا شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة وعن أبيها قالت: قال (ص):…» (الثعلبي، 2002م، 7: 62). وأورده الخطيب البغدادي عن يحيى بن زكريا الدقايق، ومحمد بن عبدالله إبراهيم، ومحمد بن عمرو النرسي، ثم أشار إلى اشتراكهم في السند حتى النبي (ص): «أَخبرنا مُحمد بن عُمر النرسى، أَخْبَرَنَا مُحمد بن عبد الله بن إبراهيم، حَدَّثَنا يحيى ابن زكريا بن يزيد أبو زكريا الدقاق – بسوق يحيى – حَدَّثَنَا مُحمد بن إبراهيم أبو عبد الله الشامى حَدَّثَنَا شُعيب بن إسحاق الدمشقي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول (ص)»، وفي هذه النسخة ضُبطت «لا تُنزِلُوا» بلفظ «لا تُسكنوا» (الخطيب البغدادي، 1997م، 14: 227). وفي تفسير السمعاني (القرن السادس الهجري) وردت الرواية عن عائشة عن عروة، وبدلًا من هشام بن عروة، عن الزهري، ثم تصل إلى شعيب بن إسحاق، ومن شعيب تُنسب إلى الحاكم: «رُوى الحاكم أبو عَبدِ الله الحافظ فيما خَرَجَهُ مِنَ الزِيادَةِ عَلَى الصحيحين بروايةِ شُعَيبَ بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة عن عائشةَ أَنَّ النبي قال:..» وفي المتن، تبع ما ورد عند الخطيب البغدادي (السمعاني، 1997م، 3: 497).
3-2. التأكيد على اشتغال النساء بالغزل
رواية تشجيع النساء على الغزل نُقلت لأول مرة عن الرامهرمزي (ت 360 هـ): «حَدَّثَنَا مُوسى بن زكرياء، ثنا عمرو بن الحصين، ثنا ابن علاثة قالَ: خَصِيفُ حَدَّثَنَا، عَن مجاهد، عن ابن عباس قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ (ص): «نِعمَ لَهوَ المَرأَةِ المغزل» (الرامهرمزي، 1404هـ، 488). وروى عبد الله بن عدي (ت 365 هـ) عن البوراني والموصلي عن سلم بن مغيرة عن أبي داود عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن النبي (ص): «عَمَلُ الْأَبْرارِ مِنَ الرِجالِ من أُمَّتى الخِياطَةُ وَ عَمَلُ الْأَبْرارِ مِن أُمَتى مِنَ النِّساء المغزل» (ابن عدي، 1988م، 3: 246-249). والحافظ الأصفهاني (ت 430 هـ) رواه عن أحمد بن إسحاق عن حاجب بن أركين وعن عباد بن وليد حتى النبي (ص)، مشتركًا مع عبد الله بن عدي: «حَدَّثَنا أحمد بن إسحاق ثنا حاجب بن أركين، ثنا عباد بن الوليد ثنا سلم بن المغيرة عن أبي داود النخعى عَن أَبي حازم عَن سهل بن سعد قال: قالَ رَسولُ اللهِ (ص): عَمَلُ أُمَّتى مِنَ الأَبْرارِ الخَياطةُ وَ عَمَلُ الأبْرارِ مِنَ النِّساءِ المغـــزل»، وفي حديثه كرر ظاهر حديث عدي (الحافظ الأصفهاني، 1934م، 1: 302). وذكر الخطيب البغدادي (ت 463 هـ) الرواية بشكلين: رواها عن الجواليقي عن محمد بن مخلد عن عبد العزيز عن يحيى بن أيوب عن أبي داود النخعي عن أبي حازم عن ابن عباس عن النبي (ص)، وكرر الحديث. كما روى عن يحيى بن أيوب عن أبي داود أن سلم بن مغيرة كان يخالفه ثم غيّر رأيه ورواه عن أبي داود عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن النبي (ص). والشكل الآخر لرواية البغدادي هو عن الحسن بن محمد الخلال عن علي بن عمر الحافظ عن عباس بن مهران عن عباد بن وليد، وتكرر الرواة السابقون حتى سعد والنبي (ص) (الخطيب البغدادي، 1997م، 9: 16-19). كما روى ابن عساكر (ت 571 هـ) في تاريخ مدينة دمشق عن عبد العزيز بن أحمد عن تمام بن محمد عن محمد بن حارث القرشي الدمشقي عن محمد بن إسماعيل بن تميمي عن محمد بن خراساني عن موسى بن إبراهيم المروزي عن مالك بن أنس عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن النبي (ص) (ابن عساكر، 1415هـ، 36: 198-202). هذه الرواية تلميحًا، والرواية التالية تصريحًا، تدلان بجانب التشجيع على الغزل على النهي عن تعليم الكتابة للنساء.
4-2. النهي عن تعليم النساء الكتابة مع التأكيد على اشتغالهن بالغزل
رواية النهي عن تعليم الكتابة، مع التأكيد على اشتغال النساء بالغزل، نُقلت لأول مرة عن طريق (الكامل لعبد الله بن عدي) (ت 365 هـ). والرواية كالتالي: «جَعْفَرُ بنُ سَهلِ ثَنَا جَعْفَرُ بنُ نَصرِ ثَنا حَفْصُ تَنــا ليثُ عَن مُجاهد عن ابن عباس عن النبي (ص) قالَ: «لَا تُعَلِّمُوا نِساءَكُم الْكِتَابَةُ وَ لَا تُسْكِنُوهُنَّ العلالي» وَ بِإِسنادِهِ سَمِعتُ رَسولُ اللهِ (ص) يَقولُ: «خَيرُ لَهُوَ الْمُؤْمِنِ السَبَاحَةُ وَ خَيْرُ لَهو المرأَةِ المِغْزَلُ» (ابن عدي، 1988م، 2: 153-155). هذا الحديث يشتمل على أمر بتعليم سورة النور للنساء ولا يقتصر على النهي عن تعليم الكتابة وفي مقابله الأمر بالغزل. بالطبع، يجب القول: بدلًا من «لا تُنزِلُوا النِّسَاءَ»، وردت عبارة «لَا تُسكِنُوهُنَّ العَلالی». وكما أشير في كتاب الصولي (ت 325 هـ)، فإن النهي عن الكتابة بين المجتمعات السنية منسوب أيضًا لابن عباس، مع فارق أن الصولي نسب فقط جزء «لَا تُسكِنُوا النِّسَاءَ العلالي وَ لا تُعَلِّمُوهُنَّ الكِتابَةَ» لابن عباس (الصولي، 1341هـ: 50)، ولكن في الكامل أُضيف جزء «خَيْرُ لَهوَ المَرأةِ المِغْزَلُ». وفي ميزان الاعتدال للذهبي (ت 748 هـ) (د.ت، 1: 419-421) ولسان الميزان لابن حجر (ت 852 هـ) (1971م، 2: 131-135) وردت الرواية بنفس الشكل مع نسبتها لابن عباس.
