اختلاف القراءات السبع في تفسير سورة مريم

الملخص

إن علم قراءات القرآن الكريم هو أحد علوم القرآن التي لها تأثير مباشر في فهم كلام الله وترجمته وتفسيره. ولهذا السبب، حظي هذا العلم باهتمام المفسرين منذ القدم، وسعوا من خلاله إلى تقديم أفضل فهم ممكن للقرآن بما يتوافق مع القراءة المقبولة، وذلك بالنظر إلى مختلف القراءات وتأثيرها في فهم النص القرآني. في هذا البحث، تم استعراض وتحليل مواضع الاختلاف في القراءات السبع المشهورة في سورة مريم. لقد وُجد أن اختلاف القراءات في 19 آية لم يحدث أي تغيير في المعنى، بينما كان له تأثير في معنى 15 آية أخرى. وبالطبع، فإن هذا التغيير في المعنى يؤدي في الغالب إلى مفهوم واحد للآية في نهاية المطاف، وأحيانًا يقتصر على تغييرات طفيفة جدًا مثل المبالغة والتأكيد وما إلى ذلك، دون أن يؤثر على المعنى الأصلي للآية. إن دراسة سياق الآيات، والقواعد الصرفية والنحوية، والاتساق مع معاني الآيات، والانسجام في ألفاظها وموسيقاها، يمكن أن ترشد الباحث إلى القراءة الصحيحة، وهي القراءة المشهورة.

المقدمة

القراءة في اللغة تعني التلاوة، وفي الاصطلاح تعني كيفية نطق ألفاظ القرآن الكريم (الدمياطي، إتحاف البشر في قراءات الأربعة عشر، 1419: 1/3). من منظور علم أنساب المعارف، يحتل علم القراءة مكانة في منظومة علوم القرآن ويُعد من المعارف الأساسية في العالم الإسلامي. كان النبي (ص) أول قارئ للقرآن، وبعده، سعى كبار الصحابة بكل دقة في أخذ القرآن وضبطه وكتابته وقراءته وتعليمه للآخرين. في أواخر القرن الأول الهجري، وبعد انقضاء عصر الصحابة والتابعين، ازدهر علم القراءة وظهر قراء كثر في جميع أنحاء العالم الإسلامي. في أوائل القرن الثالث الهجري، سعت جماعة إلى ضبط وتعريف القراءات التي كانوا يعتقدون بصحتها. أبو عبيدة القاسم بن سلام الأنصاري، تلميذ الكسائي، هو من هذه الجماعة. ومن بعده، تابع هذا الهدف أحمد بن جبير الكوفي، ثم القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي، ومحمد بن جرير الطبري، ومحمد بن أحمد الداجوني، وابن مجاهد التميمي مؤلف كتاب «القراءات السبع» (ابن الجزري، النشر في قراءات العشر، 1418: 1/ 34). وهؤلاء القراء السبعة هم: ابن عامر الدمشقي (118هـ)، وابن كثير المكي (120هـ)، وعاصم الكوفي (127هـ)، وأبو عمرو البصري (154هـ)، وحمزة الكوفي (156هـ)، ونافع المدني (169هـ)، والكسائي الكوفي (189 أو 191هـ) (نفس المصدر).

كان الدافع الذي حدا بابن مجاهد إلى اختيار سبعة قراء من بين جميع القراء هو رغبته في تنظيم أمر قراءة القرآن. ورغم أن العديد من العلماء بعده انتقدوا ابن مجاهد لاقتصاره على القراء السبعة، إلا أن منهجه استمر بفضل مكانته السياسية والاجتماعية وشهرته. وشاع هذا الاتجاه إلى درجة أن بعض غير المحققين ظنوا أن حديث «سبعة أحرف» يشير إلى هذه القراءات السبع (معرفت، التمهيد في عند القرآن، 1390: 288).

يعتقد علماء الشيعة، استلهامًا من تعاليم أهل البيت (ع) القرآنية، أن القرآن نزل بصورة واحدة فقط (الكليني، الكافي، 1365: 2/ 63)، وأن تعدد القراءات إنما نشأ من قبل قراء القرآن (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، 1395: 151-152).

