الملخص
تُعَدُّ آية ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ (طه/٥٠) من الآيات المحورية في القرآن الكريم في مجال التوحيد الربوبي. ويتوقف التفسير الصحيح لهذه الآية، شأنها شأن سائر الآيات، على الالتزام بقواعد التفسير وإتقانها. ومن العلوم اللازمة للتفسير علم قراءات القرآن، الذي يؤدي دورًا بالغ الأهمية في الاستنباطات التفسيرية. يسعى هذا البحث، من خلال المنهج الوصفي التحليلي، إلى توضيح كيفية تأثير اختلاف القراءات في تفسير الآية ٥٠ من سورة طه المباركة، عبر دراسة المصادر التفسيرية لدى الفريقين. وتحقيقًا لهذه الغاية، تمت المقارنة والنقد والدراسة بين القراءتين المشهورة وغير المشهورة للآية وأثرهما التفسيري، مع الاستناد إلى أدلة ومعايير نقد اختلاف القراءات، كالقواعد الأدبية والسياق وغيرها، ومن خلال دراسة وتطبيق تفاسير كلتا القراءتين، تم ترجيح أو ردّ أحد الوجوه. توجد في هذه الآية قراءتان مختلفتان (مشهورة وشاذة) في كلمة «خَلَقَهُ». وبناءً على هاتين القراءتين، تُطرَح تراكيب نحوية مختلفة للآية، مما يؤدي بدوره إلى تفاسير متنوعة. ومن بين هذه التراكيب، يُعَدُّ اعتبار مفعولين لفعل «أعطى» بالترتيب في الآية هو الأفضل. ومن بين المعاني، فإن اعتبار عموم معنى الآية هو الأكثر انسجامًا مع السياق. ومع ذلك، فإن هاتين القراءتين ترتبطان ارتباطًا وثيقًا ببعضهما البعض، وهو ما يتجلى عند مقارنة تفسيريهما. ويشمل ذلك: التحقق من صحة القراءات، ورفض استنباط تفسيري في القراءة غير المشهورة لعدم توافقه مع القراءة المشهورة، وترجيح القراءة المشهورة على غير المشهورة باستخدام معيار الأدب العربي، والجمع بين المعاني التفسيرية في كلتا القراءتين، ونقد الاستنباطات التفسيرية الخاطئة في كلتا القراءتين، وتوسيع معنى الآية بالقراءات المختلفة، وتأييد استنباط تفسيري معين في إحدى القراءات.
المقدمة
من القضايا المهمة في علوم القرآن قضية تعدّد قراءات القرآن الكريم، لما لها من تأثير بالغ في تفسير القرآن؛ إذ إنه بناءً على قبول أو رفض وجود تعدّد القراءات، سيختلف تفسير الآيات. ففي الحالة الأولى، يمكن دراسة القراءات المختلفة وتفسير الآية وفقًا لقراءة أو قراءات صحيحة؛ أما في الحالة الثانية، حيث لا توجد سوى قراءة واحدة معتبرة، فيجب تفسير القرآن على أساسها فقط. لا يهدف هذا البحث إلى دراسة الآراء حول إثبات أو نفي وجود الاختلاف في القراءات، بل يفترض وجود اختلاف القراءات كمسلّمة، بناءً على الأدلة الدقيقة في محلها. قد تؤدي هذه المسألة، مع عدم الدقة في معايير الوصول إلى القراءة الصحيحة، إلى مشكلات مثل إضفاء الشرعية على القراءات غير المعتبرة، والتحريف المعنوي للقرآن، وما إلى ذلك (انظر: نيك طبع، عامري، تحليل اختلاف القراءات وعلاقته بتحريف القرآن مع التأكيد على رأي آية الله فاضل لنكراني، دراسات قراءة القرآن، الدورة ٧، العدد ١٣، خريف وشتاء ١٣٩٨). من هنا، فإن الدراسة التفسيرية لآية ما مع مراعاة المعايير الصحيحة لتقييم اختلاف القراءات أمر ضروري وأساسي، حتى يمكن من جهة تقييم القراءات ورفضها أو ترجيحها، ومن جهة أخرى يمكن من خلالها إثراء التفسير عبر سبل مثل توظيف القراءات في ترجيح الوجوه التفسيرية للآية.
ينطلق البحث الحالي من هذه الرؤية ليسعى إلى دراسة دور اختلاف القراءات في فهم وتفسير الآيات من خلال مقارنة تطبيقية على نموذج خاص، وهو الآية ٥٠ من سورة طه: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾. هذه الآية، على الرغم من إيجازها، تقدم استدلالًا شاملًا ومهمًا على الربوبية الإلهية؛ وهو استدلال أقامه النبي موسى (عليه السلام) في مواجهة شخص مثل فرعون ادعى الربوبية، ليقطع عليه كل ذريعة في عدم قبول الربوبية الإلهية.
في هذه الآية، قُرئت عبارة «خَلْقَهُ» بوجهين: القراءة المشهورة بسكون اللام، والقراءة غير المشهورة بفتح اللام. ويهدف هذا المقال إلى كشف العلاقة بين هاتين القراءتين ودورهما في فهم وتفسير الآية، من خلال تتبع دقيق في المصادر التفسيرية وتحليلها.
في سياق الحديث عن خلفية موضوع اختلاف القراءات وعلاقته بالتفسير، لا بد من تناوله من جانبين:
أ. الخلفية التاريخية للموضوع
يعود استخدام مصطلح القراءة إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث كان يُستخدم في البداية لتعليم الآيات والسور القرآنية (العلق/١؛ الإسراء/١٠٦). وبأمر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان جماعة من الصحابة يقرئون بعضهم البعض في مجال الآيات، ومع مرور الوقت وانشغال عدد منهم (حفاظ القرآن عند نزوله و…) بشكل أساسي بتلاوة وتدريس الآيات، بدأت مرحلة ظهور مصطلحات القراء والقراءة. ويدور محور أسانيد القراء العشرة حول قراءة هؤلاء الصحابة، وهم: أُبي بن كعب، ابن مسعود، أبو الدرداء عويمر بن زيد، عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، أبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت. وكان المسلمون في كل منطقة يقرؤون القرآن وفقًا لطريقة أحد الصحابة الذين كانوا يقيمون بينهم. وبعد منتصف القرن الأول الهجري، بدأت فترة ظهور وجوه مختلفة للقراءة. وبعد توحيد المصاحف، أرسل عثمان نسخة من المصحف مع مقرئ إلى مختلف الأمصار لتوحيد المسلمين في التلاوة على أساس القراءة المعتبرة. في هذه الفترة وما تلاها، بدأ تمييز القراءات المعتبرة عن الشاذة، وتحديد معيار هذا التمييز إلى حد ما (فضلي، مقدمة في تاريخ قراءات القرآن الكريم، ١٣٨٨: ٢٠-٤٠).
ب. خلفية الموضوع
مع تزايد عدد القراء في تعلم القرآن، ظهر الاختلاف في قراءة القرآن، وبرزت الحاجة إلى علم يمكّن من تمييز القراءة الصحيحة المتواترة عن الشاذة. وبالتالي، فإن «علم القراءة» بهذا المعنى هو أقدم علم يتعلق بلغة القرآن انتشر بين المسلمين (إيراندوست، لسان الوحي، ١٣٩٦: ٤٥). هناك خلاف بين المؤرخين حول أول مؤلف لكتاب في القراءات، هل هو أبو عبيد القاسم بن سلام، أم أبو حاتم السجستاني، أم أبان بن تغلب، أم يحيى بن يعمر (فضلي، مقدمة في تاريخ قراءات القرآن الكريم، ١٣٨٨: ٤٠). ويبدو أن بعض هذه الاختلافات في الآراء تعود إلى اتساع أو ضيق دائرة «علم القراءات».
في غضون ذلك، ألف مؤلفون آخرون كتبًا باسم «القراءات» حتى نصل إلى أبي جعفر الطبري (المتوفى ٣١٠) مؤلف «الجامع»، وأبو بكر محمد بن أحمد الداجوني (المتوفى ٣٢٤)، ثم تبعه أبو بكر أحمد بن موسى ابن مجاهد (المتوفى ٣٢٤). وهو أول من حصر عدد القراءات في القراءات السبع من خلال تأليف كتاب «السبعة في القراءات». وبعد ابن مجاهد، ألف آخرون كتبًا على منواله (فضلي، مقدمة في تاريخ قراءات القرآن الكريم، ١٣٨٨: ٤٠-٤٧).
