الملخص
لا شك أن منشأ كثير من القراءات المختلفة هو اجتهاد القراء والمقرئين، ونادراً ما تنتهي إلى روايات النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام). يتناول هذا البحث دراسة اختلاف القراءات في روايات أهل البيت (عليهم السلام) في تفسير مجمع البيان. وتبين الإحصائية والتقرير الذي أُعد حول تواتر القراءات الشاذة وغير الشاذة وغيرها في هذا التفسير، أنه من مجموع 145 رواية منقولة، نُقلت رواية واحدة بسند غير مقبول عن الإمام الصادق (عليه السلام)، ونُسبت 144 رواية إلى أهل البيت (عليهم السلام) دون ذكر سلسلة السند. في هذا البحث، أظهرت الدراسات التي أُجريت على أنواع اختلاف القراءات ووظيفتها وتأثيرها في تفسير وفهم معاني الآيات، أن هذه الروايات إما أنها تقع في نطاق اختلاف القراءات الذي لا يمس صيانة القرآن من التحريف، أو أنها في مقام بيان معنى الآية وتفسيرها وقد طُرحت على أنها اختلاف في القراءات نتيجة التسامح، أو أنها من تفردات الخليفة الثاني ونُسبت إلى أهل البيت (عليهم السلام).
مقدمة
يعد بحث قراءات القرآن أحد أهم مباحث الدراسات القرآنية – والذي يتمتع بجوانب علمية وعملية – وقد حظي باهتمام علماء علوم القرآن والمفسرين منذ القدم؛ حيث تم تأليف أكثر من ستين عنوان كتاب في موضوع القراءات في الفترة ما بين 150 إلى 300 هجري فقط.[1] وقد استمرت هذه الحركة مع تقلبات حتى يومنا هذا. إلا أن ما تم التطرق إليه بشكل أقل في هذا المجال هو تنقيح الروايات التفسيرية والقراءات المختلفة المنسوبة إلى أهل البيت (عليهم السلام)؛ ذلك أن مسألة اختلاف القراءات تعد من الآفات والإشكاليات المهمة في تفاسير القرآن الكريم. ورغم عدم وجود خلاف في معظم آيات القرآن في الوقت الحاضر، واتفاق معظم المجتمعات والبلاد الإسلامية على قراءة القرآن وفقًا لقراءة عاصم برواية تلميذه حفص،[2] فإن عددًا من مفسري الفريقين، بالنظر إلى بعض الروايات التفسيرية والقراءات المختلفة المنسوبة إلى الصحابة وأهل البيت (عليهم السلام)، قد طرحوا تفاسير متباينة ومتعارضة لآيات القرآن؛ مثل قراءة “مالك” و”ملك” في الآية الرابعة من سورة الفاتحة (راجع: دياري بيدگلي، 1390: 198-209؛ وأيضًا همو 1391: 135-160). يهدف الكاتب في هذا البحث إلى تقديم تقرير عن اختلافات القراءات التي نقلها المرحوم الطبرسي في «مجمع البيان في تفسير القرآن» عن المعصومين (عليهم السلام)، وعرضها على القراء الكرام، ثم التطرق إلى أنواع اختلافات القراءات ومقدار تأثيرها ووظيفتها في تفسير القرآن. الهدف من هذا البحث هو تبرئة ساحة أهل البيت (عليهم السلام) المقدسة من القراءات الشاذة والقراءات التي تتعارض مع معنى القرآن أو تؤدي إلى تحريفه.[3] وتجدر الإشارة إلى أنه نظرًا لاتساع نطاق البحث، قد لا نتمكن من تحقيق الهدف النهائي بشكل كامل في هذا التحقيق، ولكن يمكن تمهيد الطريق لأبحاث لاحقة. وقبل الدخول في صلب الموضوع، سنتناول كمقدمة تعريفًا موجزًا لمصطلحي «القراءة» و«الروايات التفسيرية».
