اختلاف القراءات في سورة يوسف وتأثيره في صيانة القرآن من التحريف

ملخص

إن علم قراءة القرآن هو أحد العلوم القرآنية ذات التأثير المباشر في فهم الكلام الإلهي وترجمته وتفسيره. ومن هذا المنطلق، سعى المفسرون منذ القدم إلى تقديم أفضل فهم للقرآن يتوافق مع القراءة المقبولة، آخذين بعين الاعتبار القراءات المختلفة وتأثيرها. في هذا البحث، تم استعراض وتحليل أنواع الاختلافات في القراءات السبع المشهورة في سورة يوسف. وتشير الدراسات إلى أن الروايات المتعلقة بسورة يوسف المباركة، أو في مجال اختلاف القراءات، هي من النوع الذي لا يمس صيانة القرآن من التحريف، أو أنها تأتي في مقام بيان معنى الآية وتفسيرها، حيث طُرحت كاختلافات في القراءة نتيجة للتسهيل. ويمكن الجزم بأن اختلاف القراءات في معظم الكلمات المختلف فيها يندرج ضمن اختلاف في كيفية الأداء كالإمالة والفتح والإدغام والإظهار والتفخيم والترقيق وغيرها، أو اختلاف في إعراب كلمة لا يخل بالمعنى. ومن خلال منهج البحث التطبيقي، يمكن عبر دراسة سياق الآيات، والقواعد الصرفية والنحوية، والانسجام مع معاني الآيات، والتناغم في ألفاظها وموسيقاها، إرشاد المحقق إلى القراءة الصحيحة، وهي القراءة المشهورة.

مقدمة

لإظهار وحدة الروايات واتحادها وتقاربها الشديد من بعضها البعض، اعتمد الكاتب في مقام التدوين ورسم الحروف المختلفة في الجداول على رسم القراءة بدلاً من رسم المصحف، وذلك ليُظهر مدى ضآلة تلك الاختلافات عند التلاوة، وكيف أن هذه الروايات متقاربة جداً، وكيف أنها في مجملها تشمل القراءة العامة ولا يوجد بينها أي تباين أو تضاد.

السؤال الرئيس في هذا البحث هو: ما مدى تأثير اختلاف الروايات في سورة يوسف في صيانة القرآن من التحريف؟1

لذلك، نبدأ أولاً ببيان المفاهيم الأساسية كالقراءة، وأقسام التحريف، وبيان القراء السبعة، ثم نتطرق إلى دراسة دقيقة لآراء علماء القراءة، لتحليل نصوصهم وفحص قراءاتهم، لنرى كيف أن القراءة الفصيحة تشمل قراءة عاصم، وبالتالي لا يوجد أي خلل أو تحريف في القرآن.

القراءة في اللغة تعني التلاوة والقراءة، أما في اصطلاح علم القراءة، فمعناها هو التعريف الكامل لها (هاشمي، منشأ اختلاف القراءات في القرآن الكريم، 1388: 21-23). فالقراءة هي الطريق والروايات التي تبين كيفية أداء كلمات القرآن بأسانيدها، أي أسانيد رفع الحديث وإيصاله إلى قائله الأول؛ أي نقل الثقة عن الثقة حتى يتصل بالنبي الأكرم (ص). (راجع: مدير شانه جي، علم الحديث، 1362: 212)، بحيث تكون ثابتة عن رسول الله (ص) ليكون العمل بها واجب الاتباع. وعليه، فإن الرواية والنقل والإسناد هي من الأجزاء المعتبرة في تعريف القراءات.

ولأن الأبجدية العربية في صدر الإسلام كانت خالية من النقط والعلامات، لم تكن الكتابات تُقرأ بشكل صحيح إلا عن طريق التلاوة الصحيحة والاستعانة بالذاكرة. لذلك، كان «الاعتماد في نقل القرآن على الحفظ في القلوب والصدور أكثر من الاعتماد على الحفظ في المصاحف والكتب» (ابن الجزري، النشر في قراءات العشر 1418: ج 1/ 6).

وفقاً لهذه التوضيحات، فإن تحريف الكلام يعني تغيير المعنى بتقليل الكلمات أو زيادتها، أو تغيير ظاهرها وتبديله، أو بتفسيرها تفسيراً خاطئاً. ويبدو أن مقصود المرحوم الطبرسي من تغيير وتبديل ظاهر الكلمات وسوء التأويل هو التفسير الخاطئ نفسه.

موضوع هذا المقال ليس تحريف كلام أي متكلم بشكل مطلق، بل تحريف كلام الله الذي تجلى في قالب القرآن. ويثبت هذا المقال أن التحريف بمعنى الزيادة أو النقصان أو تغيير كلمات القرآن لم يحدث قط. وما حدث بشأن القرآن وما زال ممكناً هو التفسير غير الصحيح والتحريف المعنوي مع الحفاظ على جميع حروفه وكلماته وجمله وآياته وسوره (جوادي آملي، نزاهة القرآن من التحريف، 1389: 16).

فيما يتعلق بعدم وقوع التحريف اللفظي بالزيادة، يتفق علماء الشيعة والسنة. بعبارة أوضح، يرفض المسلمون ومفكروهم دخول أي كلام غير قرآني في المصحف الحالي، فضلاً عن عدم وجود أي شاهد تاريخي أو روائي على وقوع هذا النوع من التحريف في القرآن (جوادي آملي، نزاهة القرآن من التحريف، 1389 ش: 19).

مع اتضاح وهن وضعف الشبهات الست التي أثارها مدعو التحريف بالنقص في القرآن، إلى جانب الأدلة والشواهد التي قُدمت لإثبات نزاهة القرآن وتجرده من أي تحريف، لم يبق مجال للشك أو الشبهة في هذا الصدد، ويثبت تحقق الوعد الإلهي بحفظ وصيانة كيان القرآن إلى يوم القيامة (جوادي آملي، نزاهة القرآن من التحريف، 1389: 183). في أوائل القرن الثاني الهجري (فترة التابعين وتابعي التابعين)، قام عدد من العلماء بالاهتمام بأمر القراءة، وعزموا على ضبطها وحصرها وتدوينها. وقد عُرف هؤلاء باسم «القراء السبعة»، وهم (ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، 1402: 1/ 300 وما بعدها، مع توضيحات أئمة القراءات السبع):

1. عبد الله بن عامر اليحصبي الشامي (ت 118 هـ)؛

2. عبد الله بن كثير المكي (ت 120 هـ)؛

3. عاصم بن بهدلة الأسدي الكوفي (ت 127 أو 128 هـ)؛

4. أبو عمرو بن العلاء البصري (ت 154 هـ)؛

5. حمزة بن حبيب الزيات العجلي الكوفي (ت 156 هـ)؛

6. نافع بن نعيم المدني (ت 169 هـ)؛

7. علي بن حمزة الكسائي الكوفي (ت 189 هـ).

وفقاً لرأي جمهور علماء الشيعة، تعد قراءة عاصم من أفصح القراءات، والقرآن المتداول اليوم بين المسلمين يوافق قراءة عاصم برواية حفص. وقد نُقل أن حفصاً أخذ القرآن كله عن عاصم خمساً خمساً، وكان من أعلم الناس بقراءته (الزنجاني، تاريخ القرآن، 1404: 92؛ الخوئي، البيان في تفسير القرآن، 1430: 145).

ويذكر المؤرخون أن عاصماً كان شيعياً، وأنه أخذ القراءة عن علي (ع) بواسطة واحدة، وهو أبو عبد الرحمن بن حبيب السلمي الذي كان شيعياً قطعاً، وقرأ على أمير المؤمنين (كاظميني، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، 1375: 346).

وقد صرح الأئمة المعصومون (ع) بقولهم: «اقرؤوا القرآن كما هو شائع وكما تعلمتموه» (الكليني، الكافي، 1388: 2/ 361، الحديث 15؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة، 1404 ق: 4/ 821).

1. سورة يوسف واختلاف القراءات وصيانة القرآن من التحريف

وفقاً لروايات أهل البيت (ع)، حقيقة القرآن هي كلام الله، (وليس الخالق إلا الله عز وجل وما سواه مخلوق والقرآن كلام الله، ابن بابويه الصدوق، التوحيد، 1398 ق: 224، باب: القرآن)؛ وبناءً على الوعد الإلهي في سورة الحجر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر/ 9)، فإن كلام الله مصون من أي تحريف بالزيادة أو النقصان.

في مواضع متفرقة من القرآن، وخصوصاً في سورة يوسف، نواجه الاختلافات في القراءات السبع. في هذا المقال، سندقق من خلال فحص سورة يوسف في كيفية قراءة الآيات بقراءات مختلفة، دون أن يتطرق التحريف إليها بأي شكل. ولهذا، ولإثبات صيانة القرآن من التحريف، سنقوم تحت كل جدول بتحليل الاختلافات في القراءات، مستعينين ببعض الأدلة التي جُمعت في باب أصح القراءات، وسنتناول بأكبر قدر من التفصيل بيان أقل الاختلافات في القراءات.

1-1. فرش الحروف في روايات مشاهير القراء

أُطلق على فروع القراءات منذ القدم اسم ‘فرش الحروف’ بسبب انتشارها وتوزعها في جميع أنحاء القرآن، وربما لأن المقرئين والمصنفين كانوا يبسطونها في الكتب والرسائل والمنظومات وحلقات القراءة. (لساني فشاركي، قراء سبعة وقراءات سبع، 1391: 299-309؛ راجع: الداني، التيسير في قراءات سبع، 1390).

القراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): يَا أَبَتِ (الآية 4)2، بُنَيَّ (الآية 5)3، آيَاتٌ (الآية 7)4، غَيَابَتِ (الآية 10)5.