بالإضافة إلى الكتب التي تناولت اختلاف القراءات في القرآن حصرًا، يلاحظ الاهتمام بهذا الموضوع في مصادر التفسير لدى الفريقين من حيث أثره التفسيري في معنى الآيات. ففي تفاسير الشيعة المتقدمة، يُعد تفسير «مجمع البيان» مصدرًا غنيًا في بيان اختلاف القراءات وظهور الفروق المعنوية. وفي تفاسير أهل السنة، يمكن الإشارة إلى تفسير «جامع البيان» للطبري، و«الكشاف» للزمخشري، و«روح المعاني» للآلوسي.
وقد كُتبت مقالات عديدة في مجال اختلاف القراءات بمقاربات مختلفة. بعضها تناول أصل اختلاف القراءات ومنشأه، وبعضها الآخر تناول معايير الاعتبار في اختلاف القراءات. كما كُتب عدد من المقالات بمنهج تفسيري للمفسرين في اختلاف القراءات، وقليل منها تناول كيفية دور اختلاف القراءات في تفسير القرآن. وبما أن الموضوع الأخير هو الأكثر ارتباطًا بموضوع هذا المقال، نشير إلى عدد منها:
«اختلاف القراءات وتأثيره في التفسير من وجهة نظر العلامة الطباطبائي»، لمحمد فاكر ميبدي؛ «تأثير اختلاف القراءات في التفسير»، لحسين آشوري؛ «دراسة كيفية تأثير اختلاف القراءات في الاستنباطات التفسيرية لمجمع البيان»، لمهدي أكبر نجاد، نجيمة كراوند ومظفر علي دادي؛ «اختلاف القراءات السبع في سورة مريم»، لفاطمة سادات أرفع وسيد محمد ميرحسيني؛ «الطبري واختلاف القراءات في آيات الأحكام العبادية»، لروح الله نجفي؛ «اختلاف القراءات في أول آية ربا ودوره في آراء المفسرين وفقهاء الشيعة»، لمحمدرضا ستوده نيا وعلي أكبر صافي؛ وغيرها.
على الرغم من وجود مثل هذه المقالات التي توضح من جهة وظيفة ودور اختلاف القراءات في تفسير الآيات، ومن جهة أخرى توضح الآية بشكل أفضل بناءً على معايير تقييم القراءات المعتبرة والأرجح أحيانًا، لا يزال هناك فراغ بحثي في هذا المجال؛ إذ إن معالجة كيفية علاقة وتأثيرات اختلاف القراءات على التفسير في كل آية من الآيات التي وردت فيها قراءات متعددة، أمر لازم وضروري. خاصة في الآيات العقدية التي تشكل أساس رؤية الإنسان، وبالتالي توجهه نحو الأوامر الأخلاقية والفقهية في القرآن الكريم. من هنا، يسعى المقال الحالي إلى دراسة إحدى الآيات العقدية التي لها قراءتان ولم تعالج حتى الآن بشكل مستقل بمنظور اختلاف القراءات، وذلك بمنهج وصفي-تحليلي وتطبيقي في تفاسير الفريقين؛ وهي الآية ٥٠ من سورة طه: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾، التي تعد من أمهات الموضوعات العقدية؛ أي التوحيد الربوبي وعلاقته بالخالقية والهداية.
١. دراسة المفهوم
بالنظر إلى عنوان المقال، يجب توضيح ثلاث مفردات: «القراءة واختلاف القراءات»، «التفسير»، وكلمة «خَلْق» التي هي محل بحث اختلاف القراءة في آية ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ (طه/٥٠).
أ. القراءة
أولًا: القراءة في اللغة
بمعنى الجمع والضم. وسُمي القرآن قرآنًا لضمه السور بعضها إلى بعض (الجوهري، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، ١٣٦٨ ش: ١/ ٦٥). ووجه تسمية القراءة بمعنى القراءة هو نفسه، حيث تُضم الحروف والكلمات إلى بعضها في الترتيل، وإذا نُطق حرف واحد لا يُسمى قراءة (الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ١٤٢٧ ق: ٦٦٨). جمع «قراءة» هو «قراءات»، وهو ما يدل على تنوع أنواع القراءة.
ثانيًا: القراءة في الاصطلاح
ذكر علماء علوم القرآن معاني اصطلاحية متنوعة للقراءة، ونكتفي في هذا البحث بثلاثة تعريفات:
«القراءات، هي الاختلاف المتعلق بـ«ألفاظ» و«عبارات» الوحي، وهذا الاختلاف مرتبط بحروف وكلمات القرآن وكيفيتها – من قبيل التخفيف والتشديد وأمثال ذلك – وهو منقول عن القراء» (الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ١٣٧٦ ق: ١/ ٣٨).
«هو الفن الذي يعنى بضبط وتوجيه القراءات السبع المعروفة والقراءات الثلاث الأخرى وقراءات الصحابة وشواذ القراءات» (الطباطبائي، القرآن في الإسلام، ١٣٧٢ ش: ١٠٩).
يكتب ابن الجزري في معنى جامع في اصطلاح القراءات: «القراءات، هي علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلاف هذه الكيفية، اختلافًا منسوبًا إلى ناقله وراويه.» (فضلي، مقدمة في تاريخ قراءات القرآن الكريم، ١٣٨٨: ٧٩).
وفي تلخيص لتعريفات القراءة، قيل: «القراءة هي تلاوة القرآن الكريم، بناءً على لفظ منقول ومروي، لا فرق بين أن يكون النطق من النبي نفسه أو نطق وتلاوة آخرين نالت تأييده؛ سواء كان الناقل شخصًا واحدًا أو عدة أشخاص. وبالطبع، أحيانًا تُروى القراءة بـ«لفظ» واحد ووجه واحد، ويكون متفقًا عليه بين القراء، وأحيانًا تُروى القراءة بأكثر من وجه، ويكون مختلفًا فيه بين القراء (فضلي، مقدمة في تاريخ قراءات القرآن الكريم، ١٣٨٨: ٨١).
ب. التفسير
التفسير، مصدر باب تفعيل من مادة «فَسْر». و«الفسر» في كتب اللغة يأتي بمعانٍ مختلفة منها «البيان» (ابن منظور، لسان العرب، ١٤١٤ ق: ٥/ ٥٥)، و«الإبانة»، و«إظهار وكشف الأمر المستور» (الزبيدي، تاج العروس، ٣، بي تا: ٤٧٠)، و«بيان وتوضيح الشيء» استُعمل (ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ١٤٢٩ ق: ٨١٨).
التفسير في اصطلاح المفسرين هو: «إزالة الإبهام عن اللفظ المشكل والصعب الذي يكون قاصرًا ومشكلاً في إيصال المعنى المراد.» (معرفت، التفسير والمفسرون، ١٣٨٠ ش: ١/ ١٧).
ج. الخَلْق
كلمة «خَلْق» تعني التقدير، والخالق هو من يُوجد الشيء بتقدير، من غير مثال سابق (الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ١٤١٥ ق: ٣/ ٣١٠).
٢. دور اختلاف القراءات في التفسير
إن تغير المعنى في وجهين أو أكثر من القراءة له حالتان لهما دور كبير في التفسير:
الأولى: الاختلاف في اللفظ والمعنى مع إمكان الجمع في كلمة واحدة. الثانية: الاختلاف في اللفظ والمعنى مع عدم إمكان الجمع في كلمة واحدة. هذا التأثير الكبير في التفسير يرجع إلى أن ثبوت أحد الألفاظ في قراءة ما يكشف عن المراد من نفس اللفظ في قراءة أخرى، أو يبين معنى مغايرًا له، مما يؤدي إلى تفاسير متنوعة. لذلك، في بعض الحالات، لا يؤدي قبول قراءة ما إلى بطلان القراءات الأخرى، ويمكن تعداد أدوار تفسيرية متنوعة لاختلاف القراءات؛ منها: تبيين معاني الآية، توسيع نطاق معاني الآية، دفع الإشكالات الواردة على الآية، إزالة الإيهام، ورفع توهم التناقض بين التفاسير بناءً على قراءة واحدة (راجع: أرفع، ميرحسيني، اختلاف القراءات السبع في تفسير سورة مريم، دراسات قراءة القرآن، الدورة ٦، العدد ١١، خريف وشتاء ١٣٩٧؛ آشوري، تأثير اختلاف القراءات في التفسير، مجلة البحوث القرآنية، ١٣٧٩، عدد ٢٣-٢٤، http://maarefquran.com).