دراسة مفهوم القراءة
قدم الباحثون في علوم القرآن تعريفات مختلفة للمفهوم الاصطلاحي للقراءة، ونكتفي هنا بذكر بعض النماذج منها. يقول الزركشي: القراءة هي الاختلاف المتعلق بألفاظ وجمل الوحي، وهذا الاختلاف يرتبط بحروف وكلمات القرآن وكيفيتها، من تخفيف وتشديد ونحوهما، مما نقله القراء (الزركشي، 1410: 1، 465). وقد عبر آية الله معرفت عن ذلك بقوله إن قراءات القرآن في الاصطلاح هي صور قراءة كلام الله تعالى (معرفت، 1411: 1، 9). ويبدو أن معظم العلماء، من الشيعة والسنة، يعتقدون أن القراءة هي الطرق والروايات القرآنية التي ثبتت بالأسانيد؛ ومن ثم، فإن أي طريقة في قراءة وتلاوة القرآن لا تستند إلى رواية ونقل عن النبي (صلى الله عليه وآله)، لا تندرج ضمن المعنى الاصطلاحي للقراءة؛ وإن كانت مشهورة أو حتى مبنية على أساس صحيح من اللغة العربية وكان لفظ القرآن يحتمل انطباقه عليها. لذا، فإن القراءة المستندة إلى النقل الصحيح والسند المتصل بالنبي (صلى الله عليه وآله) هي الأصل دائمًا، وقد تشكلت الكتابة على أساسها (حجتي، 1382: 250).
الروايات التفسيرية
تُطلق الروايات التفسيرية على تلك الروايات الصادرة عن المعصومين (عليهم السلام) لبيان مضامين آيات القرآن الكريم. وكما قال البعض: المراد بالروايات التفسيرية الأحاديث التي تتعلق بشأن من شؤون آيات القرآن الكريم، سواء كانت متعلقة بنزولها أو قراءتها أو بيان معانيها الظاهرية أو الباطنية، أو تعود إلى تنزيل الآيات أو تأويلها. وتوضيح القول أن الحديث التفسيري، بوصفه حديثًا، يشمل كل ما يحكي عن خصوصية من خصوصيات المعصومين (عليهم السلام) وحالاتهم، من قول أو فعل أو إمضاء، وبقيد “تفسيري” يشمل الأحاديث التي قد تساعد في تبيين معاني القرآن الكريم (إحسان فر لنگرودي، 1385: 465 و 466؛ رستم نژاد، 1390: 30).
تواتر اختلاف القراءات في روايات أهل البيت (عليهم السلام)
يبلغ عدد الروايات التي نقلها المرحوم الطبرسي في تفسير مجمع البيان تحت عنوان «القراءة» عن المعصومين (عليهم السلام) 145 (مائة وخمس وأربعين) رواية، وردت في قراءة الآيات والسور التالية: ثلاث روايات منسوبة إلى أهل البيت (عليهم السلام) في قراءة ثلاث سور: الحمد: 6؛ الفرقان: 74؛ النحل: 26. رواية واحدة منسوبة إلى «أئمة الهدى» في قراءة سورة ق: 19. عشر روايات عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في قراءة سور: يونس: 58؛ الرعد: 43؛ الكهف: 82؛ المؤمنون: 60؛ السجدة: 17؛ محمد: 22؛ الواقعة: 82 و 89؛ الليل: 3؛ الضحى: 3. رواية واحدة عن «فاطمة الزهراء (عليها السلام)» في قراءة سورة التوبة: 28. خمس وخمسون رواية عن «علي بن أبي طالب (عليه السلام)» في قراءة السور التالية: الحمد: 7؛ البقرة: 234؛ آل عمران: 36؛ الأنعام: 33، 99 و 159؛ الأعراف: 127؛ الأنفال: 25؛ هود: 42؛ يوسف: 23، 30 و 110؛ الرعد: 11، 31 و 43؛ إبراهيم: 37 و 46؛ النحل: 41؛ الإسراء: 5، 16 و 106؛ الكهف: 77 و 102؛ مريم: 6؛ طه: 97؛ الأنبياء: 98؛ النور: 22 و 51؛ الفرقان: 20 و 