الملخص
إن الهدف الأسمى من التلاوة المتقنة والدقيقة للقرآن الكريم هو عرض معاني كلام الله ومفاهيمه. ويمكن بلوغ هذا الهدف من خلال امتلاك العلم اللازم بمعرفة الوقف والابتداء وتطبيقه في التلاوة. ويعتمد هذا العلم على الإحاطة بمختلف الوجوه التفسيرية، كما أن لعلوم أخرى كعلم القراءات القرآنية وعلم فواصل الآي تأثيراً في هذا المجال. ونظراً لعدم تقديم دراسة مقارنة مستقلة ومفصلة في هذا الشأن، لا سيما بالنظر إلى الرأي التفسيري عند الشيعة، فإن هذا البحث يتناول الدراسة المقارنة لاختلاف آراء المفسرين مع رأي عالمي الوقف والابتداء، أبي عمرو الداني ومحمد علي خلف الحسيني، في سورة الشورى. ويأتي سبب اختيار الداني لكونه يُعد المؤسس المعروف والمقدم لأشهر التعاريف والتقسيمات الشائعة في الوقف والابتداء. أما محمد علي خلف الحسيني، فإن علامات الوقف والابتداء الشائعة في كثير من المصاحف المتداولة في العالم الإسلامي إما أنها تستند بالكامل إلى آرائه أو أنها تحمل شبهاً كبيراً بها. وقد خلص هذا البحث إلى أنه من بين 101 موضع للوقف وردت في سورة الشورى وفقاً لرأي الداني أو العلامات التي وضعها الحسيني، وبمقارنتها مع آراء المفسرين المختارين من الشيعة وأهل السنة، وُجد أن رأي الداني والحسيني لا يتطابق مع الرأي التفسيري المشهور في ستة مواضع، ويعود السبب في ذلك إلى خفاء بعض الروابط أو الدقائق التفسيرية عن علماء الوقف والابتداء.
المقدمة
يحتوي القرآن الكريم على أسمى المعارف لهداية البشر، ومن الضروري الالتفات إلى معانيه العميقة. كما أن تلاوته تعد من خصائصه الفريدة التي ينبغي أن تكون في صدارة اهتمامات كل مسلم. ومن أهم أهداف قراءة كلام الله وأبرزها، إلقاء معانيه على نفس القارئ ومخاطبيه. لذا، يجب على قارئ القرآن أن يكون على دراية كافية بالأقوال المختلفة في ارتباط الجمل ببعضها، وخاصةً بأصح طرق وصل العبارات والجمل أو فصلها، ليتمكن أثناء قراءته من فهم المعاني الدقيقة والصحيحة وتقديمها. وفي كلام المفسرين، ولا سيما المتقدمين ومتوسطيهم، إشارات متكررة، صريحة أو ضمنية، إلى علم الوقف والابتداء وأمثلته. من جانب آخر، يحتل علم الوقف والابتداء مكانة مرموقة في مجال تلاوة القرآن، فإذا ما استُخدم هذا العلم بشكل صحيح في التلاوة، فإنه يكون دليلاً واضحاً لإلقاء المعنى وتقديمه؛ كما أن مخالفته تؤدي إلى نتائج غير صحيحة. يسعى هذا البحث، بعد بيان العلاقة بين تفسير القرآن الكريم وعلم الوقف والابتداء وأنواعه من وجهة نظر الداني والحسيني، إلى دراسة تطبيقية لاختلاف آراء عموم المفسرين من الفريقين مع رأي هذين العالمين في الوقف والابتداء. وقد تم اختيار العالمين المذكورين من حقبتين زمنيتين متقاربتين يفصل بينهما قرابة عشرة قرون. فأبو عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت 444 هـ) شخصية تركت تعريفاته وتقسيماته لأنواع الوقف أثراً عميقاً على من جاء بعده، ولا تزال أشهر التقسيمات منسوبة إليه؛ والآخر هو محمد علي خلف الحسيني(1) (ت 1357 هـ)، وهو الشخصية التي قامت بوضع علامات الوقف والابتداء في المصحف، والتي أصبحت اليوم من أشهر العلامات المعروفة في مصاحف العالم الإسلامي.
1. علم الوقف والابتداء
ذُكرت لمعنى “الوقف” معانٍ مختلفة منها الحبس، والإمساك، والفصل، والسكوت (ابن منظور، لسان العرب، 1408: 15/ 374). أما “الابتداء” فقد قيل إنه بمعنى البدء والشروع (المصدر نفسه، 1/ 333-334). في اصطلاح المتقدمين وعلماء القرون الأولى، كان يُستخدم مصطلحا القطع والسكت إلى جانب الوقف بالمعنى نفسه. وتدريجياً، مع تدوين هذا العلم وتأليف كتب مستقلة فيه، أصبح لكل من هذه المصطلحات معنى خاص به.
1-1. علاقة الوقف والابتداء بالتفسير
إن الإلمام بتفسير القرآن واختلاف الآراء التفسيرية له أهمية بالغة في معرفة مواضع الوقف في القرآن، ومن هنا تتضح العلاقة بين التفسير وعلم الوقف والابتداء؛ والأمثلة التالية توضح هذه العلاقة. ففي آية ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران/ 7)، من يعتقد أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل الآيات المتشابهة، يكون الوقف على لفظ الجلالة “الله” وقفاً تاماً أو على الأقل كافياً، بل يمكن اعتباره لازماً لدفع شبهة علم غير الله بتأويل الآيات. أما من يعتقد أن الراسخين في العلم يعلمون التأويل، فلا يمكن اعتبار الوقف على لفظ الجلالة “الله” تاماً ولا حتى كافياً، فضلاً عن أن يكون لازماً. وفي آية ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (المائدة/ 26)، يعتمد الوقف على فهم الآية. فإذا وقف القارئ على “أربعين سنة”، يصبح معنى الآية: “قال الله لموسى: إن هذه الأرض المقدسة ممنوعة ومحرمة عليهم لمدة أربعين سنة”، ولكن إذا وقف على “عليهم”، يصبح معنى الآية: “إن هذه الأرض المقدسة ممنوعة ومحرمة عليهم إلى الأبد، ولكن تيههم سيستمر أربعين سنة”.