٣. معايير دراسة القراءات المختلفة
لدراسة القراءات المختلفة، خاصة تلك المؤثرة في المعنى، يجب أن يكون هناك معيار لتقييمها. وقد وضع المفسرون وعلماء علوم القرآن معايير متعددة لدراسة القراءات المختلفة وتقييم اعتبارها، وهم لا يضعونها جميعًا في مرتبة واحدة (أميني، براتيان، دراسة عوامل وتطبيقات اختلاف قراءات القرآن من وجهة نظر علماء علوم القرآن وآية الله فاضل لنكراني، الدورة ٧، العدد ١٣، خريف وشتاء ١٣٩٨). من بين هذه المعايير: صحة السند، مطابقة رسم المصحف، ومطابقة قواعد اللغة العربية (فضلي، مقدمة في تاريخ قراءات القرآن الكريم، ١٣٨٨: ١٤٤-١٥٩). ومن المعايير الجزئية التي وضعها بعض المفسرين لدراسة اختلاف القراءات، يمكن الإشارة إلى: نضج المعنى، تناسب المعنى، قوة المعنى، وجمال اللفظ (مرتضوي، طيب حسيني، وجهة نظر الزمخشري حول القراءات، مجلة دراسات قراءة القرآن، س ٧، العدد ١٢، ربيع وصيف ١٣٩٨: ٢٧)، الفصاحة، السياق، الأدلة العقلية والروائية (فاكر ميبدي، اختلاف القراءات وتأثيره في التفسير من وجهة نظر العلامة الطباطبائي، ١٣٩٠: ٩٣)، موافقة قراءة عامة الناس (إيزدي، ذوقي، تتبع قراءة العامة في كتب التفسير في القرون الأولى ودورها في ترجيح القراءة، ١٣٩٦: ٦٣). في تقييم اختلاف القراءة في الآية موضع البحث، تُستخدم هذه المعايير حسب الاقتضاء.
٤. دراسة اختلاف القراءة في تفسير آية ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾
من الأسباب الرئيسية المؤثرة في نشأة اختلاف القراءات: «اختلاف اللهجات»، «غياب الإعراب في الخط العربي»، «غياب الإعجام أو النقط والعلامات في الحروف»، «الاجتهادات الفردية للصحابة والقراء»، و«غياب علامات السجاوندي والوقف والابتداء» (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ١٣٨٨ ش: ٢/ ١٣). وبالتالي، فإن تعدد القراءات حقيقة لا يمكن إنكارها، والاهتمام باختلاف القراءات في تفسير آية ما أمر مؤثر، لدرجة أن بعض المفسرين ذكروا أن كبار علماء المذهب كانوا يكرهون أن يداوم الإنسان على قراءة واحدة فقط (الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، بي تا: ١/ ٧). بالطبع، إذا كان المفسر يعتقد أن القراءة السائدة ليست هي القراءة الحقيقية الوحيدة، فيجب عليه، بالاهتمام بالقراءات المختلفة وتفسيرها، الوصول إلى أصح قراءة ومعنى. من هنا، في مقام التحليل والترجيح بين القراءات، يجب أولاً دراسة القراءات المختلفة للآية بشكل منفصل ثم مقارنتها.
الآية الجامعة والموجزة في آن واحد ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ (طه/٥٠) تتضمن برهان الخالقية الذي يثبت الربوبية الحصرية لله (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ١٤١٧ ق: ١٤/ ١٦٧)؛ لأن الرب هو الفاعل والخالق (جوادي آملي، التوحيد في القرآن، ١٣٨٩ ش: ٢/ ١٠٦). والخالقية ليست موضع نزاع، والجميع يقر بها، فالله هو الخالق (العنكبوت/٦١). وبهذا الطريق المقبول لدى الجميع، تثبت الربوبية الإلهية أيضًا. في تفسير هذه الآية، ذُكرت وجوه مختلفة، بعضها يؤيد بعضًا (الطنطاوي، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، بي تا: ٩/ ١١٣). وبالطبع، وردت قراءتان مختلفتان في مقطع «الذي أعطى كل شيء خلقه» بسكون وفتح اللام في «خلقه»، وهي من نوع الاختلاف في هيئة العبارة بسبب الإعراب (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، بي تا، ٢٠٤ – ٢٠٦)، ومما لا شك فيه أن مثل هذا الاختلاف في القراءة مؤثر في المعنى، ومن هنا يجب على المفسر أن يعرفها وأن يكون لديه معيار لتقييمها (ابن عاشور، التحرير والتنوير، بي تا: ١/ ٥١-٥٦).
قراءة «خَلْقَهُ» هي المشهورة، وقراءة «خَلَقَهُ» هي غير المشهورة، وتترتب عليهما تراكيب مختلفة. يؤثر اختلاف القراءات في طريقة الاستدلال على وصف الخالقية في إثبات دلالتها على الربوبية، ومن هنا، فإن الدراسة المنفصلة لمعنى كلتا القراءتين لفهم الآية بشكل أفضل، وكذلك تحليل الدور الترابطي لهاتين القراءتين المختلفتين مع بعضهما البعض في التفسير، أمر ضروري.
أ. دراسة تأثير القراءة المشهورة في تفسير آية ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾
في القراءة المشهورة الموجودة في المصاحف الحالية، تُشاهد كلمة «خَلْقَهُ» بسكون اللام وبصيغة الاسم. ويعتبرها المفسرون قراءة الجمهور (الشوكاني، فتح القدير، ١٤١٤ ق: ٣/ ٤٣٥)، وفيها اختلاف تفسيري كبير؛ لأن فعل «أَعْطَى» متعدٍ لمفعولين، ومفعوله الأول هو آخذ العطاء، ومفعوله الثاني هو الشيء المأخوذ؛ أي المتاع الموهوب (حسن، النحو الوافي، ١٣٨٤ ش: ٢/ ١٦٦)؛ وهذا الاختلاف في التفاسير يعود إلى نوع تركيب الآية في مفعولي «أَعْطَى» وكذلك إلى المعاني المختلفة لـ«كُلّ شَيْءٍ» و«خَلْقَهُ». وبناءً على ذلك، تُصنّف أقوال المفسرين حسب اختلاف التركيب والمعاني التفسيرية للآية.
أولاً: اعتبار «كل» مفعولاً ثانيًا و«خَلْقَهُ» مفعولاً أول
إن اعتبار التقديم والتأخير بين مفعولي «أَعْطَى» هو أحد التراكيب التي يكون فيها المفعول الثاني «كُلّ شَيْءٍ» (أي ما أُعطي) مقدمًا على المفعول الأول «خَلْقَهُ» لأهميته وكونه المقصود الأصلي (الكاشاني، منهج الصادقين في إلزام المخالفين، ١٣٣٦ ش: ٥/ ٤٧٣؛ الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، ١٤١٥ ق: ٨/ ٥١٤).
بناءً على هذا التركيب، يمكن تصور معانٍ عامة وخاصة للآية:
1. المعنى العام: عطاء كل ما يحتاجه كل مخلوق
«ربنا هو الذي أعطى مخلوقاته منذ بداية الخلق، وكذلك لاستمرار الحياة والوصول إلى غاية الخلق، أنواع النعم وما يحتاجونه (سواء من اعتدال وتسوية، طعام وشراب ولباس ونكاح و…)». في هذا التركيب والتفسير، يُعتبر «خَلْقَهُ» بمعنى مخلوق الرب (الكاشاني، منهج الصادقين في إلزام المخالفين، ١٣٣٦ ش: ٥/ ٤٧٣؛ الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ١٤٠٧ ق: ٣/ ٦٧). وكأن الله قال: «ربنا الذي أعطى خلقه كل شيء»؛ وهذا الوجه نظير معنى وتركيب آية ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ (إبراهيم/٣٤) (السيد الرضي، تلخيص البيان في مجازات القرآن، بي تا: ٢٢٦).