36؛ العنكبوت: 3؛ الروم: 48؛ يس: 52؛ الصافات: 103؛ الزخرف: 77؛ الأحقاف: 4 و 15؛ محمد: 15 و 22؛ النجم: 15؛ الواقعة: 82؛ التحريم: 3؛ النبأ: 28؛ التكوير: 8؛ المطففين: 26؛ الغاشية: 17، 18، 19 و 20؛ الليل: 3؛ الزلزلة: 6 و 7؛ العاديات: 5؛ التكاثر: 6؛ الإخلاص: 1. اثنتا عشرة رواية عن «الإمام زين العابدين (عليه السلام)» في قراءة سور: الأنفال: 1؛ التوبة: 118؛ هود: 5؛ يوسف: 30 و 110؛ الرعد: 31؛ مريم: 5؛ النمل: 13؛ سبأ: 14؛ يس: 30 و 38؛ الطلاق: 1. خمس وعشرون رواية عن «الإمام الباقر (عليه السلام)» في قراءة سور: البقرة: 119؛ المائدة: 95؛ الأنفال: 1 و 25؛ التوبة: 19، 112 و 118؛ هود: 5 و 42؛ يوسف: 30 و 110؛ إبراهيم: 34 و 37؛ النحل: 62؛ مريم: 5؛ الحج: 36؛ النور: 30؛ سبأ: 19؛ يس: 38؛ محمد: 31؛ الحجرات: 6؛ الواقعة: 89؛ عبس: 6 و 10؛ التكوير: 8. ثمان وثلاثون رواية عن «الإمام الصادق (عليه السلام)» في قراءة سور: آل عمران: 2؛ المائدة: 89 و 95؛ الأنعام: 33؛ الأنفال: 1؛ التوبة: 12، 37، 110، 112، 118، 119؛ هود: 5 و 42؛ يوسف: 30، 48، 49 و 110؛ الرعد: 11؛ إبراهيم: 34 و 37؛ الحجر: 41؛ مريم: 6؛ الأنبياء: 95؛ الحج: 27 و 40؛ النور: 33؛ الفرقان: 18؛ العنكبوت: 30؛ لقمان: 27؛ سبأ: 14؛ يس: 38؛ الصافات: 103 و 147؛ الرحمن: 43؛ الطلاق: 1؛ التكوير: 8؛ الشمس: 15؛ الليل: 3. وعليه، فإن الروايات المنقولة في مجمع البيان هي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، فاطمة الزهراء (عليها السلام)، علي بن أبي طالب (عليه السلام)، زين العابدين (عليه السلام)، الإمام محمد الباقر (عليه السلام) والإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، ولم تُنقل رواية عن بقية الأئمة. أكثر الروايات منسوبة إلى الإمام علي (عليه السلام) وأقلها إلى حضرة الزهراء (عليها السلام). (انظر: الجدول رقم 1، قسم الملاحق). تجدر الإشارة إلى أنه في تفسير مجمع البيان لم يُطرح اختلاف في القراءات بخصوص ثماني سور من القرآن الكريم، وهي: الجمعة، الشرح، التين، العلق، العصر، الكوثر، النصر، والفلق. من ناحية أخرى، طُرح اختلاف في القراءات في اثنتين وخمسين سورة من القرآن الكريم، ولكن لم تُنقل رواية عن أهل البيت (عليهم السلام) بشأنها، وهي سور: النساء، الشعراء، القصص، الأحزاب، فاطر، ص، الزمر، غافر، فصلت، الشورى، الدخان، الجاثية، الفتح، الذاريات، الطور، القمر، الحديد، المجادلة، الحشر، الممتحنة، الصف، المنافقون، التغابن، الملك، القلم، الحاقة، المعارج، نوح، الجن، المزمل، المدثر، القيامة، الإنسان، المرسلات، النازعات، الانفطار، الانشقاق، البروج، الطارق، الأعلى، الفجر، البلد، القدر، البينة، القارعة، الهمزة، الفيل، قريش، الماعون، الكافرون، المسد، والناس. بعض الروايات التي نقلها المرحوم الطبرسي في اختلاف القراءات عن أهل البيت (عليهم السلام)، اعتبرها المحدث النوري في كتاب «فصل الخطاب» دليلاً على تحريف القرآن واستند إليها. لكن العلامة العسكري في المجلد الثالث