الملخص
نقل المحدّثون، بالاستناد إلى حديث «من بلّغ»، بعض الأحاديث الأخلاقية دون سند، مما وضعنا أمام تحدٍّ في التمييز بين الحديث الأصيل والموضوع. ومن نماذج هذه الأحاديث، حديث «الشَّيْخُ فِي أَهْلِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِه»، الذي إن شاع على الألسن فقد يتحول إلى عقيدة مفادها أن الشيوخ أفضل من الشباب ولهم الولاية عليهم. عند النظر في هذا الحديث، يتبادر إلى الذهن تساؤلات: كيف هو سند الحديث؟ وما المقصود بالشيخ؟ وهل تشبيهه بالنبي صحيح؟ وهل يتوافق مع الآيات والروايات الأخرى؟ يجيب هذا البحث عن هذه الأسئلة بمنهج وصفي-تحليلي ومكتبي. وتشير نتائج البحث إلى أن هذا الحديث لم يرد في المصادر الحديثية المعتبرة (لدى الشيعة وأهل السنة) وليس له سند صحيح. وفي مصادر أهل السنة، نُقل متنه بصيغ مختلفة، مثل: «الشيخ في أهله – الشيخ في بيته – الشيخ في جماعته – العالم في أهله». وبالجمع بينها، يمكن القول إن حديث «العالم في قومه» يوضح حديث «الشيخ في أهله»، وأن الأحاديث الثلاثة الأخرى تهدف إلى توسيع نطاق نشاط الشيخ، حيث يبدأ هذا النشاط من البيت، ثم الأهل والأقارب، وفي المرحلة التالية الجماعة. ولفظة «الشيخ» تطلق على الكبير في السن، ورجل الأسرة، والعالم، وعالم الدين، وصاحب الرأي، وصاحب الوقار. ولفظة «أهل» تطلق على الزوجة، وأفراد الأسرة، والأنصار، وأتباع الشخص. وقد فهم شُرّاح الحديث منه معنى العالم الكبير في السن، وبالنظر إلى الوظائف التي يذكرها القرآن للأنبياء، لا يمكن أن ينطبق إلا على الشيخ العالم. وإذا كان الحديث يدل على وجوب الاتباع، فإن الاتباع غير القائم على التخصص مرفوض في نظر القرآن والسنة.
١. طرح المسألة
بما أن الحديث هو أهم مصدر للوصول إلى المعارف الدينية بعد القرآن الكريم، ونظراً لوجود ظاهرة الوضع في فترة من الفترات (أبو رية، ١٣٨٩ق، ١٨٠ إلى ٢١٨)، لا يمكن النظر إلى جميع الأحاديث بعين القبول. لذا، من اللائق أن يبذل كل مسلم أقصى جهده لمعرفة مصادر دينه، ومنها الحديث. تنقسم الأحاديث المروية عن المعصومين إلى أنواع تاريخية، وفقهية، وأخلاقية، ودعائية، وغيرها. وضمن الأحاديث الأخلاقية، نُقلت أحاديث في فضل كبار السن. وبعد البحث في المصادر الروائية، اتضح أنها وردت على صورتين: ١- بعضها كان بصيغة الأمر، ويركز على سن الشيخوخة، حيث أمروا باحترام الكبير لسنه. فعلى سبيل المثال، قال رسول الله (ص): «من عرف فضل كبير لسنه فوقره، آمنه الله من فزع يوم القيامة» (الكليني، ١٤٠٧ ق، ٢: ٦٥٨). كما قال لأنس بن مالك: «وقّروا كباركم تكونوا من رفقائي في الجنة» (المجلسي، ١٤٠٣ ق، ٧٣: ١٣٧). ٢- وفي روايات أخرى، ورد الأمر بتوقير المؤمن ذي الشيبة. على سبيل المثال، قال الإمام الصادق (ع): «ثلاثة لا يستخف بحقهم إلا منافق بيّن النفاق: ذو الشيبة في الإسلام، وحامل القرآن، والإمام العادل» (نفسه، ٢: ٦٥٨). كما ورد عنه: «من أهان ذا شيبة في الإسلام، بعث الله إليه من يهينه قبل موته» (نفسه). وفي المصادر الروائية، رُوي حديث «الشَّيْخُ فِي أَهْلِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِه»، والذي يحتاج إلى مزيد من التدبر بسبب التفاسير المتنوعة لمعنى الشيخ والأهل، وهو ما تتكفل هذه المقالة ببحثه ودراسته. وتكمن ضرورة هذا البحث في أن الأحاديث الأخلاقية أكثر شهرة من غيرها من الأحاديث، وهذه الشهرة قد تتحول إلى عقيدة1، لذا يجب إيلاء مزيد من الدقة في دراسة هذه الأحاديث. سؤال هذا البحث هو: هل هذا القول صدر عن النبي الأكرم (ص) أو المعصومين (ع)؟ وهل ورد له سند صحيح؟ والسؤال الثاني: ما المعاني التي تحملها كلمة «الشيخ»؟ وهل تقتصر على من بلغ سن الشيخوخة أم لا؟ والسؤال الثالث: هل الحديث المذكور يتوافق مع آيات القرآن والأحاديث الأخرى أم لا؟ والسؤال الرابع: هل تشبيه الشيخ بالنبي مؤيد من قبل القرآن وروايات أخرى؟ في هذا البحث، سيتم الإجابة عن الأسئلة المذكورة باستخدام المنهج الوصفي-التحليلي والمكتبي. وفيما يتعلق بخلفية هذا الموضوع، تجدر الإشارة إلى أنه بعد البحث في المقالات، اتضح أنه لم يقم أحد حتى الآن بدراسة هذا الحديث والتحقيق فيه. في البداية، سنقوم بدراسة الحديث المذكور من الناحية السندية في المصادر الحديثية الشيعية والسنية، ثم نتناول دلالته.
٢. دراسة مصادر الرواية
١-٢. المصادر الشيعية
أول من ذكر هذا الحديث بهذه الصيغة هو الفتال النيسابوري في كتاب روضة الواعظين: «وَ قَالَ (ص) الشَّيْخُ فِي أَهْلِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِه» (الفتال النيسابوري، ١٣٧٥ ش، ٢: ٤٧٦). أي أن النبي الأكرم (ص) قال: الشيخ في أهله وعشيرته كالنبي في أمته. ثم نقله محمد بن محمد الشعيري في كتاب جامع الأخبار بهذه الصيغة: «وَ قَالَ (ع) الشَّيْخُ فِي أَهْلِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِه» (الشعيري، بي تا، ٩٢). وفي مشكاة الأنوار نُقل بنفس الطريقة (الطبرسي، ١٣٤٤ ش، ١٦٩). بعد ذلك، ذكر المرحوم محمد باقر المجلسي والمحدث النوري الحديث تبعاً لهما بدون سند (المجلسي، ١٤٠٣ ق، ٧٢: ١٣٧؛ المحدث النوري، ١٤٠٨ ق، ٨: ٣٩٤). وكما لوحظ، فإن انتشار الحديث يبدأ من القرن الخامس فصاعداً، وأكبر عيوبه أنه فاقد للسند، ومن وجهة نظر علماء الرجال، فإن الحديث الذي لا سند له يعتبر ضعيفاً ومردوداً (عتر الحلبي، ١٤١٨ ق، ٢٨٦).