2. المعنى الخاص: عطاء نعم الدنيا للناس
«ربنا هو الذي أعطى الناس نعم الدنيا» (الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ١٣٧٢ ش: ٧/ ٢٣). والشاهد على هذا المعنى آية ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ﴾ (البقرة/٢٩)، حيث تدل كلتا الآيتين على معرفة التوحيد (الميبدي، كشف الأسرار وعدة الأبرار، ١٣٧١ ش: ٦/ ١٣١). في هذا الوجه، يُفسر «خلق» بالناس و«كل شيء» بنعم الدنيا؛ في حين لا توجد قرينة على تقييد الآية بهذا المعنى، ويُفهم من ألفاظ وسياق الآية معنى عام. ولعل هذا هو السبب في أن هذا الوجه في «مجمع البيان» طُرح في آخر الأقوال بـ«قيل».
على الرغم من أن البعض يرى أن تركيب وبنية آية ﴿أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ يصلح لكلا نوعي التركيب (كون «خلقه» مفعولًا أول أو ثانيًا) (ابن عاشور، التحرير والتنوير، بي تا: ١٦/ ١٢٩)، فإن البعض يرى أن هذا التقديم والتأخير بين المفعولين هو الأظهر والأجود (ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، ١٤١٦ ق: ٢/ ٩؛ القونوي، حاشية القونوي على تفسير البيضاوي، ١٤٢٢ ق: ١٢/ ٣٦١)؛ ولكن هذا القول خلاف الظاهر، وأن يكون «كل» مفعولًا أول و«خلقه» مفعولًا ثانيًا هو الأظهر من حيث اللفظ والمعنى (الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، ١٤١٥ ق: ٨/ ٥١٤). بالإضافة إلى كونه خلاف الظاهر، فإن هذا التقديم والتأخير لا ضرورة له، ومراعاة الترتيب في المفعولين يتفق مع العلم والعقل والاستدلال (جوادي آملي، دروس تفسير، سورة طه، بي تا، ٢٠).
إذًا، مراعاة الترتيب في دور المفعولين أقرب إلى الصواب والفهم الأيسر، وهذا المعنى العام نفسه يمكن استنباطه من الآية مع مراعاة الترتيب في مفعولي «أعطى» وكذلك المعنى المصدري الاسمي لكلمة «خلق»؛ لأن «شيء» وهو من أعم الألفاظ، جاء مضافًا إليه لـ«كل»، و«كل شيء» يشمل جميع المخلوقات، و«خلقه» أيضًا على هذا الأساس يعني خلقة تتناسب مع كل شيء، تشمل احتياجاته أيضًا.
ثانيًا: اعتبار «كل» مفعولاً أول و«خَلْقَهُ» مفعولاً ثانيًا
تفسير هذه الآية، مع مراعاة الترتيب في تركيب مفعولي فعل «أعطى»، يقع في قسمين رئيسيين مع مجموعات فرعية مختلفة:
1. المعنى العام لعبارة «أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ»
إذا اعتُبرت كلمتا «كل شيء» و«خلقه» بشكل عام، يمكن بيان ثلاثة معانٍ كلية لها:
أولاً: عطاء الشكل والصورة لكل شيء
في هذا الوجه، «كل شيء» بناءً على لفظه يعني «كل شيء» بشكل عام، و«خلق» بمعنى الاسم المصدري «الشكل والصورة». وبالتالي، فإن الضمير في «خلقه» يعود إلى «شيء» (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ١٤١٧ ق: ١٤/ ١٦٦). وقد ورد معنى «الشكل والصورة» لكلمة «خلق» في الآية بثلاثة بيانات مختلفة في التفاسير، وهي قابلة للجمع:
1- عطاء الشكل والصورة لكل شيء بأكمل وأثبت شكل: بمعنى أن الرب أعطى كل موجود من حيوان وجماد وغيره، أكمل وأتقن شكل وخلقة (السيد الرضي، تلخيص البيان في مجازات القرآن، بي تا: ٢٢٦). وقد اعتبر البعض هذا الوجه هو الأفضل لعمومه (الثعالبي، جواهر الحسان في تفسير القرآن، ١٤١٨ ق: ٤/ ٥٧) وفصاحة الكلام فيه (أبو الفتوح الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، ١٤٠٨ ق: ١٣/ ١٥٥).
2- عطاء الشكل والصورة لكل شيء بما يتفق مع منفعته وكماله: بمعنى أن الله أعطى كل شيء شكلاً يتناسب مع وجود ذلك الشيء ومنفعته (الفيض الكاشاني، الصافي، ١٤١٥ ق: ٣/ ٣٠٩١)، ومصلحته (فخر الرازي، مفاتيح الغيب، ١٤٢٠ ق: ٢٢/ ٥٩؛ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، بي تا: ٧/ ١٧٨) وكماله (البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ١٤١٨ ق: ٤/ ٢٩). فقد أعطى العين هيئة تتناسب مع الرؤية، والأذن واليد… شكلاً يرتبط ويتناسب مع منفعتهما (الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ١٤٠٧ ق: ٣/ ٦٧؛ الكاشاني، منهج الصادقين في إلزام المخالفين، ١٣٣٦ ش: ٥/ ٤٧٣). هذا الوجه نظير آية ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (السجدة/٧) (آل السعدي، تيسير الكريم الرحمن، ١٤٠٨ ق: ١/ ٥٩٣)؛ ويتوافق مع عموم الآية (ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ١٤٢٢ ق: ٤/ ٤٧). وقد فضّل البعض هذا الوجه الذي يكون فيه «خلق» المصدري بمعنى «مخلوق» و«كل» تفيد عموم الأفراد على النظريات الأخرى الأضعف مثل «خلق» بمعنى المصدر «الإيجاد» (ابن عاشور، التحرير والتنوير، بي تا: ١٦/ ١٢٩) وقالوا إن معناه: الله أعطى كل موجود وجودًا يستحقه؛ بمعنى أن الله أوجد كل شيء بحسب استعداده وقابليته (الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، ١٤١٥ ق: ٨/ ٥١٤)؛ ولكن يجب القول إن العمومية في قول الآلوسي فقط هي المقبولة، والمصدر بمعنى اسم المفعول وعودة الضمير في «خلقه» إلى الشيء غير صحيح؛ إذ لا معنى لأن يقال: يعطي المخلوق لكل شيء هو نفسه مخلوق (صادقي طهراني، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن، ١٣٦٥ ش: ١٩/ ١١٨). إذًا، الآية بمعنى الاسم المصدري لـ«خلق»، بمعنى الوجود المتوافق، ولا يخل بعموميتها.
3- عطاء الصورة والشكل المقدّر لكل موجود: لقد وهب الرب لكل موجود الصورة التي قدّرها له (الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، بي تا: ٧/ ١٧٨؛ الثعلبي، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، ١٤٢٢ ق: ٦/ ٢٤٧)، وهو الشكل الذي يقوم به وجوده. فكل شيء مخلوق بمقدار وحساب (الخطيب، التفسير القرآني للقرآن، بي تا: ٨/ ٧٩٨). في هذا الوجه، «خلق» بمعنى الشكل المخصوص والجعل، والآية تعني: ربنا هو الذي أعطى كل موجود شكله الخاص به (ابن عاشور، التحرير والتنوير، بي تا: ١٦/ ١٢٩). هذا المعنى للآية نظير آية ﴿الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ (الأعلى/٣)، بمعنى أن الله كتب وقدّر لكل مخلوق أعماله وآجاله وأرزاقه الخاصة التي لا يمكن الخروج عنها (ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ١٤١٩ ق: ٥/ ٢٦٣).
الجامع المشترك بين الأقوال الثلاثة هو تفسير «خلق» بالشكل والصورة؛ واعتبار «كل شيء» عامًا، والاختلاف بين هذه الوجوه الثلاثة يكمن في نوع عطاء الصورة لكل شيء. في أحدها، الغرض هو أكمل وأثبت حالة لهدفه؛ وفي الآخر، تُراعى المصلحة والمنافع والكمال، وفي الثالث، يُركز على كون صورة كل شيء قائمة على حساب وتقدير. كل هذه الوجوه، رغم اختلافها الظاهري، قابلة للجمع: «لقد أعطى الله كل شيء صورة هي الأثبت؛ لأنها قائمة على حساب وتقدير، وقد رُوعيت فيها مصالحه ومنافعه وكماله» (ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ١٤٢٢، ج ٤/ ٤٧؛ ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، ١٤١٦ ق: ٢/ ٩).