من كتاب «القرآن الكريم وروايات المدرستين» قد فنّد جميع مستندات المحدث النوري بأدلة واعتبرها لا أساس لها. يبلغ عدد هذه الروايات ثمان وسبعين رواية، وتتعلق بقراءة السور التالية: الحمد: 7؛ المائدة: 89 و 95؛ الأنعام: 33؛ الأنفال: 1 و 25؛ التوبة: 110، 112، 118، 119 و 128؛ هود: 5، 42؛ يوسف: 23 و 30؛ الرعد: 11 و 31؛ إبراهيم: 37؛ الحجر: 41؛ الإسراء: 5، 16 و 106؛ الكهف: 77 و 102؛ مريم: 5 و 6؛ طه: 97؛ الأنبياء: 95 و 98؛ الحج: 27، 36 و 40؛ المؤمنون: 60؛ النور: 33؛ الفرقان: 18، 20، 36 و 74؛ النمل: 13؛ العنكبوت: 3؛ الروم: 48؛ لقمان: 27؛ السجدة: 17؛ سبأ: 14؛ يس: 30، 38 و 52؛ الصافات: 103 و 147؛ الزخرف: 77؛ الأحقاف: 4 و 15؛ محمد: 15، 22 و 31؛ الحجرات: 6؛ ق: 19؛ الرحمن: 43؛ الواقعة: 82 و 89؛ الطلاق: 1؛ التحريم: 3؛ النبأ: 28؛ عبس: 6 و 10؛ التكوير: 8؛ المطففين: 26؛ الغاشية: 17، 18، 19 و 20؛ الشمس: 15؛ الليل: 3؛ الضحى: 3؛ الزلزلة: 6 و 7؛ العاديات: 5؛ التكاثر: 6.
من بين الروايات المنقولة في مجمع البيان عن أهل البيت (عليهم السلام)، هناك ست عشرة رواية شاذة سيشار إليها لاحقًا، ومائة وتسع وعشرون رواية غير شاذة وردت في قراءة السور التالية: الحمد: 7؛ البقرة: 119؛ آل عمران: 36؛ المائدة: 89 و 95؛ الأنعام: 33، 99 و 159؛ الأعراف: 127؛ الأنفال: 1 و 25؛ التوبة: 12، 37، 110، 112، 118 و 119؛ يونس: 58؛ هود: 5 و 42؛ يوسف: 23، 30، 46، 49 و 110؛ الرعد: 11، 31 و 41؛ إبراهيم: 34 و 37؛ الحجر: 41؛ النحل: 26، 41 و 62؛ الإسراء: 5، 16 و 106؛ الكهف: 77 و 102؛ مريم: 5 و 6؛ طه: 97؛ الأنبياء: 95 و 98؛ الحج: 27، 36 و 40؛ النور: 22، 33، 51 و 60؛ الفرقان: 18، 20 و 74؛ العنكبوت: 3؛ الروم: 48؛ لقمان: 27؛ سبأ: 14 و 19؛ يس: 30، 38 و 52؛ الصافات: 103؛ الزخرف: 77؛ الأحقاف: 4 و 15؛ محمد: 5، 22 و 31؛ الحجرات: 6؛ النجم: 15؛ الرحمن: 43؛ الواقعة: 82 و 89؛ الطلاق: 1؛ التحريم: 3؛ النبأ: 28؛ عبس: 6 و 10؛ التكوير: 8؛ المطففين: 26؛ الغاشية: 17، 18، 19 و 20؛ الشمس: 15؛ الليل: 3؛ الزلزلة: 7 و 8؛ العاديات: 5؛ التكاثر: 6؛ الإخلاص: 1. أورد المرحوم الطبرسي جميع روايات اختلاف القراءات تقريبًا في مجمع البيان منسوبة إلى أهل البيت (عليهم السلام) دون سند. وذكر رواية واحدة فقط بسند لا يعتد به. ففي الآية 12 من سورة التوبة يقول: «لا أيمانَ لهم وقرأ ابن عامر لا إيمانَ بكسر الهمزة ورواه ابن عقدة بإسناده عن عريف بن الوضاح الجعفي عن جعفر بن محمد (عليهما السلام)» (الطبرسي، 1372: 5، 16؛ شريعت، 1370: 274). لم ترد هذه الرواية في أي من كتب الحديث المعتبرة لدى الشيعة؛ وإن كانت قد نقلت بالعبارات نفسها في بحار الأنوار فقط من بين متون الشيعة، مع فارق أن اسم «عزيز» ورد بدل «عريف»، وفي الهامش أشير أيضًا إلى اسم عريف (المجلسي، 1403: 21، 271). أما في كتاب رجال الطوسي، فقد ذُكر عريف بن الوصاح الجعفي (بالغين) من أصحاب أبي جعفر بن محمد بن صادق (عليهما السلام) (الطوسي، دون