3. دراسة الروايات في مصادر الشيعة
أقدم كتاب حديثي شيعي يتناول هذا الحديث هو «الكافي» للكليني (ت 329 هـ)، حيث ورد في «بَابٌ فِي تَأْدِيبِ النِّسَاءِ»: «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِي عَنِ السَّكُونِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): لَا تُنْزِلُوا النِّسَاءَ بِالْغُرَفِ وَ لَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَةَ وَ عَلَمُوهُنَّ الْمِغْزَلَ وَ سُورَةَ النُّور». وهو منسوب إلى النبي (ص) بأربعة رواة، وفيه نهي عن إسكان النساء في الغرف العلوية بالإضافة إلى النهي عن تعليم الكتابة، وفي المقابل، يوصي بتعليمهن سورة النور والغزل، وكل ذلك تحت عنوان «تأديب النساء».
وفي نفس الباب، فيما يتعلق بتعليم سورة النور للنساء، وردت توصية بشكل آخر في حديث منسوب إلى الإمام علي (ع)، وفي المقابل نهي عن تعليم سورة يوسف (ع)، حيث اعتبرت سورة النور موعظة وعبرة، بينما اعتبرت سورة يوسف (ع) مليئة بالفتن للنساء ونُهي عن تعليمهن إياها. بالطبع، لم يُذكر شيء عن النهي عن تعليم الكتابة أو التوصية بالغزل: «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ عَمِّهِ يَعْقُوبَ بْنِ سَالِمٍ رَفَعَهُ قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): لَا تُعَلَّمُوا نِسَاءَكُمْ سُورَةَ يُوسُفَ وَ لَا تُقْرِءُوهُنَّ إِيَّاهَا فَإِنَّ فِيهَا الْفِتَنَ وَ عَلِّمُوهُنَّ سُورَةَ النُّورِ فَإِنَّ فِيهَا الْمَوَاعِظ». وبالطبع، في الباب الذي يسبق هذا الباب في الكافي: «بَابٌ فِي قِلَّةِ الصَّلَاحِ فِي النِّسَاءِ» والباب الذي يليه: «بَابٌ فِي تَرْكِ طَاعَتِهِن»، وردت نواهٍ أخرى تتعلق بالنساء (الكليني، 1407هـ، 5: 516).
ثم وصل هذا الحديث من الكليني إلى الصدوق، الذي أورده أيضًا في «من لا يحضره الفقيه» في «بَابُ أَدَبِ الْمَرْأَةِ فِي الصَّلَاة» بصورة مرسلة عن الإمام الصادق (ع)، مكررًا حديث الكافي في النهي عن تعليم الكتابة، مع فارق أنه أضاف «لَا تُعَلِّمُوهُنَّ سُورَةَ يُوسُفَ» (الصدوق، 1413هـ، 1: 384). وبالطبع، في (بَابُ حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْج) ورد بشكل: «رَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ (ع) عَنْ آبَائِهِ (ع) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)»، وتم تسجيله أيضًا.
إذن، يوجد اختلاف طفيف بين حديث الكافي ومن لا يحضره الفقيه. هذان الحديثان، على الرغم من كونهما منفصلين، إلا أنهما دُمجا معًا في بعض المتون، مثل المتن المذكور. كذلك، في «باب ثَلَاثَ وَ سَبعُونَ خَصْلَة فِي آداب النِّسَاءِ وَ الفَرقِ بَيْنَ أَحكامِهِنَّ وَ أَحكامِ الرِّجالِ» من كتاب «الخصال» للصدوق، ورد بنفس الشكل: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَطَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبَاقِرَ (ع) يَقُولُ: لَا يَجُوزُ لَهُنَّ نُزُولُ الْغُرَفِ وَ لَا تَعَلَّمُ الْكِتَابَةِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُنَّ تَعَلَّمُ الْمِغْزَلِ وَ سُورَةِ النُّورِ وَ يُكْرَهُ لَهُنَّ تَعَلَّمُ سُورَةِ يُوسُف» واعتبروا هذا الفعل من الأحكام الخاصة بالمرأة مقابل أحكام الرجل (نفسه).
بعد الصدوق، في «الجعفريات» (القرن الرابع)، في «بَابُ سِيَاسَةِ النِّسَاء»، تكرر حديث الكافي بدون النهي عن سورة يوسف (ع)، بثلاث طرق: «أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ جَعْفَرِ بْن مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٌّ (ع) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص):….» ومباشرة بعده، بنفس السند، ورد حديث عن الغزل بهذا النحو: «نِعْمَ شُغْلُ المَرْأَةِ الْمُؤْمِنَةِ الْغَزْلُ وَ قَالَ (ص): عَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمُ الرَّمْيَ وَ السَّبَاحَة» وظهر لأول مرة في هذا الكتاب (ابن الأشعث، د.ت، ص 97).