ثانيًا: عطاء الوجود لكل شيء
في التفسير العام للآية، «كل شيء» بمعنى «كل شيء» و«خلق» بمعنى الاسم المصدري «الإيجاد أو الوجود»، والضمير في «خلقه» يعود إلى «شيء» (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ١٤١٧ ق: ١٤/ ١٦٦). بالطبع، في تفسير هذا الوجود، تظهر ثلاثة بيانات مختلفة:
1- عطاء الوجود العام لكل شيء: ربنا هو الذي أعطى كل شيء لباس الخلقة والإيجاد. والمقصود بهذا الإيجاد هو الوجود نفسه، وحاصل هذا الإيجاد والخلق هو المخلوق (صادقي طهراني، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن، ١٣٦٥ ش: ١٩/ ١١٨).
2- عطاء الوجود الخاص بكل شيء: بمعنى أن الرب وهب الموجودات وجودًا في شكل، وخلقها على تلك الصورة (سيد قطب، في ظلال القرآن، ١٤١٢ ق: ٤/ ٢٣٣٨). مثل نطفة آدم، بالاستعداد الذي لديها لتصبح آدمًا، أعطيت خلقة خاصة بها، وتلك الخلقة الخاصة هي الوجود الإنساني الخاص. لقد أعطى الله كل شيء خلقة وتركيبًا خاصًا به، في مسار هدف خلقته. وسياق الآيات وكلمة «شيء» كمرجع للضمير [في الإضافة التخصيصية] في «خلقه» (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ١٤١٧ ق: ١٤/ ١٦٦-١٦٧) وآيات أخرى مثل ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ (الأعلى/١-٣)، (القرشي، أحسن الحديث، ١٣٧٧ ش: ٦/ ٤٠٧)، دليل على هذا المعنى.
3- الروح: بعض أهل السنة، استنادًا إلى قول ابن عباس، فسروا «خلق» بالروح (السيوطي، الدر المنثور في تفسير المأثور، ١٤٠٤ ق: ٤/ ٣٠٢). ويبدو أن هذا الوجه يعود إلى الوجود نفسه؛ لأن وجود كل شيء بروحه، بالطبع روح كل موجود بحسبه.
في تلخيص الأقوال الثلاثة، يمكن القول: عطاء الوجود لكل شيء هو وجه مشترك بين الأقسام الثلاثة في تفسير «أعطى كل شيء خلقه»؛ مع فارق أن رؤية تعتبره «وجودًا عامًا» ورؤية أخرى «وجودًا خاصًا» والقول الثالث يعتبره «روحًا». وبالنظر إلى الأدلة المقبولة للوجود الخاص، يُرجح هذا القول؛ ومن جهة أخرى، إذا فُسرت الروح بمعنى الحياة الخاصة بذلك الشيء، فإنها تعود إلى الوجود الخاص، وإذا فُسرت بالحياة العامة، فإنها تعود إلى الوجود العام، وهو ما لا يتوافق مع نوع الإضافة الخاصة في «خلقه» وسياق هذه الآيات وغيرها.
ج) عطاء ما فيه الصلاح لكل شيء: من المعاني العامة الأخرى للآية: أن الله أعطى كل خلق ما فيه صلاحه (الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، ١٤١٢ ق: ١٦/ ١٣٢؛ أبو الفتوح الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، ١٤٠٨ ق: ١٣/ ١٥٤-١٥٥).
بناءً على تركيب المفعول الأول لـ«كل» والمفعول الثاني لـ«خلقه» والمعاني المذكورة، يمكن القول: إن هذا التركيب صحيح للآية ولا تكلف فيه، وباستثناء الوجوه المعنوية التي رُفضت، فإن الباقي قابل للجمع بهذا البيان: أن الله بفضله، بالتزامن مع خلق كل موجود، أعطى وجودًا خاصًا لكل شيء؛ وهو نفس الوجود والصورة المقدرة التي تستند إلى مصالح ومنافع وكمال كل شيء، وبواسطتها تصل الموجودات إلى كمالها وهدفها (الطنطاوي، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، بي تا: ٩/ ١١٩)، وهذا من علامات التوحيد الربوبي.
ثالثًا: المعنى الخاص والمحدود لعبارة «أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ»
مقابل المعاني العامة للآية في التركيب المذكور، توجد تفاسير خاصة ومحدودة لـ«كل شيء» أو لـ«خلقه»؛ منها:
1- عطاء العلم والصنعة لكل شيء: تفسير «خلقه» بـ«العلم والصنعة» أو «ما يُلهمه العلم والصنعة» هو أحد الوجوه الخاصة، وتكون الآية على هذا الأساس بمعنى: الرب ألهم كل شيء ما يحتاجه من علم وصنعة، وأعطاه إياه (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ١٣٦٤ ش: ١١/ ٢٠٥؛ الماوردي، النكت والعيون، بي تا: ٣/ ٤٠٦). تقييد الآية بهذا المعنى يفتقر إلى دليل.
2- عطاء الزوج والمثل لكل شيء: في هذا المعنى، المفعول الثاني لـ«أعطى» (خلق) هو في الأصل مضاف إليه، حل محل المضاف المحذوف (كلمة مثل) وأخذ إعراب النصب للمفعول (المضاف المحذوف). إذًا، المراد بـ«خَلْقَهُ» هو «مثل خلقه»: أي زوجه ومثله؛ وقد فُسر بطريقتين: الأولى بمعنى الزوج والمثل لكل شيء، ويشمل جميع الأشياء؛ مثل «الحصان والحجر» اللذين هما نظيران لبعضهما (الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ١٤٠٧ ق: ٣/ ٦٧). ويبدو أن هذه الآية نظير آية ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ (الذاريات/٤٩) (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ١٤١٧ ق: ١٤/ ١٦٨). وفي معنى آخر، «خلق» بمعنى خاص هو «الزوج والزوجة» وأيضًا «كل شيء» بمعنى خاص هو «الحيوان والإنسان» (الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، بي تا: ٧/ ١٧٨؛ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ١٤١٨ ق: ٤/ ٢٩). دليل هذا المعنى هو رواية (الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، ١٤١٢ ق: ١٦/ ١٣١؛ الكليني، أصول الكافي، ١٤٠٧ ق: ٥/ ٥٦٧، ح ٩). هذا المعنى مقبول فقط إذا كان أحد وجوه المعنى العام للآية، وربما يكون مراد البعض من التمثيل هو هذا المعنى نفسه، وإلا فهو معنى بعيد (الآلوسي، روح المعاني، في تفسير القرآن العظيم، ١٤١٥ ق: ٨/ ٥١٤)، لأنه في غير المعنى العام، تكون الألفاظ العامة للآية مقيدة بدون دليل (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ١٤١٧ ق: ١٤/ ١٦٧)، ومثل هذا التخصيص خلاف الظاهر (القونوي، حاشية القونوي على تفسير البيضاوي، ١٤٢٢ ق: ١٢/ ٣٦١).
3- عطاء ما يلزم للنكاح لكل شيء: أعطى الله كل شيء ما يلزم للنكاح، وهيأ كل شيء بطريقة لا يشبه فيها هذا الأمر أيًا من أنواع المخلوقات الأخرى (ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ١٤١٩ ق: ٥/ ٢٦٣). هذا الوجه أيضًا غير مقبول، لأن النكاح بمعناه الخاص لا يوجد في جميع المخلوقات، إلا إذا أُخذ النكاح بمعنى الزوجية العامة للأشياء. وبالطبع، هذا المعنى أيضًا يقيد الآية بحالة خاصة ولا يوجد دليل عليه، بل السياق العام للآية دليل على خلافه.
4- عطاء الشكل المطابق للمنفعة والكمال للأنفس البشرية: أعطى الله جميع الأنفس البشرية صورة وشكلاً مطابقًا لمنفعتها، وسواها وعدّلها على تلك الصورة. إذًا، الآية نظير آية ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ (الشمس/٧) (القاسمي، محاسن التأويل، ١٤١٨ ق: ٧/ ١٢٨). هذا الرأي أيضًا لا يتوافق مع عمومية الآية كالوجوه السابقة.
5- عطاء آلات المصالح لكل حيوان: أعطى كل حيوان آلات المصالح الخاصة به، من عين باصرة وأذن سامعة ويد قابضة ورجل ماشية ولسان ناطق (الحسيني الشاه عبد العظيمي، إثنا عشري، ١٣٦٣ ش: ٨/ ٢٧٩). هذا القول أيضًا مردود، لعدم وجود دليل على حصر الآية في الحيوان فقط (السيد الرضي، تلخيص البيان في مجازات القرآن، بي تا: ٢٢٦).