يهدف هذا البحث إلى دراسة اختلاف القراءات السبع في سورة مريم بأسلوب تحليلي، والإجابة على الأسئلة التالية: 1. ما هو تأثير أو عدم تأثير اختلاف القراءات السبع في معنى آيات سورة مريم؟ 2. ما هو مدى التفاوت في المعنى بسبب اختلاف القراءات في الآيات؟ 3. ما هي العوامل التي تساعد في الوصول إلى القراءة الصحيحة من بين القراءات السبع؟

1. القراءات السبع في سورة مريم

سورة مريم، التي تضم 98 آية، هي السورة التاسعة عشرة في القرآن وهي من السور المكية. سُميت هذه السورة بهذا الاسم نسبة إلى قصة السيدة مريم (ع) (الطبرسي، تفسير جوامع الجامع، 1412: 6/ 773). يحتوي مضمون السورة على قصص الأنبياء، ومسائل تتعلق بالقيامة ومصير المجرمين وثواب المتقين، ونفي الولد عن الله، ومسألة الشفاعة (مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، 1374: 3/ 77). الرسالة الأساسية للسورة هي البشارة والإنذار، والتي عُرضت في قالب قصص الأنبياء (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1417: 14/6). من بين مجموع آيات سورة مريم، يوجد 36 موضعًا لاختلاف القراءات.

أ) القراءات المؤثرة في معنى آيات سورة مريم

1. ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (مريم/ 5-6).

القراءة: عاصم، نافع، ابن كثير، ابن عامر وحمزة: «يَرِثُنِي وَيَرِثُ» بالرفع؛ أبو عمرو والكسائي: «يَرِثْنِي وَيَرِثْ» بالجزم (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 148؛ سالم مكرم، معجم القرآنية مع مقدمة في القرائات وأشهر القراء، 1408: 4/31).

الفعلان في حالة الرفع هما صفة لـ«وليّاً» (مريم/5)، وفي حالة الجزم، هما جواب لدعاء «هب لي» (مريم/6) (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/ 5؛ أبو حيان، البحر المحيط في التفسير، 1420: 7/241).

يوضح الطبرسي سبب رفع الفعلين قائلاً: «في القراءة المشهورة، يطلب زكريا من ربه أن يهبه ولدًا يتصف بهذه الصفة، أي أن يكون وارثًا له ولآل يعقوب» (الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، 1372: 6/ 774). ويضيف: «هذا المعنى غير موجود في حالة الجزم، لأن الفعل في حالة الجزم يكون معلقًا على شرط محذوف، أي: إن تهب لي ولدًا يرثني ويرث من آل يعقوب» (نفس المصدر).

يبدو أن المعنى المستفاد من القراءة المشهورة أكثر انسجامًا مع سياق الآيات القائم على دعاء زكريا لله.

2. ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (مريم/7).

القراءة: عاصم، نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر والكسائي: «نُبَشِّرُكَ»؛ حمزة: «نَبْشُرُكَ» (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 148؛ سالم مكرم، معجم القرآنية، 1408: 4/ 32). ويوجد نفس الاختلاف في كلمة «لِتُبَشِّرَ» في الآية 97 من سورة مريم (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 148؛ سالم مكرم، معجم القرآنية، 1408: 4/ 62؛ لساني فشاركي، قراء سبعة وقرائات سبع، 1391: 357).

يوضح الراغب الأصفهاني الفرق بين «بَشَّرَ» و«بَشَرَ» قائلاً: «بَشَّرْتُ الرجل وبَشَرْتُهُ يعني أخبرته بأمر سار فانبسطت أسارير وجهه، فإن النفس إذا سُرّت انتشر الدم فيها كانتشار الماء في الشجر. وبين اللفظتين فروق، فمعنى بَشَرْتُهُ عام وكلي، ولكن بَشَّرْتُهُ يدل على الزيادة والكثرة» (راغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، 1421: 124).

الفرق في المعنى بين الكلمتين يكمن في المبالغة الموجودة في القراءة المشهورة، وهي أكثر انسجامًا مع سياق الكلام الذي يحمل بشرى عظيمة لزكريا. وكذلك في الآية 97، فإن البشارة للمتقين تحمل نفس هذه السمة.

3. ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ (مريم/9).

القراءة: عاصم، نافع، ابن كثير، أبو عمرو وابن عامر: «خَلَقْتُكَ»؛ حمزة والكسائي: «خَلَقْنَاكَ» (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 148؛ سالم مكرم، معجم القرائات القرآنية، 1408: 4/32).

أشار بعض المفسرين إلى أن الفعل في قراءة «خلقناك» جاء بنون العظمة (أبو حيان، البحر المحيط في التفسير، 1420: 7/ 244)، ونُسب إلى الله الواحد الذي عظّم نفسه (سمين، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، 1414: 4/494).

يرى الطبرسي أن دليل القراءة المشهورة هو عبارة «قال ربك» في نفس الآية، وعبارة «حناناً من لدنا» في الآية 13 دليل على قراءة «خلقناك» (الطبرسي، مجمع البيان، 1372: 6/ 778). وهو يعتبر مراعاة سياق الكلام مع ما قبله أو ما بعده دليلاً على صحة القراءة.