نافع المدني: بُنَيَّ، غَيَابَاتِ.

ابن كثير المكي: آيَةٌ.

أبو عمرو البصري: //.

ابن عامر الشامي: يَا أَبَتَ.

عاصم الكوفي: //.

حمزة الكوفي: //.

الكسائي الكوفي: //.

تحليل القراءات

«يَا أَبَتِ»: قُرئت بكسر التاء وفتحها، وهذه التاء علامة تأنيث وعوض عن ياء الإضافة؛ وذلك لأن التأنيث والإضافة يتناسبان من حيث كونهما زائدين ويلحقان بآخر الاسم. لذا، فتح التاء سببه أن الأصل كان ‘يا أبتا’، حُذفت الألف وبقيت الفتحة دليلاً عليها. أما الأصل فهو القراءة بكسر التاء ‘يا أبتِ’؛ لأنها كانت ‘يا أبي’، وبقيت الكسرة على التاء للمناسبة (ويجوز كسر هذه التاء وفتحها، بالكسر قرأها الجمهور، وبفتح التاء قرأ ابن عامر وأبو جعفر يزيد بن قعقاع؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420: 12/ 13؛ وكذلك ذكر أبو جعفر يزيد بن قعقاع من القراء العشرة في تتمة الآية الرابعة: قرأ الجمهور أَحَدَ عَشَرَ – بفتح العين – من عَشَرَ. وقرأه أبو جعفر – بسكون العين -. ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420: 12/ 26؛ «يا أبتِ» قرئ بكسر التاء وفتحها وهي تاء التأنيث جعلت عوضاً من ياء الإضافة، وإنما صح أن يكون عوضاً منها لأن التأنيث والإضافة يتناسبان في أن كل واحد منهما زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره، ومن فتح حذف الألف من «يا أبتا» وأبقى الفتحة دليلاً عليها، الطبرسي، تفسير جوامع الجامع، 1412: 2/ 175؛ يا أبتِ أصله يا أبي فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في الزيادة ولذلك قلبها هاء في الوقف ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وكسرها لأنها عوض حرف يناسبها، وفتحها ابن عامر في كل القرآن؛ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 155؛ أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 236).

«يَا بُنَيَّ»: بفتح الياء، إشارة إلى صغر السن وشفقة الأب وعطفه على ابنه (يا بني تصغير ابن، صغره للشفقة أو لصغر السن، لأنه كان ابن اثنتي عشرة سنة. وقرأ حفص هنا و«في الصافات» بفتح الياء؛ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1488: 3/ 155؛ ر.ك: أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 238).

«آيَاتٌ»: بمعنى دلائل وعلامات على حكمة الله أو علامات على نبوة النبي (للسائل)؛ ولذلك قرأها الأكثرون على هذا النحو (آيات دلائل قدرة الله تعالى وحكمته، أو علامات نبوتك وقرأ ابن كثير آية؛ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 156؛ وكذلك أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 241؛ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن؛ 1372: 5/ 321؛ في المصحف بالتاء، فهذه التاء علامة الجمع والتأنيث، والتاء التي في قراءة ابن كثير تاء التأنيث فقط. وقيل: الياء ألفان لفظاً وإن كان الخط بألف واحدة، فأجمع النحويون أن الألف الأولى فاء الفعل أصلية / والثانية اختلفوا فيها، وقال الفراء: الأصل في آية: أيية، فقلبوا الياء ألفاً كراهة التشديد، وقال الكسائي: وزنها فاعلة على وزن دابة، والأصل آيية وداببة فالألف الثانية محمولة كالألف في ضاربه. وقال سيبويه: الأصل أبية فقلبوا الياء الأولى ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ابن خالويه، إعراب القراءات السبع وعللها، 1413: 1/ 299).

«غَيَابَتِ»: باستثناء قراءة نافع، قرأ الجميع «غَيَابَتِ» بمعنى المكان الخفي في البئر. وحده نافع قرأها بالجمع، وكما هو واضح، في الرسم الخطي الحالي وردت ‘غيبت’، وقد أضاف نافع ياءً بعد الباء وألفاً، وقرأها بألفين ممدودتين كما كانت في الرسم الخطي الأول. أي أن الرسم الخطي أدى إلى هذا الاختلاف، ولم يحدث أي تغيير في المعنى يؤدي إلى تغيير في التفسير أو المقصد الإلهي، لأن الآبار العميقة يمكن أن تحتوي على ظلمات وأماكن خفية متعددة (وقرأ نافع، وأبو جعفر غيابات بالجمع؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420: 12/ 26؛ غيابات في الموضعين على الجمع كأنه لتلك الجب غيابات. وقرئ «غيبة» و«غيابات» بالتشديد؛ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1488: 3/ 156؛ وكذلك أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 244؛ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن؛ 1372: 5/ 321).

القراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ (الآية 12)6، لَيَحْزُنُنِي (الآية 13)7، الذِّئْبُ (الآية 13)، عُصْبَةٌ (الآية 8-14)8.

نافع المدني: يَرْتَعِ وَيَلْعَبْ، لَيَحْزُنَنِي، الذِّيبُ.

ابن كثير المكي: نَرْتَعِ وَنَلْعَبْ، لَيَحْزُنَنِي، عُصْبَةٌ.

أبو عمرو البصري: نَرْتَعْ وَنَلْعَبْ.

ابن عامر الشامي: //.

عاصم الكوفي (أبو بكر): //.

حمزة الكوفي: //.

الكسائي الكوفي: //.

تحليل القراءات

«يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ»: قُرئ الفعلان بالنون والياء، وبالجزم، وكذلك الأول بالنون والثاني بالياء، وأصل «رتعه» يعني الوفرة والسعة. والمراد من العبارة هو: نأكل ما نحتاجه ونأكل من الفواكه وغيرها بكثرة. القراءة الأخرى «يرتعِ» بكسر العين، و«يلعب» مجزوم بالياء والنون، وردت في كليهما؛ من «ارتعى يرتعي»، يقال: رعى وارتعى مثل شوى واشتوى. وأحياناً يقولون: «يرتع» مجزوم أو «نرتع» بكسر العين، بينما ترعى إبلهم فقط؛ فالمضاف (إبل) محذوف. ومقصود أبناء يعقوب من اللعب هو اللعب المباح، مثل الرمي والسباق (الطبرسي، ترجمة مجمع البيان في تفسير القرآن: 12/ 190؛ يرتع قرأه نافع، وأبو جعفر، ويعقوب – بياء الغائب وكسر العين. وقرأه ابن كثير – بنون المتكلم المشارك وكسر العين – وهو على قراءتي هؤلاء الأربعة مضارع ارتعى وهو افتعال من الرعي للمبالغة فيه؛ وقرأه أبو عمرو، وابن عامر – بنون وسكون العين -. وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف – بياء الغائب وسكون العين – وهو على قراءتي هؤلاء الستة مضارع رتع إذا أقام في خصب وسعة من الطعام. ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420: 12/ 2؛ وكذلك ر.ك: ابن الهائم، التبيان في تفسير غريب القرآن، 1423: 194؛ الطبرسي، تفسير جوامع الجامع، 1412: 2/ 178؛ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 157؛ أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 245؛ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن؛ 1372: 5؛ ص 325؛ ابن خالويه، إعراب القراءات السبع وعللها، 1413: 1/ 303).

«لَيَحْزُنُنِي»: فعل مضارع للمستقبل وليس للحال؛ لأن يعقوب قدم عذرين لعدم إرسال يوسف مع أبنائه: الأول أن بعده وفراقه يسبب له الحزن والأسى، والثاني أنه يخشى أن يغفلوا عن يوسف عندما ينشغلون بالأكل واللعب فيهاجمه الذئب (قرأ زيد بن علي وابن هرمز وابن محيصن ليحزّنّي بتشديد النون، والجمهور بالفك وليحزنني مضارع مستقبل لا حال، لأن المضارع إذا أُسند إلى متوقع تخلص للاستقبال، لأن ذلك المتوقع مستقبل وهو المسبب لأثره، فمحال أن يتقدم الأثر عليه، فالذهاب لم يقع، فالحزن لم يقع؛ أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 246).

«الذِّئْبُ»: الأصل في القراءة تحقيق الهمزة في «ذئب»؛ ولكن البعض قرأها بالياء بدلاً من الهمزة (وقرأ الجمهور بتحقيق همزة الذِّئْبُ على الأصل وقرأه ورش عن نافع والسوسي عن أبي عمرو والكسائي بتخفيف الهمزة ياء وفي بعض التفاسير نسب تخفيف الهمزة إلى خلف، وأبي جعفر وذلك لا يعرف في كتب القراءات وفي البيضاوي أن أبا عمرو أظهر الهمزة في الوقف وأن حمزة أظهرها في الوصل؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420: 12/ 32؛ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 157؛ أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 246).

«عُصْبَةٌ»: ورد في رواية عن الإمام علي (ع)، والبعض اعتبر جملة «نَحْنُ عُصْبَةٌ» (أي لسنا بخاسرين) جملة حالية، بمعنى أن ضرر ذلك سيقع علينا (روي عن النزال بن سبرة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ونحن عُصبةٌ وقيل: معناه ونحن نجتمع عصبة، فيكون الخبر محذوفاً وهو عامل في عصبة، وانتصب عصبة على الحال؛ أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 243).

القراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): يَا بُشْرَىٰ (الآية 19)9، هَيْتَ لَكَ (الآية 23)10، رَبِّي (الآية 23)، الْمُخْلَصِينَ (الآية 24)11.

نافع المدني: يَا بُشْرَايَ، هِيتَ لَكَ، رَبِّي.