6- عطاء إلهام المعاش والمعاد لكل حيوان: من المعاني الخاصة لـ«أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ» أنهم فسروا «خلق» بـ«المعاش والمعاد»، والمراد من العبارة هو إلهام المعاش والمعاد من الله لكل حيوان، فيعلم متى يخرج صباحًا لطلب المعاش ومتى يعود مساءً للراحة (أبو الفتوح الرازي، ١٤٠٨ ق: ١٣/ ١٥٥؛ الحسيني الشاه عبد العظيمي، إثنا عشري، ١٣٦٣ ش: ٨/ ٢٧٩). ولكن كما مر، الآية تشمل كل موجود من حيوان وجماد وغيره، ولا يوجد دليل على حصرها في الحيوان فقط (السيد الرضي، تلخيص البيان في مجازات القرآن، بي تا: ٢٢٦).
في تلخيص المعاني الخاصة في تفسير «أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ» وتركيب المفعول الأول لـ«كل» والمفعول الثاني لـ«خلقه»، يجب القول: إن هذه المعاني، كل منها يقيد عمومية الآية من جهة، ولا يوجد دليل عليها، بل الدليل على خلافها. هذه الأقوال تكون معتبرة فقط إذا كانت من باب ذكر المصداق، لا معنى الآية.
تلخيص دور وتأثير القراءة المشهورة في تفسير الآية
قراءة «خَلْقَهُ» المشهورة، في العبارة التوحيدية الموجزة والجامعة «رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ»، وردت بتركيبين لمفعولي فعل «أعطى». أن يكون «كل» مفعولًا ثانيًا مقدمًا و«خلقه» مفعولًا أول مؤخرًا، وهذا الوجه خلاف الأصل. إذًا، التركيب الثاني (مراعاة الترتيب في المفعولين) يتوافق مع الأصل، حيث يكون «خلقه» هو المفعول الثاني. وفي كل من هذين التركيبين، «خَلْقَهُ» اسم اعتُبر له معنى مصدري أو اسم مصدري أو اسم مفعول، وقد تم نقد ودراسة كل منها في موضعه. وبناءً على دراسة المعاني السابقة، فإن كونه اسم مصدر بمعناه العام وسياقه ونوع إضافته ومرجع ضمير «ه» في «خلقه» هو الأكثر توافقًا، ويوضح عمومية الخالقية الإلهية وبالتالي ربوبيتها الحصرية وتوحيدها بشكل أفضل؛ لأن الجملة الاسمية المكونة من «رَبُّنَا الَّذِي…» مبتدأ وخبر معرفة تدل أيضًا على هذا الحصر. فالرب هو وحده؛ لأنه المانح للخلقة بشكل مطلق (القونوي، حاشية القونوي على تفسير البيضاوي، ١٤٢٢ ق: ١٢/ ٣٦٢)، وخلقة الموجودات قائمة به، فهو المالك المدبر. الرب الذي أقام علاقة بين جميع الموجودات، وربط وجود كل موجود بتجهيزاته من قوى وآلات وآثار يصل بها إلى هدفه، بباقي الموجودات (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ١٤١٧ ق: ١٤/ ١٦٦-١٦٧)، وهذه الخلقة الخاصة والهادفة في كل شيء، بما يتناسب مع النظام المنسجم في عالم الوجود، دليل على التدبير الحكيم للخالق المدبر الذي هو الرب (سيد قطب، في ظلال القرآن، ١٤١٢ ق: ٤/ ٢٣٣٨).
ب. دراسة تأثير القراءة غير المشهورة في تفسير الآية
قرأ عبد الله، وحسن، والأعمش، وأبو نهيك، وابن أبي إسحاق، ونصير، نقلاً عن الكسائي وبعض أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، «خَلْقَهُ» بلام مفتوحة (خَلَقَهُ). في هذه القراءة، يكون «خَلَقَهُ» فعلاً ماضيًا معلومًا، ودوره صفة للمضاف (كل) أو المضاف إليه (شيء) (الشوكاني، فتح القدير، ١٤١٤ ق: ٣/ ٤٣٥؛ الطوسي، بي تا: ٧/ ١٧٨؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ١٣٦٤ ش: ١١/ ٢٠٥). وبالطبع، أن يكون صفة للمضاف إليه «شيء» هو الأفضل (القونوي، حاشية القونوي على تفسير البيضاوي، ١٤٢٢ ق: ١٢/ ٣٦١). يعتبر معظم المفسرين هذه القراءة شاذة؛ ولكن مع ذلك، إذا لم يكن نفي القراءة الصحيحة منحصرًا في القراءة الشائعة، فيجب الانتباه إلى سائر القراءات أيضًا. وبالطبع، حتى في حالة عدم قبول هذا الفرض، فإن دراسة معنى الآية بناءً على القراءة غير المشهورة يمكن أن تفتح آفاقًا تفسيرية جديدة أمام المفسر.
في هذه القراءة أيضًا، كما في القراءة المشهورة، تُبيَّن معانٍ مختلفة للآية بناءً على تراكيب متنوعة:
أولًا: عدم اعتبار المفعول الثاني المحذوف والتركيز على العطاء الإلهي
وفقًا لقراءة «خَلَقَه»، في أحد المعاني، يُركَّز على فعل «الإعطاء» الإلهي الذي يشمل كل شيء، ويُحذف مفعوله الثاني لعدم قصده من قبل المتكلم، ولا حاجة لتقديره. بناءً على هذا، يكون معنى الآية: كل ما خلقه الله ليس خارجًا عن عطائه وإنعامه (فخر الرازي، مفاتيح الغيب، ١٤٢٠ ق: ٢٢/ ٥٩؛ الطوسي، بي تا: ٧/ ١٧٨). وقد رجح الآلوسي، نقلاً عن كتاب الكشف، هذا القول، واعتبره أبلغ وأظهر؛ ولكن هذا الترجيح محل شك بسبب بعده الشديد عن معنى القراءة المشهورة «خَلْقَهُ» (الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، ١٤١٥ ق: ٨/ ٥١٤).
ثانيًا: اعتبار تقديرات مختلفة للمفعول المحذوف لـ«أعطى»
المعنى الآخر لـ«أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ» بناءً على قراءة «خَلَقَهُ»، يكون بتقدير المفعول الأول أو الثاني لـ«أعطى»، الذي حُذف للتعميم مع الاختصار (القونوي، حاشية القونوي على تفسير البيضاوي، ١٤٢٢ ق: ١٢/ ٣٦١)؛ أو للاختصار فقط وقرينة الحال (الآلوسي، ١٤١٥ ق: ٨/ ٥١٤)، أو لعلم المخاطب به (الميبدي، كشف الأسرار وعدة الأبرار، ١٣٧١ ش: ٦/ ١٣١). بناءً على تقديرات مختلفة، يمكن تصور معانٍ متعددة قابلة للجمع:
1- «أعطى كل مخلوق ما فيه صلاحه» (البيضاوي، ١٤١٨ ق: ٤/ ٢٩؛ القمي المشهدي، ١٣٦٨ ش: ٨/ ٣١٩؛ ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ١٤٢٢ ق: ٤/ ٤٧). الأمور التي فيها صلاح الدين أو الدنيا أو كليهما (القونوي، حاشية القونوي على تفسير البيضاوي، ١٤٢٢ ق: ١٢/ ٣٦١). وقد ذكر هذا المعنى عدد كبير من مفسري الفريقين، وحتى البعض مثل الآلوسي يعتبره أكثر توافقًا مع الوجه السابق بالقراءة المشهورة «خَلْقَهُ» ومقام الآية (الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، ١٤١٥ ق: ٨/ ٥١٤).
2- «أعطى الرب كل شيء خلقه ما فيه مصلحته في حياته ومنافعه» (الميبدي، كشف الأسرار وعدة الأبرار، ١٣٧١ ش: ٦/ ١٣١). من الواضح أن في هذا الوجه أيضًا، الأمور التي فيها مصلحة المخلوقات تُعتبر من عطاء الله لها، مع فارق أنه بالنسبة للوجه السابق، المصلحة مقيدة بظرف المعاش. إذا كان المراد بالمعاش الحياة الدنيا والأمور الجسدية، فإن تقييد العطاء الإلهي به يحتاج إلى قرينة، وهنا لا توجد مثل هذه القرينة، بل حذف المفعول الثاني نفسه قرينة على عمومية هذا العطاء الإلهي وخلاف مثل هذا التقييد؛ أما إذا كان المراد بالمعاش كل أمور حياة المخلوقات، فهو يتوافق مع ذلك.