2-1. أبو عمرو الداني وأنواع الوقف والابتداء
تختلف علامات الوقف وفقاً لما ذكره الداني باختلاف العلماء والباحثين. فقد قسم الوقف، حسب قول البعض، إلى أربعة أقسام: تام مختار، كافٍ جائز، حسن مفهوم، وقبيح متروك؛ وحسب قول فريق آخر، قسمه إلى ثلاثة أقسام: تام، كافٍ، وقبيح. وبناءً على قول فئة ثالثة، فإن الوقف عنده نوعان فقط: تام وقبيح، ولا يوجد نوع آخر. يقول الداني عن أنواع الوقف: القول الأول هو الأصح عندي وأنا أعتقده؛ لأنه أحياناً ينقطع نفس القارئ في آيات ذات موضوع أو قصة طويلة والعبارات فيها مترابطة، في موضع ليس بتام ولا كافٍ. في هذه الحالة، يقف على عبارة يكون معناها مناسباً ومفهوماً. ثم يشرع في شرح الأقسام الأربعة المقبولة لديه. ويعرّف الداني الوقف التام بأنه الوقف الذي يحسن القطع عليه والابتداء بما بعده؛ لأن موضوع الآيات التالية لا يتعلق بموضوع الآيات السابقة. ويحدث هذا غالباً في نهايات الآيات أو فواصلها؛ مثل الوقف على ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة/ 5) والبدء بالآية التي تليها. وكذلك الوقف على ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة/ 29) والبدء بالآية التي تليها. وأحياناً يكون الوقف التام على كلمة بعد نهاية الآية؛ أي في بداية الآية التالية؛ مثل: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ﴾ (الصافات/ 137 و 138). فكلمة “مُصْبِحِينَ” هي نهاية الآية، ولكن الوقف التام يكون على كلمة “وَبِاللَّيْلِ”؛ لأن معناها يتعلق بما قبلها في الآية؛ أي في الصباح والمساء. ويذكر الداني بعد ذلك الوقف الكافي، فيقول: الكافي هو ما يكون الوقف عليه صحيحاً والابتداء بما بعده حسناً، مع فارق أن العبارة الثانية تكون مرتبطة بالعبارة الأولى من حيث المعنى فقط، لا من حيث اللفظ؛ مثل الوقف على ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (النساء/ 23) والابتداء بما بعدها، وموارد مشابهة في نفس الآية. وكذلك الوقف على ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (المائدة/ 5) والابتداء بما بعدها. ومثله الموارد المشابهة؛ لأن العبارة التالية معطوفة على ما قبلها ومتعلقة بها، وكل جزء من الكلام مستقل من حيث العوامل اللفظية وله معنى كافٍ؛ لذا فالوقف عليه كافٍ أيضاً. ويُسمى هذا النوع “مفهوم” أيضاً.
المرتبة الثالثة عند الداني هي الوقف الحسن. الوقف على هذا النوع حسن، ولكن الابتداء بما بعده غير صحيح بسبب تعلقه بما قبله لفظاً ومعنى؛ مثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ و ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (الحمد/ 2 و 3)، فالوقف عليهما وما شابههما حسن؛ لأن معنى العبارة يُفهم عند الوقف، ولكن البدء بـ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ و ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ليس بحسن؛ لأن هذه الكلمات مجرورة، والابتداء بالمجرور قبيح. وقبح هذا الأمر سببه أن المجرور تابع لما قبله؛ ولأن القارئ لا يمكنه دائماً بسبب انقطاع النفس الوقف على التام أو الكافي، فقد سُمي هذا القسم “صالحاً” أيضاً. ثم يضيف أن الوقف على نهايات الآي مستحب؛ لأنه يُعد مقطعاً، ولأن كثيراً من الوقوف التامة تقع هناك. وفي نهايات الآي عادة ما تنتهي الجمل وينتهي الموضوع. حتى إن جماعة من الأئمة والقراء المتقدمين كانوا يستحسنون الوقف على رؤوس الآي؛ وإن كان بعض الكلام متعلقاً ببعض، لكون رأس الآية مقطع الكلام ولا يشتبه؛ وإن لم يكن رأس الآية وقفاً تاماً. ففواصل الآيات التي تكون تامة أو كافية أو حسنة، هي أتم أو أكفى أو أحسن من الوقف التام أو الكافي أو الحسن في وسط الآيات (الداني، المكتفى في الوقف والابتداء في كتاب الله عزوجل، د.ت، 145). وفي تأييد كلامه حول هذا النوع من الوقف، يذكر الداني أن أبا عمرو البصري (ت 154 هـ)، وهو من علماء القراءة وعلوم القرآن، يقول في هذا الشأن: “أنا أحب أن أسكت (أقف) عند نهاية كل آية” (نفسه، 146). وفي سنة رسول الله الأعظم ﷺ، نُقل عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان يقطّع قراءته، فيقف عند آخر كل آية، فيقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم يقف، ثم يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم يقف، ثم يقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. ورُوي عنها بسند آخر: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ قطّع قراءته آية آية، يقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم يقف، ثم يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم يقف، ثم يقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (أبو داود، السنن، 1430: 4/ 294، ح 4001).