يبدو أن القراءة المشهورة، التي تتوافق مع سياق الكلام في بداية الآية، هي الأرجح.

4. ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ (مريم/19).

القراءة: عاصم، ابن كثير، ابن عامر، حمزة والكسائي: «لِأَهَبَ»؛ نافع وأبو عمرو: «لِيَهَبَ» (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 148؛ سالم مكرم، مجمع القرائات القرآنية، 1417: 4/348).

قال بعض المفسرين في تفسير الآية: «(لأهب لكِ) يعني لأكون سببًا في هبة الولد لكِ، أو أن يكون حكاية لكلام الله تبارك وتعالى» (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/ 10؛ أبو حيان، البحر المحيط في التفسير، 1420: 7/249). ويقول الطبرسي أيضًا: «في فعل (أهب) أُسند الفعل إلى المتكلم، مع أن الهبة من الله، لأن الوكيل والرسول قد ينسب الفعل إلى نفسه، وتوجد قرينة على أنه مجرد واسطة. وفي (ليهب)، يعود الضمير إلى الله، المانح والواهب الحقيقي» (الطبرسي، مجمع البيان، 1372: 6/783).

التغيير المعنوي الحاصل بين القراءتين نشأ عن تغيير صيغة المتكلم والغائب، ورغم أنهما يؤديان إلى معنى واحد في النهاية، إلا أن سياق الكلام أكثر انسجامًا مع «أهب»، حيث بدأت الآية بـ«أنا» وكلمة «رسول» قرينة على «أهب». لذا، فإن القراءة المشهورة أكثر اتساقًا مع سياق الكلام.

5. ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (مريم/24).

القراءة: عاصم، نافع، حمزة والكسائي: «مِن تَحْتِها»؛ ابن كثير، أبو عمرو وابن عامر: «مَن تَحْتَها» (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 148؛ سالم مكرم، معجم القرائات القرآنية، 1407: 4/39).

بناءً على القراءة المشهورة، الفاعل ضمير مستتر يعود على المنادي، و«من تحتها» متعلق بفعل «نادى». وبناءً على القراءة غير المشهورة، الفاعل هو «مَن» الموصولة، و«تحتها» متعلق بـ«استقر» المحذوف، والجملة صلة الموصول (سمين، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، 1414: 4/499).

على الرغم من أن تغيير حركة الميم في كلمة «من» يؤدي إلى اختلاف في معنى الكلمة، إلا أن المعنى الكلي يبقى واحدًا. ويبدو أن الدقة في موسيقى الآية وجرسها ولفظ «نادى» وتناسبه مع «مِن» الابتدائية يؤيد القراءة المشهورة.

هناك اختلاف في الرأي حول هوية الشخص الذي نادى السيدة مريم في الآية؛ فالبعض يرى أنه جبريل، والبعض الآخر يرى أنه عيسى (ع) (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/ 12؛ الطبرسي، مجمع البيان، 1372ش، 6/ 786).

6. ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (مريم/25).

القراءة: عاصم: «تُسَاقِطْ»؛ نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر والكسائي: «تَسَّاقَطْ»؛ حمزة: «تَسَاقَطَ» (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 149؛ سالم مكرم، معجم القرائات القرآنية، 1408: 4/39).

«تساقط» في القراءة المشهورة من باب «مفاعلة» وتفيد معنى التتابع (قرشي، قاموس قرآن، 1361: 3/ 278). والقراءتان الأخريان من باب «تفاعل»، حيث جاء الفعل بتشديد السين لإدغام تاء الباب في فاء الفعل، والقراءة بدون تشديد بحذف تاء الباب (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/ 13؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير، بي تا: 3/ 14).

رغم أن باب «تفاعل» يفيد المطاوعة لباب «مفاعلة»، إلا أنه في الآية الشريفة، أريد به التعدية أيضًا، كما أن التعدية تؤخذ في الاعتبار في باب «تفعّل» (راغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، 1421: 415).

من قرأ بالياء، فقد نسب الفعل إلى الجذع، ومن قرأ بالتاء، فقد أسنده إلى النخلة، ويجوز في هذه القراءة أيضًا أن يكون قد نسب إلى الجذع بحذف المضاف (الزمخشري، الكشاف، 1407 3/ 13؛ الطبرسي، مجمع البيان، 1372: 6/ 786؛ أبو حيان، البحر المحيط في التفسير، 1420: 7/ 255).

يبدو أن التفاوت المعنوي الحاصل في القراءات السبع هو أن القراءة المشهورة من باب «مفاعلة» تفيد معنى التتابع، وهو ما يتناسب أكثر مع سياق الكلام.

7. ﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ (مريم/34).

القراءة: عاصم وابن عامر: «قَوْلَ الْحَقِّ»؛ نافع، ابن كثير، أبو عمرو، حمزة والكسائي: «قَوْلُ الْحَقِّ» (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 149؛ سالم مكرم، مجمع القرائات القرآنية، 1408: 4/45).

الإعراب الغالب في القراءة المشهورة «قولَ الحقِّ» هو مصدر مؤكد لمضمون الجملة (الزمخشري، الكشاف، 1407: 314؛ العكبري، إعراب القرائات الشاذ، 1424: 11/2؛ أبو حيان، البحر المحيط في التفسير، 1420: 7/260؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير، بي تا: 3/ 16؛ الخطيب، معجم القرائات، بي تا: 5/ 365). وهناك إعرابات أخرى أشير إليها، كأن يكون حالًا أو صفة لعيسى (ع) (ابن عاشور، التحرير والتنوير، بي تا: 3/ 16) أو مفعولًا به لفعل واجب الحذف (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/ 14؛ العكبري، إعراب القرائات الشاذ، 1424: 11/2).

الإعراب الغالب في القراءة غير المشهورة «قولُ الحقِّ» هو خبر لمبتدأ محذوف (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/ 14؛ العكبري، إعراب القرائات الشاذ، 1424: 11/2؛ أبو حيان، البحر المحيط في التفسير، 1420: 7/260؛ الخطيب، معجم القرائات، بي تا: 5/ 365). وهناك إعرابات أخرى، كأن يكون خبرًا ثانيًا، أو بدلًا، أو صفة لعيسى (ع) (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/ 14، ابن عاشور، التحرير والتنوير، بي تا: 3/ 16).

معنى الكلمة في الإعراب الغالب بالنصب هو أن هذا الخبر عن عيسى (ع) ثابت وصادق قطعًا ولا ينسب إلى غيره؛ أي أنه ولد من غير مس بشر (أبو حيان، البحر المحيط والتنوير، 1420: 7/260؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير، بي تا: 16/3)، أو بمعنى أن عيسى (ع) هو نفسه قول الحق (ابن عاشور، التحرير والتنوير، بي تا: 3/ 16).

معنى الكلمة في الإعراب الغالب بالرفع هو أن نسبته إلى أمه كلام حق (أبو حيان، البحر المحيط والتنوير، 1420ق، 7/260). أبو حيان الأندلسي، الذي اعتبر إعراب النصب مصدرًا مؤكدًا فقط لمضمون الجملة، يقول بعد بيان هذا المعنى: «في هذه الحالة، سيكون معنى حالتي النصب والرفع متساويًا» (نفس المصدر). المعنى الآخر في هذا الإعراب هو أن الصفة التي وصفنا بها عيسى (ع) هي كلام حق (الخطيب، معجم القرائات، بي تا: 5/ 365).

يبدو أن القراءة المشهورة بإعراب المصدر المؤكد، بالنظر إلى مقام الجملة السابقة التي تبين قول الله تعالى في شأن عيسى (ع)، هي الأكثر انسجامًا وتؤكد الكلام السابق.

8. ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (مريم/35).

القراءة: عاصم، نافع، ابن كثير، أبو عمرو، حمزة والكسائي: «فَيَكُونُ» بالرفع؛ ابن عامر: «فَيَكُونَ» بالنصب (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 149؛ سالم مكرم، معجم القرائات القرآنية، 1408: 4/46).

أورد غالب المفسرين اختلاف القراءة في هذه الكلمة في سياق الآية 117 من سورة البقرة. إعراب «يكونُ» بالرفع هو عطف على «يقول» أو خبر لمبتدأ محذوف، ويكون مستأنفًا، وعلى كلا التقديرين هو مقول القول. أما إعراب النصب على قراءة ابن عامر فهو جواب للأمر (الطوسي، بي تا: 1/ 433؛ الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، 1415: 1/ 367).

رفض الفراء قراءة النصب (الفراء، معاني القرآن، 1980: 1/ 74)، واعتبرها ابن مجاهد خطأ في اللغة العربية (الخطيب، معجم القرائات، بي تا: 5/ 367).