٢-٢. دراسة اعتبار الحديث في المصادر الشيعية
١-٢-١. روضة الواعظين للفتال النيسابوري: كتاب «روضة الواعظين وبصيرة المتعظين» هو من تأليف أبي علي، محمد بن الحسن الفتال النيسابوري، ويتناول موضوعات أصول العقائد والأخلاق والآداب والسيرة وفضائل المعصومين عليهم السلام. وقد حذف هذا الكتاب جميع أسانيد الروايات. هدف المؤلف كان تأليف كتاب أخلاقي يُستفاد منه في التهذيب والسير والسلوك. قال الشيخ منتجب الدين إن الفتال النيسابوري كان ثقة وجليلاً (منتجب الدين، ١٤٢٢ ق، ٤٣٧). وأضاف آية الله البروجردي: «محمد بن الحسن بن علي بن أحمد الفتال النيسابوري المعروف بابن الفارسي، متكلم جليل القدر، فقيه، عالم، زاهد ومتقي. وُلد في نيسابور ولكن تاريخ ولادته غير معلوم. من مؤلفاته: ١- روضة الواعظين وبصيرة المتعظين ٢- التنوير في معاني التفسير ٣- مونس الحزين» (البروجردي، ١٣٨٦ش، ٢٥: ٤١ و ٤٢).
٢-٢-٢. جامع الأخبار للشعيري: قال المؤلف في مقدمة كتابه: «منذ بلغت العشرين وحتى الآن (في الخمسين من عمري)، كان لدي شوق دائم لتأليف كتاب جامع للروايات يشتمل على الزهد والموعظة والترغيب والترهيب. ولكن لما رأيت أن أهل زماني يفرون من هذه المباحث ولا يبلغون أدنى مراتبها، فكيف بهم أن يصلوا إلى قممها الرفيعة، كنت أحياناً أُقدم وأحياناً أُحجم. وفي أحد الأيام رأيت الآية الشريفة «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِين» (الذاريات: ٥٥) وتأملت فيها، وفي مضمون روايات مثل: من دعا غيره إلى خير كان مأجوراً على دعوته، سواء عمل الآخرون أم لم يعملوا، فدققت النظر؛ لذا لم ألتفت إلى رغبة الناس وأمسكت بالقلم وحررت هذا الكتاب» (الشعيري، بي تا، ٣). قال الحر العاملي: «شمس الدين محمد بن محمد بن حيدر الشعيري عالم وصالح، وكتاب جامع الأخبار منسوب إليه» (الحر العاملي، بي تا، ٢: ٢٣٢). ويقول آية الله البروجردي عن وثاقته ومؤلفاته: «عالم وفقيه شيعي كبير في القرن السادس الهجري. كان يذهب إلى منزل أبي منصور علي بن عبد الله الزيادي في مدينة بيهق ليتعلم ويكتسب علوم ذلك العصر، كما كان يتلقى العلم في محضر فضل الله بن علي الراوندي. ومن تلامذته يمكن ذكر الشيخ منتجب الدين من علماء القرن السادس الهجري وصاحب كتاب الفهرست. ومن مؤلفاته جامع الأخبار» (البروجردي، ١٣٨٦ش، ٢٥: ٤٧). بناءً على ذلك، فإن مؤلفي كتابي «جامع الأخبار» و«روضة الواعظين» هما موضع ثقة واعتماد عند أهل العلم، ولكن أكبر إشكال فيهما هو أنهما ذكرا الأحاديث بدون سند. لذا، فإن وجود الحديث في هذين الكتابين لا يكفي وحده، ويتطلب البحث والتحري عن السند في كتب أخرى.
٣-٢. مصادر أهل السنة
لم يُعثر على الحديث المذكور في الصحاح الستة والكتابين الآخرين اللذين أُضيفا إلى الصحاح الستة كمصادر أولية (موطأ مالك ومسند أحمد بن حنبل)، والتي تشكل بمجموعها الكتب الثمانية التي يرجع إليها علماء أهل السنة.
١-٣-٢. الصيغة الأولى:
أ – «أخبرنا علي بن إسماعيل بن علي أبو الحسن بن أبي المعالي العلوي الأذرعي بقراءتي عليه بمرو أنبأنا الأديب أبو محمد كامجار بن عبد الرزاق بن محتاج بن أحمد بن سهل الشافعي قراءة عليه قال ثنا القاضي أبو بكر أحمد بن محمد بن إبراهيم الصدقي إملاء ثنا أبو عبد الله الحسين بن علي الخطيب ثنا أستاذي أبو جعفر محمد بن أحمد الفقيه ثنا عبد الله بن محمود السعدي ثنا محمد بن عبد الملك الكوفي القناطري ثنا إسماعيل بن إبراهيم شيخ لنا عن ابن أبي رافع عن أبي رافع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشَّيْخُ فِي أَهْلِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِه» (ابن عساكر، ١٤٢١ ق، ٢: ٧٠٣).
ب – «الديلمي في مسند الفردوس من رواية محمد بن عبد الملك الكوفي حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أبيه عن رافع بن أبي رافع عن أبيه قال قال رسول صلى الله عليه وسلم: الشَّيْخُ فِي أَهْلِهِ كَالنَّبِيِّ فِي قَومِه» (العراقي، ١٤٠٨ ق، ١: ٢٣٠).
ج – «أحمد بن يعقوب القرشي الجرجاني الأموي عن عبد الملك القناطري عن إسماعيل عن أبيه عن رافع (عن أبي رافع) الشَّيْخُ فِي أَهْلِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِه» (زين الدين محمد، ١٩٨٠م، ٤: ١٨٥؛ المتقي الهندي، ١٩٨١م، ١٥: ٦٦٤؛ السيوطي، بي تا، ١: ٧١٩٤).
د – «الضحاك بن عَلِي الْمَرْوَزِيُّ أَبُو الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ قَدِمَ قَزْوِينَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وثمانين وثلاثمائة وروى عن مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بْنِ تَوْبَةَ الْمَرْوَزِي رَوَى عَنْهُ الخليل الحافظ في مشيخته فقال ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الضَّحَاكُ بْنُ عَلِيّ الصُّوفِيُّ شَابٌ قَدِمَ عَلَيْنَا ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ تَوْبَةَ الْمَرْوَزِيُّ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابن مَحْمُودِ الْمَرْوَزِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْكُوفِيُّ ثَنَا إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَافِعِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: الشَّيْخُ فِي أَهْلِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِهِ» (عبدالكريم بن محمد، ١٤٠٨ ق، ٣: ٩٥ و ٩٦).