النوع الرابع، الذي له درجات مختلفة، هو الوقف القبيح. وهو الوقف الذي لا يُفهم منه المعنى المراد؛ مثل الوقف على “بسم”، “مالك”، “رب”، “رسل” ونظائرها، والابتداء بـ “الله”، “يوم الدين”، “العالمين”، “السموات”، و “الله” في آيات ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (الحمد/ 1)، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الحمد/ 4)، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الحمد/ 2)، ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ﴾ (الرعد/ 16) و ﴿رُسُلُ اللَّهِ﴾ (الأنعام/ 128)؛ لأنه عند الوقف على هذه الكلمات، لا يتضح إلى أي شيء أضيفت. ويسمى هذا الموضع “وقف الضرورة” لإمكانية انقطاع النفس عليه. وقد نهى جميع القراء وأهل الفن عن هذا النوع من الوقف واعتبروه مردوداً، ورأوا من المناسب أن من ينقطع نفسه في مثل هذه المواضع أن يرجع إلى ما قبل ليبدأ ويوصل ما قبل بما بعد. وبالطبع، إذا لم يفعل ذلك عن عجز، فلا إشكال فيه. وأقبح من الوقف على المضاف، الوقف في مواضع مثل ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ (آل عمران/ 181)، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ (المائدة/ 17) و ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ (التوبة/ 30)؛ لأن هذا الفصل يضيع المعنى، وبالطبع يكون الابتداء بما بعد في مثل هذه المواضع أقبح. ومن أمثلة الوقف القبيح الأخرى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ﴾ (البقرة/ 258)، ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ﴾ (النحل/ 60) و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾ (البقرة/ 26). من ينقطع نفسه عند هذه المواضع، يجب عليه أن يرجع إلى ما قبل ويوصل جزءاً من الكلام بالجزء الآخر، وإن لم يفعل ذلك فقد ارتكب إثماً في القراءة. والوقف على كلام منفصل خارج عن حكم ما قبله ولكنه موصول به لفظاً هو من هذا القسم أيضاً؛ مثل الوقف على ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ﴾ (النساء/ 11) لأن النصف هنا يعود للبنت لا للأبوين، وعبارة “وَلِأَبَوَيْهِ” مستأنفة، أي خبرها “لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ” الذي يأتي لاحقاً. ومن هذه الوقوف القبيحة، الوقف على أسماء يحدد وصفها اللاحق حقيقتها ونوعها؛ مثل ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (الماعون/ 4)؛ لأن المصلين قوم محمودون ممدوحون لا يليق بهم “الويل”، وإنما المعاتبون من الله في الآية هم الموصوفون بالعبارة التالية، أي ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. وأقبح من هذا، الوقف على حرف نفي يأتي بعده حرف إيجاب؛ مثل ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد/ 19)، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران/ 62؛ الصافات/ 35)، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ (طه/ 14) وأشباهها، فإذا وقف أحد دون عذر أو اضطرار قبل حرف الإيجاب والإثبات، كان ذلك إثماً عظيماً؛ لأن العبارة في هذه الحالة ستعني عبادة كل ما سوى الله. ومن مواضع الوقف القبيح التي ورد النهي عنها الوقف على آيات شبيهة بهذه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ (المائدة/ 9 و 10)، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (محمد/ 1 و 2). في هذه المواضع، يكون حكم الجزء الثاني خارجاً عن حكم الأول، وعندما يُحكم عليه دون توضيح حقيقة المراد الإلهي وإظهاره، فلا يوجد شيء أقبح من ذلك؛ لأن حال المؤمن والكافر والمهتدي والضال يصبح واحداً، وهو ما يتعارض مع آيات أخرى. يجب على من انقطع نفسه اضطراراً في هذه المواضع أن يرجع ويوصل جزءاً من الكلام بالجزء الآخر أو يقف عند نهاية كل جزء أو في آخر الجزء الثاني. فمن لم يفعل ذلك فقد أثم وتعدى وافترى بجهل. وقد نُقل أن حمزة وغيره كانوا يعدون الوقف على هذه المواضع قبيحاً؛ لأن القارئ يمكنه تجنبها (راجع: الداني، المكتفى في الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل، د.ت: 6 – 18).
3-1. محمد علي خلف الحسيني وأنواع الوقف والابتداء
أجرى محمد بن علي بن خلف الحسيني المصري، المشهور بالحداد (ت 1357 هـ)، تحقيقات ودراسات واسعة في مجال أقسام الوقف في القرآن. وقد استند عمله في هذا البحث إلى عدة أسس، منها: 1. اتخاذ معنى الآيات ومفهومها أساساً في تقسيم الوقوف؛ 2. الدراسة الدقيقة لآراء الباحثين في القراءة السابقين في مجال أقسام الوقف؛ 3. الاستعانة بنظريات كبار مفسري القرآن في استنباط معنى الآيات ومفهومها؛ 4. تقديم أقسام جديدة لمواضع الوقف في القرآن. وقد أُنجز عمله في العاشر من ربيع الثاني 1337 هـ، حيث عرض أقساماً جديدة للوقف، ثم وضع لها علامات تُعتبر نقطة تحول في علم الوقف والابتداء في العصر الحاضر. وقد لقي عمله ترحيباً من علماء القراءة الآخرين في مصر ومعظم بلاد الإسلام، ووُضعت علامات الوقف التي ابتدعها في المصاحف؛ حتى إن معظم المصاحف التي تُطبع اليوم في الدول الإسلامية تستخدم هذه العلامات.
أقسام الوقف الخمسة من وجهة نظره هي كالتالي:
- الوقف اللازم بعلامة “م”؛
- الوقف الجائز مع أولوية الوقف بعلامة “قلي”؛
- الوقف الجائز مع استواء الوصل والوقف بعلامة “ج”؛
- الوقف الجائز مع أولوية الوصل بعلامة “صلي”؛
- وقف المعانقة بعلامة النقط الثلاث المتقاربة (∴ ∴)؛
- الوقف أو الابتداء الممنوع بعلامة “لا”.