تاريخ: 268). المهم في هذه الرواية أن قراءة ابن عامر الشامي (ت. 118هـ)، الذي كان تلميذ عثمان بن عفان وراوياه عبد الله بن ذكوان وهشام بن عمار، قد نُسبت عن طريق ابن عقدة (249-332هـ) وعريف بن وضاح إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، وسند الرواية لا يصل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) والرواية مرسلة؛ وبناءً على ذلك، فالرواية ضعيفة ولا يمكن اعتبارها من روايات الإمام الصادق (عليه السلام) وتصحيح قراءة «إيمان» بكسر الهمزة في الآية. وفي ذيل الآية 110 من سورة التوبة يقول: «إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ وقرأ يعقوب وسهل إلى أن على أنه حرف الجر وهو قراءة الحسن وقتادة والجحدري وجماعة ورواه البرقي عن أبي عبد الله» (الطبرسي، 1372: 5، 106). في هذه الرواية التي تقول: «رواه البرقي عن أبي عبد الله»، لم يُذكر سند الرواة، لذا فهي غير معتبرة (راجع: الجدول رقم 4، قسم الملاحق).
القراءات المتوافقة مع رواية حفص
من بين المائة والخمس والأربعين رواية المذكورة حول اختلاف القراءات، وبالنظر إلى أن بعض الروايات منقولة بشكل مشترك عن إمامين أو أكثر، فإن مجموع الروايات التي تتوافق فيها قراءة حفص عن عاصم معها يبلغ ثماني روايات، وهي:
1. الرواية المنسوبة إلى حضرة علي (عليه السلام) في قراءة الآية 127 من سورة الأعراف: «روي عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وابن عباس وابن مسعود وأنس بن مالك وعلقمة وغيرهم ويذرَك وآلهتَك» (نفس المصدر، 1372: 4، 715). في هذه الرواية، قراءة «وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ»، التي ذُكرت دون أي تشكيل، تظهر أنها قُرئت بالشكل نفسه في رواية حفص عن عاصم.
2. الرواية المنسوبة بشكل مشترك إلى حضرة علي (عليه السلام)، والإمام زين العابدين (عليه السلام)، والإمام الباقر (عليه السلام)، والإمام الصادق (عليه السلام) في قراءة الآية 110 من سورة يوسف: «قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر (كَذَبُوا) بالتخفيف وهي قراءة علي وزين العابدين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وزيد بن علي وابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك والأعمش وغيرهم» (نفس المصدر، 5، 412). قراءة «كَذَبُوا» بالتخفيف منقولة عن أربعة أئمة، وهي مطابقة لقراءة حفص عن عاصم.
3. الرواية المنسوبة بشكل مشترك إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والإمام علي (عليه السلام) في قراءة الآية 22 من سورة محمد: «روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) فهل عسيتم إن وَلَّيْتُم وعن علي (عليه السلام) «إن تَوَلَّيْتُمْ» قال أبو حاتم معناه إن تولاكم الناس» (نفس المصدر، 9، 157). هنا، ذُكر اختلافان في قراءة لفظ «إن توليتم»، أحدهما منسوب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) والآخر إلى حضرة علي (عليه السلام)، حيث تتطابق قراءة حفص عن عاصم مع القراءة الثانية.