٢-٣-٢. الصيغة الثانية:
«حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن أَحْمَد بن حاتم حَدَّثَنَا عُمَر بْن مُحَمَّد بن القيرواني حَدَّثَنَا عبد الله بن عُمر بن غَنَائِم عَن مَالك عَن نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: الشَّيْخُ فِي بَيْتِهِ كَالنَّبِيِّ فِي قَوْمِهِ» (السيوطي، ١٩٩٦ م، ١: ١٤٠).
٣-٣-٢. الصيغة الثالثة:
«الشَّيْخُ فِي جَمَاعَتِهِ كَالنَّبِيِّ فِي قَوْمِهِ، يَتَعَلَّمُونَ مِنْ عِلْمِهِ» (السخاوي، ١٩٨٥ م، ١: ٤١٢؛ أبو الفداء، ٢٠٠٠م، ٢: ١٨؛ الفتني، ١٣٤٣ ش، ٢٠:١؛ أبو المحاسن القاوقجي، ١٤١٥ ق، ١: ١٠٥).
٤-٣-٢. الصيغة الرابعة:
«و قال صلى الله عليه وسلم: العَالِمُ فِي قَوْمِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِهِ» (شمس الدين، ٢٠٠٤م، ٢: ٢٧٥).
٤-٢. دراسة أسانيد صيغ الرواية في مصادر أهل السنة
نتج عن دراسة أسانيد هذه الأقسام الأربعة النتائج التالية:
١-٤-٢. الصيغة الأولى:
(الشَّيْخُ فِي أَهْلِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِهِ) قال ابن عساكر في نقده: هذا حديث منكر والقناطري كذاب. (ابن عساكر، ٧٠٣:٢). وقال ابن النجار وأبو الفضل العراقي إن أسانيد هذا الحديث ضعيفة. وقال ابن عدي أيضاً: هذا حديث بهذا السند منكر (السيوطي، ١٩٩٦م، ١: ١٤١). ونقل ابن حجر عن ابن طاهر قوله إن القناطري كذاب، وأن الدارقطني ضعّفه (ابن حجر، ١٩٧١م، ١٨٤:٣). وقال الذهبي إن هذا الحديث رواه عبد الله بن محمود السعدي المروزي وهو باطل (الذهبي، ١٩٦٣م، ٣: ٦٣٢).
٢-٤-٢. الصيغة الثانية:
«الشَّيْخُ فِي بَيْتِهِ كَالنَّبِيِّ فِي قَوْمِهِ». قال السخاوي: إن ابن حجر وابن تيمية عدّاه موضوعاً (زين الدين محمد، ١٣٥٦، ٤: ١٨٥). وقال ابن حبان: كان ابن غنائم يروي عن مالك أحاديث لم يروها هو، فلا تجوز الرواية عنه (ابن حبان، ١٣٩٦ ق، ٢: ٣٩). وقال السيوطي عنه: كان ابن غنائم مستقيم الحديث (السيوطي، ١٩٩٦م، ١: ١٤٠). وقال الذهبي إنه مجهول الحال (الذهبي، ١٩٦٣م، ٤٦٤:٢).2
٣-٤-٢. الصيغة الثالثة:
«الشَّيْخُ فِي جَمَاعَتِهِ كَالنَّبِيِّ فِي قَوْمِهِ، يَتَعَلَّمُونَ مِنْ عِلْمِهِ، وَيَتَأَدَّبُونَ مِنْ أَدَبِهِ» لم يرد له سند في مصادر أهل السنة، وقد قال رجالیو أهل السنة فيه ما قالوه في الحديث الأول. فمثلاً، في كتاب «فوائد الموضوعة» ذُكر أنه لا أصل له (مرعي بن يوسف، ١٩٩٨ م، ١: ٩٩). وذكره الفتني في باب «فضل العالم العامل على العابد»، ويبدو أنه كان يرى أن الشيخ يعني العالم، حيث أورد الحديث تحت هذا الباب. ثم أضاف في ختام كلامه أن جميع أقسام هذا الحديث باطلة (الفتني، ١٣٤٣ ش، ١: ٢٠). وقال ابن تيمية وابن حجر وابن حبان أيضاً: إن هذا الحديث بأنواعه وأقسامه باطل ومختلق (أبو المحاسن القاوقجي، ١٤١٥ق، ١: ١٠٥). وعلى فرض أننا تغاضينا عن سنده، فإن اهتمام الحديث ينصب على علم الشيخ لا على سنه، لأنه جاء في تتمة الحديث أن الناس ينتفعون من علمه ويتأدبون بآدابه.
٤-٤-٢. الصيغة الرابعة:
«العَالِمُ فِي قَوْمِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِهِ» لم يُذكر في المصادر الحديثية المعتبرة. ذُكر مرة من قول ابن عباس (الآلوسي، ١٤١٥ق، ١٣: ٢٩٦)، ومرة أخرى من قول النبي (ص)، وبالتالي لا يتضح هل هو مرفوع أم موقوف، كما أنه فاقد للسند.
خلاصة: حديث «الشَّيْخُ فِي أَهْلِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِهِ» ضعيف من حيث السند. فقد رواه محمد بن عبد الملك أو عمر بن غنائم، وقد اعتبر علماء أهل السنة رواياتهما فاقدة للاعتبار. كما نُقل متن الرواية بألفاظ مثل «الشيخ في بيته» و«الشيخ في جماعته» و«العالم في قومه». وبالجمع بينها، يمكن القول إن حديث «العالم في قومه» هو المبين لحديث «الشيخ في أهله»، وأن الأحاديث الثلاثة الأخرى تسعى لتوسيع نطاق نشاط الشيخ، وهذا النشاط يبدأ من البيت، ثم الأهل والأقارب، وفي المرحلة التالية الجماعة.
٣. الشيخ في اللغة والاصطلاح
قال الراغب إن جمع شيخ هو شُيُوخٌ، مَشْيَخَةٌ، ومَشْيُوخَاء (راغب الأصفهاني، ١٤١٢ق، ١: ٤٦٩). وأضاف الأزهري والزمخشري جمعين آخرين هما أَشْيَاخٌ وشيخان (الأزهري، بي تا، ٧: ١٩٦؛ الزمخشري، ١٩٧٩م، ٣٤٣). وقد قدم اللغويون الأقوال التالية في معناه:
أ – قال الراغب: الشيخ يُقال لمن كبر في السن وطعن فيها، وفيما بيننا يُطلق على من زاد علمه، لأن من شؤون الشخص المسن والشيخ أن تكون معارفه وتجاربه كثيرة عادةً. (راغب، ١٤١٢ق، ١٠: ٤٦٩)
ب – قال الأزهري: «والعرب تقول لزوج المرأة – وإن كان شاباً: هو شيخها… ولا امرأة الرجل وإن كانت شابة». العرب تسمي زوج المرأة شيخاً حتى لو كان شاباً (الأزهري، بي تا، ٦: ١٩٦).