بناءً على الدراسات التي أُجريت، لم يُعثر على أثر من خلف الحسيني يعرّف فيه أقسام الوقف ويوضحها. ومن ناحية أخرى، أشار معظم علماء القراءة الذين كتبوا عن الوقف والابتداء إلى أقسامه وعلاماته، ولكنهم اختلفوا في تلقي قسمين من أقسام الوقف من وجهة نظره وفي تبيينهما وتعريفهما؛ بحيث لا يمكن الجزم بأحد الآراء في تعريفهما. لهذا السبب، تم الرجوع في تعريف أقسام وقفه إلى آراء علي محمد الضبّاع، أحد تلامذته ومؤلف كتاب “الإضاءة في بيان أصول القراءة”. وسبب هذا الاختيار هو معاصرته لخلف الحسيني، وسعة اطلاعه في هذا المجال مقارنة بغيره، ومتانة الأفكار التي طرحها. يكتب الضباع في تعريف أقسام وقف أستاذه الحسيني ما يلي: “الوقف اللازم يكون في موضع إذا وُصل بما بعده، ألقى في الذهن معنىً مخالفاً للمعنى المراد. الوقف ذو الأولوية هو وقف لا يوجد ارتباط لفظي ومعنوي بما بعده. علامات هذا الوقف: بعد موضع الوقف، تظهر هذه الحالات: استفهام ملفوظ أو مقدر؛ نهاية قصة وبداية موضوع آخر؛ غالباً ياء النداء؛ فعل الأمر؛ لام القسم؛ الشرط؛ ونظائرها. الوقف الجائز، الذي يجوز فيه الوقف والوصل على حد سواء، يكون في موضع له ارتباط بما بعده، لكن هذا الارتباط لا يمنع الوقف ولا الابتداء بما بعده. بعد موضع هذا الوقف، تأتي هذه الحالات: مبتدأ؛ فعل مستأنف؛ جملة تشتمل على ضمير يعود على ما قبله؛ مفعول مطلق لفعل محذوف (مثل “وعد الله” و”سنة الله”)؛ نفي؛ إن المكسورة أو الاستفهامية؛ “بل”؛ “إلا” بمعنى “لكن”؛ “ألا” المخففة، السين وسوف؛ لأن هذين للحال. الوقف الجائز مع أولوية الوصل هو وقف في موضع له ارتباط وتعلق بما بعده. هذا الارتباط لا يمنع الوقف، ولكنه يمنع حسن الابتداء بما بعده. في هذا النوع من الوقف، بعد محل الوقف، تظهر هذه الحالات: الاستثناء؛ النعت؛ البدل؛ التأكيد؛ الحال؛ نعم؛ بئس؛ كيلا، إذا سبقها قول أو قسم. الوقف الممنوع هو وقف في موضع يكون تعلقه بما بعده شديداً لدرجة تمنع الوقف والابتداء بما بعده؛ لأنه في حال الوقف لا يُفهم المعنى المراد من الكلام أو يُتصور معنى مخالف للمعنى الحقيقي. الوقف الممنوع هو نفس المواضع التي وردت في معظم الكتب المتعلقة بالوقف والابتداء على أنها وقف قبيح” (الضباع، الإضاءة في بيان أصول القراءة، 55-57). مع ذلك، لم يأتِ الضباع على ذكر وقف المعانقة في تعريفه وتبيينه لوقوف خلف الحسيني، بينما في المصاحف التي استخدمت علاماته، ذُكر هذا الوقف ضمن أقسام وعلامات وقفه؛ على سبيل المثال، طبعت دار الكتب العلمية في لبنان مصحفاً على هامشه كتاب “نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن” لأبي بكر السجستاني. علامات الوقف في هذا المصحف هي علامات خلف الحسيني، ومنها وقف المعانقة. وفي نهاية المصحف، بعد توضيح علامات الوقف، يأتي تأييد من علي محمد الضباع. في تلقي وتعريف وتبيين قسمين من أقسام وقف الأستاذ محمد علي خلف الحسيني، يوجد خلاف بين باحثي القراءة؛ بحيث لا يمكن ترجيح أحد هذه الآراء بشكل قاطع في تعريفهما. العلامة الأولى محل الخلاف هي الوقف الجائز مع أولوية الوقف، والتي يُشار إليها بعلامة “قلي”. العلامة الثانية هي العلامة المقابلة لها، أي الوقف الجائز مع أولوية الوصل، والتي يُشار إليها بعلامة “صلي”.
4-1. مقارنة بين آراء الداني وخلف الحسيني
بناءً على التعاريف المذكورة للداني ورأي خلف الحسيني، يمكن استخلاص العلاقات التالية من حيث المعنى والمفهوم لتطبيق العلامات المذكورة بينهما. ما ذكره الداني في إطار علامتي الوقف “التام” و”الكافي”، يتطابق من حيث النطاق المعنوي مع علامات الوقف “اللازم” و”الوقف الأولى” و”الجائز” و”الوصل الأولى” عند الحسيني. كما أن النطاق المعنوي لعلامة الوقف “الحسن” عند الداني يتطابق مع علامات الوقف “اللازم” و”الجائز” و”الوصل الأولى” و”الممنوع” عند الحسيني. ويجب ملاحظة أن علامة الوقف “القبيح” قد تتقارب أحياناً مع وقف “الممنوع”. من ناحية أخرى، فإن علامات الوقف “اللازم” و”الجائز” و”الوصل الأولى” عند الحسيني تتوافق مع علامات الوقف “التام” و”الكافي” و”الحسن” لكل منها، وعلامة “الوقف الأولى” مع “التام” و”الكافي”، وعلامة “وقف المعانقة” بناءً على اختيار أحد الموضعين مع “التام” و”الكافي” و”الحسن”، وفي النهاية علامة الوقف “الممنوع” مع “الحسن” وأحياناً “القبيح” يمكن أن يكون لها نفس المعنى.
2. سورة الشورى وخصائصها
تتضمن هذه السورة، بالإضافة إلى المحتوى العام للسور المكية من بحث في المبدأ والمعاد والقرآن والنبوة، مباحث مختلفة يمكن تلخيصها كما يلي: القسم الأول – يبحث في الوحي وارتباط الله بالأنبياء عبر هذا الطريق الغامض، ويمكن القول إنه يلقي بظلاله على السورة بأكملها ويشكل أهم أجزائها، حيث تبدأ به وتنتهي به، ويُذكر أيضاً في ثنايا السورة. وتناسباً معه، طُرحت مباحث حول القرآن ونبوة النبي ﷺ وبدء الرسالة من زمن نوح عليه السلام. القسم الثاني – إشارات إلى دلائل التوحيد وآيات الله في الآفاق والأنفس، مما يكمل بحث الوحي، بالإضافة إلى مباحث في توحيد الربوبية. القسم الثالث – إشارات إلى مسألة المعاد ومصير الكفار في القيامة. وهذا القسم أقل حجماً مقارنة بالأقسام الأخرى في هذه السورة. القسم الرابع – سلسلة من المباحث الأخلاقية التي عُرضت بأسلوب بليغ خاص. أحياناً تدعو إلى ملكات فاضلة مثل الاستقامة، والتوبة، والعفو، والصفح، والصبر، وإطفاء نار الغضب، وتعبيرات لطيفة أخرى. وأحياناً تنهى عن ملكات رذيلة مثل الطغيان عند إقبال النعم الإلهية، واللجاجة، وحب الدنيا، والجزع والفزع عند بروز المشكلات، بعبارات حية (مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، 20/ 343). سورة الشورى هي السورة الثانية والأربعون في القرآن الكريم. وبناءً على العد البصري، تتكون من 49 آية (مع خلاف)، وبناءً على العد المكي والمدني الأول والأخير والدمشقي، 50 آية، وبناءً على العد الحمصي، 51 آية، وبناءً على العد الكوفي، 53 آية. يجب ملاحظة أن الحروف المقطعة في بداية السورة “حم” و”عسق” تُعتبر آية مستقلة فقط في العد الكوفي (الجعبري، حسن المدد في فن العدد، د.ت: 120؛ الحسيني، سعادة الدارين في بيان وعد آي معجز الثقلين، 1427: 81).