ابن كثير المكي: //، هَيْتُ لَكَ، الْمُخْلِصِينَ.

أبو عمرو البصري: //، //، //.

ابن عامر الشامي: //، هِئْتُ لَكَ، //.

عاصم الكوفي (أبو بكر): //.

حمزة الكوفي: //.

الكسائي الكوفي: //.

تحليل القراءات

«يَا بُشْرَىٰ»: إذا قُرئت ‘يا بشرى’ (بدون إضافة إلى ياء المتكلم)، فهذا يعني أن الشخص نادى البشرى نفسها، وكأنه قال: يا بشرى ويا سعادة، تعالي فقد حان وقتك. ومن هنا، فإن رسم الخط أدى إلى هذا الاختلاف، ولم يحدث أي تغيير في المعنى يؤدي إلى تغيير في التفسير أو المقصد الإلهي (وقرأ الجمهور يا بشراي بإضافة البشرى إلى ياء المتكلم وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف بدون إضافة؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420: 12/ 39. قرأ غير الكوفيين يا بشراي بالإضافة، وأمال فتحة الراء حمزة والكسائي. وقرأ ورش بين اللفظين وقرئ «يا بشرى» بالإدغام وهو لغة و«بشراي» بالسكون على قصد الوقف؛ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 158؛ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن؛ 1372: 5/ 334؛ وقرأ الباقون يا بشراي فأضافوا إلى النفس، وفتحت الياء على أصلها لئلا يلتقي ساكنان وقرأ نافع في رواية ورش يا بشراي ومثواي ومحياي سواكن، وإنما جاز له أن يجمع بين ساكنين؛ لأن الساكن الأول ألف، وهو حرف لين وفيها قراءة ثالثة، قرأ ابن أبي إسحاق فيما حدثني ابن مجاهد عن السمري عن الفراء رحمه الله يا بشري هذا غلام قلب الألف ياء وأدغم الياء في الياء والتشديد من أجل ذلك، قال أبو ذؤيب: ابن خالويه، إعراب القراءات السبع وعللها، 1413: 1/ 306-307).

«هَيْتَ»: وردت قراءات متعددة لكلمة ‘هيتَ’ التي هي اسم فعل مبني بمعنى ‘أقبل’ أو ‘أسرع’. أهل المدينة والشام قرؤوها «هِيتَ» بكسر الهاء وفتح التاء، وابن كثير قرأها «هَيْتُ» بفتح الهاء وضم التاء، والبقية قرؤوها «هَيْتَ» بفتح الهاء والتاء. وقد رويت عن علي وأبي رجاء وأبي وائل ويحيى بن وهاب قراءة «هِئْتَ» بالهمزة وضم التاء، وهي من ‘هاء يهيئ’ بمعنى الاستعداد، ولكن بما أن المقام يقتضي اسم فعل، فلا محل لكلمة ‘هئت’. (www.bayanbox.ir/info؛ الدكتور سيد محمد ميرحسيني، صوتي جلسة 7)؛ وهذه القراءة نفسها رُويت باختلاف عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة. وفي قراءة أخرى عن ابن عباس، وردت «هِيتِ» بفتح الهاء وكسر التاء، وهي قراءة أبي الأسود وابن أبي إسحاق وابن محيصن وعيسى الثقفي. وقراءة ثالثة عن ابن عباس هي «هَيَّأْتُ لَكَ» بصيغة الفعل الماضي. وفي صحة هذه القراءات، قال الزجاج إن في «هَيْتَ لَكَ» لغات عدة، أفضلها «هَيْتَ لَكَ» بفتح الهاء والتاء (وهي القراءة المشهورة)، ومعناها ‘أقبل’ و’تعال’. وفي كل الأحوال، هي اسم فعل مثل «صه» و«مه» و«إيه»، وحركتها الأخيرة لالتقاء الساكنين. أما قراءة «هِئْتَ» بالهمزة، فهي على أنها فعل ماض بمعنى «تهيأتُ»، أي استعددت، و«هَيَّأْتُ» كذلك. (الطبرسي، ترجمة مجمع البيان في تفسير القرآن، 1372: 12/ 190-191)؛ لأن ‘لَكَ’ خبر لمبتدأ محذوف بمعنى ‘إرادتي لك’، وكأنه أقرّ بأنه يخاطبه قائلاً: أسرع: ‘هيت’. (www.bayanbox.ir/info؛ الدكتور سيد محمد ميرحسيني، صوتي جلسة 7؛ في هيت لغات قرأ نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو جعفر – بكسر الهاء وفتح المثناة الفوقية – وقرأه ابن كثير – بفتح الهاء وسكون التحتية وضم الفوقية وقرأه الباقون بفتح الهاء وسكون التحتية وضم التاء الفوقية، والفتحة والضمة حركتا بناء؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420: 12/ 46؛ ابن هائم، التبيان في تفسير غريب القرآن، 1423: 196؛ الطبرسي، تفسير جوامع الجامع، 1412: 2/ 183؛ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 160؛ روى عن علي وعن أبي رجاء وأبي وائل ويحيى بن وثاب هئت لك بالهمزة وضم التاء، الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن؛ 1372: 5/ 339؛ ابن خالويه، إعراب القراءات السبع وعللها، 1413: 1/ 306-307).

«مُخْلِصِين»: قرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو ‘مُخلِصين’، حيث إن إعراب الكلمة هنا لم يؤثر في حقيقة كلام الله الذي هو جوهر القرآن، بل أثّر في مستوى متأخر وهو مستوى الكتابة البشرية. هذا الاختلاف لم يغير وجهة الآية. فبكسر اللام، يكون المعنى ‘الذين أخلصوا دينهم لله’، وبفتحها، يكون المعنى ‘الذين أخلصهم الله بتوفيقه’. (قرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف الْمُخْلَصِينَ – بفتح اللام – أي الذين أخلصهم الله واصطفاهم. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب – بكسر اللام – على معنى المخلصين دينهم لله. ومعنى التعليل على القراءتين واحد؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420: 12/ 49؛ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب بالكسر في كل القرآن إذا كان في أوله الألف واللام أي الذين أخلصوا دينهم لله. البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 160؛ قرأ أهل المدينة والكوفة المخلصين بفتح اللام والباقون بكسر اللام في جميع القرآن، الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن؛ 1372: 5/ 341؛ ابن خالويه، إعراب القراءات السبع وعللها، 1413: 1/ 309).

القراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): شَغَفَهَا (الآية 30)12، حَاشَ لِلَّهِ (الآية 31)13، إِنِّي (الآية 36)14، رَبِّي (الآية 37)15.

نافع المدني: إِنِّي، رَبِّي.

ابن كثير المكي: //.

أبو عمرو البصري: حَاشَا (حَاشِ)، //.

ابن عامر الشامي: لِلَّهِ.

عاصم الكوفي (أبو بكر): //.

حمزة الكوفي: //.

الكسائي الكوفي: //.

تحليل القراءات

نُقل عن علي بن أبي طالب (ع) والإمام السجاد والإمام الباقر (ع) وجمع من المفسرين والقراء: «شعفها» – بالعين – وقرأ آخرون «شغفها» – بالغين -. ونُقل عن أبي جعفر أنه قرأ «متكا» بدون همزة، وقرأ آخرون «متكئاً» بالهمزة. وفي بعض الروايات نُقلت «متكاً» بسكون التاء (على وزن ضرب). (الطبرسي، ترجمة مجمع البيان في تفسير القرآن، 1372: 12/ 205؛ وقرأ ثابت البناني: شعفها بكسر الغين المعجمة، والجمهور بالفتح. وقرأ علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين وابنه محمد بن علي، وابنه جعفر بن محمد، والشعبي، وعوف الأعرابي: بفتح العين المهملة، وكذلك قتادة وابن هرمز ومجاهد وحميد والزهري بخلاف عنهم، وروي عن ثابت البناني وابن رجاء كسر العين المهملة، أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 266؛ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، 1372: 5/ 348-349).

وقال الزجاج: معنى «شعفها» – بالعين – أي بلغ حبها له الغاية، وهي مشتقة من «شعفات الجبال»، أي قمم الجبال. ويقال: فلان مشعوف بفلان، أي بلغ حبه له الغاية. وقال ابن جني: أي وصل حبه وعشقه إلى شغاف قلبها، وهو غشاء القلب، حتى كاد يحرقه. أما معنى القراءة المشهورة «شغفها» – بالغين – فهو أن حبه وعشقه وصل إلى شغاف قلبها وغطاه. و«متكأ» – بالهمزة – هو ما يتكأ عليه للطعام أو الشراب أو لسماع القصص والحديث. و«متكا» – بدون همزة – قد تكون على وزن ‘مفتعل’ من مادة ‘أوكيت السقا’ أي أحكمت ربط وعاء الماء. وأما «متك» بسكون التاء فهو الأترج، وقال بعضهم هو ‘زماورد’، وهو طعام مركب من اللحم والبيض.