ج – من طال عمره وظهرت عليه علامات الكبر، كبياض الشعر، أو من جاوز مرحلة الشباب وبلي جسمه. (ابن منظور، ١٤١٤ق، ٣: ٣١)
د – من كان كبيراً في رأيه ونظره، وأحياناً لهذا السبب يُطلق على الشاب شيخ. (محمد بن عمر، ٢٠٠٤م، ٦: ٣٥٩٤)
هـ – كل شخص له احترام عند قومه وأسرته يُسمى شيخاً. (المدني، ١٣٨٤ش، ٥: ١٤٢؛ المصطفوي، ١٣٦٠، ٦: ١٦٣)
و – لفظ الشيخ بين المسلمين يُطلق على علماء الدين الإسلامي. (موسى حسين يوسف، بي تا، ٢: ١٢٦٤). ويُقال للشخص شيخ الإسلام عندما يتبع القرآن والسنة ويتبحر في العلم النقلي والعقلي (المدني، ١٣٨٤ش، ٥: ١٤٢).
وهناك اختلاف في الرأي حول المرحلة العمرية التي يُطلق فيها لقب الشيخ. قال البعض إنه من جاوز الأربعين (الحلي، ١٤١٣ق، ٢: ٤٦٥). وقال آخرون إنه من بلغ سن ٤٦ أو من الخمسين إلى نهاية العمر، أو من ٥١ إلى آخر العمر، أو من جاوز الخمسين إلى الثمانين (الفيروزآبادي، بي تا، ١: ٣٦٣؛ ابن منظور، ١٤١٤ق، ٣: ٣١).
خلاصة: كلمة الشيخ في اللغة تطلق على المسن، وزوج المرأة، والعالم، وعالم الدين، وصاحب الرأي، وصاحب الوقار، وصاحب الاحترام. جميع الأقوال المذكورة يمكن أن تكون صحيحة بشكل ما. فقط معنى زوج المرأة الذي قيل للشيخ لا يتوافق مع القسم الآخر من الحديث الذي يقول «الشيخ في جماعته». لو كان الحديث قد نُقل بالطريقة الأولى «الشيخ في أهله…» لكان بإمكاننا قبوله، وتأييده بالآية «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ» (النساء: ٣٤). وإذا قلنا إن هذا الحديث يتعلق باحترام الأب، فإن القرآن قد أوصى بذلك كثيراً، ومن ذلك قوله: «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا» (الإسراء: ٢٣ و ٢٤)، وآية «وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا» (لقمان: ١٥). وقد نُقل عن الإمام الرضا (ع) أنه قال: من لم يشكر والديه لم يشكر الله (ابن بابويه، ١٣٦٢ ش، ١٥٦).
وإذا كان المقصود بالشيخ هو شيخ الحديث أو العالم الديني أو من كان علمه يفوق علم الآخرين، فإن الحديث المشابه «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» (المحدث النوري، ١٤٠٨ق، ١٧: ٣٢٠) يقويه. وبالطبع، فإن الأقوال التي ذكرها العلماء في ذيل هذا الحديث تنصب في الغالب على الشيخ العالم الذي يحظى بالاحترام وصاحب الرأي. على سبيل المثال: كان ابن عباس يذهب إلى باب أبي بن كعب ليتعلم قراءة القرآن، وكان ينتظر هناك حتى يخرج من بيته، ولم يكن يطرق الباب خلال مدة انتظاره. وفي أحد الأيام، رآه أبي بن كعب في هذه الحال فقال: لم لا تطرق الباب لأخرج إليك مبكراً لطلب العلم؟ فأجابه بقراءة هذه الرواية: «العالم في أهله كالنبي في أمته». ثم قال: يجب على الإنسان أن يسعى وراء العلم، ألم يقل الله: «ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم» (الحجرات: ٥). ولهذا السبب لم أطرق الباب حتى تتفضلوا بالخروج وأستفيد من حضرتكم (الآلوسي، ١٤١٥ق، ١٣: ٢٩٦). وبالنظر إلى أن ابن عباس استخدم لفظ «العالم» بدل «الشيخ»، يمكن أن نستنتج أن الشيخ يمكن أن يكون عالماً يذهب إليه الناس لطلب العلم، وربما كان أصل الحديث كذلك ونُقل بالمعنى أو تغيرت ألفاظه. العجلوني: يقويه حديث «العلماء ورثة الأنبياء» وآية «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» (النحل: ٤٣) (أبو الفداء، ٢٠٠٠م، ٢: ١٩). وقد فهم هو من هذا الحديث أهل العلم. الشوكاني: هذا التشبيه ليس بسبب كبر السن وكمال القوة، بل لكمال العقل الذي هو منبع العلم ومطلعه (الشوكاني، ١٤١٤ ق، ٤: ١٨٥). أحمد الرفاعي: الشيخ في قومه كـ«النبي» في أمته. الشيخ هو سلم الإنسان الفقير الذي يصعد به (الرفاعي، ١٩٨٠م، ١٦٥). عبد الوهاب الشعراني: الشيوخ (رضي الله عنهم) هم نواب الشارع النبي في إرشاد جميع الناس. وهم ورثة علم الرسول، ومسؤولون عن حفظ الشريعة وقلوب الناس من الميل إلى غير مرضات الله (الشعراني، ١٣٢١ ق، ٢: ٦٢). وكأن المقصود بالشيوخ في نظره هم أفراد خاصون أو شيوخ الحديث الذين استخدم لهم لفظ «رضي الله عنه». وفيما يتعلق بوجه الشبه بين الشيخ (العالم) والنبي، قيل: «أ- النبي داعٍ إلى الله، والشيخ داعٍ إلى رسول الله. ب- النبي واسطة بين الخلق والحق، والشيخ واسطة بين المريد والرسول. ج- النبي داعٍ إلى حكمة تتم بالمعجزة، والشيخ أيضاً داعٍ إلى حكمة تتم بالكرامة. د- النبي معصوم في أقواله وأفعاله وأحواله وتقريره، والشيخ أيضاً محفوظ مثله. هـ- النبي أمين الوحي، والشيخ أمين الإلهام. و- النبي لا ينطق عن هوى نفسه، والشيخ كذلك يقتدي به ظاهراً وباطناً» (الشعراني، ١٤٠٨ق، ٢، ٨٠). عمر السهروردي: يجب على المريد أن يعلم أن الشيخ عنده تذكرة من جانب الله ورسوله (السهروردي، ١٩٩٦م، ٢٨٥). ضياء الدين السهروردي: يجب على المريد في صحبته للشيخ أن يكون كصحابة النبي في الأدب والسلوك، كما قال الله عن الصحابة: «يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله»3 (الحجرات: ١). «لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي»4 (الحجرات: ٢). وهذا يصدق أيضاً في حق الشيخ والمريد (السهروردي، ١٣٦٣ش، ٢٥). عبد القادر الجيلاني: كما أوجب الله طاعة رسوله الأكرم على المسلمين فقال: «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا»5 (الحشر: ٧)، فإن طاعة المريد للشيخ يجب أن تكون طاعة تامة ونافذة في جميع الأوامر والنواهي. المريد عند شيخه كالميت بين يدي الغاسل أو كالتراب الذي يغطيه. من أراد الصلاح فليكن تراباً تحت أقدام الشيوخ (الجيلاني، ١٣٨١ ش، ٨).