12. آراء المفسرين وعلماء الوقف والابتداء في سورة الشورى
ورد في سورة الشورى ما مجموعه 101 موضع للوقف والابتداء. 30 موضعاً ذكرها الداني والحسيني معاً، 33 موضعاً ذكرها الداني فقط، و38 موضعاً ذكرها الحسيني فقط. من الضروري إعادة ذكر أن رأي الحسيني يتضح من خلال علاماته في المصحف. وهذه المواضع وخلاصة آراء المفسرين والداني والحسيني ترد في الجدول التالي:
| الرقم | الآية | موضع الوقف | الداني | الحسيني | المفسرون |
|---|---|---|---|---|---|
| 1 | 1 | حم | تام؛ وقيل كافٍ | — | مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 2 | 2 | عسق | تام؛ وقيل كافٍ | — | مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 3 | 3 | من قبلك | ليس موضع وقف بناءً على القراءات | — | مطابق لرأي الداني |
| 4 | 3 | العزيز الحكيم | تام | — | غير مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 5 | 4 | في الارض | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 6 | 4 | العلى العظيم | تام | — | غير مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 7 | 5 | من فوقهن | تام | — | غير مطابق لرأي الداني |
| 8 | 5 | لمن في الارض | تام | قلي | مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 9 | 7 | لا ريب فيه | تام | قلي | غير مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 10 | 8 | في رحمته | تام | قلي | غير مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 11 | 9 | اولياء | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 12 | 10 | فحكمه الى الله | كافٍ | ج | مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 13 | 11 | و الارض | — | ج | مطابق لرأي الحسيني |
| 14 | 11 | ازواجا | — | صلي | غير مطابق لرأي الحسيني |
| 15 | 11 | يذرؤكم فيه | كافٍ | ج | مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 16 | 11 | شيء | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 17 | 12 | و الارض | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 18 | 12 | و يقدر | كافٍ | ج | مطابق لرأي الداني |
| 19 | 12 | عليم | تام | — | مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 20 | 13 | عيسى | — | صلي | مطابق لرأي الداني |
| 21 | 13 | و لا تتفرقوا فيه | تام | ج | مطابق لرأي الحسيني |
| 22 | 13 | ما تدعوهم اليه | تام | ج | مطابق لرأي الحسيني |
| 23 | 14 | بغيا بينهم | كافٍ | ج | مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 24 | 14 | لقضى بينهم | كافٍ | ج | مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 25 | 14 | مريب | تام | — | غير مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 26 | 15 | فادع | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 27 | 15 | امرت | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 28 | 15 | اهواءهم | كافٍ | صلي | غير مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 29 | 15 | كتاب | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 30 | 15 | لأعدل بينكم | كافٍ | صلي | مطابق لرأي الداني |
| 31 | 15 | ربكم | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 32 | 15 | اعمالكم | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 33 | 15 | بينكم | — | صلي | غير مطابق لرأي الحسيني |
| 34 | 15 | يجمع بيننا | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 35 | 15 | المصير | تام | — | مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 36 | 16 | شديد | تام | — | مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 37 | 17 | بالحق و الميزان | تام | قلي | غير مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 38 | 17 | قریب | تام | — | غير مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 39 | 18 | لا يؤمنون بها | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 40 | 18 | أنها الحق | تام | قلي | مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 41 | 18 | بعيد | تام | — | مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 42 | 19 | يشاء | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 43 | 19 | العزيز | تام | — | مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 44 | 20 | في حرثه | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 45 | 20 | نصيب | تام | — | غير مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 46 | 21 | به الله | — | ج | مطابق لرأي الحسيني |
| 47 | 21 | لقضى بينهم | تام | قلي | غير مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 48 | 21 | اليم | تام | — | غير مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 49 | 22 | واقع بهم | تام | صلي | مطابق لرأي الداني |
| 50 | 22 | الجنات | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 51 | 22 | عند ربهم | — | ج | مطابق لرأي الحسيني |
| 52 | 22 | الكبير | تام | — | غير مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 53 | 23 | الصالحات | — | قلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 54 | 23 | عليه اجرا | ليس موضع وقف، تام بناء على رأي الزجاج | — | مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 55 | 23 | في القربي | تام | قلي | كافٍ، ج |
| 56 | 23 | حسنا | كافٍ | ج | مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 57 | 23 | شکور | تام | — | غير مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 58 | 24 | كذبا | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 59 | 24 | علی قلبک | تام | قلي | مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 60 | 24 | بكلماته | تام | ج | مطابق لرأي الحسيني |
| 61 | 24 | الصدور | تام | — | غير مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 62 | 25 | تفعلون | تام | — | غير مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 63 | 26 | من فضله | تام | ج | مطابق لرأي الحسيني |
| 64 | 26 | شديد | تام | — | غير مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 65 | 27 | يشاء | — | ج | مطابق لرأي الحسيني |
| 66 | 27 | بصير | تام | — | غير مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 67 | 28 | رحمته | — | ج | مطابق لرأي الحسيني |
| 68 | 28 | الحميد | تام | — | مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 69 | 29 | دابه | — | ج | غير مطابق لرأي الحسيني |
| 70 | 29 | قدیر | تام | — | مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 71 | 30 | عن كثير | تام | — | غير مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 72 | 31 | في الارض | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 73 | 33 | ظهره | — | ج | مطابق لرأي الحسيني |
| 74 | 34 | عن كثير | ليس موضع وقف بناءً على القراءات، وقف تام | — | مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 75 | 35 | من محيص | تام | — | غير مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 76 | 36 | الدنيا | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 77 | 39 | هم ينتصرون | كافٍ | — | مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 78 | 40 | سیئه مثلها | كافٍ | صلي | مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 79 | 40 | على الله | — | ج | مطابق لرأي الحسيني |