«حَاشَ لِلَّهِ»: عبارة استحسان، وهي للتنزيه، ومفعول مطلق لفعل محذوف. اللام للتبين، أي أن الله منزه عن العجز، و«لله» خبر لمبتدأ محذوف. (www.bayanbox.ir/info؛ الدكتور سيد محمد ميرحسيني، صوتي جلسة 9). وفي «حاش لله» قراءات متعددة: أبو عمرو قرأ «حاشى لله»، ونُقل عن ابن مسعود وأبي بن كعب «حاش الله»، وحسن البصري قرأ «حاش إلا له». وقال أبو علي: لا يمكن أن تكون «حاش» حرف جر؛ لأن حرف الجر لا يدخل على حرف جر مثله. إذن، يجب أن تكون «حاشى لله» فاعلاً من باب «حاشى يحاشي»، مأخوذة من ‘حشا’ بمعنى الناحية والجانب، أو هي فعل فاعله يوسف، أي أن يوسف بريء من هذه التهمة. و«لله» أي خوفاً من الله ومراقبته في أفعاله. وقال بعضهم: «حاشا» حرف جر حُذفت ألفه. (الطبرسي، ترجمة مجمع البيان في تفسير القرآن، 1372: 12/ 205؛ وقرأ أبو عمرو حاشا لله بإثبات ألف حاشا في الوصل، وقرأ البقية بحذفها فيه واتفقوا على الحذف في حالة الوقف؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420: 12/ 55؛ كذلك ابن هائم، التبيان في تفسير غريب القرآن، 1423: 197؛ أصله «حاشا» كما قرأ أبو عمرو في الدرج فحذفت ألفه الأخيرة تخفيفاً وهو حرف يفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء، فوضع موضع التنزيه واللام للبيان كما في قولك سقياً لك. أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 269؛ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، 1372: 5/ 349؛ وقرئ «حاش الله» بغير لام بمعنى براءة الله، و«حاشا لله» بالتنوين على تنزيله منزلة المصدر وقيل «حاشا» فاعل من الحشا الذي هو الناحية وفاعله ضمير يوسف أي صار في ناحية الله مما يتوهم فيه. البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 162؛ ابن خالويه، إعراب القراءات السبع وعللها، 1413: 1/ 309).

«عَلَّمَنِي رَبِّي»: الياء في «عَلَّمَنِي» مفعول أول، والمفعول الثاني عائد الصلة، والهاء في «عَلَّمَنِيهِ» محذوفة، و«رَبِّي» فاعل. ولأن «ذَٰلِكُمَا» استئناف بياني، حيث قال: لقد تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون، فلا يمكن اعتبار ‘هم’ ضمير فصل لأن ‘كافرون’ نكرة. بينما المرحوم الطبرسي اعتبره ضمير فصل، واستنباطه مختلف وغير صحيح. (www.bayanbox.ir/info؛ الدكتور سيد محمد ميرحسيني، صوتي جلسة 11).

القراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): آبَائِي (الآية 38)16، لَعَلِّي (الآية 46)17، دَأَبًا (الآية 47)18، يَعْصِرُونَ (الآية 49)19.

نافع المدني: آبَائِي، لَعَلِّي، دَأْبًا.

ابن كثير المكي: //.

أبو عمرو البصري: //.

ابن عامر الشامي: //، تَعْصِرُونَ.

عاصم الكوفي: //.

حمزة الكوفي: //.

الكسائي الكوفي: //.

تحليل القراءات

«اتَّبَعْتُ»: معطوفة على ‘تركت’ في الجملة السابقة، و«مِلَّةَ» مفعول «اتَّبَعْتُ»، وجملة «آبَائِي» مضافة إلى «مِلَّةَ»، و«آباء» مضافة إلى الياء، مما يظهر التسلسل في اتباع دين الله. (www.bayanbox.ir/info؛ الدكتور سيد محمد ميرحسيني، صوتي جلسة 11).

«دَأَبًا»: منصوبة على الحال، بمعنى ‘دائبين’ (انتصابه على الحال بمعنى دائبين)، أو مصدر بفعل مضمر أي ‘تدأبون دأباً’ وتكون الجملة حالاً. وقرأ حفص ‘دأباً’ بفتح الهمزة، وكلاهما مصدر ‘دأب’ في العمل. (البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 166؛ البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 285؛ مجمع البيان في تفسير القرآن؛ 1372: 5/ 361)؛ يقول الطبرسي في اختلاف قراءة آية ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ (يوسف/ 47): «قرأ حفص دأباً بفتح الهمزة والباقون بسكونها» (الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن؛ 1372: 5؛ ص 361)؛ وقد اكتفى أبو علي الفارسي في دفاعه عن رواية حفص بالاحتمال، ولم يقدم دليلاً يثبت أفضلية رواية أبي بكر بن عياش. (الفارسي، الحجة في القرائات سبع، 2/ 1164).

«تَعْصِرُونَ»: قرأ الكسائي وحمزة «تعصرون» بالتاء؛ وحيث إن التنقيط لم يكن موجوداً في القرآن قديماً وأُضيف لاحقاً، فإن رسم الخط هو سبب هذا الاختلاف. قرأ حمزة والكسائي بالتاء على تغليب المستفتي، وقرئ على بناء المفعول من ‘عصره إذا أنجاه’، ويحتمل أن يكون المبني للفاعل منه أي ‘يغيثهم الله ويغيث بعضهم بعضاً’، أو من ‘أعصرت السحابة عليهم’ فعدّي بنزع الخافض أو بتضمينه معنى المطر. (البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 166)؛ قرأ جعفر بن محمد ‘سبع سنابل’ وقرأ أيضاً ‘ما قربتم’ وقرأ هو والأعرج وعيسى بن عمر ‘فيه يعصرون’ بياء مضمومة وصاد مفتوحة. (الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن؛ 1372: 5/ 361)؛ قرأ حمزة والكسائي: تعصرون بالتاء وقرأ الباقون بالياء وفيها قراءة ثالثة قرأ عيسى الأعرج: وفيه يعصرون أي يمطرون من قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾. فمن قرأ بالياء فمعناه: يعصرون بعد أربع عشرة سنة الزيت والعنب، ومن قرأ بالتاء فمعناه: يلجأون إلى العصر وهو الملجأ والموئل والوزر، وينجون من النجاة، قال عدي بن زيد. (ابن خالويه، إعراب القراءات السبع وعللها، 1413: 1/ 311).

القراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): نَفْسِي – رَبِّي (الآية 53)20، يَشَاءُ (الآية 56)21، أَنِّي (الآية 59)22، لِفِتْيَانِهِ (الآية 62)23.

نافع المدني: نَفْسِي – رَبِّي، //، أَنِّي، لِفِتْيَتِهِ.

ابن كثير المكي: //، نَشَاءُ، //.

أبو عمرو البصري: //، //، //.

ابن عامر الشامي: //، //، //.

عاصم الكوفي (أبو بكر): //، //، //.

حمزة الكوفي: //، //، //.

الكسائي الكوفي: //، //، //.

تحليل القراءات

«نَفْسِي – رَبِّي»: قراءة حفص، وفتح ياء المتكلم لا يؤثر في المعنى. (البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 167).

«يَشَاءُ»: وفقاً للفظ آية ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (الإنسان/ 30)، فإن قراءة «يَشَاءُ» بياء الغائب هي الصحيحة، لا «نَشَاءُ» بنون العظمة. (قرأ الجمهور حيث يشاء – بياء الغيبة – وقرأ ابن كثير حيث نشاء – بنون العظمة -، أي حيث يشاء الله، أي حيث نأمره أو نلهمه والمعنى متحد لأنه لا يشاء إلا ما شاءه الله؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير 1420: 12/ 83؛ كذلك البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 168؛ أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 293؛ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن؛ 1372: 5/ 369؛ قرأ ابن كثير نشاء بالنون الله تعالى يخبر نفسه وقرأ الباقون بالياء حيث يشاء ومعناه: حيث يشاء يوسف، ويوسف لا مشيئة له؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (الإنسان/ 30) والمشيئة له بعد مشيئة الله وقضائه. وهذا كما تقول: أضل الله الكافرين فضلوا هم، وأمات الله زيداً فمات هو، هذا إذا جعلت المشيئة بمعنى العلم والقضاء أي: علم الله أنهم يشاءون ذلك. ومعنى يَتَبَوَّأُ ينزل، والمتبوأ المنزل. وقد شرحت ذلك في (يونس)؛ ابن خالويه، إعراب القراءات السبع وعللها، 1413: 1/ 312).

«لِفِتْيَانِهِ»: روى أبو بكر بن عياش آية ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ (يوسف/ 62) بصيغة جمع القلة، أي «لِفِتْيَتِهِ». (أبو زرعة، حجة القراءات، 1404: 61؛ الفارسي، الحجة في القرائات سبع، 1430: 2/ 1167). وتؤيد هذه الرواية حديث عن الإمام الباقر (ع) في قصة يوسف. ورد في تفاسير الشيعة أن يوسف «أمر فتيته أن يأخذوا بضاعتهم… فلحقهم يوسف وفتيته». (العياشي: تفسير العياشي، 1380ق: 182؛ البحراني، البرهان في تفسير القرآن، 1416: 3/ 182؛ العروسي الحويزي، نور الثقلين، 1415: 2/ 439). وفي تفسير مجمع البيان، فُسرت هذه الكلمة بـ«أعوان»، وهو ما يتناسب أكثر مع جمع القلة؛ لأن الوزراء والمقربين من الحاكم قلة، بخلاف تفسيرها بـ«غلمان». (قرأ الجمهور لفتيته بوزن فعلة جمع تكسير فتى مثل أخ وإخوة وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف لفتيانه بوزن إخوان؛ والأول صيغة قلة والثاني صيغة كثرة وكلاهما يستعمل في الآخر. وعدد الفتيان لا يختلف. ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420: 12/ 86؛ كذلك البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 169؛ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن؛ 1372: 5/ 374).

القراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): نَكْتَلْ (الآية 63)24، حَافِظًا (الآية 64)25، تُؤْتُونِ (الآية 66)26، دَرَجَاتٍ مَنْ (الآية 76)27.

نافع المدني: //، حِفْظًا، تُؤْتُونِي، دَرَجَاتِ مَنْ.

ابن كثير المكي: //، //، //.