ذُكر دليلان على عدم قبول وضعف القراءة غير المشهورة: الأول أن فعل (كن) هو أمر في اللفظ، ولكن المراد منه الخبر، لأنه لا يمكن أمر شيء غير موجود، ولا يمكن مخاطبته. فتقدير الآية هو (تكونُ فيكونُ). والدليل الآخر على امتناع النصب هو أن جواب الأمر يجب أن يخالف الأمر في الفعل أو الفاعل أو كليهما، لأن الشيء لا يمكن أن يكون شرطًا لنفسه، وفي حال عدم وجود هذا الاختلاف، لا تترتب عليه فائدة، مثل «قم فأُعطيك» التي معناها: «إن تقم فأُعطيك» (الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، 1372: 1/ 316؛ العكبري، إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب، 1423: 60). وفي قراءة الرفع، لا يوجد أي من هذه الإشكالات.

9. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ (مريم/36).

القراءة: عاصم، ابن عامر، حمزة والكسائي: «إِنَّ»؛ نافع، ابن كثير وأبو عمرو: «أَنَّ» (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 19؛ سالم مكرم، معجم القرائات القرآنية، 1407: 4/ 36؛ لساني فشاركي، قراء السبعة وقرائات، 1391: 354).

القراءة بكسر الهمزة على الاستئناف، كما أن ما قبلها (فيكون) جملة استئنافية (الطبرسي، مجمع البيان، 1372: 6/749؛ أبو حيان، البحر المحيط، 1420: 7/261).

القراءة بفتح الهمزة تكون على تقدير حرف الجر (اللام)، وهو لبيان علة ما بعده؛ أي: لأن الله ربي وربكم فاعبدوه (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/ 17؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير، بي تا: 38/16).

بعد أن ذكر السمين خمسة إعرابات لفتح الهمزة، ضعف معظمها وأيد فقط إعراب حذف حرف الجر للتعليل (السمين، الدرر المصون في علوم الكتاب المكنون، 1414: 4/ 507).

تتوافق القراءة المشهورة مع سياق الكلام واستئناف الجملة السابقة، ولا تحتاج إلى تقدير حرف جر.

10. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ (مريم/51).

القراءة: عاصم، حمزة والكسائي: «مُخْلِصًا»؛ نافع، ابن كثير، أبو عمرو وابن عامر: «مُخْلَصًا» (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 149؛ سالم مكرم، معجم القرائات القرآنية، 1408: 4/ 49؛ لساني فشاركي، قراء السبعة، 1391: 354).

«مُخْلَصًا» (اسم مفعول) في القراءة المشهورة تعني أن الله أخلصه للعبادة والنبوة، و«مُخْلِصًا» (اسم فاعل) تعني أن موسى (ع) أخلص عبادته من الشرك والرياء، وأسلم نفسه لربه (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/ 22؛ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، 1372: 6/799؛ أبو حيان، البحر المحيط في التفسير، 1420: 7/274؛ الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، 1415: 6/ 799). يقول فخر الرازي بعد تبيين معنى القراءتين: «كلتا القراءتين ثابتة وقطعية لموسى (ع)، وقد جعل الله له كلتا الصفتين» (فخر الرازي، 1420: 21/547).

من الجدير بالذكر أن القراءة المشهورة هي نتيجة وصف، والقراءة الثانية هي سببها، وهي تشمل معناها ومفهومها أيضًا.

11. ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (مريم/60).

القراءة: عاصم، ابن عامر، حمزة والكسائي: «يَدْخُلُونَ»؛ ابن كثير وأبو عمرو: «يُدْخَلُونَ» (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 149؛ سالم مكرم، معجم القرائات القرآنية، 1407: 4/ 50).

في القراءة المشهورة، الفعل مبني للمعلوم، وفي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، الفعل مبني للمجهول (أبو حيان، البحر المحيط في التفسير، 1420: 7/280؛ الآلوسي، روح المعاني، 1415: 8/ 437؛ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1418: 4/ 14). يقول الطوسي: «معنى الآية في القراءة المشهورة أن الذين يتوبون ويعملون صالحًا يدخلون الجنة بأمر الله، وفي قراءة الضم، القصد أن الله يدخلهم الجنة، أي يأمرهم بدخولها» (الطوسي، التبيان، بي تا: 7/137).

يقول ابن عاشور عن القراءة المشهورة: «إن مجيء فعل (يدخلون) مع اسم الإشارة هو تنبيه على أنهم في توبتهم من الكفر يُرغَّبون ويُحفَّزون، وجاء الفعل مضارعًا ومعلومًا، بمعنى أنهم لا يُعطَّلون في نيل جزائهم» (ابن عاشور، التحرير والتنوير، بي تا: 16/ 60). بالإضافة إلى أن استعمال الفعل المعلوم في الكلام أكثر شيوعًا وتداولًا.

12. ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ (مريم/67).

القراءة: عاصم، نافع وابن عامر: «يَذْكُرُ»؛ ابن كثير، أبو عمرو، حمزة والكسائي: «يَذَّكَّرُ» (سالم مكرم، معجم القراءات القرآنية، 1408: 4/ 53).