| 80 | 41 | من سبيل | تام | — | غير مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 81 | 42 | الحق | — | ج | مطابق لرأي الحسيني |
| 82 | 43 | عزم الامور | تام | — | مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 83 | 44 | من بعده | تام | قلي | مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 84 | 45 | من طرف خفي | تام | قلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 85 | 45 | يوم القيامه | كافٍ | قلي | مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 86 | 46 | من دون الله | كافٍ | قلي | مطابق لرأي الداني |
| 87 | 47 | من الله | — | ج | مطابق لرأي الحسيني |
| 88 | 48 | حفيظا | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 89 | 48 | الا البلاغ | تام | قلي | مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 90 | 48 | فرح بها | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 91 | 48 | کفور | تام | — | مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 92 | 49 | الارض | — | ج | غير مطابق لرأي الحسيني |
| 93 | 49 | يشاء | — | ج | غير مطابق لرأي الحسيني |
| 94 | 50 | اناثا | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 95 | 50 | عقيما | كافٍ | ج | مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 96 | 50 | علیم قدیر | تام | — | مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 97 | 51 | يشاء | — | ج | مطابق لرأي الحسيني |
| 98 | 51 | على حكيم | تام | — | غير مطابق لرأي الداني، رأس الآية |
| 99 | 52 | من امرنا | — | صلي | مطابق لرأي الحسيني |
| 100 | 52 | من عبادنا | كافٍ | ج | مطابق لرأي الداني والحسيني |
| 101 | 53 | و ما في الارض | تام | قلي | مطابق لرأي الحسيني |
كما يلاحظ، يتطابق رأي المفسرين أحياناً مع رأي كليهما؛ وأحياناً يخالف كليهما؛ وفي بعض المواضع يتفق مع أحدهما فقط ويخالف الآخر، وأخيراً في بعض المواضع يقتصر على رأي أحدهما الذي قد يتوافق مع رأي المفسرين أو يخالفه. وفيما يلي ملخص إحصائي لهذه المواضع في الجدول التالي:
| الرقم | العنوان | العدد | النسبة التقريبية |
|---|---|---|---|
| 1 | مشترك بين الداني والحسيني والمفسرين | 17 | 17% |
| 2 | مشترك بين الداني والحسيني ومخالف للمفسرين | 6 | 5.8% |
| 3 | مشترك بين الداني والمفسرين في رأس الآية | 14 | 14% |
| 4 | اختلاف بين الداني والمفسرين في رأس الآية | 16 | 15.7% |
| 5 | مشترك بين الداني والمفسرين ومخالف للحسيني | 5 | 5% |
| 6 | مشترك بين الحسيني والمفسرين ومخالف للداني | 38 | 37.5% |
| 7 | اختلاف المفسرين مع الحسيني | 5 | 5% |
| مجموع المواضع في السورة | 101 | 100% |
2-2. مواضع الخلاف في الآراء
تُظهر دراسة آراء عموم المفسرين مع رأي الداني والحسيني في سورة الشورى وجود ستة مواضع خلافية جوهرية في الموضع أو نوع الوقف بناءً على الآراء المذكورة. وفيما يلي تفصيل المواضع الخلافية الستة:
أ- عبارة ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ (الشورى/ 7)
اعتبر الداني الوقف عليها تاماً (الداني، المكتفى في الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل، 1427: 501)، ووضع الحسيني عليها علامة “قلي”. يقول الطبرسي: “فريق منهم في الجنة بطاعتهم، وفريق منهم في النار بمعصيتهم” (الطبرسي، مجمع البيان، د.ت: 9/ 34). ويبدو أن مراد الطبرسي بكلمة “هم” هم أهل مكة ومن حولها. ويقول العلامة الطباطبائي: “جملة ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ في مقام التعليل ودفع توهم قد يسبق إلى الذهن، فكأنه قال: لمَ تنذرهم بيوم الجمع؟ فأجاب: لينقسموا في ذلك اليوم إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في النار؛ أي إلى سعيد مثاب وشقي معذب. فليُنذروا ليحذروا من سبيل الشقاوة ويتجنبوا مهلكة الهلاك” (الطباطبائي، الميزان، 1417: 18/ 19). وفي تفسير الأمثل ورد: “ولتنذرهم من يوم يجتمع فيه الخلائق كلهم، ولا شك ولا ريب فيه: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ من ذلك اليوم الذي ينقسم فيه الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في نار السعير” (مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، 1374: 20/ 356). يقول الصافي: “(فريق) مبتدأ مؤخر لخبر محذوف (منهم)” (الصافي، الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه، 1418: 25/ 20). ويذكر السمين الحلبي: “لرفع “فريق” وجهان… الثاني أن “فريق” خبر لمبتدأ محذوف أي “هم”، أي المجتمعون الذين ذكروا في “يوم الجمع” في الجزء السابق، وعلة ذلك. وقرأ زيد بن علي “فريقاً” بالنصب على الحال لجملة محذوفة” (الحلبي، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، 1406: 12/ 405-406). وفي هذا السياق، يكون كلام “فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ” نتيجة لعمل “أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا”؛ بحيث قد يقبل فريق منهم، ويعمل فريق آخر عكس ذلك. وبالطبع، يجب ذكر أن هذا الأمر لا يقتصر عليهم، ويمكن أن يكون شرحاً لحال جميع الناس. لذا، فإن ما ذكره الداني والحسيني غير مناسب، والوقف الكافي وعلامة “ج” أنسب.
ب- عبارة ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ (الشورى/ 8)
اعتبر الداني الوقف عليها تاماً، ووضع الحسيني عليها علامة “قلي”. يقول العلامة الطباطبائي: “في هذه الآية مقابلة بين “من يشاء” و”الظالمون”، وهذا يفيد أن المراد بـ “من يشاء” هم غير الظالمين؛ فيكون المعنى: الله يدخل غير الظالمين في رحمته، وأما الظالمون فليس لهم ولي ولا نصير. والآن يجب أن نرى من هم “الظالمون”؟ في الآيتين 44 و45 من سورة الأعراف، فُسّر الظالمون بأنهم المعاندون المنكرون للمعاد، حيث قال: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ (الطباطبائي، الميزان، 1417: 8/ 19). وفي تفسير الأمثل ورد أيضاً: “… ثم يتناول مسألة هامة أخرى في هذا الصدد ويصف الفريق الذي من أهل الجنة والسعادة مقابل الفريق الذي يُرسل إلى النار بهذه العبارة: “ولكن الله يدخل من يشاء في رحمته، وللظالمين ما لهم من ولي ولا نصير”. وبالنظر إلى أن الفريق الناري وُصف بـ”الظلم”، يتضح أن المراد بـ”من يشاء” في الجملة الأولى هو الفريق غير الظالم” (مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، 1374: 20/ 360). يقول النيسابوري: “الله في آية ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ…﴾ يربط السعادة والشقاوة والهداية والضلالة بمشيئته وإرادته الإلهية…” (النيسابوري، غرائب القرآن ورغائب الفرقان، 1416: 10/ 60). وهو أيضاً يفسر الآية كلها كوحدة واحدة ولا يرى فاصلاً معنوياً بين “وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ…” وما قبلها. ويكتب الزمخشري أيضاً: “ليدخل المؤمنين في رحمته، وهم المراد بـ”من يشاء”؛ ألا ترى أنه قابلهم بالظالمين؟” (الزمخشري، الكشاف، 1407: 4/ 211). واعتبر الصافي الواو في بداية “والظالمون ما لهم…” عاطفة (الصافي، الجدول في إعراب القرآن، 1418: 21). بناءً على ما ذُكر، وبالنظر إلى سياق الآية، فإن الابتداء بـ ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ لا يخل بالمعنى، ولكن هذه العبارة، كما قال الداني والحسيني، ليست منقطعة عما قبلها؛ لذا لا يمكن قبول أقوالهما، والوقف الكافي وعلامة “ج” أنسب.