وجد هذا الحديث طريقه إلى مصادر أخرى بالإضافة إلى هذه المصادر: «النوادر» للراوندي (الراوندي، د.ت: 49)، «مكارم الأخلاق» للطبرسي (1370ش: 232)، «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد (ت 656 هـ) (1404هـ، 12: 116)، «مجمع البيان» للطبرسي (القرن السادس) (1372ش، 5: 345). وفي المصادر المتأخرة، تكرر بنفس النحو. وغالبًا ما اعتقد العلماء المتأخرون بصحة صدور وحجية هذه الروايات، ولذلك كرسوا جهودهم في الغالب لشرح معنى الروايات؛ مصادر مثل «الوافي» للفيض الكاشاني (الفيض الكاشاني، 1406هـ، 22: 80)، «تفسير الصافي» (نفسه، 1415هـ، 3: 452)، «وسائل الشيعة» للشيخ الحر العاملي (1409هـ، 20: 176)، و«البرهان في تفسير القرآن» للبحراني (البحراني، 1374هـ، 3: 153).
4. ضعف أسانيد هذه الروايات في المصادر الشيعية والسنية
إن التحليل والدراسة السندية لهذه الروايات، على الرغم من أنها لا تتسع لها هذه المقالة بالتفصيل، إلا أن البحث في الكتب المذكورة يكشف عن ضعف أسانيدها. وهو أمر اعترف به حتى معظم القائلين باعتبار مضمون هذه الروايات (راجع: الموضوعات لابن الجوزي، 2: 282-284؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، 12: 70-76؛ مجمع الزوائد للهيثمي، 5: 138؛ الجامع الصغير لجلال الدين السيوطي، 1: 151؛ كنز العمال للمتقي الهندي، 16: 370-376؛ كشف الخفاء للعجلوني، 1: 122-125؛ أدب الكتاب للصولي، 50؛ زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي، 3: 275؛ فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي، 1: 632؛ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 13: 158؛ الكشف الحثيث لسبط ابن العجمي، 176؛ الكافي، 5: 516؛ من لا يحضره الفقيه، 3: 280؛ مجمع البيان للطبرسي، 5: 345؛…). وبالطبع، فإن ضعف السند وحده لا يدل على وضع المتن واختلاقه، وقد تكون هناك قرائن متنية أو تاريخية تجبر ضعف السند وتدل على اعتبار وحجية المتن (المعماري، 1390ش، 78). إن الجغرافيا التاريخية للمتن واهتمام واعتماد غالبية العلماء البارزين من الشيعة والسنة بروايات النهي عن تعليم الكتابة للنساء يمكن أن يكون من العوامل المقوية للمتن والجبر لضعف أسانيدها.
5. التحليل المضموني لهذه الروايات من منظور علماء أهل السنة
1-5. الشارحون
لقد تناول المفسرون والمحدثون من أهل السنة، وكما سيأتي من الشيعة، في الغالب، مع قبولهم لهذه الروايات، تعليل وتوجيه النهي عن تعليم الكتابة للنساء. في تفسير القرطبي (القرن السابع)، في تبرير هذا النهي، ورد: عن عبد الله بن مسعود عن النبي (ص) روي: «لَا تُسْكِنُوا نِسَاءَكُمُ الْغُرَفَ، وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَةَ»، وقال العلماء أيضًا: احذروا من إسكان النساء في الغرف العلوية بأمر النبي (ص) ولا خير في هذا العمل. إذا ذهبت النساء إلى الكتّاب وإلى المعلم، فإنهن لا يتحصنّ ولا يُحفظن ويزول سترهن. من جهة أخرى، الكتابة وسيلة للتجسس يمكن للنساء من خلالها التواصل مع الرجال، فيقعن في الفتنة. كما قال النبي (ص): «لَيْسَ لِلنِّسَاءِ خَيْرٌ لَهُنَّ مِنْ أَنْ لَا يَرَاهُنَّ الرِّجَالُ، وَلَا يَرَيْنَ الرِّجَالَ»، وقيل إن المرأة خلقت من الرجل وطبيعة الرجل شهوانية. كذلك، قد يكون تعليم الكتابة مثيرًا للفتنة للنساء، فيكتبن لمن يهوينه، وقد أحب النبي (ص) أن يقطع عن النساء أسباب الفتنة ويطهر قلوبهن (القرطبي، 1985م، 20: 121). وفي «نيل الأوطار» (ت 1255 هـ) جاء أيضًا: أن النهي عن تعليم الكتابة للنساء في هذا الحديث كان بسبب الخوف من تعليمهن الفساد. وأما ما هو الفساد المحتمل في هذا الأمر؟ أولًا، قد يكون من يعلم النساء من غير المسلمين، كاليهود الذين كانوا أهل كتابة وكان التعليم في أوائل الإسلام موكولًا إليهم في الغالب، وبهذه الطريقة يثيرون الشبهات في عقائد النساء ويبعدونهن عن تعاليم الإسلام. ثانيًا، يحتمل أن من يعلم النساء لم يكونوا من أهل التقوى ويستغلون الخلوة بالنساء. ثالثًا، قد تحدث مفاسد في تفكك الأسر بسبب انفتاح المجتمع المغلق جدًا ونشوء علاقات بين النساء والرجال، ولم تعد النساء ملتزمات بأسرهن كما في السابق، واحتمالات أخرى كثيرة. إذن، كانت النساء بالكتابة ينجذبن إلى الرجال، والرجال بسوء استخدام هذه العلاقة يفسدون النساء. وبشكل عام، يجب القول إن تعليم الكتابة للنساء في تلك الفترة كان يعتبر أمرًا غير أخلاقي من هذه الجوانب (الشوكاني، 1973م، 9: 105). علاوة على ذلك، لا ينبغي أن ننسى البنية الذكورية للمجتمع في ذلك الوقت، وعدم وجود مكانة ودور اجتماعي مناسب للنساء في النظام الإداري والسياسي لتلك الفترة، وهو أمر جعل ضرورة محو الأمية بين النساء والفتيات قليلة الأهمية وغير ضرورية.