«يَذْكُرُ» فعل ثلاثي مجرد، و«يَذَّكَّرُ» من باب «تفعّل» حيث جرت عليه قاعدة الإبدال وأُدغمت التاء في الذال (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/ 33؛ الآلوسي، روح المعاني في التفسير القرآن العظيم، 1415: 8/ 434؛ السيوطي، البهجة المرضية، 1416: 2/311).

«يَذْكُرُ» بالتخفيف تعني: ألا يعلم الإنسان حاله؟ فكل إنسان يعلم أنه بعد أن لم يكن حيًا في الدنيا، أصبح حيًا. و«يَذَّكَّرُ» بالتشديد تعني: ألا يتفكر الإنسان أن خلقه كان من عدم، فالله الذي خلقه قادر على خلقه مرة أخرى (الطوسي، بي تا: 7/140؛ الطبرسي، 1372: 6/ 806). يرى فخر الرازي بعد تبيين معنى القراءتين أن المعنى المستفاد من القراءة المشهورة أقرب إلى مراد الآية (فخر الرازي، مفاتيح الغيب، 1420: 21/ 556).

13. ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (مريم/77).

القراءة: عاصم، نافع، ابن كثير، أبو عمرو وابن عامر: «وَلَدًا»؛ حمزة والكسائي: «وُلْدًا» (الداني، التيسير القرائات السبع، 1362: 149؛ سالم مكرم، معجم القرائات القرآنية، 1408: 4/ 58).

«وَلَد» في القراءة المشهورة مفرد، وفي القراءة غير المشهورة، اعتبر بعض المفسرين «وُلْد» جمع تكسير لـ«وَلَد» مثل «أُسْد» و«أَسَد»، أو لغة في «وَلَد» مثل «عُرْب» و«عَرَب» (فخر الرازي، مفاتيح الغيب، 1420: 21/ 562؛ الزمخشري، 1407: 3/ 39؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير، بي تا: 16/ 177). ويذكر الطبرسي بالإضافة إلى المعنيين السابقين أن هذه الكلمة قد تكون مثل «فُلْك» التي تستخدم للمفرد والجمع.

يقول الآلوسي بعد عرض الحالات المختلفة لهذه الكلمة: «والحق أنها استعملت في كلام العرب مفردة وجمعًا، وكلاهما صحيح هنا» (الآلوسي، روح المعاني، 1415: 8/ 446).

يبدو أنه بالنظر إلى سياق الكلام، فإن تنوين الكلمتين «ولد» و«مال» في الآية يدل على الكثرة، والتفاوت المعنوي للكلمة في القراءتين يؤدي في النهاية إلى مفهوم واحد، وبالنظر إلى كون كلمة «مال» مفردة، يتحقق تناسب لفظي ومعنوي في القراءة المشهورة.

14. ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ (مريم/90).

القراءة: عاصم، نافع، ابن كثير والكسائي: «يَتَفَطَّرْنَ»؛ أبو عمرو، ابن عامر وحمزة: «يَنفَطِرْنَ» (الداني، التيسير في القرائات، 1362: 90؛ سالم مكرم، معجم القرائات القرآنية، 1407: 4/61).

«يَتَفَطَّرْنَ» مضارع «تَفَطَّرَ» من باب «تَفَعَّلَ»، و«يَنْفَطِرْنَ» مضارع «انْفَطَرَ» من باب «انْفِعَال» (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/ 44؛ السمين، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، 1414: 4/528). «تَفَطُّر» و«انْفِطَار» كلاهما بمعنى التشقق الطولي (ابن منظور، لسان العرب، 1414: 4/ 55؛ قرشي، قاموس قرآن، 1361: 5/ 192).

أورد الطبرسي والبيضاوي في بيان معنى القراءتين: «الانفطار مطاوعة الفطر، والتفطر مطاوعة التفطير. في هذه الآية، التفطر أنسب لما فيه من المبالغة في المعنى» (الطبرسي، مجمع البيان، 1372: 6/818؛ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1418: 4/20).

ب) القراءات التي لا تؤثر في معنى آيات سورة مريم

1. في الحروف المقطعة في أول آية من سورة مريم، وردت أقوال مختلفة في كتب التفسير والقراءة، مما يدل على وجود اختلاف تجويدي في قراءة هذه الآية الشريفة (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/3؛ الطبرسي، مجمع البيان، 1372: 6/773؛ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1418: 4/5).