أبو عمرو البصري: //، //، //.

ابن عامر الشامي: //، //، //.

عاصم الكوفي (أبو بكر): يَكْتَلْ.

حمزة الكوفي: //، //، //.

الكسائي الكوفي: //، //، //.

تحليل القراءات

«فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ»: أرسل أخانا بنيامين معنا لنكتل به على الكيل المعتاد، فإن أرسلته كان لنا كيل وإلا فلن يُعطى لنا شيء. والبعض قرأ «يَكْتَلْ» بالياء بدلاً من النون، أي إن أرسلت بنيامين، فله كيله من حمل بعير يُعطى له. (الطبرسي، ترجمة مجمع البيان في تفسير القرآن، 1372: 12/ 255؛ قرأ الجمهور نكتل بنون المتكلم المشارك وقرأه حمزة والكسائي وخلف – بتحتية عوض النون – على أنه عائد إلى أخانا أي يكتل معنا. ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420: 12/ 87؛ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 169؛ قرأ حمزة والكسائي بالياء، أي يكتال هو، وذلك أن كل رجل يعطى بعيراً وكيل بعير. والبعير هاهنا: حمار. كذا جاء في التفسير و﴿لِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي: حمل حمار، والبعير: الحمار، والبعير: الجمل، والبعير: الناقة. قال أعرابي: شربت البارحة لبن بعيري، أي ناقتي ومن قرأ بالنون، أي نكتال جميعاً، وهو يكتال معنا. يكتل ونكتل جميعاً مجزومان؛ لأنه جواب الأمر، إنما ينجزم لأنه في معنى الشرط والجزاء، أرسله معنا فإنك إن أرسلته معنا نكتل. فإن سأل سائل فقال: ما وزنه من الفعل؟ فقل: يفتعل والأصل: يكتيل فاستثقلوا الكسرة على الياء فخُزلت فانقلبت الياء ألفاً؛ لانفتاح ما قبلها فصارت يكتال، فالتقى ساكنان الألف واللام فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وإنما ذكرت ذلك، لأن أبا عثمان المازني سأل يعقوب بن السكيت عن نكتل ما وزنه؟ فقال: نفعل فغلط، ابن خالويه، إعراب القراءات السبع وعللها، 1413: 1/ 312).

«حَافِظًا»: نصبها حفص على أنها حال لازمة من اسم الجلالة، بينما نصبها آخرون «حِفْظًا» على أنها مصدر منصوب وتمييز. (حافظاً مصدر منصوب على التمييز في قراءة الجمهور وقرأه حمزة والكسائي وحفص حافظاً على أنه حال من اسم الجلالة وهي حال لازمة. ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420: 12/ 87؛ كذلك البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 169؛ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن؛ 1372: 5/ 376؛ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم حافظاً وقرأ الباقون حفظاً. فمن قرأ حفظاً نصبه على التمييز كما تقول: هو أحسن منك وجهاً وأحسن منك رعاية ومن قرأ حافظاً نصبه على الحال وعلى التمييز جميعاً، واحتج بأن في حرف ابن مسعود فالله خير الحافظين جمع حافظ، كما قال: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾، والعرب تقول: هو خيرهم أباً، ثم يحذفون الهاء والميم فيقولون: هو خير أباً، وكذلك خيرهم حفظاً وخير حافظاً بمعنى. ابن خالويه، إعراب القراءات السبع وعللها، 1413: 1/ 314).

قال يعقوب: لن أرسل بنيامين معكم، «حَتَّى» حرف جر (بمعنى ‘إلا أن’ ومتعلق بـ’أرسل’) وبعده «أن» مقدرة، و«تُعْطُونِ» صارت (أي تُعْطُونِي، حيث الياء مفعول أول و’موثقاً’ مفعول ثان)، أي: إلا أن تعطوني عهداً من الله. وبسبب عظمة العهد، ذُكر نكرةً. «مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ بُودِ لَتُعْطُنَّنِي بِهِ…». اللام في «لَتُعْطُنَّنِي» مع نون التوكيد للقسم. «تُعْطُوا» (أصلها تُعْطُونَ صارت تُعْطُنَّ بعد اللام، ثم لَتُعْطُنَّ مع نون الوقاية والياء) حيث الياء بمعنى ‘إليَّ’ ومنصوبة بنزع الخافض. (www.bayanbox.ir/info؛ الدكتور سيد محمد ميرحسيني، صوتي جلسة 17؛ ما أتوثق به من عند الله حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله أي عهداً مؤكداً بذكر الله؛ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 170).

«دَرَجَاتٍ مَنْ»: التنوين هو الأصح ليتناسب مع سياق الجملة ﴿نَرْفَعُ مَنْ نَشَاءُ دَرَجَاتٍ﴾ (وجوه في وجوه، ومن قرأ «دَرَجَاتٍ» بالتنوين فإن ‘مَنْ’ يكون في موضع نصب على معنى نرفع من نشاء درجات، ومن قرأها بغير تنوين فإن ‘مَنْ’ يكون في موضع جر بالإضافة، وقال ابن جني إن قراءة من قرأ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون من باب إضافة المسمى إلى الاسم أي وفوق كل شخص يسمى عالماً أو يقال له عالم. الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، 1372: 5/ 383).

القراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): اسْتَيْأَسُوا (الآية 80)28، لِي أَبِي (الآية 80)، حُزْنِي (الآية 86)29، لَا تَيْأَسُوا لا يَيْأَسُ (الآية 87)30.

نافع المدني: //، لِي أَبِي، حُزْنِي، //.

ابن كثير المكي: اسْتَأْيَسُوا، لِأَبِي، //، لَا تَأْيَسُوا لَا يَأْيَسُ.

أبو عمرو البصري: //، لِي أَبِي، //.

ابن عامر الشامي: //، //، //.

عاصم الكوفي: //، //، //.

حمزة الكوفي: //، //، //.

الكسائي الكوفي: //، //، //.

تحليل القراءات

«اسْتَيْأَسُوا»: عندما يئسوا بشدة. وردت الكلمة بهذا الشكل بسبب اختلاف في رسم الخط، مما لم يحدث فرقاً في المعنى. (www.bayanbox.ir/info؛ الدكتور سيد محمد ميرحسيني، صوتي جلسة 20؛ روى شبل عن ابن كثير/ استئاس بالألف فلما استئياسوا والأصل الهمز، لأنه استفعل من اليأس فالياء فاء الفعل والهمزة عينه والسين لامه، والمصدر منه استيأس يستيئس استيآساً فهو مستيئس، وجعله شبل استفعل من أيس الهمزة قبل الياء والإياس: المصدر من هذا، استأيس يستأيس استئياساً فهو مستيئس. والعرب تقول: يئست من الشيء وأيست منه؛ ابن خالويه، إعراب القراءات السبع وعللها، 1413: 1/ 314؛ درويش، إعراب القرآن الكريم وبيانه، 1415: 5/ 47).

يقول الفيومي (ت 777 هـ) صاحب مصباح المنير: تحسسه: تطلبه (الفيومي، المصباح المنير، 1414ق: 137) بمعنى بحثت عنه. وقيل: تجسسها: تتبعها، ومنه الجاسوس، لأنه يتتبع الأخبار ويفحص عن بواطن الأمور، ثم استعير لنظر العين (نفس المصدر: 101).

وقد فرّق الراغب الأصفهاني (ت 502 هـ) بين ‘حسّس’ و’جسّس’. (الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، 1412ق: 93). على كل حال، في سورة يوسف، ورد لفظ ‘تحسس’ في قراءة عاصم، بينما قرأه بعض القراء الآخرين بالجيم (فتجسسوا). وفي سورة الحجرات، يُقرأ في قراءة عاصم بالجيم، رغم أنه قُرئ بالحاء أيضاً (لا تحسسوا). (الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، 1407: 2/ 500).

وقد اعتبر الطبرسي ‘تجسس’ و’تحسس’ بمعنى واحد، وأضاف إليهما لفظ ‘تلمس’. (الطبرسي، جوامع الجامع، 1412: 2/ 587).

يقول السيد نور الدين الجزائري: «التحسس هو طلب الشيء بإحدى الحواس، والتجسس له نفس المعنى، لكن التحسس يغلب في الخير والتجسس في الشر، بدليل آية 88 من سورة يوسف، لأن يعقوب كان ينتظر حياة يوسف وأراد أن يأتيه خبر سلامته. أما في آية 12 من سورة الحجرات، فقد نُهي المسلمون عن التجسس». (راجع: حسيني موسوي جزائري، فروق اللغات في التمييز بين مفاد الكلمات، 1367: 63).

من الواضح أن هذا الفرق مستنبط من استعمال الآية الشريفة، وهذا الاستدلال شبيه باستدلال وادعاء السيد المرتضى علم الهدى الذي يقول: الاستعمال علامة الحقيقة، وقد رد عليه المحققون بأن الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز.

نُقل عن ابن عباس قراءة «سُرِقَ» – بضم السين وتشديد الراء -، وعن الحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز قراءة «رُوح الله» بضم الراء.

ومعنى قراءة «سُرِقَ» – بضم السين وتشديد الراء – هو أنه نُسب إليه السرقة. و«رُوح الله» بضم الراء قد يعني: لا تيأسوا من روح من عند الله، من لطفه وهدايته ونعمته. (الطبرسي، ترجمة مجمع البيان في تفسير القرآن، 1372: 12/ 277؛ قرأ البزي بخلف عنه ﴿وَلَا تَأْيَسُوا﴾ و﴿إِنَّهُ لَا يَأْيَسُ﴾ بتقديم الهمزة على الياء الثانية، وتقدم في قوله ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾، ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420: 12/ 111؛ ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ يئسوا من يوسف وإجابته إياهم، وزيادة السين والتاء للمبالغة. البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 173؛ أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 315؛ ﴿لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ ولا تقنطوا من فرجه وتنفيسه وقرئ من روح الله أي من رحمته التي يحيي بها العباد. ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ بالله وصفاته فإن العارف المؤمن لا يقنط من رحمته في شيء من الأحوال. البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 174).

القراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): يَتَّقِ (الآية 90)31، رَبِّي (الآية 98)32، أَحْسَنَ بِي (الآية 100)33، إِخْوَتِي (الآية 100).

نافع المدني: //، رَبِّي، بِي، إِخْوَتِي.

ابن كثير المكي: يَتَّقِي.

أبو عمرو البصري: //.

ابن عامر الشامي: //.

عاصم الكوفي (أبو بكر): //.

حمزة الكوفي: //.

الكسائي الكوفي: //.

تحليل القراءات

وفقاً لسياق الآية، فإن «يَتَّقِ اللَّهَ» هو القول الأنسب. (أي يتق الله؛ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 175؛ صاحب الغنيان أو بالتقوى، والصبر وسيرة المحسنين قاله الزمخشري، وهو مناسب لقوله ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ﴾؛ أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 321).

بناءً على فهم معنى الآية 100: «وقد أحسن بي إذ أخرجني… وجاء بكم… من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي»، فإن «إخوتي» تعني أن هؤلاء هم إخوتي. «الشيطان» فاعل، و«بيني» متعلق بـ«نزغ»، و«بين إخوتي» معطوف على «بيني». إذا عطفنا على ضمير مجرور، فيجب إعادة الجار، أي: بين يوسف وإخوته. (أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 326)؛ ولكن بما أن «بيني» استُخدمت، تكررت «بين» أيضاً. (www.bayanbox.ir/info؛ الدكتور سيد محمد ميرحسيني، صوتي جلسة 23؛ على إخوته وقيل الضمير في وخروا عائد على إخوته وسائر من كان يدخل عليه لأجل هيبته ولم يدخل في الضمير أبواه، بل رفعهما، أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 326).

القراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): سَبِيلِي (الآية 108)34، اتَّبَعَنِي (الآية 108)، نُوحِي (الآية 109)35، أَفَلَا تَعْقِلُونَ (الآية 109).

نافع المدني: سَبِيلِي، اتَّبَعَنِ، يُوحَى، أَفَلَا يَعْقِلُونَ.

ابن كثير المكي: //، //، //.

أبو عمرو البصري: //، //، //.

ابن عامر الشامي: //، //، //.

عاصم الكوفي (أبو بكر): //، //، //.

حمزة الكوفي: //، //، //.

الكسائي الكوفي: //، //، //.

تحليل القراءات

«هَذِهِ سَبِيلِي»: هذه طريقي كنبي، أي الدعوة إلى التوحيد والمعاد بكمال (ثابت بصيرة) وبصيرة أدعو إلى الله. (البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 178). الجملة بعد «هَذِهِ سَبِيلِي» هي جملة مفسرة. «أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ» تعني الدعوة إلى دين الله. إذا اعتبرنا «عَلَىٰ» بمعنى ‘مع’، فهي متعلقة بـ«أَدْعُو». أما «عَلَىٰ بَصِيرَةٍ» فبمعنى ‘بصيراً’ وهي حال. (www.bayanbox.ir/info؛ الدكتور سيد محمد ميرحسيني، صوتي جلسة 25؛ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي يعني الدعوة إلى التوحيد والإعداد للمعاد ولذلك فسر السبيل بقوله ﴿أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ وقيل هو حال من الياء. البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 178).

«مَنِ اتَّبَعَنِي»: «مَنْ» معطوفة على الضمير المستتر في «أَدْعُوا»، لا على «أَنَا». (أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير 1422: 6/ 332)؛ ويكون المعنى: أدعو إلى دين الله. في تركيب آخر، إذا اعتبرنا «عَلَىٰ بَصِيرَةٍ» متعلقة بمحذوف تقديره ‘موجوداً’، تصبح حالاً، ويصبح «أَنَا» فاعل الجار والمجرور، و«مَنِ اتَّبَعَنِي» معطوفة على «أَنَا». لكن الإشكال هنا أن «أَنَا» كفاعل لـ’ثابتاً’ أو ‘موجوداً’ في «عَلَىٰ بَصِيرَةٍ»، ومجموع «عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي» سيكون حالاً لـ«أَدْعُوا». في هذه الحالة، «أَدْعُوا» الذي هو صاحب الحال، سيكون مفرداً وفاعله ثابتاً شيئين: أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي؛ بينما يجب أن يطابق الحال صاحب الحال. فصاحب الحال مفرد، أما الحال (أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) فهما اثنان. ويصبح معنى الآية: «وأنا ومن معي على بصيرة»، وهذا حال لمن يدعو. (www.bayanbox.ir/info؛ الدكتور سيد محمد ميرحسيني، صوتي جلسة 5؛ ومن اتبعني معطوف على أنا وأجاز أبو البقاء أن يكون ومن اتبعني مبتدأ خبره محذوف تقديره كذلك أي داع إلى الله على بصيرة، أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 332؛ درويش، إعراب القرآن الكريم وبيانه، 1415: 5/ 68).

«نُوحِي إِلَيْهِمْ»: بما أن سنة الله في هداية البشر كانت عن طريق بشر، فمن حيث المفردات: «نُوحِي» فعل و«إِلَيْهِمْ» متعلق بالفاعل الذي ضميره مستتر، بمعنى ‘كنا نوحي إليهم’ (فالفرق الوحيد بين هؤلاء الرسل وبقية الناس هو الوحي إليهم). ولكن وفقاً لبعض القراءات، إذا قلنا «يُوحَىٰ إِلَيْهِمْ»، فإن «إِلَيْهِمْ» ستكون نائب فاعل، والجملة صفة لـ’رجالاً’، أي رجال كان يوحى إليهم (فبالتالي كانوا رجالاً فقط يوحى إليهم). ولكن يبدو أن هذا غير صحيح، لأن الآية تستمر بقولها: «مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ» أي كان يختار الأنبياء من أهل مدنهم، فتكون هذه صفة ثانية لـ’رجالاً’، لأن سنة الله كانت هكذا. (www.bayanbox.ir/info؛ الدكتور سيد محمد ميرحسيني، صوتي جلسة 25؛ قرأ الجمهور، يوحى – بتحتية وفتح الحاء – مبنياً للنائب، وقرأه حفص بنون على أنه مبني للفاعل والنون نون العظمة؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420: 12/ 128؛ وكذلك وقيل معناه نفي استنباء النساء يوحى إليهم كما يوحى إليك ويميزون بذلك عن غيرهم. وقرأ حفص نُوحِي في كل القرآن ووافقه؛ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 178؛ قرأ أبو عبد الرحمن، وطلحة، وحفص نوحي بالنون وكسر الحاء، موافقاً لقوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ وقرأ الجمهور بالياء وفتح الحاء مبنياً للمفعول. أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1422: 6/ 334؛ ابن خالويه، إعراب القراءات السبع وعللها، 1413: 1/ 315).

«لَدَارُ الْآخِرَةِ»: لام تأكيد، بينما «دَارُ الْآخِرَةِ» مضافة إلى بعضها. و«تَعْقِلُونَ» بالتاء للخطاب على سبيل الالتفات هو الأصح، ليتناسب مع سياق ما قبله. (البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 179 – ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420: 12/ 128؛ وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوب ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ بتاء الخطاب على الالتفات، لأن المعاندين لما جرى ذكرهم وتكرر صاروا كالحاضرين فالتفت إليهم بالخطاب. وقرأه الباقون بياء الغيبة على نسق ما قبله، ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420: 12/ 128، ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ يستعملون عقولهم ليعرفوا أنها خير، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بالتاء حملاً على قوله ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أي قل لهم أفلا تعقلون، البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 179).

القراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): اسْتَيْأَسَ (الآية 110)36، كُذِبُوا (الآية 110)، فَنُجِّيَ (الآية 110).

نافع المدني: //، كُذِّبُوا، فَتُنْجَى.

ابن كثير المكي: اسْتَأْيَسَ.

أبو عمرو البصري: //.

ابن عامر الشامي: //.

عاصم الكوفي (أبو بكر): //.

حمزة الكوفي: //.

الكسائي الكوفي: //.

«كُذِبُوا»: أهل الكوفة وأبو جعفر قرؤوا «كُذِبُوا» – بالتخفيف وبصيغة المجهول – (وفق القراءة المعروفة). وهذه قراءة الإمام علي وزين العابدين والإمامين الباقر والصادق (ع) وزيد بن علي وجمع آخر. وقرأت عائشة والحسن وعطاء والزهري وقتادة «كُذِّبُوا» – بالتشديد وبصيغة المجهول -. ونُقل عن ابن عباس ومجاهد أنهما قرآ «كَذَبُوا» بالتخفيف وبصيغة المعلوم. (الطبرسي، ترجمة مجمع البيان في تفسير القرآن، 1372: 12/ 313)؛ وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب وسهل «فَنُجِيَ» – بنونين وتخفيف الجيم وسكون الياء.

قال أبو علي: من قرأ «كُذِّبُوا» بالتشديد، أعاد الضمير في «ظَنُّوا» إلى الرسل، أي أيقن الرسل أو ظنوا أن أقوامهم قد كذّبوهم.

ومن قرأ «كُذِبُوا» بالتخفيف، فسّرها بنفس المعنى، أي أيقنوا أو ظنوا أنهم لن يُصدَّقوا. وكلا الفريقين استشهد بآيات أخرى في القرآن جاءت بالتشديد والتخفيف.