2-5. النقاد
ولكن البعض تناولوا بنقد، بل وبرفض، الروايات الدالة على النهي عن تعليم الكتابة. أبو بكر محمد بن يحيى الصولي (ت 325 هـ)، أديب عربي من الكتاب الماهرين في العصر العباسي، في كتابه «أدب الكتاب» الذي يتضمن موضوعات «الكتابة والديوان»، في باب «ما قيل في حسن الخط من المنظوم»، نسب النهي عن كتابة النساء إلى ابن عباس وذكره على النحو التالي: «وَقَدْ كَرِهَ أَهْلُ النُّبُلِ مِنَ النَّاسِ وَذُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنْ يَعْلَمَ النِّسَاءُ الْخَطَّ، وَجَاءَ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ «لَا تُسْكِنُوا النِّسَاءَ الْعَلَالِيَّ وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَةَ»» ثم أضاف: «روى الحاكم حديثًا نسبه إلى السيدة عائشة واعتبره صحيحًا، ولكن الصحيح أن هذا الحديث موضوع، وفي سنده عبد الوهاب بن الضحاك الحمصي، وقد قال عنه أبو حاتم الرازي إنه كذاب، واعتبره العقيلي والنسائي متروك الحديث. وقال ابن حبان إنه كان يسرق الحديث ولا يمكن الاحتجاج بأقواله، واعتبر الدارقطني أحاديثه غير مألوفة. وقد وصفه أبو داود بأنه وضّاع للحديث. كيف ينهى النبي (ص) عن إسكان النساء في الغرف العلوية وتعلم الكتابة، بينما قال يومًا للشفاء بنت عبد الله وهي عند حفصة: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة؟ هذه الرواية تدل على جواز تعليم النساء الكتابة، لأن حفصة تعلمتها من الشفاء ولم ينهَ النبي (ص) عن ذلك. وهذا في حين أن رجال هذا الحديث ثقات. والنهي عن تعليم النساء، عندي وعند كل ذي عقل سليم، هو ضرب من الجهل والحمق» (الصولي، 1341هـ، 50). ومؤلف «آيين شهردارى» (أصول البلدية) بعد نقله لعبارة «لا تعلموا النساء الكتابة ولا تسكنوهن الغرف»، يكتب: على فرض صحة الحديث المنقول عن رسول الله (ص)، يمكن حصره في زمان ومكان معينين، لأنه يتعارض مع المبدأ العام «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ». ومنع النساء من السكن في الغرف يؤيد هذا المعنى. ويبدو أن النساء كن يجلسن في الغرف العلوية في الغالب للتظاهر، وهذا الأمر كان يؤدي إلى الفساد، ولهذا السبب نُهي عن هذا الفعل (ابن الأخوة، 1360ش، 243).
6. التحليل المضموني لهذه الروايات من منظور علماء الشيعة
في كتب التفسير الشيعية في القرون الخمسة الأولى، لم تُرَ رواية، لا في الرد ولا في تأييد النهي عن تعليم الكتابة للنساء، أو رواية عن فضل سورة يوسف (ع). ولأول مرة في مجمع البيان للطبرسي، وُضعت الروايات (النهي والتوصية) جنبًا إلى جنب (الطبرسي، 1372ش، 5: 345). إن كون مثل هذه المرويات لم تكن موجودة حتى القرن السادس ثم شاعت، قد يدل على ظروف خاصة سادت المجتمعات الإسلامية في تلك القرون وظهر فيها فساد كبير. جزء النهي عن سورة يوسف (ع) بجانب النهي عن تعليم الكتابة لم يكن موجودًا في الكافي، ومن «من لا يحضره الفقيه» حتى المصادر اللاحقة التي ظهر فيها الحديث، كان كله مرسلًا (الصدوق، 1413هـ، 1: 384)، وهذه المسألة تقلل من قيمة هذا الجزء. من ناحية أخرى، ورد تفضيل مهنة الغزل للنساء المؤمنات في كتاب الجعفريات من القرن الرابع برواة غير موثوقين (ابن الأشعث، د.ت، 97)، وفقط الراوندي من القرن الخامس أورده (الراوندي، د.ت، 49)، وحتى مستدرك الوسائل (1320هـ) لا يوجد له أثر آخر، وهذا الأمر يثير الشك في صحته.
1-6. الشارحون
غالبًا ما اعتقد العلماء المتأخرون وبعض المتقدمين بصحة صدور وصحة هذه الروايات، ولذلك كرسوا جهودهم لشرح معناها ودلالتها، وهو ما لا يختلف كثيرًا عن تبيين وتوجيه علماء أهل السنة (الفيض الكاشاني، 1406هـ، 22: 80؛ نفسه، 1415هـ، 3: 452؛ الحر العاملي، 1409هـ، 20: 176؛ البحراني، 1374ش، 3: 153). على سبيل المثال، في تفسير «اثنا عشري» جاء: «يدرك الشخص البصير من هذا الحديث الشريف بوعي تام مدى مراعاة النبي (ص) للحقوق الشخصية والنوعية، حيث يتضح دليل من كل أمر يصدره. لاحظ درجة عطف ذلك السيد في حفظ ناموس وعصمة النساء، حيث نهى للتأكيد والمبالغة عن الأشياء التي تنضح منها آثار العفة، مثل السكن في الغرف والشرفات، وتعليم الكتابة التي هي جاسوسة كاشفة للأسرار، وتعليم تفسير سورة يوسف (ع) التي هي لمحة من حكايات النساء، وأمر بتعليم سورة النور التي فيها آداب الحجاب وأمر بالعفة والحفظ من غير المحارم. فبالتالي، مثل هذه الشريعة كافية للمجتمع العاقل الواعي» (الحسيني الشاه عبد العظيمي، 1363ش، 6: 164). وجاء أيضًا: «هذا الأمر من حضرته هو توجيه للمتدينين لتربية النساء وحفظ عفتهن. فيا لسعادة العاملين بأوامر القرآن والتاركين لنهج وطريقة أهل الزمان» (نفسه).