ج- عبارة ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ (الشورى/ 17)
اعتبر الداني الوقف عليها تاماً، ووضع الحسيني عليها علامة “قلي”. يقول العلامة الطباطبائي: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ بما أن كلمة “الميزان” تشعر بالحساب والجزاء وتشير إلى يوم القيامة، فقد انتقل من هذا المنطلق إلى مسألة الإنذار، وحذرهم من مستقبل ينتظرهم، مستقبل إما مرعب أو مبشر (الطباطبائي، الميزان، 1417: 8/ 39). وفي مقام ربط ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ بما قبلها، يكتب مفسر تفسير الأمثل: “… في نهاية الآية يقول: “وما يدريك لعل الساعة (قيام القيامة) قريب”؟! تلك القيامة التي عندما تقوم يحضر الجميع في محكمة عدله وأمام ميزان حسابه الذي يزن بدقة حتى وزن حبة خردل وأصغر منها” (مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، 1374: 20/ 393). واعتبر الصافي أيضاً الواو في بداية “وما يدريك…” عاطفة (الصافي، الجدول في إعراب القرآن، 1418: 30). عبارتان ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ و ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾، بالإضافة إلى استقلالهما المعنوي، فإنهما، كما بيّن العلامة الطباطبائي، ترتبطان ببعضهما ارتباطاً معنوياً مناسباً؛ لذا، باعتبار وجود الاستقلال المعنوي مع الارتباط، فإن علامة “ج” تكون مناسبة لهذا الموضع، والوقف عليه كافٍ.
د- عبارة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى/ 21)
اعتبر الداني الوقف عليها تاماً، ووضع الحسيني عليها علامة “قلي”. يكتب العلامة الطباطبائي: “﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هذه الجملة تهديد للكفار على ظلمهم الذي ارتكبوه، وإشارة إلى أنهم لن يفلتوا من قلم الله ولن ينجوا من عذابه، فإذا لم يُقضَ بينهم ولم يُعذبوا في الدنيا، فسيكون لهم في الآخرة عذاب أليم” (الطباطبائي، الميزان، 1417: 8/ 39). وكذلك يشير السمين الحلبي: “وإن الظالمين” الظاهر أنهم كل الظالمين، وبسبب كونها مستأنفة، قُرئت بالكسر، ولكن مسلم بن جندب والأعرج قرأاها بالفتح لعطفها على “كلمة” والفصل الذي وقع بينها وبين معطوفها سببه “لولا” المقدرة؛ هكذا: “لولا كلمة واستقرار الظالمين في العذاب، لقضي بينهم حتماً…” وهذا مثل الآية 130 من سورة طه ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾” (السمين الحلبي، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، 1406: 12/ 412). وفي تفسير الأمثل أيضاً بعد ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ ورد: “… في الوقت نفسه، يجب ألا ينسوا هذه الحقيقة وهي أن “للظالمين عذاباً أليماً”” (مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، 1374: 20/ 404). وأشار الزمخشري أيضاً إلى قراءة الفتح، قائلاً: “وأن الظالمين” بالفتح، عطف على “الفصل”…” (الزمخشري، الكشاف، د.ت: 4/ 218). واعتبر الصافي الواو في بداية “وإن الظالمين…” عاطفة (الصافي، الجدول في إعراب القرآن، 1418: 35). بناءً على ما ذُكر، فإن عبارة “وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ”، بالإضافة إلى استقلالها المعنوي، ليست منقطعة تماماً عما قبلها، والابتداء بها لا يخل بالمعنى؛ لذا فإن إدراج علامة “ج”، رغم ما ذكره الداني والحسيني، أنسب لـ”لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ”.
هـ- عبارة ﴿فِي الْقُرْبَى﴾ (الشورى/ 23)
اعتبر الداني الوقف عليها تاماً، ووضع الحسيني عليها علامة “قلي”. يقول الطبرسي تحت عبارة ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾: “نقل أبو حمزة الثمالي عن السدي أن المراد بـ”اقتراف حسنة” في هذه الآية هو محبة آل محمد ﷺ. وروي بسند صحيح عن الحسن بن علي عليهما السلام أنه خطب في الناس وضمن خطبته قال: أنا من ذلك البيت الذي أوجب الله مودتهم على كل مسلم، فقال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾، فاقتراف الحسنة هو محبتنا أهل البيت” (الطبرسي، مجمع البيان، د.ت: 9/ 44). ويبين العلامة الطباطبائي أيضاً: “قال بعض المفسرين كالآلوسي: المراد بـ”الحسنة” هو المودة في قربى رسول الله ﷺ. ويؤيد هذا الاحتمال الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت بأن آية ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ – إلى أربع آيات – نزلت في مودة قربى رسول الله ﷺ، ولازم هذا التفسير أن تكون هذه الآيات قد نزلت في المدينة وأن لها سياقاً واحداً؛ وقطعاً يكون المراد بالحسنة من حيث انطباقها على المورد هو تلك المودة” (الطباطبائي، الميزان، 1417: 8/ 48). ويكتب الزمخشري أيضاً: “يقول السدي إن المراد بـ”من يقترف حسنة” هو مودة آل النبي ﷺ” (الزمخشري، الكشاف، د.ت: 4/ 221). وكذلك يعتبر النيسابوري “وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً” تأكيداً على إيصال الثواب للمودة (النيسابوري، غرائب القرآن، 1416: 73). واعتبر درويش الواو في بداية عبارة “وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً” عاطفة (درويش، إعراب القرآن وبيانه، 1415: 9/ 29-30). بالنظر إلى ما قُدم من معنى “وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً” وارتباط الجمل، فإن الوقف الكافي وعلامة “ج” أنسب.