ويمكن إعادة الضمير في «ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا» إلى الناس، أي ظن الناس – أو أيقنوا – أن الرسل قد كذبوهم عندما هددوهم وقالوا: إن لم تؤمنوا سينزل عليكم العذاب. وهذا الظن – أو اليقين – نشأ لديهم لأنهم رأوا الله يمهلهم ويتأخر عذابهم.

فإن قيل: كيف تعيدون الضمير إليهم ولم يسبق لهم ذكر؟ قلنا: سياق الكلام يدل عليهم، ونظائر ذلك في القرآن كثيرة، فضلاً عن أن أسماءهم قد ذُكرت سابقاً في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا…﴾. أما من يظن أن الضمير يعود إلى الرسل، أي ظن الرسل أن وعد الله كان كذباً وأنه أُخبروا كذباً، فقد قال قولاً عظيماً، ولا يجوز نسبة هذا الكلام إلى أنبياء الله، بل ولا إلى عباد الله الصالحين (الذين هم دون الأنبياء منزلةً).

روى أبو المعلى عن سعيد بن جبير أنه قال في معنى هذه الآية: أي يئس الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كُذِّبوا فيما قالوه لهم… عندئذ جاء نصر الله وعونه.

﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ أيقن الرسل – وهذا المعنى مبني على قراءة «كُذِّبُوا» بالتشديد -. أما على القراءة المشهورة (بتخفيف «كُذِبُوا»)، فيكون معنى الآية أن الناس ظنوا أن الرسل قد كذبوهم عندما أخبروهم بنصرة المؤمنين وهلاك أعدائهم. ويمكن على هذه القراءة أيضاً إعادة الضمير في «ظَنُّوا» إلى الرسل أنفسهم، أي أيقن الرسل أن القوم الذين وعدوهم بأننا سنؤمن بكم، لم يفوا بوعدهم أو كذبوا في إظهار إيمانهم. (درويش، إعراب القرآن الكريم وبيانه، 1415: 5/ 69).

نُقل أن الضحاك وسعيد بن جبير التقيا في مجلس، فسُئل سعيد بن جبير في ذلك المجلس: كيف تقرأ هذه الآية؟ فقرأها (وفق القراءة المشهورة) «كُذِبُوا» بالتخفيف، وفسرها بأن الناس ظنوا أن الرسل قد كذبوهم. (الطبرسي، ترجمة مجمع البيان في تفسير القرآن، 1372: 12/ 315). فلما سمع الضحاك هذا المعنى وهذه القراءة قال: لم أر مثل هذا قط. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو «كُذِّبُوا» بتشديد الذال.

في هذه الحالة تحديداً، سواء بتخفيف الذال أو تشديدها، ورغم أن الإعراب سبب هذا الاختلاف، لا التدخل في القرآن بالزيادة أو النقصان، فقد نتج عن هذا الاختلاف في القراءة معنيان وتفسيران مختلفان. لكن هذين المعنيين والتفسيرين لا يتعارضان أو يتناقضان مع مجمل القرآن؛ ففي تفسير تشديد الذال «كُذِّبُوا»، يكون المعنى: عندما يئس الرسل من هداية قومهم وأيقنوا أن قومهم قد كذّبوهم، وبهذا التكذيب أغلقوا على أنفسهم باب الهداية، هنا جاء نصرنا لمساعدة الرسل. أما قراءة تخفيف الذال، أي «كُذِبُوا»، وهي القراءة الرسمية في المصحف الحالي، فقد بُيّن معناها وتفسيرها بشكل مختلف: عندما يئس الرسل من هداية قومهم، وظن قومهم أنه قد كُذب عليهم بأن الكفار سيعذبون، هنا جاء نصرنا لمساعدة الرسل وأهلك الكفار؛ أي أن ضمير «كُذِبُوا» يعود إلى القوم الكافرين، لا إلى الرسل، كما أن الجملة التي قبلها تعود إلى الرسل. هنا، مع قراءة التخفيف، اضطر المفسرون إلى إعادة ضمير «كُذِبُوا» إلى الكفار، وإلا حدث خلل في المعنى؛ لأنه لا معنى لأن يظن الرسل أنه قد كُذب عليهم بأنه لا قيامة ولا ثواب ولا عقاب!

تمكن بعض الأساتذة من تصحيح المعنى والتفسير بإعادة الضمير إلى الرسل أنفسهم مع قراءة التخفيف، وذلك بالقول: كما ورد في سورة الأعراف أنه كلما نزل البلاء على قوم فرعون، كانوا يقولون لموسى: إن دعوت ورفع البلاء فسنؤمن بك، ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ (الأعراف/ 134)؛ «ولما نزل عليهم العذاب، قالوا: يا موسى، ادع لنا ربك بما عهد عندك من أنه يجيب دعاءك إذا دعوته، لئن رفعت عنا هذا العذاب لنؤمنن لك». (في صحيح البخاري عن عروة أنه سأل عائشة – رضي الله عنها – أكذبوا أم كُذِّبوا – أي بالخفيف أم بالشدّ؟ قالت: كُذِّبُوا – أي بالشد – قال: فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن فهي قَدْ كُذِبُوا – أي بالتخفيف، قالت: معاذ الله لم يكن الرسل – عليهم السلام – تظن ذلك بربها وإنما هم أتباع الذين آمنوا وصدقوا فطال عليهم البلاء واستأخر النصر حتى إذا استيأس الرسل – عليهم السلام – من إيمان من كذبهم من قومهم، وظنت الرسل – عليهم السلام – أن أتباعهم مكذِّبوهم. هذا الكلام من عائشة – رضي الله عنها – رأي لها في التفسير وإنكارها أن تكون كُذِبُوا مخففة إنكار يستند بما يبدو من عود الضمائر إلى أقرب مذكور وهو الرسل، وذلك ليس بمتعين، ولم تكن عائشة قد بلغتها رواية كُذِبُوا بالتخفيف، ابن عاشور، التحرير والتنوير 1420: 12/ 129؛ وقرئ كُذِبُوا بالتخفيف، وهو قراءة أئمة الهدى – عليهم السلام – ومعناه وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم؛ الطبرسي، تفسير جوامع الجامع، 1412: 2/ 213؛ كذلك وقرأ غير الكوفيين بالتشديد أي وظن الرسل أن القوم قد كذبوهم فيما أوعدوهم وقرئ كُذِّبُوا بالتخفيف وبناء الفاعل أي وظنوا أنهم قد كُذِبُوا فيما حدثوا به عند قومهم لما تراخى عنهم ولم يروا له أثراً؛ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 179؛ كُذِبُوا بالتخفيف وهي قراءة علي وزين العابدين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد، الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن؛ 1372: 5؛ ص 412-413؛ ابن خالويه، إعراب القراءات السبع وعللها، 1413: 1/ 317).

«فَنُجِّيَ»: القراءة الصحيحة هي على هذا النحو، حيث يقول البعض إن الفعل الماضي «نُجِّيَ» مضاف مبني للمجهول، و«هو» في «مَنْ نَشَاءُ» نائب فاعل له، والبعض يقول إن الماضي «نَجَّىٰ» مضاف مبني للمعلوم وقرؤوا: فنجا. (وقرأ الجمهور فننجي بنونين وتخفيف الجيم وسكون الياء مضارع أنجى و﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ مفعول ننجي وقرأه ابن عامر وعاصم فنجي بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم مكسورة وفتح التحتية على أنه ماضي نجي المضاعف بني للنائب، وعليه فـ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ هو نائب الفاعل، والجمع بين الماضي في ‘نجّي’ والمضارع في ‘نشاء’ احتباك تقديره فنجي من شئنا ممن نجا في القرون السالفة وننجي من نشاء في المستقبل من المكذبين. ابن عاشور، التحرير والتنوير 1420: 12/ 130؛ وكذلك قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب على لفظ الماضي المبني للمفعول وقرئ فنجا ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ إذا نزل بهم وفيه بيان للمشيئين. البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1488: 3/ 179؛ ابن خالويه، إعراب القراءات السبع وعللها، 1413: 1/ 318).

الخاتمة

نقل المرحوم الطبرسي في «مجمع البيان في تفسير القرآن» ما مجموعه مئة وخمس وأربعون رواية حول اختلاف القراءات المنسوبة إلى المعصومين (ع)، منها مئة وأربع وأربعون رواية بدون سند (وإن كان من الممكن وجود سند لها لم يصل إلينا). وذلك لأن الإمام يقول: «اقرؤوا القرآن كما يقرؤه الناس»، أي أن المقياس هو قراءة عامة المسلمين، وعلى هذا الأساس لم يعطِ الإمام اعتباراً لقراءات القراء.

وقد استند المرحوم النوري في كتابه «فصل الخطاب» إلى ثمان وسبعين رواية من الروايات التي نقلها الطبرسي في اختلاف القراءات عن أهل البيت (ع)، واعتبرها دليلاً على التحريف. لكن العلامة العسكري في المجلد الثالث من كتابه «القرآن الكريم وروايات المدرستين» فنّد جميع مستنداته بأدلة واعتبرها لا أساس لها من الصحة. وتشير الدراسات إلى أن هذه الروايات إما أنها في مجال اختلاف القراءات الذي لا يمس صيانة القرآن من التحريف، كقراءة ‘غيابات’ بدلاً من ‘غيابت’، وإما أنها في مقام بيان معنى الآية وتفسيرها، حيث طُرحت كاختلاف قراءات من باب التسهيل، كقراءة ‘حُزْنِي’.