2-6. النقاد
في رده على كيفية صحة صدور ودلالة حديث النهي عن تعليم الكتابة للنساء، اعتبر آية الله السيستاني، مع تضعيف سنده، أن احتمال صدوره عن المعصوم (ع) ليس بعيدًا بالنظر إلى الظروف الزمانية والمكانية والثقافية والاجتماعية الخاصة بذلك العصر. فالكتابة لم تكن شائعة ومفيدة جدًا بين عامة الناس، خاصة النساء، في أمور الحياة اليومية، وربما كان الانشغال بها يجلب عدة مفاسد للنساء، منها الغفلة عن واجبات الزوجية وتربية الأبناء. وبالطبع، لا يجوز ولا يعقل تعميم هذا النهي على العصر الحاضر، عصر انتشار ثقافة الكتابة والحضور الواسع للنساء في المجتمع (السيستاني، د.ت، 570-577). وقد ذكر آية الله مكارم الشيرازي أيضًا: «في بضعة أحاديث نُهي عن تعليم سورة يوسف (ع) للنساء، ربما لأن الآيات المتعلقة بزوجة عزيز مصر والنساء الشهوانيات المصريات، بكل ما فيها من بيان عفيف، قد تكون مثيرة لبعض النساء. وعلى العكس من ذلك، تم التأكيد على تعليمهن سورة النور (التي تشتمل على آيات الحجاب). ولكن في المجمل، أسانيد هذه الروايات ليست جديرة بالاعتماد كثيرًا. وعلاوة على ذلك، في بعض الروايات، يظهر عكس هذا الأمر، أي يُشجع فيها على تعليم هذه السورة للعائلات. بعد كل هذا، فإن التدقيق في آيات هذه السورة يظهر أنه لا يوجد فيها أي نقطة سلبية للنساء، بل إن قصة حياة زوجة عزيز مصر الملوثة هي درس وعبرة لكل من يقع في وساوس الشيطان» (مكارم الشيرازي، 1374ش، 9: 297).
يمكن تقديم مزيج من الرأيين بناءً على النظرة النقدية لأمثال آية الله السيستاني، بحيث يكون قابلًا للاستناد والدفاع. بالنظر إلى عنوان «بَابٌ فِي تَأْدِيبِ النِّسَاءِ» (باب تأديب النساء) في كتاب الكافي، وكذلك بالنظر إلى الأحاديث الأخرى في هذا الباب والأبواب السابقة: «بَابٌ فِي قِلَّةِ الصَّلَاحِ فِي النِّسَاءِ» (الكليني، 1407هـ، 5: 514) واللاحقة: «بَابٌ فِي تَرْكِ طَاعَتِهِن» (نفسه، 516)، وأن جميع أحاديث هذا الباب تؤيد هذا الحديث، أو أنه لا يمكن العثور على أحاديث في ذلك الباب أو الأبواب الأخرى تقول عكس ذلك، تظهر هذه المسألة بشكل أفضل أن هذه الروايات تعكس الجغرافيا التاريخية والثقافة السائدة في عصر صدورها، وتعكس نظرة المجتمع المسلم في القرون الأولى للمرأة. وهي تتعلق بفترة من حياة المسلمين (الشيعة والسنة) كانت لديهم مثل هذه النظرة تجاه النساء وكانوا ينهونهن عن الأمور التي كان الرجال الركن الأساسي في القيام بها في تلك المجتمعات. لا ينبغي أن ننسى أن النساء في ذلك الوقت لم يكن لهن حضور فعال ومؤثر في الساحات الاجتماعية، وبالطبع لا علاقة لهذا الأمر بالتعاليم الإسلامية، بل كان يُحسب على العرف المقبول في المجتمع. وكان بإمكان النساء، دون تعلم الكتابة، أداء واجباتهن ومسؤولياتهن الأساسية بكفاءة. في مثل هذه الظروف، يكون صدور هذه النواهي من قبل الشارع والشارحين المعصومين (ع) مبررًا ومقتصرًا على تلك الظروف والثقافة. الاحتمال الآخر، الذي قد يبدو متشائمًا ولكنه محتمل على أي حال، هو أنه في الفكر الذكوري للمجتمعات الأولى، كانت المرأة تعتبر الجنس الثاني والأدنى من الرجل. لذا، لا ينبغي لها أن تساويه في الأمور التي كانت من اختصاص الرجال. ولهذا السبب، نُهين عن الكتابة وركوب الخيل. ومع وجود مثل هذه الأحاديث التي تعكس الأوضاع الفكرية لرجال ذلك الزمان وربما لها جميعًا منشأ واحد، وقد روج لها جزء من المجتمع العربي الإسلامي الذكوري في القرون الأولى، وبالنظر إلى عنوان باب هذه الأحاديث الذي يصف عدم إشراك النساء في هذه الأمور بـ«تأديب النساء» و«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهن»، تتضح هذه الحقيقة بشكل أكبر.
بالنظر إلى أبواب هذا النوع من الأحاديث (النهي عن تعليم الكتابة للنساء) في القرون اللاحقة، والتي عُرضت تحت عناوين مثل «حق المرأة على الرجل» أو «أدب المرأة في الصلاة» أو «فضل قراءة سورة النور»، وما شابه ذلك من مباحث، يتضح أن النظرات العدائية والمزدوجة بالاحتقار للمرأة قد تضاءلت وتغيرت النظرة، أي تم التركيز أكثر على الوظيفة الأخلاقية لهذه الروايات في المجتمعات المتأخرة. لدرجة أن علماء الشيعة المتأخرين حاولوا تبريرها دون الالتفات إلى رواتها: قال العلامة محمد تقي المجلسي في شرح الحديث المذكور: «قد يراها غير المحرم أو ترى هي غير المحرم، ولا تعلموها الكتابة لئلا تكتب شيئًا إلى جماعة فيفتتن الرجال بخطها، ولا تعلموها سورة يوسف (ع)، لأن فيها حكاية العشق، لئلا يفتتن، وعلموها غزل الصوف أو الحرير، وعلموها سورة النور، لأن فيها آية الحجاب وحد الزنا وغير ذلك من أحكام النساء، وقد يكون هذا الحكم خاصًا بالمرأة التي تعرف العربية!» (المجلسي، 1414هـ، 4: 361). في حالات مشابهة، مثل حديث «الْمَرْأَةُ شَرٌّ كُلُّهَا»، يوجد نفس النهج النقدي. فسر المرحوم محمد دشتي «المرأة» في هذه الحكمة بأنها كناية عن الزواج وتكوين الأسرة، فيقول: «لم يستخدم الإمام (ع) كلمة الشر بمعنى السوء والسيئات، بل أراد أن يفهم أن الزواج وتكوين الحياة له مسؤوليات ومشاكل، كما في المثل الفارسي القائل: الزوجة والأولاد هموم، وبدون هموم لا يمكن العيش. عندئذ لن تُطرح التفسيرات السلبية والاعتراضات غير المبررة» (دشتي، 1414هـ، 19). بالطبع، يكتب ابن ميثم البحراني في شرحه: «المراد أن جميع أحوال المرأة شر، سواء مؤونتها ونفقاتها على الرجل، أو لذاتها التي تبعد الرجل عن الله وطاعته…» (البحراني، د.