٤. الشيخ في القرآن
استُخدمت هذه الكلمة في القرآن ثلاث مرات بصيغة المفرد ومرة واحدة بصيغة الجمع. مواضع استخدامها في الآيات التالية:
أ – إبراهيم (عليه السلام): في سورة هود، حيث قالت زوجة إبراهيم: «قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ»6 (هود: ٧٢).
ب – يعقوب (عليه السلام): في سورة يوسف، على لسان إخوة يوسف حيث قالوا: «قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ»7 (يوسف: ٧٨).
ج – شعيب (عليه السلام): في سورة القصص، على لسان ابنتي شعيب، حيث أخبرتا والدهما الشيخ، وقص الله القصة قائلاً: «وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ»8 (القصص: ٢٣).
د – في موضع واحد من القرآن، جاءت بصيغة الجمع «شيوخ» وتطلق على جميع الأفراد الذين يصلون إلى سن منتصف العمر والشيخوخة.9 (غافر: ٦٧).
كما لوحظ، فإن كلمة «شيخ» في صيغتها المفردة لم تُطلق إلا على أنبياء الله الذين بلغوا سن الشيخوخة. وبالطبع، نعلم أن الأنبياء في تلك السن كانوا يتمتعون برأي ونظر وعلم فائق، وربما كان استخدام القرآن لهذا اللفظ لهم للتنبيه على هذا الأمر، وليس لمجرد كبر السن والتجربة. يقول القرآن عن إبراهيم (عليه السلام): «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا» (النساء: ٥٤). وعن يعقوب (عليه السلام) يقول: «فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ» (يوسف: ٩٦). وفي كلام شعيب (عليه السلام) تكرر هذا القول: «قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ» (الأعراف: ٨٥). البينات هي ما أُرسل به جميع الأنبياء: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ» (الحديد: ٢٥). في هذه الآيات، لم يكن كبر السن هو معيار الاتباع، بل كان علم هؤلاء الأنبياء هو العامل الأساسي. وكذلك بالنسبة لسائر الأنبياء والأفراد، يذكر القرآن العلم كمعيار للاتباع. في سورة الأنبياء يقول: «ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما» (الأنبياء: ٧٩). ولغير الأنبياء، مثل لقمان، يقول: «وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ» (لقمان: ١٢). وقال موسى (عليه السلام) للخضر (عليه السلام): «قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا» (الكهف: ٦٦). أراد موسى اتباع الخضر للتعلم والرشد، وليس لكبر سنه أو شيخوخته. كذلك لم يقل حبيب النجار: اتبعوني لخبرتي وسني، بل قال: «يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ»10 (يس: ٢٦) بما أعلم، أي ليأتوا ويطيعوني بسبب علمي بالأنبياء.
٥. الأهل في اللغة والاصطلاح
«أهل» جمعها «أهلون» و«أهلات»، وجمع الجمع «أهالي». «أهل الرجل» هم زوجته وأهل الأمر هم ولاته، وأهل البيت هم سكانه، وأهل المذهب هم معتنقوه (الفراهيدي، ١٤١٠ ق، ٤: ٨٩). قال الراغب: «أهل الرجل» في الأصل من يجمعهم مسكن واحد، ثم تجوّز به فقيل «أهل بيت الرجل» لمن يجمعهم نسب، و«أهل الإسلام» لمن يجمعهم دين الإسلام، وإن كانت الشريعة والدين قد رفعا حكم النسب في الأسرة وفي معظم الأحكام بين المسلم والكافر (راغب، ١٤١٢ق، ٩٦). قال الطريحي: أصل كلمة «أهل» تستخدم لأتباع شخص ما، ثم رأوا أن أسرته أكثر من غيرهم تبعاً له، فأطلقوا عليهم «أهل» (الطريحي، ١٣٧٥، ٥: ٣١٤). وقد وسّع المطرزي نطاق الأسرة فقال: «(أهل) الرجل: امرأته وولده والذين في عياله ونفقته، وكذا كل أخ وأخت أو عم أو ابن عم أو صبي أجنبي» (المطرزي، بي تا، ١: ٥١). يعتبر القرآن الكريم أهل النبي وذريته من كانوا على عقيدته ومؤمنين به، ويُخرج من أهله من كان ابنه النسبي إذا لم يؤمن. جاء في القرآن أن نوحاً (عليه السلام) بعد الطوفان وغرق ابنه قال: «رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ»11 (هود: ٤٥). فأجابه الله: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ»12 (هود: ٤٦). نلاحظ هنا أن ابن نوح يُخرج من أهله بسبب كفره. وفي موضع آخر، جاء: «فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ»13 (الشعراء: ١١٩-١٢٠). ثم قال: «فأنجيناه ومن معه في السفينة وأنقذناهم، ثم أغرقنا الباقين». هاتان الآيتان تبينان صراحة أن نوحاً ومن كان معه نجوا جميعاً، وهلك الآخرون. وفي سورة الصافات جاء: «وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ»14 (الصافات: ٧٦-٧٧). هنا، يُعتبر أتباع نوح أولاده وأهله. يقول: جعلنا ذريته هم الباقين فقط، مع أنه في الآيتين السابقتين قرأنا أن جميع من كانوا معه نجوا. يقول: نجيناه وأهله من الكرب العظيم، مع أنه نجّى جميع أتباعه (قرشي، ١٣٧١ش، ١: ١٣٦-١٣٧). بناءً على ما سبق، ذكر اللغويون معاني الزوجة، والأسرة، والأنصار، والأتباع لكلمة «أهل». كل هذه المعاني يمكن أن تصدق على الحديث المبحوث. وبالطبع، يعتمد التأثر بالكلام على الشيخ نفسه وأتباعه. شيخ مثل نوح أو لوط (عليهما السلام) لا توجد لديه مشكلة من الناحية المعنوية، ولكن أهلهما (الزوجة والابن) كانوا منحرفين. أي لا يمكننا القول بشكل مطلق إن كل شيخ في كل أسرة أو مجتمع يكون كلامه نافذاً. قد يقول قائل إن حديث «الشيخ في أهله كالنبي في أمته» يهدف إلى تبيين آية «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ» (التحريم: ٦)، أي أن على الشيخ أن يحفظ أسرته من نار جهنم، كما أن من واجب النبي أن يهدي أمته ويصل بها إلى الجنة؟ نعم، هذا كلام متين، ولكنه لا يمكن قبوله على إطلاقه، بل يعتمد الأمر على شخصية الشيخ ومدى وعيه بمسؤولياته وعلى أسرته.