يمكن الجزم بأن اختلاف القراءات في معظم الكلمات المختلف فيها يندرج ضمن اختلاف في كيفية الأداء من حيث الإمالة، والفتح، والإدغام، والإظهار، والتفخيم، والترقيق، وغيرها، أو اختلاف في إعراب كلمة لا يخل بالمعنى. ومن خلال دراسة سياق الآيات، والقواعد الصرفية والنحوية، والتوافق مع معنى الآيات، والانسجام في ألفاظها وموسيقاها، يمكن إرشاد المحقق إلى القراءة الصحيحة، وهي القراءة المشهورة. وفي النهاية، بالنظر إلى اختلاف القراءات في سورة يوسف، تغير المعنى والتفسير فقط، ولكن في إطار مطلبين:

1. التغيير في الإعراب والرسم الخطي والكتابة هو سبب هذا الاختلاف في القراءات، وليس التحريف والزيادة في كلام الله.

2. التغيير في المعنى، الذي يحدث في بعض الحالات بسبب طريقة نطق الكلمات – من إظهار، وإدغام، وتفخيم، وإمالة، وترقيق، وغيرها – أثناء التلاوة، لم يخل بمعارف القرآن، وهذه المضامين نفسها وردت بأشكال أخرى في مواضع أخرى من القرآن.

الهوامش

1. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (القيامة/17-18)؛ «إن علينا جمعه في صدرك وتلاوته، فإذا تلوناه عليك فاتبع تلك التلاوة».

2. ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾؛ «اذكر حين قال يوسف لأبيه: يا أبتِ، إني رأيت في المنام أحد عشر كوكبًا، والشمس والقمر، رأيتهم لي ساجدين».

3. ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ «قال: يا بني، لا تذكر رؤياك لإخوتك فيدبروا لك مكيدة، إن الشيطان للإنسان عدو ظاهر».

4. ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾؛ «في قصة يوسف وإخوته دلائل هداية للسائلين».

5. ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾؛ «قال واحد منهم: لا تقتلوا يوسف، وإن كنتم عازمين على فعل شيء، فألقوه في مكان خفي من البئر، يأخذه بعض المسافرين ويذهبون به إلى مكان بعيد».

6. ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾؛ «أرسله معنا غداً إلى خارج المدينة ليأكل طعاماً كافياً ويتنزه، ونحن له حافظون».

7. ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾؛ «قال الأب: يحزنني أن تذهبوا به، وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون».

8. ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾؛ «قالوا: لئن أكله الذئب، فإننا سنكون من الخاسرين، وهذا أمر غير ممكن».

9. ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ۖ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾؛ «وفي تلك الأثناء، وصلت قافلة، وأرسلوا من يستقي لهم الماء، فأنزل دلوه في البئر، فصاح فجأة: يا بشراي! هذا غلام جميل ومحبوب. وأخفوا أمره عن الآخرين كبضاعة، والله عليم بما كانوا يفعلون».

10. ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾؛ «والمرأة التي كان يوسف في بيتها، طلبت منه نفسها، وأغلقت الأبواب وقالت: تعال إلى ما أعددته لك. قال يوسف: أعوذ بالله، إنه سيدي عزيز مصر، قد أكرم مقامي، فهل يمكن أن أظلمه وأخونه؟ إن الظالمين لا يفلحون».

11. ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾؛ «لقد قصدته، وقصدها هو أيضاً – لولا أن رأى برهان ربه -. فعلنا ذلك لنبعد عنه السوء والفحشاء، إنه من عبادنا المخلصين».

12. ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ «وانتشر الخبر في المدينة، فقالت نسوة: امرأة العزيز تدعو غلامها إلى نفسها، قد تغلغل حب هذا الشاب في شغاف قلبها، إنا لنراها في ضلال واضح».

13. ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾؛ «فلما علمت امرأة العزيز بتدبيرهن، أرسلت إليهن ودعتهن، وأعدت لهن مجلساً فاخراً، وأعطت كل واحدة منهن سكيناً لتقطيع الفاكهة، وقالت ليوسف: اخرج عليهن. فلما رأينه، أعظمنه وشُغفن بجماله، وجرحن أيديهن دون وعي، وقلن: سبحان الله! ما هذا بشر، إن هو إلا ملك كريم».

14. ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ «ودخل معه السجن شابان، قال أحدهما: إني رأيت في المنام أني أعصر عنباً لأصنع خمراً، وقال الآخر: رأيت أني أحمل خبزاً على رأسي تأكل منه الطير، أخبرنا بتأويل هذا الحلم، إنا نراك من المحسنين».

15. ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾؛ «قال يوسف: لن يأتيكما طعامكما اليومي إلا وأخبرتكما بتأويل حلمكما قبل أن يصل. هذا من العلم الذي علمنيه ربي. إني تركت دين قوم لا يؤمنون بالله ويكفرون بالآخرة، فاستحققت هذه الموهبة».

16. ﴿اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾؛ «لقد اتبعت دين آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب. ما كان لنا أن نجعل لله شريكاً، هذا من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون».

17. ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؛ «جاء إلى السجن وقال: يا يوسف، أيها الصديق، أفتنا في رؤيا سبع بقرات سمان تأكلهن سبع بقرات هزيلات، وسبع سنابل خضر وسبع سنابل يابسات، لأرجع إلى الناس لعلهم يعلمون تأويل هذه الرؤيا».

18. ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾؛ «قال: تزرعون سبع سنوات بجد، وما حصدتموه اتركوه في سنابله وادخروه، إلا قليلاً مما تأكلون».

19. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾؛ «ثم يأتي عام يغاث فيه الناس بالمطر الوفير، وفي ذلك العام يعصرون عصائر الفواكه والحبوب الزيتية، وهو عام خصب».

20. ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ «لا أبرئ نفسي أبداً، إن النفس الأمارة بالسوء تأمر بالشر، إلا ما رحم ربي. إن ربي غفور رحيم».

21. ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ «وهكذا مكنا ليوسف في أرض مصر، يتخذ فيها منزلاً حيث يشاء ويتصرف فيها. نرحم من نشاء، ومن يستحق، ولا نضيع أجر المحسنين».

22. ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾؛ «ولما أعد يوسف أحمالهم، قال: في المرة القادمة، أحضروا أخاكم من أبيكم. ألا ترون أني أتم الكيل وأنا خير المضيفين؟».

23. ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ «ثم قال لخدمه: ضعوا ما دفعوه ثمناً في أمتعتهم، لعلهم يعرفونها عند عودتهم إلى أهلهم فيرجعون».

24. ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾؛ «فلما عادوا إلى أبيهم، قالوا: يا أبانا، صدر أمر بألا يُعطى لنا كيل من الغلة دون حضور أخينا بنيامين، فأرسله معنا لنحصل على حصتنا من الغلة، ونحن نحفظه».

25. ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ ۖ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾؛ «قال: هل أثق بكم فيه كما وثقت بكم في أخيه يوسف ورأيتم ما حدث؟ على كل حال، الله خير حافظ وهو أرحم الراحمين».

26. ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾؛ «قال: لن أرسله معكم أبداً حتى تعطوني عهداً إلهياً مؤكداً بأن تعيدوه إليّ حتماً، إلا أن تموتوا أو يغلبكم أمر آخر. فلما أعطوه عهدهم الموثق، قال: الله على ما نقول شاهد ورقيب».

27. ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾؛ «في ذلك الوقت، بدأ يوسف بتفتيش أمتعتهم قبل متاع أخيه، ثم استخرجها من متاع أخيه. هكذا دبرنا ليوسف، ما كان له أن يأخذ أخاه وفقاً لقانون الملك، إلا أن يشاء الله. نرفع درجات من نشاء، وفوق كل ذي علم عليم».

28. ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾؛ «فلما يئس الإخوة منه، انفردوا يتناجون. قال كبيرهم: ألا تعلمون أن أباكم قد أخذ عليكم عهداً إلهياً، وقبل ذلك قصرتم في أمر يوسف؟ لن أغادر هذه الأرض حتى يأذن لي أبي، أو يحكم الله لي، وهو خير الحاكمين».

29. ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ «قال: أشكو همي وحزني إلى الله وحده، وأعلم من الله ما لا تعلمون».

30. ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾؛ «يا أبنائي، اذهبوا وابحثوا عن يوسف وأخيه، ولا تيأسوا من رحمة الله، فإنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون».

31. ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ «قالوا: أأنت يوسف؟ قال: نعم، أنا يوسف وهذا أخي، قد منّ الله علينا. من يتق ويصبر، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين».

32. ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾؛ «قال: سأطلب لكم المغفرة من ربي، إنه هو الغفور الرحيم».

33. ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾؛ «وأجلس أبويه على العرش، وخروا له سجداً. وقال: يا أبت، هذا تأويل رؤياي التي رأيتها من قبل، قد جعلها ربي حقاً. وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن، وجاء بكم من البادية بعد أن أفسد الشيطان بيني وبين إخوتي. إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم».

34. ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ «قل: هذه طريقي، أنا ومن اتبعني ندعو الناس جميعاً إلى الله على بصيرة تامة. سبحان الله، وما أنا من المشركين».

35. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؛ «وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً من أهل القرى نوحي إليهم. أفلم يسر معارضو دعوتك في الأرض فيروا كيف كانت نهاية الذين من قبلهم؟ وإن الدار الآخرة خير للمتقين، أفلا تفكرون؟».

36. ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ «استمر الرسل في دعوتهم وأعداؤهم في معارضتهم، حتى إذا يئس الرسل وظن الناس أنه قد كُذب عليهم، جاءهم نصرنا، فنجونا من شئنا، وعذابنا لا يُرد عن القوم المذنبين».

Scroll to Top