3- «أعطى كل شيء خلقه، خلقة وإحكامًا وإتقانًا وكمالًا يليق به ويستحقه خلقه». هذا التقدير للمفعول المحذوف لـ«أعطى»، يوضح نوع خلقة المخلوقات (أبو الفتوح الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، ١٤٠٨ ق: ١٣/ ١٥٥؛ ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ١٤٢٢ ق: ٤/ ٤٧).
4- «أعطى الله، بناءً على علمه بكل شيء خلقه، من الأعيان الثابتة والتعينات الظاهرية، كل ما تحتاجه، سواء الوجود ولوازم الكمالات الأولية التي تليق بكل حالة، وكذلك الكمالات الثانوية» (الجنابذي، بيان السعادة في مقامات العبادة، ١٤٠٨ ق: ٣/ ٢٥). هذا الوجه جامع بشكل ما لجميع الوجوه الأخرى، من المصلحة والصلاح والإتقان في الخلقة و… التي هي من احتياجات كل مخلوق.
5- «أعطى كل شيء خلقه لبني آدم، وهو الأشياء التي يحتاجونها». في الوجوه السابقة، فُرض حذف المفعول الثاني، ولكن في هذا التقدير، فُرض حذف المفعول الأول. يرى القرطبي أن هذا المعنى يتفق مع القراءة المشهورة للآية «خَلَقَهُ» (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ١٣٦٤ ش: ١١/ ٢٠٥)؛ ولكن يجب الانتباه إلى أن اعتبار قيد بني آدم بشكل خاص كمستقبل للعطاء الإلهي، يحتاج إلى قرينة، وبالنظر إلى قرائن هذه الآية والآيات السابقة واللاحقة لها، لا يوجد دليل على اعتبار هذا القيد.
تلخيص دور وتأثير القراءة غير المشهورة في تفسير الآية
في تلخيص القراءة غير المشهورة وتفسيرها، يجب القول: من معايير قبول معنى خاص في القراءة غير المشهورة أن يكون ذلك المعنى متوافقًا مع القراءة المشهورة وليس بعيدًا عنها (الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، ١٤١٥ ق: ٨/ ٥١٤؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ١٣٦٤ ش: ١١/ ٢٠٥). بناءً على هذا المعيار، فإن معنى «عدم خروج أي شيء خلقه الله عن العطاء والإنعام الإلهي» للآية غير مقبول.
معيار آخر هو الانتباه إلى القرائن الحالية والمقالية. بناءً على هذا المعيار، يمكن الطعن في بعض الوجوه المعنوية المذكورة أعلاه؛ لأنها قيدت الآية دون اعتبار هذه القرائن بمعنى محدود. إذًا، معنى الآية بـ«عطاء كل ما يحتاجه بنو آدم» غير مقبول؛ لأن أحد أهداف حذف المفعول هو العموم، وهو ما يمكن فهمه من قرائن وسياق حوار موسى وفرعون في هذه الآيات.
معيار آخر في دراسة الوجوه المعنوية المختلفة هو أنه إذا لم تتعارض تلك الوجوه وكانت قابلة للجمع، فإن جمعها أفضل. من بين الوجوه المذكورة أعلاه، يمكن جمع المعاني الأربعة المتبقية – «عطاء ما فيه الصلاح لكل مخلوق»؛ «عطاء ما هو أقرب إلى المصلحة في المعاش والانتفاع به لكل ما خلقه»؛ «عطاء ما يوجب إتقان خلقة كل مخلوق»؛ «عطاء كل ما تحتاجه جميع الأشياء» – تحت معنى كلي واحد: «الرب أعطى كل شيء خلقه ما فيه صلاحه وحاجته، وسبب إتقان واستحكام خلقته والانتفاع به في المجالات الوجودية اللازمة له».
هذا المعنى الجامع يتوافق تمامًا مع معنى الرب (المالك المدبر). إذًا، الآية بناءً على القراءة غير المشهورة تقدم استدلالًا على الربوبية الإلهية.
٥. دراسة العلاقة بين القراءة المشهورة وغير المشهورة في تفسير الآية
في الآية ٥٠ من سورة طه ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾، توجد كلمة واحدة فقط (خلقه) بقراءتين مشهورة (سكون اللام) وشاذة (فتح اللام)؛ ولكن بسبب ترابط الكلمات في عبارة وجملة واحدة، فإن هذا التغيير في حركة الإعراب في كلمة واحدة، يرسم أدوارًا تركيبية مختلفة للآية.
بالتدقيق في الوجوه المعنوية للقراءتين في تفاسير الفريقين، اتضح أن بعض التفاسير مثل الميزان، على الرغم من توجهه نحو الاهتمام باختلاف القراءات، لم يشر إلى هذا الاختلاف، وبعضها الآخر مثل روح المعاني بين الوجوه التفسيرية المستنبطة من هاتين القراءتين مع نقاط قوتها وضعفها؛ ولكنه لم يصرح بترجيح إحدى القراءتين. ولكن يبدو، باستخدام مصطلح «شاذ» لقراءة «خَلَقَهُ»، وقراءة الجمهور أو المشهورة لـ«خَلْقَهُ»، بالإضافة إلى قرائن أخرى ذُكرت في المعنى المشهور، أنهم رجحوا القراءة المشهورة. وبالطبع، تجدر الإشارة إلى أنه حتى الانتباه إلى القراءات الشاذة (ذات السند الصحيح، ولكن المخالفة لرسم المصحف، راجع: أسدتاش، «معيار وأقسام القراءات الشاذة»، دراسات قراءة القرآن، الدورة ٦، العدد ١١، خريف وشتاء ١٣٩٧) في التفسير (آشوري، «تأثير اختلاف القراءات في التفسير»، مجلة البحوث القرآنية، عدد ٢٣-٢٤، خريف وشتاء ١٣٧٩)، له فوائد معتبرة.
على أي حال، بغض النظر عن كون كل من هاتين القراءتين مشهورة أو شاذة، وبغض النظر عن صحة سند القراءات كمعيار للترجيح (فضلي، مقدمة في تاريخ قراءات القرآن الكريم، ١٣٨٨: ١٤٤-١٥٩)، إذا قُيّمت هاتان القراءتان بمعايير أخرى – كما مر في ثنايا المباحث السابقة -، يتضح دور الانتباه إلى اختلاف القراءات في تفسير هذه الآية بشكل أكبر.
مكانة التفسير بالاعتماد على التراكيب النحوية المختلفة للآية:
1- تقييم القراءات بمقارنتها ببعضها البعض وبالتالي التركيز على القراءة المعتبرة في التفسير: حيث لا يمكن العثور على معيار صحيح لقراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، من المستحسن الانتباه إلى الاحتمالات التفسيرية المختلفة لكل قراءة، وإذا كانت القراءات تشترك في قدر مشترك، يمكن القول إن القراءة معتبرة بهذا القدر.
في الآية ٥٠ من سورة طه، ورد قدر مشترك كبير في تفسير القراءتين، مثل أن الآية في كلتا القراءتين ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ تثبت الربوبية الإلهية بتفسير عام. ومقارنة تلخيص المعنى الصحيح في كلتا القراءتين يوضح هذه النقطة جيدًا:
المعنى التفسيري للآية بناءً على القراءة المشهورة: «أعطى الله بفضله، بالتزامن مع خلق كل موجود، وجودًا خاصًا لكل شيء. وهو نفس الوجود والصورة المقدرة التي تستند إلى مصالح ومنافع وكمال كل شيء، وبواسطتها تصل الموجودات إلى كمالها وهدفها».
المعنى التفسيري للآية بناءً على القراءة غير المشهورة: «الرب أعطى كل شيء خلقه ما فيه صلاحه وحاجته، وسبب إتقان واستحكام خلقته والانتفاع به في المجالات الوجودية اللازمة له».