ت، 5: 361). ولكن هذا التحليل ليس صحيحًا، لأنه في النظرة الإسلامية، أداء الواجب تجاه الأسرة ليس ابتعادًا عن الله، بل هو عين القرب إلى الله. إن نهج ابن ميثم في تحليل هذا الحديث، مثل نهج النراقي صاحب جامع السعادات في «كَلِّمِينِي يَا حُمَيْرَاء»، هو نهج صوفي وأهل رياضة، وليس نظرة إسلامية خالصة. النظرة الإسلامية الخالصة هي: «مَا أَظُنُّ رَجُلًا يَزْدَادُ فِي الْإِيمَانِ خَيْرًا إِلَّا ازْدَادَ حُبًّا لِلنِّسَاءِ» (الكليني، 1407هـ، 5: 320)، وكذلك «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَرَكَ دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ وَلَا آخِرَتَهُ لِدُنْيَاهُ» (الصدوق، 1413هـ، 3: 156). بناءً على ذلك، لا ينبغي الظن أن الأوامر والنواهي المتعلقة بالنساء قد صدرت جميعها عن المعصومين (ع). فغالبًا في كتب الرجال، يتم تضعيف عدد من الرواة أو تفسيقهم أو اتهامهم بوضع الحديث، ثم يُرى هؤلاء الأفراد أنفسهم في أسانيد بعض الروايات. فهل من العقل نسبة مثل هذه الروايات إلى المعصوم (ع)؟! ثانيًا، ظاهر كثير من هذه الروايات لا ينسجم مع روح القرآن وتعاليم المعصومين (ع). وقد صرح بعض المحققين في الماضي بضعف أو وضعية عدد من هذه الروايات. في هذه الظروف، فإن نسبة هذه الروايات إلى المعصوم (ع) تخالف المنهج العلمي والإنصاف. إن عددًا من روايات ذم النساء هي بلا شك موضوعة ومن نتاج أذهان ومشاعر الرواة العرب. بعض هذه الجمل هي كلمات قصار أو أمثال كانت من المسلمات في المجتمع العربي الذكوري، أي قضايا كان الناس يعتبرون صحتها بديهية. بالطبع، في كثير من الحالات، كما في روايات النهي عن الكتابة، يجب، مع قبول الاحتمال القوي لصدورها عن المعصوم (ع)، ومع الأخذ بعين الاعتبار القرائن المتنية والتاريخية، تفسير وتوجيه دلالتها وحجيتها بشكل صحيح.
7. عرض هذه الروايات على تعاليم القرآن الصريحة
أحد المعايير المهمة لتمييز صحة الروايات هو عدم مخالفة محتواها لـ«آيات القرآن». الروايات التي تشير إلى منع تعليم سورة يوسف (ع) للنساء لا تبدو منسجمة مع ظاهر القرآن، بالإضافة إلى أن بعض الروايات تتعارض معها، كما أُشير. روايات منع تعليم سورة يوسف (ع) للنساء ستعني أن محتويات هذه السورة تسبب ضلال النساء (المجلسي، 1414هـ، 4: 361-364). ولكن هذا الأمر لا ينسجم مع جانب الهداية الذي يعتبر من أركان تعاليم القرآن، لأن القرآن كتاب لا سبيل للضلال فيه. بالإضافة إلى ذلك، إحدى علامات إعجاز القرآن هي خلوه من التعابير المخالفة للعفة، وهو أبدًا لا يتناسب مع بيان شخص أمي نشأ في بيئة العصر الجاهلي، مع أن كلام كل إنسان يتناسب مع أفكاره وبيئته. بين كل القصص المنقولة في القرآن، توجد قصة حب حقيقية، وهي قصة يوسف (ع) وزوجة عزيز مصر. قصة تتحدث عن الحب العاطفي لامرأة جميلة شهوانية لشاب طاهر. عندما يواجه الكتاب مثل هذه المشاهد، إما أن يضطروا إلى إطلاق عنان اللسان أو القلم لرسم المشاهد الرئيسية للقصة، وبالمصطلح، لأداء حق الكلام، أو يضطرون إلى رسم المشاهد بشكل موجز للحفاظ على عفة القلم. لقد قال القرآن كل ما يجب قوله في شرح هذه القصة، ولكنه لم ينحرف قيد أنملة عن أصول عفة الكلام، حيث يقول: «وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» (يوسف: 23). القرآن الكريم هو البرنامج الوحيد لسعادة البشر، الذي يؤمنهم دائمًا من الضلال، والمدح الوحيد له هو ما قاله العارف بحقائقه: «لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» (فصلت: 42). «ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ» (البقرة: 2). «أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا» (الكهف: 1-2)؛ «إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ» (ص: 87). «تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا» (الفرقان: 1). القرآن لا يسبب أبدًا ضلال البشر، ولا يمكن القول إن النساء، على سبيل المثال، يضللن بقراءة سورة يوسف (ع)؛ هناك فئة واحدة فقط محرومة من هداية القرآن، وكلما قرأوا القرآن زادوا ضلالًا: «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا» (الإسراء: 82).