٦. تأمل في حديث «العالم في أهله كالنبي في أمته»
في هذا الحديث، ينصب الاهتمام الأكبر على الجانب العلمي للعالم، سواء كان شاباً أم شيخاً. في السنة العملية للنبي (ص)، نلاحظ بوضوح اختيار التخصص والكفاءة. فقد فضّل الشباب العلماء القادرين الذين يتمتعون بالكفاءة على كبار السن وذوي الخبرة. على سبيل المثال، أرسل أسامة بن زيد قائداً لجيش (الروم) إلى الشام وهو شاب يافع (وتر، ١٣٨٦ ش، ١: ١٢٩). وفضّل الإمام علي (ع) على أبي بكر لقراءة سورة براءة على مشركي مكة (الطبرسي، ١٣٧٢، ٥: ٦)، مع أن أبا بكر كان قد وصل في ذلك الوقت إلى سن الشيخوخة (فوق الأربعين). لو كان الحديث الأول صحيحاً، فلماذا لم يتم اختيار (الشيوخ)؟ بالإضافة إلى سنة النبي، يعتبر القرآن أيضاً العلم معياراً لتفاضل الناس ونفوذ كلامهم، ويؤكد على ذلك في العديد من الآيات. على سبيل المثال، يقول: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» (الزمر: ٩)، ونهى عن اتباع الظن (النجم: ٢٨). كما علّم آدم الأسماء، ولو كان الحق مع الحديث الأول، لما كانت هناك حاجة للعلم، ولكان كبر سن آدم كافياً في قومه. «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا» (البقرة: ٣١). وعندما دعا إبراهيم (ع) للأنبياء من بعده، طلب معيار التعليم: «رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (البقرة: ١٢٩). في الواقع، طلب إبراهيم (ع) إلى جانب النبوة معيار العلم. والنبي الأكرم (ص) مع أنه بُعث نبياً وهو في سن الشيخوخة (٤٠ فما فوق)، أمره الله أن يقول: «وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا» (طه: ١١٤). هنا أيضاً، جاءت النبوة إلى جانب العلم. أي يجب أن يكون النبي عالماً، والتشبه بالنبي يستلزم العلم، سواء كان شاباً أم شيخاً. بما أن النبي يسعى لتوجيه الناس نحو الله تبارك وتعالى، يبدو أن المقصود بالشيخ هو العالم الديني الذي يمكن أن يقوم بدور النبي في أسرته ويوجههم نحو الكمال. وأهم دليل على أن المقصود بالشيخ هو الشخص العالم الذي ينتفع الناس من علمه، هو الحديث القائل: «أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم» (الصالحي الشامي، ١٤١٤ ق، ١٠: ٣٣٧). هذا الحديث يبين أن معيار القرب من النبوة هو العلم لا الشيخوخة. وفي حديث منقول عن النبي (ص) أنه قال: «الشيخ يضعف جسمه، وقلبه شاب على حب اثنتين: طول الحياة، وحب المال» (پاینده، ١٣٨٣ ش، ٥٤٠). يضعف جسم الإنسان الشيخ ويبقى قلبه شاباً على حب شيئين: طول العمر وحب المال. وبما أننا نعلم أن تمني طول العمر هو نتيجة للأمل البعيد، وحب المال هو نتيجة حب الدنيا، وحب الدنيا رأس كل خطيئة، فيجب اتباع شيخ غير متعلق بالأمور الدنيوية، وهذا لا يتحقق إلا بالتزكية والعلم.
٧. معيار المتبوع في القرآن
الحديث المذكور، بالتشبيه (الأدنى بالأعلى) الذي يقوم به، يستدعي إلى الذهن تلقائياً فكرة الاتباع (للشيخ). ولهذا السبب، نلجأ إلى القرآن لنرى من هو الشخص وما هو المعيار الذي يطرحه للاتباع.
أ. من منظور القرآن، لا ينبغي أن يكون المتبوع كافراً (آل عمران: ١٤٩)، من أهل الكتاب (آل عمران: ١٠٠)، مسرفاً (الشعراء: ١٥١)، متخلفاً عن الجهاد (آل عمران: ١٦٨). ولا ينبغي أن يكون اتباعه أعمى (لقمان: ٢١) ويؤدي إلى نقص الأعمال (الحجرات: ١٤)، بل يجب أن يضاعف طاعته أجر العمل (الفتح: ١٦).
ب. من منظور القرآن، يكون المتبوع إما الله أو الرسول (النساء: ٥٩) أو خليفة الرسول (النساء: ٥٩؛ طه: ٩٠) أو شخصاً منتسباً إلى مقام ومنزلة إلهية (مثل الأب والأم ما لم يأمرا بالشرك، أو حبيب النجار وأمثاله) (يس: ٢١). إذا كان الشيخ يندرج تحت أحد هذه الأقسام ويهدي الإنسان إلى عالم ما فوق البشرية، فيمكن أن يكون متبوعاً.
ج. بسبب السبق في الإيمان، يقدم القرآن السابقين الأولين كمتبوعين ويمدح من يتبعهم (التوبة: ١٠٠).
د. يعتبر القرآن المتبوع من يهدي إلى الطريق الصحيح والمستقيم. (غافر: ٣٨) سواء كان شاباً أم شيخاً، لا فرق، طاعته واجبة.
هـ. العطف في قوله تعالى «أولي الأمر» (النساء: ٥٩) على «الصديقين والشهداء والصالحين» (النساء: ٦٩) و«المؤمنين» (التوبة: ١٠٦)، والذي جاء بعد كلمة الرسول والنبي، هو في الواقع قائمة بالمتبوعين الذين أمر باتباعهم.
و. لقد أدرج القرآن في الأسوة الحسنة التي يقدمها للاتباع، الإيمان بالله واليوم الآخر، وليس الشيخوخة. على سبيل المثال، يقدم إبراهيم (عليه السلام) وأتباعه أسوة، خاصة عندما قالوا لقومهم (المشركين): «إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» (الممتحنة: ٤). وعن النبي الخاتم (ص) يقول: «لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا» (الأحزاب: ٢١). كما يقول: «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» (القلم: ٤). ويصفه بأنه حريص على هدايتهم (التوبة: ١٢٨) إلى درجة أنه يكاد يهلك نفسه (الشعراء: ٢). ومع ذلك، لا يقول القرآن لأهله أن يوقروه لسنه ويستمعوا لكلامه.
ز. من يتبع أياً من الأنبياء يمكن أن يكون متبوعاً. مثلاً، عن إبراهيم (عليه السلام) يقول: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» (آل عمران: ٦٨). ويقول الإمام علي (ع) في نهج البلاغة: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْأَنْبِيَاءِ أَعْلَمُهُمْ بِمَا جَاءُوا بِهِ… إِنَّ وَلِيَّ مُحَمَّدٍ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَإِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ وَإِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَإِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ» (دشتي، ١٣٧٨ ش، الحكمة ٩٦). ثم تلا هذه الآية: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ…». ثم قال: ولي محمد (ص) من أطاع الله وإن بعد نسبه، وعدو محمد (ص) من عصى الله وإن قربت قرابته.