2- رفض استنباط تفسيري في القراءة غير المشهورة لعدم توافقه مع القراءة المشهورة: في قراءة «خَلَقَه» كفعل ماض وصفة لـ«شيء»، ورد وجه تفسيري بعدم اعتبار المفعول الثاني المحذوف والتركيز على العطاء الإلهي، وهو: كل ما خلقه الله ليس خارجًا عن عطائه وإنعامه الإلهي (فخر الرازي، مفاتيح الغيب، ١٤٢٠ ق: ٢٢/ ٥٩؛ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، بي تا: ٧/ ١٧٨). وقد شكك الآلوسي في ترجيح هذا المعنى من قبل بعض المفسرين، بسبب بعده الشديد عن معنى القراءة المشهورة «خَلْقَهُ» (الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، ١٤١٥ ق: ٨/ ٥١٤).
3- ترجيح القراءة المشهورة على غير المشهورة باستخدام معيار الأدب العربي: في القراءة غير المشهورة، أحد مفعولي فعل «أعطى» محذوف، وهو خلاف الأصل، ومن هنا، تُرجح القراءة المشهورة التي تراعي الترتيب في تركيب مفعوليها.
4- الجمع بين المعاني التفسيرية في كلتا القراءتين: كما مر في النقطة الأولى من هذا القسم، المعنى العام التفسيري للآية في كلتا القراءتين متقارب وقابل للجمع، ووفقًا للقاعدة الأصولية، حيثما أمكن الجمع بين أمرين ظاهرهما التعارض، فالجمع أولى. وإن كان، وفقًا للنقطة الثالثة، الترجيح مع القراءة المشهورة.
5- النقد الصحيح للاستنباطات التفسيرية الخاطئة في كلتا القراءتين بمقارنتها ببعضها، بواسطة القرائن والمعايير الأخرى: في هذا الصدد، لا فرق بين القراءة المشهورة أو غير المشهورة في الآية، بل يمكن، بمعايير مثل القواعد الأدبية والسياق وغيرها، دراسة تفسير كل من القراءتين. على سبيل المثال، في الآية التي توصل فيها مفعولا فعل «أعطى» إلى معنى عام، فإن تقييد الآية وتقييدها خلاف الأصل، وفي القراءة المشهورة، تفسير ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ بـ«عطاء آلات المصالح لكل حيوان» (الحسيني الشاه عبد العظيمي، إثنا عشري، ١٣٦٣ ش: ٨/ ٢٧٩) مردود؛ لأنه لا يوجد دليل على حمل الآية على الحيوان فقط (السيد الرضي، تلخيص البيان في مجازات القرآن، بي تا: ٢٢٦). وفي القراءة الشاذة، على الرغم من أن البعض يعتبر معنى «عطاء كل ما يحتاجه بنو آدم» متوافقًا مع القراءة المشهورة (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ١٣٦٤ ش: ١١/ ٢٠٥)؛ إلا أنه غير مقبول، فربما يكون هؤلاء قد فسروا القراءة المشهورة بشكل خاص أيضًا. إذًا، من هذه الجهة لا فرق بين القراءة الشاذة والمشهورة، وعمومية الآية في كلتا القراءتين باقية بقوتها.
6- توسيع معنى الآية بالقراءات المختلفة: خاصة في هذه الآية، باستخدام القدرات الأدبية في كل قراءة، يمكن تصور وجوه تركيبية مختلفة للآية، وبناءً على كل منها يتوسع المعنى التفسيري. على سبيل المثال، يتغير مفعولا فعل «أعطى» بناءً على نوعي القراءة. إذا قُرئت «خَلَقَه»، يكون المفعول الثاني لـ«أعطى» محذوفًا ويجب فهمه من القرائن؛ أما إذا قُرئت «خَلْقَه»، فيكون هو نفسه أو «كل شيء» هو المفعول الثاني، وقد بُيّن أن الأفضل أن يكون «خَلْقَه» هو المفعول الثاني ولم يحدث تقديم وتأخير في المفعولين.
7- تأييد استنباط تفسيري في إحدى القراءتين بمقارنتها بالقراءة الأخرى: بالنظر إلى النقطة السابقة، في القراءة غير المشهورة، يمكن استخراج أو تأييد المفعول الثاني المحذوف لفعل «أعطى» من معاني تفسير القراءة المشهورة.
8- تأييد كلتا القراءتين بالاعتماد على القراءات المشهورة في آيات أخرى: في الآية موضع البحث، تُعتبر القراءة بفتح لام «خلقه» شاذة، وبعض المفسرين لم يذكروها لهذا السبب؛ ولكن بالنظر إلى الآيات المشابهة لهذه الآية مثل آية ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (السجدة/٧) التي وردت بقراءتين مشهورتين: بعض قراء مكة والمدينة والبصرة قرأوا «خلقه» بسكون اللام، وبعض قراء تلك المدن وعامة قراء الكوفة قرأوا بفتح اللام، ومثل الآية موضع البحث، بيّن المفسرون معاني متقاربة لهاتين القراءتين المشهورتين في آية ٧ من سورة السجدة، حتى إن البعض نقل عن مجاهد أن هذه الآية مثل «أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ»، واستفادوا منها في تفسير آية ٥٠ من طه (الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، ١٤١٢ ق: ٢١/ ٥٩-٦٠؛ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، بي تا: ٨/ ٢٩٥). وبالطبع، رجح البعض قراءة «خلقه» في آية ٧ من سورة السجدة لسهولة المعنى (الثعلبي النيسابوري، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، ١٤٢٢ ق: ٧/ ٣٢٧)؛ ولكن على أي حال، يمكن للقراءتين المشهورتين فيها أن تكون مؤيدًا ومفيدًا لتقييم القراءتين في الآية موضع البحث.
الخاتمة
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن اختلاف القراءة في الآية ٥٠ من سورة طه، وإن كانت إحداهما مشهورة والأخرى شاذة، لا يوجد بينهما تضاد وتناقض، وبعض المعاني المستنبطة من القراءتين متطابقة وقابلة للجمع. وبالطبع، في بعض الحالات، تُرجح القراءة المشهورة بتركيب نحوي خاص على القراءة الأخرى، وبناءً على القواعد الأدبية، فإن القراءة المشهورة التي رُوعي فيها ترتيب مفعولي فعل «أعطى» أفضل من التراكيب الأخرى، وكذلك بالنسبة لتركيب القراءة غير المشهورة الذي يستلزم حذف أحد المفعولين، وهو خلاف الأصل.
من جهة أخرى، فإن مقارنة الآية وتطبيقها على آية مشابهة (السجدة/٧) التي لها قراءتان مشهورتان في الكلمة موضع النظر (خَلَقَه)، يمكن أن يكون دليلاً على أن الانتباه إلى القراءة الشاذة في تفسير الآية محل البحث ضروري ومفيد، وحتى بناءً على تفسير القرآن بالقرآن، في اختلاف القراءات، يمكن أيضًا تحقيق تصديق الآيات لبعضها البعض، وبهذه الطريقة يمكن الوصول إلى معيار لتقييم اختلاف القراءات؛ كما هو واضح في الآية ٥٠ من طه.
على أي حال، فإن تأثير اختلاف القراءة في هذه الآية على تفسيرها لا يمكن إنكاره؛ لأنه من جهة، يمكن جمع بعض المعاني في القراءتين، ومن جهة أخرى، تكون القراءة المشهورة معيارًا لتقييم القراءة الشاذة؛ والقراءة الشاذة أيضًا توفر أرضية لتوسيع المعنى التفسيري للآية. وفي هذا السياق، فإن معايير الأدب العربي، والسياق، وغيرها مفيدة جدًا، وعمومية الآية في سياق استدلال النبي موسى (عليه السلام) على فرعون في سبيل الربوبية، في كلتا القراءتين، تبين معنى واسعًا وشاملاً للخالقية الإلهية لجميع الموجودات، مما يثبت به الربوبية الحصرية والمطلقة لله.
الهوامش
1. تاريخ الاستلام: ٠٣/٠٣/١٣٩٩، وتاريخ القبول: ١٠/٠٩/١٣٩٩.
2. أستاذ مساعد بجامعة المصطفى العالمية (الباحث المسؤول): mohsenkhoshfar@imam.miu.ac.ir
3. باحثة في المستوى الرابع في فرع التفسير المقارن، مؤسسة فاطمة الزهراء للتعليم العالي، أصفهان: ms.hoseini89@yahoo.com
4. طالب دكتوراه في القرآن والمستشرقين بجامعة المصطفى العالمية: Abb.karimi.1998@gmail.com