لقد وصف الله سبحانه وتعالى سورة يوسف (ع) بتعبير «أَحْسَنَ الْقَصَصِ»: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ» (يوسف: 3). بنابراین، محتوای روایات نهی، با تعبیر «أَحْسَنَ الْقَصَصِ» سازگاری ندارد زیرا طبق روایات نهی، سوره یوسف (ع) دستکم برای نیمی از جمعیت انسانها (زنان)، أَحْسَنَ الْقَصَصِ نیست! التوصية العامة للقرآن بتلاوة جميع آياته من جهة، والتوصية الخاصة بالتدبر في آيات سورة يوسف (ع) من جهة أخرى، دليل آخر ضد روايات النهي؛ محتوى روايات النهي لا يتوافق مع هذه التوصيات القرآنية. توصية الجميع بتلاوة آيات القرآن الكريم: «فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» (المزمل: 20)، وتوصية خاصة بتلاوة سورة يوسف (ع): «لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (يوسف: 111)، و «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ» (يوسف: 3). بالنظر إلى هذه الآيات، يجب القول: إن الرسالة الأساسية لسورة يوسف (ع) هي الدعوة إلى العفة والتقوى والطهارة، ولا تثير الفتنة أبدًا، ومحتوى روايات النهي للنساء لا ينسجم أبدًا مع رسالة سورة يوسف (ع). بالإضافة إلى ذلك، هناك آيات وروايات كثيرة تشجع وتحث على «تعلم العلم»: «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ» (البقرة: 269). «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» (الزمر: 9). «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ» (فاطر: 28). «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» (المجادلة: 11). حتى يمكن الإشارة إلى آيات تدل على «الكتابة» وأهميتها: «الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ» (العلق: 4)؛ «ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ» (القلم: 1). كما لوحظ، لم يشر أي من هذه الآيات إلى اختصاص العلم بالرجال، بل خاطبت جميع الناس. بالطبع، كما ورد، هذا التناقض لا يعني صراحة وضع وكذب روايات النهي عن تعليم الكتابة، إذ يمكن تبريرها بأن هذه النواهي صدرت في عصر وبيئة خاصة، ولكن بالاستناد إلى الآيات القرآنية يمكن الطعن في عمومية دلالتها لجميع النساء وشمولها لجميع العصور.
8. عرض هذه الروايات على سنة المعصومين (ع) وسيرتهم
مع ظهور الإسلام ونزول الآيات الإلهية التي أكد الكثير منها على تعلم المعرفة، والتوصيات الكثيرة للنبي (ص) منها «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» (الكليني، 1407هـ، 1: 28)، أصبح طلب العلم مسألة مهمة لجميع المسلمين، رجالًا ونساءً. وقد أمر النبي الأكرم (ص) النساء بتعلم القرآن والحكمة. فاطمة (ع)، وعائشة، وحفصة، وزوجة جابر بن عبد الله الأنصاري، وابنة أبي الأسود الدؤلي، وأم سلمة، وابنة أبي ذر الغفاري، وابنة حجر بن عدي، وابنة مسلم بن عقيل، وأسرة ابنة أم سلمة، وبنات أئمة الهدى (ع)، وابنة السيد المرتضى، وابنة الشيخ الطوسي، وابنة شيم ودام، وابنة الشهيد الأول، كن من النساء اللواتي كن من أهل العلم والفكر والفقه في ضوء التعاليم الدينية (الحر العاملي، 1385ش، 193). أصلًا، إذا فُهمت مثل هذه الأقوال بمعنى عام وشامل لجميع النساء وفي جميع العصور، فإنها لا تتوافق مع أقوال النبي الأكرم (ص). ذلك أن النساء في هذه الرواية لم يُخاطبن بشكل مباشر ومستقل، وكأن الفرضية كانت أنهن غير قابلات للمخاطبة، وكان الصحيح، بالنظر إلى أن النساء في الشريعة الإسلامية مكلفات بالواجبات الشرعية مثل الرجال، أن يخاطبن مباشرة، ليكون هذا النهي أكثر قبولًا لديهن ويتحقق غرض صاحب الشريعة بشكل أسرع. ولكن في تبرير هذه الرواية، يمكن للنساء أن يقلن إن المخاطب والمكلف في هذا النهي هم الرجال، ويحرم عليهم تعليمنا الكتابة. ولكن إذا لم يطيعوا هذا الأمر، أو إذا تمكنا من تعلم الكتابة بأي طريقة أخرى، فإننا في هذه الحالة لم نرتكب فعلًا محرمًا.
هذه الرواية تتعارض أيضًا مع السيرة العملية للنبي الأكرم (ص)، لأنه هو نفسه كان يعلم النساء، وأحيانًا كانت بعض النساء يعلمن بعض زوجات النبي (ص) الكتابة. حتى كانت هناك نساء جلسن في منصب الأستاذية بعده ونقلن روايات عن حضرته (ص). يمكن ذكر أم سلمة زوجة النبي (ص)، وأسماء بنت يزيد، وميمونة زوجة النبي (ص)، وحفصة زوجة النبي (ص)، وأسماء بنت أبي بكر، وأم حبيبة زوجة النبي (ص) (البلاذري، 1983م، 1: 435). وكانت السيدة فاطمة الزهراء (س) أيضًا، في حياتها القصيرة بعد النبي (ص)، تابعة لمسيرة أبيها بنقل رواياته. تظهر السيرة العملية لرسول الله (ص) أنه كان يتعامل مع النساء بأقصى درجات الاحترام، خاصة مع ابنته الكريمة فاطمة (س) وزوجاته. في الحقيقة، إن سلوكه وكلامه يرسمان نظرة الإسلام للمرأة، التي رفعها من كائن وضيع لا قيمة إنسانية له في عصر الجاهلية إلى مقام إنساني ذي كرامة عالية. في المجمل، يجب القول؛ إما أن النبي (ص) بسبب عدم ضرورة امتلاك مهارة الكتابة للنساء في البيئة المحدودة للمدينة وجزيرة العرب، وضرورة انشغال النساء بواجبات الأمومة والزوجية والتربية الأساسية، قد أنشأ هذا النهي مؤقتًا، وبالتأكيد لا يمكن الاستناد إليه وتعميمه على العصور اللاحقة والمجتمعات المتقدمة الحالية ذات الدور المختلف للنساء في المجتمع، أو أنه من المحتمل أن الرجال في بيئة ذلك الزمان الذكورية، بسبب روح الهيمنة والتعصبات الجاهلية، حاولوا منع النساء من دخول الساحات الاجتماعية، وبما أن عددًا قليلًا من النساء كن يتمتعن بهذه الميزة، فقد لجأوا إلى توبيخهن ونهيهن لمنع انتشارها وزيادتها.