٨. وظائف النبي من منظور القرآن
يهدف الحديث المذكور إلى تشبيه الشيخ بالنبي. هذا التشبيه إما من جهة الاحترام، أي كما يجب احترام النبي، يجب احترام الشيخ وكبير العائلة أو الجماعة، أو من جهة الوظائف، أي كما أن للنبي وظائف في أمته، فإن للشيخ والمسن في العائلة والجماعة وظائف يجب عليه أداؤها. لذا، سنبين بعض وظائف الأنبياء من منظور القرآن لنرى هل يمكن أن تصدق على مطلق الشيخ (أي الشيخ الذي يفتقر إلى العلم والتخصص) أم لا. أهم وظيفة للأنبياء كانت هداية البشر. يقول الله عن موسى (عليه السلام): «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ» (إبراهيم: ٥). في هذا القسم، يجب أن يكون الهادي على هذا النحو: أ- أن يكون شفيقاً. يقول الله عن النبي (ص): «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ» (التوبة: ١٢٨). ب- أن يمتلك جرأة على مواجهة طغاة عصره، كموسى (عليه السلام) الذي ذهب إلى فرعون، طاغوت عصره، وقال بكل قوة وعزم: «قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى» (طه: ٥٠). ج- بالإضافة إلى هداية قريته ومنطقته، أن يأخذ في اعتباره القرى الأخرى، كما فعل سليمان (عليه السلام) حين أرسل رسالة إلى ملكة سبأ. دعوة الناس إلى عبادة الله والنهي عن عبادة غيره، وقد تكرر هذا في القرآن على لسان الأنبياء. وقد أكد الأنبياء على هذا الأمر لدرجة أنهم كانوا يعرضون أنفسهم للهلاك (الشعراء: ٣). البشارة والإنذار بالمستقبل. يقول الله عن النبي الخاتم (ص): «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ» (فاطر: ٢٤). تعليم الكتاب والحكمة. يقول إبراهيم (عليه السلام) في دعائه: «رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (البقرة: ١٢٩). ويتم هذا الأمر بطريقتين: إحداهما تلاوة الآيات المتتابعة كما ورد في كثير من آيات القرآن، كنموذج في سورة آل عمران: «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ» (آل عمران: ١٦٤). والأخرى تبيين الآيات، وهو تعليم الكتاب والحكمة. وقد ورد هذا أيضاً في كثير من آيات القرآن، كنموذج: «وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (النحل: ٤٤). الاستماع إلى كلام المؤمنين وهمومهم. كان النبي الأكرم (ص) يقوم بذلك على أحسن وجه، لدرجة أن بعض مرضى القلوب نسبوا إليه أنه أُذُن (التوبة: ٦١). الصبر على مشاكل الهداية. بما أن هذا الطريق مليء بالصعوبات والعقبات، فإنه يتطلب صبراً فولاذياً. وقد قال الله في أوائل الآيات النازلة: «وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ» (المدثر: ٧). الاهتمام بالشؤون الاجتماعية للمسلمين، كما جاء: «فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ» (الشرح: ٧). أن يجاهد الكفار والمنافقين جهاداً عقائدياً وعسكرياً: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ» (التحريم: ٩). وقد حدد القرآن وظائف أخرى للأنبياء، ولكننا نمتنع عن ذكرها تجنباً للإطالة. يجب تكرار هذا القول مرة أخرى: إن وظيفة الشيخ وتأثيره في أهله، كتأثير النبي في أمته، يعتمد على شخصية الشيخ (كونه عالماً وتأثير كلامه)، وأسرته، وسنه (لأن هناك اختلافاً في سن الشيخ). ولكن بمراجعة ما سبق، يتبين أن هذا لا يمكن أن يصدق على مطلق الشيخ (أي الشيخ المسن الذي يفتقر إلى العلم والتخصص).
٩. الاستنتاج
أسفرت الدراسات التي أُجريت عن النتائج التالية:
١. حديث «الشَّيْخُ فِي أَهْلِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِه» لم يُنقل في المصادر المتقدمة المعتبرة لدى الشيعة وأهل السنة. وفي مصادر الشيعة لا يوجد له سند، وفي مصادر أهل السنة نُقل عن طريق محمد بن عبد الملك أو عمر بن غنائم، وقد اعتبر علماء أهل السنة أحاديثهما فاقدة للاعتبار. كما نُقل متنه بألفاظ مثل «الشيخ في بيته – الشيخ في جماعته – العالم في أهله». وبالجمع بينها، يمكن القول إن حديث «العالم في قومه» هو المبين لحديث «الشيخ في أهله»، والأحاديث الثلاثة الأخرى تسعى لتوسيع نطاق نشاط الشيخ، وهذا النشاط يبدأ من البيت، ثم الأهل والأقارب، وفي المرحلة التالية الجماعة.
٢. كلمة «شيخ» من وجهة نظر اللغويين لها معانٍ: مسن، عالم، عالم دين، صاحب رأي وصاحب احترام. فلا داعي لحصرها في المعنى الأول فقط. وفي الشروح التي وردت حول هذا الحديث، كان الجانب العلمي للشيخ هو الأكثر اعتباراً.
٣. كلمة «أهل» جاءت بمعنى الزوجة، والأسرة، والأنصار، والأفراد من نفس العقيدة، وكل هذه المعاني يمكن أن تكون صحيحة بالنسبة للحديث المذكور.
٤. في مصادر أهل السنة، نُقل حديث مرسل «العَالِمُ فِي قَوْمِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِهِ». وإذا قارنا بينهما، يمكننا استنتاج أن المقصود في الحديث الأول هو العالم المسن.
٥. الحديث المذكور يهدف إلى تشبيه الشيخ بالنبي. هذا التشبيه إما من جهة الاحترام، أي كما يجب احترام النبي، يجب احترام كبير العائلة أو الجماعة، أو أن هذا التشبيه من جهة الوظائف، أي كما أن للنبي وظائف في أمته، فإن لكبير العائلة والجماعة وظائف يجب عليه أداؤها. وبمراجعة بعض وظائف الأنبياء من منظور القرآن، لوحظ أن ذلك لا يمكن أن ينطبق على مطلق الشيخ (أي الشيخ الذي يفتقر إلى العلم والتخصص).
الهوامش
- عقيدة سيادة ذوي الشيبة.
- «هَذَا مُنْكَرٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَالْبَلَاءُ فِيهِ مِنْ مُصعب وَلَا أَعْلَمُ لَهُ شَيْئًا آخَرَ، وَأَخْرَجَهُ الْعَقِيلِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ شَيْبَةَ بِهِ. وَقَالَ مُصْعَبٌ مَجْهُولٌ بِالنَّقْلِ حَدِيثُهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» (السيوطي، ١٩٩٦م، ١: ١٤١).
- «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» (الحجرات: ١).
- «لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ» (الحجرات: ٢).
- «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا» (الحشر: ٧).
- «قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ» (هود: ٧٢).
- «قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» (يوسف: ٧٨).
- «وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ» (القصص: ٢٣).