و- عبارة ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (الشورى/ 48)
اعتبر الداني الوقف عليها تاماً، ووضع الحسيني عليها علامة “قلي”. يرى النيسابوري أن آية ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ تسلية لقلب النبي ﷺ (النيسابوري، نفسه، 87). واعتبر درويش أيضاً الواو في بدايتها عاطفة (درويش، نفسه، 50). للوهلة الأولى، تُظهر عبارة ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا…﴾ أن سياق الكلام قد تغير هنا، ولكن بالتدقيق يتضح أن هذا القول من الله لا يزال خطاباً للنبي ﷺ وتسلية له؛ لأنه في العبارة السابقة يقول الله للنبي ﷺ: وظيفتك فقط إيصال رسالتي، ولم نرسلك مسؤولاً ومراقباً على أعمالهم؛ لذا فإن الوقف الكافي وعلامة “ج” لهذا الموضع مناسبة.
3. النتيجة
- الوقف والابتداء، كعلم متأثر بمعنى وتفسير القرآن الكريم وإعرابه، يتغير موضعه ونوعه باختلاف آراء المفسرين والمعربين.
- في دراسة ومقارنة آراء الداني والحسيني مع المفسرين في سورة الشورى، وُجدت ستة مواضع محل خلاف بين هاتين المجموعتين.
- بناءً على جدول مواضع الوقف والابتداء في سورة الشورى، يتضح من الدراسة والمقارنة أن الاختلاف بين آراء الداني والمفسرين أكبر بكثير من الاختلاف بين آراء الحسيني والمفسرين. وفي توضيح هذا الأمر، يبدو أن الداني في أوائل القرن الخامس الهجري كان في بداية طريق تعريف وتدقيق علم الوقف والابتداء؛ ولهذا السبب، وقع أحياناً في الخطأ عند تطبيق المصاديق على التعاريف والتقسيمات، بينما بالنسبة للحسيني في القرن الرابع عشر الهجري، كانت التعاريف واضحة، ورغم أنه قدم تقسيمات جديدة، إلا أنه نادراً ما وقع في زلل عند تطبيق آرائه على رأي المفسرين.
- ومع ذلك، أحياناً يكون اختلاف آراء المفسرين هو السبب في ميل عالم الوقف والابتداء إلى أحد الآراء. في هذه الحالة، يجب اعتماد أفضل رأي وتجنب الالتفات إلى النظريات التي لا تستند إلى أساس علمي متين.
الهوامش
- أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني من علماء المغرب الإسلامي، ولد في مدينة قرطبة عام 371 هـ. بدأ منذ نعومة أظفاره بتعلم مختلف العلوم، وعلى رأسها علوم القرآن مثل القراءات والتجويد. سافر في طلبه للعلم إلى مناطق العالم الإسلامي والتقى بعدد كبير من العلماء، ثم عاد إلى مدينته وبقي فيها حتى نهاية حياته (عام 444 هـ). وقد أحصى البعض كتبه ومصنفاته بما يصل إلى 120 عملاً؛ منها: المكتفى في الوقف والابتداء، الاهتداء في الوقف والابتداء، التيسير في القراءات السبع، المقنع في رسم مصاحف الأمصار، والمحكم في نقط المصاحف (الداني، أبو عمرو عثمان بن سعيد، المكتفى في الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل، مقدمة المترجمين، ص ي-يه).
- محمد بن علي بن خلف الحسيني، المشهور بالحداد، ولد في منطقة صعيد مصر عام 1282 هـ. درس في فرع العلوم المنقولة والمعقولة بجامعة الأزهر في مصر، وتلقى العلم على يد كثير من كبار علماء عصره. تولى خلال حياته مناصب مختلفة، أهمها “شيخ المقارئ المصرية” و”رئيس مجموعة الإشراف على نشر القرآن الكريم”. أُحصي له 37 مجلداً من الكتب؛ منها: إرشاد الإخوان شرح هداية الصبيان في التجويد، وسعادة الدارين في بيان وعد آي معجز الثقلين. توفي عام 1357 هـ (نقلاً عن موقع جامعة الأزهر).
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم، مصحف الشروق، المعروف بمصحف أميري الأول، بيروت: دار الشروق، 1404هـ.
- ابن الجزري، محمد بن محمد، النشر في القراءات العشر، تحقيق محمد علي ضباع، بيروت: دار الكتاب العربي، د.ت.
- ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، تعليق علي شيري، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1408هـ.
- أبو داود السجستاني، السنن، مكة المكرمة: دار الرسالة العلمية، 1430هـ.
- أحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، تحقيق أحمد محمد الخراط، دمشق: دار القلم، 1407هـ.
- الجعبري، إبراهيم بن عمر، حسن المدد في فن العدد، تحقيق جمال بن سيد بن رفاعي الشايب، القاهرة: مكتبة أولاد الشيخ للتراث، د.ت.
- الحسيني، محمد بن علي بن خلف، سعادة الدارين في بيان وعد آي معجز الثقلين، تحقيق جمال بن سيد بن رفاعي الشايب، القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث، 1427هـ.
- الداني، أبو عمرو عثمان بن سعيد، المكتفى في الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل، تحقيق يوسف عبد الرحمن المرعشلي، بيروت: مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1407هـ؛ وترجمة: كريم دولتي وصادق دروديان، قم: أسوة، 1382 هـ.ش.
- درويش، محيي الدين، إعراب القرآن الكريم وبيانه، سوريا: دار الإرشاد، الطبعة الرابعة، 1415هـ.
- سمين الحلبي، أحمد بن يوسف، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، تحقيق أحمد محمد خراط، دمشق: دار القلم، 1406هـ.
- صافي، محمود بن عبد الرحيم، الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه، بيروت: دار الرشيد، الطبعة الرابعة، 1418هـ.
- ضبّاع، علي محمد، الإضاءة في بيان أصول القراءة، مصر: المؤلف، د.ت.
- الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم: دفتر انتشارات إسلامي، الطبعة الخامسة، 1417هـ.
- الطبرسي، مجمع البيان لعلوم القرآن، تحقيق السيد هاشم رسولي محلاتي والسيد فضل الله يزدي طباطبائي، بيروت: دار المعرفة، د.ت.
- الزمخشري، جار الله محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، بيروت: دار الكتب العربي، 1407هـ، الطبعة الثالثة.
- مكارم الشيرازي، ناصر وآخرون، تفسير الأمثل، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1374 هـ.ش.
- نوري، حسين بن محمد تقي، فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب، قم: نسخة مخطوطة بمركز الثقافة والمعارف، د.ت.
- نيسابوري، حسن بن محمد بن حسين، غرائب القرآن ورغائب الفرقان على مصحف التهجد، بيروت: دار الصفوة، 1416هـ.