يشير العكبري إلى أحد هذه الاختلافات وسببه قائلاً: «(عص) قُرئت بإخفاء النون لقرب مخرجها من مخرج الصاد. وقُرئت هذه الكلمة بالإظهار أيضًا، وسبب الإظهار هو تبيين أن هذه الحروف مقطعة. ولهذا السبب، يتم الوقف القصير على كل حرف منها، وإظهار النون يعلن هذا الموضع» (العكبري، إعراب القرائات الشاذ، 1424: 359).

2. كلمة «زكريا» (الآيتان 2 و 7) قُرئت بدون همزة في قراءة عاصم، حمزة والكسائي، وبهمزة في قراءة نافع، ابن كثير، أبو عمرو وابن عامر (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 19؛ سالم مكرم، معجم القرائات القرآنية، 1408: 4/ 28 و 32).

3. عاصم، حمزة والكسائي قرأوا الحرف الأول من الكلمات الثلاث «عِتِيًّا» (آية 8)، «جِثِيًّا» (آية 68)، و«صِلِيًّا» (آية 70) بالكسرة، وبقية القراء قرأوها بالضمة (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 19؛ سالم مكرم، معجم القرائات القرآنية، 1498: 33، 50 و 54). حمزة والكسائي قرأوا الحرف الأول من «بُكِيًّا» (آية 58) بالضمة، وعاصم وبقية القراء قرأوه بالكسرة (الداني، 1362، التيسير في القرائات السبع، 1362: 19؛ سالم مكرم، معجم القرائات القرآنية، 1408: 4/ 54).

«عِتِيًّا» و«صِلِيًّا» مصدران ثلاثيان مجردان على وزن «فُعُول»، و«جِثِيًّا» و«بُكِيًّا» جمعا تكسير لـ«جاثٍ» و«باكٍ» على وزن «فُعُول»، وقد طرأت عليها تغييرات ظاهرية بناءً على قواعد الإعلال (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/25). يقول ابن عاشور في تبيين اختلاف القراءات في هذه الكلمات: «علة كسر فاء الفعل في وزن فُعُول هي تبعية لحركة الكسرة في لام الفعل في هذه الكلمات بعد التغييرات الإعلالية» (ابن عاشور، التحرير والتنوير، بي تا: 16/ 15). يبدو أن سبب حركة الضمة في فاء الفعل في القراءة المشهورة في كلمة «بُكِيًّا» هو التناسق مع ما قبلها «سُجَّدًا»، وتغيير الحركة في هذه الكلمات لا يحدث فرقًا في المعنى.

4. في آيات سورة مريم، توجد ست ياءات متكلم، قُرئت في قراءة غالب القراء بالسكون، وفي قراءة البعض الآخر بالفتحة. ابن كثير قرأ كلمة «وَرَائِيَ» (آية 5)، ونافع وأبو عمرو قرأا كلمة «رَبِّيَ» (آية 47) بالفتحة (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 150؛ لساني فشاركي، قراء سبعة وقرائات سبع، 1391ش، 4/350 و 354). الاختلاف المذكور في كلمة «وَرَائِيَ» يعود إلى أنواع الحركات التي تظهر عند إضافة اسم إلى ياء المتكلم في الأسماء، ولا يؤثر في معناها (السيوطي، البهجة المرضية، 1416: 281). ابن كثير قرأ الياء في «لِيَ» (آية 10) بالفتحة، وابن كثير ونافع في «إِنِّيَ أَعُوذُ» (آية 18) و«إِنِّيَ أَخَافُ» (آية 45) بالفتحة، وحمزة في «آتَانِيَ الْكِتَابَ» (آية 30) بالسكون (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 150؛ لساني فشاركي، قراء سبعة وقرائات سبع، 1391: 351 و 353).

5. عاصم، نافع، حمزة والكسائي قرأوا كلمة «مِتُّ» (آية 23) بالكسرة، وابن كثير، أبو عمرو وابن عامر قرأوها بالضمة. في نفس الآية، قرأ عاصم، حمزة والكسائي الحرف الأول من كلمة «نَسْيًا» بالفتحة، ونافع، ابن كثير، أبو عمرو وابن عامر قرأوه بالكسرة (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 148؛ لساني فشاركي، قراء سبعة وقرائات سبع، 1391: 352). هذا التغيير الإعرابي الذي لا يحدث فرقًا في المعنى، يُحلل كالتالي: «مِتُّ» من «ماتَ يَماتُ» و«مُتُّ» من «ماتَ يَموتُ». و«نَسْيًا» و«نِسْيًا» هما لغتان في هذه الكلمة، مثل «وَتْر» و«وِتْر»، و«جَسْر» و«جِسْر» (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/11-12؛ ابن منظور، لسان العرب، 1414: 2/91 و 15/322).