9. الخلاصة
يمكن تقسيم عائلة روايات «النهي عن تعليم الكتابة للنساء» بناءً على الروايات المتشابهة وترتيب تاريخ الوقوع إلى أربع فئات: أ. نهي النساء عن التبرج وإظهار الزينة. ب. النهي عن تعليم الكتابة للنساء مع التأكيد على تعليم سورة النور لهن. ج. الأمر بتعليم الغزل للنساء. د. النهي عن تعليم الكتابة للنساء والأمر بتعليمهن الغزل. 2- على الرغم من ضعف أسانيد هذه الروايات، فإن احتمال صدورها عن المعصوم (ع) قائم. إن صدور هذا النهي وأمثاله من النواهي في البيئة الاجتماعية المحدودة لصدر الإسلام، حيث كان الأفراد، وخاصة النساء، يفتقرون إلى مهارة القراءة والكتابة، وكانت الثقافة الشفهية هي السائدة في تعاملات الناس، ولم يكن للتدوين استخدام عملي كبير، وربما كان انشغالهن بهذا الأمر غير الضروري يصرفهن عن أمور أكثر خطورة كانت من واجباتهن الأساسية ويجلب مفاسد لحياتهن المعتادة، هو أمر معقول ومحتمل. 3- تعاليم القرآن الصريحة والسنة القطعية للمعصومين (ع) القائمة على ضرورة التعليم والتعلم للجميع بغض النظر عن الجنس والعرق، وكذلك العرف السائد في المجتمع الإسلامي الذي نشأت فيه العديد من النساء المثقفات والعالمات، وسيرة العقلاء والعلماء، تؤكد على أن هذا النهي وأمثاله كان مقيدًا بزمان ومجتمع عصر الصدور. هذا الاحتمال ليس بعيدًا عن الذهن أيضًا بأن بعض هذه المرويات كانت من نتاج أذهان المجتمع المتعصب والذكوري العربي في القرون السابقة، وأن البعض نسبها إلى المعصومين (ع) أو الخليفة الثاني أو ابن عباس ليتقبلها الناس. 4- يبدو أن الهدف الرئيسي لهذه المرويات كان أخلاقيًا للمجتمع، أي من خلال تقييد النساء في بيئة المنزل ونهيهن عن محو الأمية، كانوا يريدون منع انتشار الفساد، عن طريق اختلاط النساء بالرجال أو ابتعاد النساء عن واجباتهن الأساسية كأم وزوجة.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة، قم: مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404هـ.
ابن الأخوة، ضياء الدين محمد، آئين شهردارى، ترجمة: جعفر شعار، طهران: بنگاه نشر وترجمه، 1360ش.
ابن الأشعث، محمد بن محمد، الجعفريات (الأشعثيات)، طهران: مكتبه النينويه الحديثه، د.ت.
ابن حبان، المجروحين، بدون مكان، بدون ناشر، د.ت.
ابن حجر، لسان الميزان، بيروت: مؤسسة للعلمي، چاپ سوم، 1971م.
ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، بيروت: دارالفكر للطباعه و النشر و توزيع، 1415هـ.
ابن عدي، عبد الله، الكامل، بيروت: دارالفكر للطباعه و النشر و توزيع، 1988م.
البحراني، ابن ميثم، شرح نهج البلاغة، بدون مكان، بدون ناشر، د.ت.
البحراني، سيد هاشم بن سليمان، البرهان في تفسير القرآن، قم، انتشارات بعثت، 1374ش.
البغدادي، الخطيب، تاريخ بغداد، بيروت: دار الكتب العلمية، 1997م.
البلاذري، أحمد، أنساب الأشراف، بيروت: دار العلمية، الطبعة التاسعة، 1983م.
الثعلبي، أبو إسحاق، تفسير الثعلبي، بيروت: دار التراث العربي، 2002م.
الأصفهاني، حافظ أبو نعيم، ذكر أخبار إصبهان، بريل ليدن المحروسة، 1934م.
الحسيني الشاه عبد العظيمي، حسين، تفسير اثنا عشري، طهران: انتشارات ميقات، 1363ش.
الحر العاملي، محمد بن حسن، أمل الآمل، بغداد: ناشر أحمد حسيني، 1385ق.
وسائل الشيعة، قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، 1409ق.
الذهبي، شمس الدين، ميزان الاعتدال، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د.ت.
الرامهرمزي، حسن بن عبد الرحمن، الحد الفاصل، بيروت، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1404ق.
الراوندي الكاشاني، فضل الله بن علي، النوادر للراوندي، قم: دار الكتاب، د.ت.
السمعاني، أبو المظفر، تفسير السمعاني، الرياض، دار الوطن، 1997م.
السيستاني، السيد علي، استفتاءات، بدون مكان، بدون ناشر، د.ت.
الشوكاني، محمد، نيل الأوطار، بيروت، دار الجليل، 1973م.
دشتي، محمد، ترجمة نهج البلاغة، قم، هجرت، 1414ق.
الصدوق، محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه، قم، دفتر انتشارات إسلامي، 1413ق.
الصولي، أبو بكر محمد بن يحيى، أدب الكتاب، بغداد: المكتبة العربية، 1341ق.
الطبرسي، حسن بن فضل، مكارم الأخلاق، الشريف الرضي، قم، 1370ش.
الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان لعلوم القرآن، طهران، انتشارات ناصر خسرو، الطبعة الثالثة، 1372ش.
الفيض الكاشاني، محمد، الوافي، أصفهان، كتابخانه إمام أمير المؤمنين علي (ع)، 1406ق.
تفسير الصافي، مكتبة الصدر، طهران، 1415ق.
القرطبي، أبو عبد الله، تفسير القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1985م.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1407ق.
الكوفي، ابن أبي شيبة، المصنف، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1989م.
المجلسي، محمد تقي، لوامع صاحبقراني، قم، مؤسسة إسماعيليان، الطبعة الثانية، 1414ق.
مكارم الشيرازي، ناصر، تفسير نمونه، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1374ش.
المعماري، داود، مباني وروش هاى نقد متن حديث از ديدگاه انديشوران شيعه، قم: بوستان كتاب، الطبعة الثالثة، 1390ش.