- «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا…» (غافر: ٦٧).
- «يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ» (يس: ٢٦).
- «رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ» (هود: ٤٥).
- «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ» (هود: ٤٦).
- «فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ» (الشعراء: ١١٩-١٢٠).
- «وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ…» (الصافات: ٧٦-٧٧).
المصادر والمراجع
الآلوسي، شهاب الدين محمود، روح المعاني، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٥ ق.
ابن بابويه، محمد بن علي، الخصال، قم، جامعة المدرسين، ١٣٦٢ ش.
ابن حبان، محمد، المجروحين، محقق: محمود إبراهيم زايد، حلب، دار الوعي، ١٣٩٦ ق.
ابن حجر العسقلاني، أبو الفضل أحمد بن علي، لسان الميزان، الهند، دائرة المعارف النظامية، ١٩٧١ م.
ابن عساكر، أبو القاسم علي بن حسن، معجم الشيوخ، دمشق، دار البشائر، ١٤٢١ ق.
ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، مصحح: مير دامادي جمال الدين، بيروت، دار الفكر، ط٣، ١٤١٤ ق.
أبو الفداء، إسماعيل بن محمد، كشف الخفاءات، محقق: عبد الحميد بن أحمد هنداوي، بلا مكان، المكتبة العصرية، ٢٠٠٠ م.
أبو المحاسن القاوقجي، محمد بن خليل، اللؤلؤ المرصوع فيما لا أصل له أو بأصله موضوع، بيروت، دار البشائر الإسلامية، ١٤١٥ ق.
أبو رية، محمود، الأضواء على السنة المحمدية أو دفاع عن الحديث، مترجم: محمد موسوي، قم، ذوي القربى، ١٣٨٩ ش.
الأزهري، محمد بن أحمد، تهذيب اللغة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بلا تا.
البروجردي، آقا حسين، جامع أحاديث الشيعة، طهران، انتشارات فرهنگ سبز، ١٣٨٦ ش.
پاینده، أبو القاسم، نهج الفصاحة، قم، أنصاريان، ١٣٨٣ ش.
الحر العاملي، محمد بن حسن، أمل الآمل، بلا مكان، بلا ناشر، بلا تا. (المكتبة الشاملة)
الحلي، حسن بن يوسف، قواعد الأحكام، قم، جامعة المدرسين، حوزة علمية، ١٤١٣ ق.
الحميري، نشوان بن سعيد، شمس العلوم، دمشق، دار الفكر، بلا تا.
دشتي، محمد، ترجمة نهج البلاغة، ط٢، قم، جلوة كمال، ١٣٧٨ ش.
الذهبي، شمس الدين، ميزان الاعتدال، محقق: علي محمد البجاوي، بيروت، دار المعرفة، ١٩٦٣ م.
الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد، المفردات، بيروت، دار العلم الدار الشامية، ١٤١٢ ق.
الرفاعي، أحمد، قلادة الجواهر، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٨٠ م.
الزمخشري، محمود، أساس البلاغة، بيروت، دار صادر، ١٩٧٩ م.
زين الدين محمد، فيض القدير، مصر، مكتبة التجارية الكبرى، ١٣٥٦ ش.
السخاوي، المقاصد الحسنة، بيروت، دار الكتب العربي، ١٩٨٥ م.
السيوطي، جلال الدين، اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٩٦ م.
الجامع الصغير، بلا مكان، بلا ناشر، المكتبة الشاملة، بلا تا.
السهروردي، عبد القادر، آداب المريدين، طهران، مولى، ١٣٦٣ ش.
السهروردي، عمر بن محمد، عوارف المعارف، بيروت، دار الكتب العربية، ١٩٦٦ م.
الشعراني، عبد الوهاب بن أحمد، لطائف المنن، القاهرة، المطبعة الميمنية، ١٣٢١ ق.
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، بيروت، مكتبة المعارف، ١٤٠٨ ق.
الشعيري، محمد بن محمد، جامع الأخبار، النجف، مطبعة حيدرية، بلا تا.
شمس الدين، محمد بن عمر، المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية، بيروت، دار الكتب العلمية، ٢٠٠٤ م.
الشوكاني، محمد بن علي، فتح القدير، بيروت، دار ابن كثير، ١٤١٤ ق.
الصالحي الشامي، محمد بن يوسف، سبل الهدى والرشاد، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٤ ق.
الطبرسي، علي بن حسن، مشكاة الأنوار، النجف، المكتبة الحيدرية، ١٣٤٤ ش.
الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان، طهران، ناصر خسرو، ١٣٧٢ ش.
الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، مصحح: أحمد حسيني أشكوري، طهران، مرتضوي، ١٣٧٥ ش.
عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، التدوين في أخبار قزوين، محقق: عزير الله عطاردي، دار الكتب العلمية، ١٤٠٨ ق.
عتر الحلبي، نور الدين محمد، منهج النقد، دمشق-سورية، دار الفكر، ١٤١٨ ق.
العراقي – الزبيدي، تخريج أحاديث إحياء علوم الدين، الرياض، دار العاصمة، ١٤٠٨ ق.
الفتال النيسابوري، محمد بن أحمد، روضة الواعظين وبصيرة المتعظين، انتشارات رضي، ١٣٧٥ ش.
الفتني، محمد طاهر بن علي، تذكرة الموضوعات، إدارة الطباعة المنيرة، ١٣٤٣ ق.
الفراهيدي، خليل بن أحمد، العين، قم، هجرت، ١٤١٠ ق.
الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، بيروت، دار الكتب العلمية، بلا تا.
القرشي، سيد علي أكبر، قاموس قرآن، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٣٧١ ش.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ط إسلامية، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٤٠٧ ق.
الجيلاني، عبد القادر، جلاء الخاطر، سنندج، انتشارات كردستان، ١٣٨١ ش.
المتقي الهندي، علاء الدين علي بن حسام الدين، كنز العمال، مؤسسة الرسالة، ١٩٨١ م.
المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٣ ق.
المدني، علي خان بن أحمد، الطراز الأول، مشهد، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، ١٣٨٤ ش.
مرعي بن يوسف، فوائد الموضوعة، الرياض، دار الوراق، ١٩٩٨ م.
المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، طهران، بنگاه ترجمه و نشر كتاب، ١٣٦٠ ش.
المطرزي، ناصر بن عبد السيد، المغرب، حلب، مكتبة أسامة بن زيد، بلا تا.
منتجب الدين، علي بن عبيد الله، الفهرست، محدث، جلال الدين، قم، كتابخانه عمومي آيت الله العظمي مرعشي نجفي، ١٤٢٢ ق.
موسى، حسين يوسف، الإفصاح، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، بلا تا.
النوري، حسين بن محمد تقي، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، ١٤٠٨ ق.
الوتر، ضاهر، آيين نبرد در عصر پيامبر (ص)، مترجم: عبد الحسين بينش، قم، زمزم هدايت وابسته به پژوهشکده علوم اسلامي امام صادق (ع)، ١٣٨٦ ش.