6. عاصم، نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر وحمزة قرأوا: «نُنَجِّي» (آية 7)، والكسائي قرأ: «نُنْجِي» (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 149؛ سالم مكرم، معجم القرائات القرآنية، 1408: 4/ 55). القراءة المشهورة من باب «تفعيل»، والقراءة غير المشهورة من باب «إفعال». الكلمتان متساويتان في المعنى، والاختلاف في الباب لم يحدث تغييرًا في المعنى (ابن منظور، لسان العرب، 1414: 15/308-309).

7. عاصم وابن عامر قرأا «رِئْيًا» (آية 74)، ونافع، ابن كثير، أبو عمرو، حمزة والكسائي قرأوا «رِيًّا» (الداني، التيسير في القرائات السبع، 1362: 149؛ سالم مكرم، معجم القرائات القرآنية، 1407: 4/ 56). «رِئْيًا» بالهمزة في القراءة المشهورة من فعل «رؤية»، و«رِيًّا» بالتشديد في القراءة غير المشهورة من «رِيّ» بمعنى المنظر الجميل والوجه المشرق (الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، 1414: 19/484).

ذكرت معظم كتب التفسير جذرين للقراءة غير المشهورة: «رأي» و«ري»، حيث قُلبت الهمزة في «رأي» ياءً وأُدغمت. وفي معنى الجذر الآخر، هناك اختلاف بين المفسرين؛ بعضهم اعتبره ضد العطش وذكر أن النضارة والحسن والجمال في الشخص المرتوي تنبع من الماء (العكبري، إعراب القرائات الشاذ، 1423: 364؛ أبو حيان، البحر المحيط في التفسير، 1420: 7/291؛ السمين، الدرر المصون في علوم الكتاب المكنون، 1414: 4/ 520). ويعتقد بعض المفسرين أيضًا أن «رِيّ» بمعنى النعمة (البيضاوي، 1418: 4/17؛ فخر الرازي، 1420: 21/567). يقول الطبرسي بعد أن ذكر وجهي «رِيًّا» ومعناها من جذر «ري» بمعنى ضد العطش والمنظر الجميل: «المعنى في كلا الجذرين واحد، ولم يحدث تغيير معنوي» (الطبرسي، مجمع البيان، 1372: 6/ 810).

8. عاصم، نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر وحمزة قرأوا كلمة «تَكَادُ» (آية 90) بالتاء، والكسائي قرأها «يَكَادُ» (الداني، التيسير في القراءات السبع، 1362: 150؛ سالم مكرم، معجم القرائات القرآنية، 1407: 4/61). في القواعد النحوية، إذا كان الفاعل اسمًا ظاهرًا ومؤنثًا مجازيًا، يجوز تذكير وتأنيث الفعل. وبالتالي، هذا الاختلاف لا يسبب تغييرًا في المعنى (السمين، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، 1414: 4/90؛ السيوطي، 1416: 1/ 155؛ الخطيب، معجم القرائات، بي تا: 5/19).

الخاتمة

1. علم القراءة هو أحد علوم القرآن وله تأثير مباشر في فهم كلام الله وترجمته وتفسيره.

2. من مجموع 36 موضعًا لاختلاف القراءات السبع في سورة مريم، كان 19 موضعًا بدون تغيير في المعنى، و15 موضعًا مصحوبًا بتغيير معنوي.

3. التفاوت المعنوي الحاصل بسبب اختلاف القراءات في الكلمات غالبًا ما يؤدي في النهاية إلى مفهوم واحد للآية، وأحيانًا يقتصر على تغييرات طفيفة جدًا مثل: المبالغة، التأكيد، الكثرة، وما إلى ذلك، والتي لا تحدث تغييرًا في المعنى الأصلي للآية.

4. دراسة سياق الآيات، والقواعد الصرفية والنحوية، والاتساق مع معنى الآيات، والانسجام في ألفاظ الآيات وموسيقاها، يمكن أن ترشد الباحث إلى القراءة الصحيحة التي هي القراءة المشهورة.

5. كان اختلاف قراء سورة مريم عن القراءة المشهورة بالترتيب التالي: أبو عمرو بـ 19 موضعًا هو الأكثر اختلافًا، والكسائي بـ 11 موضعًا هو الأقل اختلافًا.

الهوامش

1. تاريخ الاستلام: 15/07/1397، وتاريخ القبول: 13/09/1397.

2. عضو الهيئة العلمية في مؤسسة كوثر للتعليم العالي (الباحثة المسؤولة). Fa-arfa@yahoo.com

3. أستاذ مشارك في جامعة الإمام الخميني الدولية بقزوين. mirhosseini.mh@gmail.com

Scroll to Top