4. الرواية المنقولة عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قراءة الآية 95 من سورة الأنبياء: «قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وحَرَم بكسر الحاء بغير ألف والباقون (وَحَرَامٌ) وهو قراءة الصادق (عليه السلام)» (نفس المصدر، 7، 98). في هذه الرواية، قراءة «حرام» التي هي قراءة الإمام الصادق (عليه السلام) تتطابق مع قراءة حفص عن عاصم التي وردت بالشكل نفسه. وعليه، فإن المائة والأربع والثلاثين رواية الأخرى التي نُقلت حول اختلاف القراءات في مجمع البيان تخالف رواية حفص عن عاصم، وسيشار إلى نماذج منها في المباحث التالية (راجع: الجدول رقم 2، قسم الملاحق).
القراءات الشاذة
نُقلت ست عشرة رواية شاذة عن المعصومين (عليهم السلام) حول اختلاف القراءات في تفسير مجمع البيان، نشير إليها أدناه:
1. القراءة بالتقديم والتأخير
مثل الرواية المتعلقة بكيفية قراءة الآية التاسعة عشرة من سورة ق المنسوبة إلى الأئمة (عليهم السلام): «وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ»؛ في الشواذ قراءة أبي بكر عند خروج نفسه «وجاءت سكرة الحق بالموت» وهي قراءة سعيد بن جبير وطلحة ورواها أصحابنا عن أئمة الهدى (عليهم السلام) (نفس المصدر، 9، 214). في هذه القراءة، حدث قلب، وقُرئت الآية على النحو التالي: «وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ»، وهي من القراءات الشاذة لأبي بكر، ونُقلت أيضًا عن الأئمة (عليهم السلام) دون ذكر سلسلة السند. سنبحث بالتفصيل في هذه القراءة في قسم أنواع اختلاف القراءات.
2. القراءة بالنقص في الحروف
مثل الرواية الشاذة التي نُقلت عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بخصوص قراءة الآية السابعة عشرة من سورة السجدة: «مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ»؛ روي في الشواذ عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأبي هريرة وأبي الدرداء وابن مسعود «قُرَّاتُ أَعْيُنٍ» (نفس المصدر، 8، 516). في هذه القراءة المنسوبة أيضًا إلى ابن مسعود، قُرئت «قُرَّاتُ أَعْيُنٍ» وحُذفت «مِنْ». وكذلك القراءة الشاذة المتعلقة بآية «وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى» (الليل: 3) المنقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله): «في الشواذ قراءة النبي (صلى الله عليه وآله) وقراءة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وابن مسعود وأبي الدرداء وابن عباس «والنهار إذا تجلى وخلق الذكر والأنثى» بغير ما، وروي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام)» (نفس المصدر، 10، 758)، حيث حُذفت «ما» من الآية في هذه القراءة.
3. القراءة بتغيير الحرف الموصول إلى حرف جر
مثل القراءة الشاذة في سورة الرعد الآية 43 «وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ» المنقولة عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): «في الشواذ قراءة النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي وابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وابن أبي إسحاق والضحاك والحكم بن عيينة «وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ» بكسر الميم والدال وقراءة علي والحسن وابن السميفع «وَمَنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ» (نفس المصدر، 6، 460). في هذه القراءة، قُرئت «وَمَنْ عِنْدَهُ…» بصيغة «وَمِنْ عِنْدِهِ». هذه القراءة من تفردات عمر بن الخطاب ونُسبت أيضًا إلى النبي (صلى الله عليه وآله). القراءة المعروفة بين الشيعة وأهل السنة هي القراءة المشهورة نفسها، حيث المقصود من «وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ» من وجهة نظر الشيعة هم الأئمة المعصومون (عليهم السلام) والراسخون في العلم، وخاصة حضرة علي (عليه السلام)، وهو ما أشارت إليه التفاسير. لكن عمر له قراءة أخرى خاصة به، وهي: «وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ»، التي بناءً على قراءته يعود الضمير «عنده» إلى الله. وفي كنز العمال والدر المنثور أيضًا نُقلت هذه النسبة والقراءة عن عمر (مؤدب، 1378: 90).
4. القراءة بتغيير المد إلى قصر
مثل القراءة الشاذة في سورة المؤمنون الآية 60 «وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا» المنقولة عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): «في الشواذ قراءة النبي (ص) وعائشة وابن عباس وقتادة والأعمش «يَأْتُونَ مَا أَتَوْا» مقصورًا» (الطبرسي، 1372: 7، 175). في هذه القراءة، قُرئت «يُؤْتُونَ مَا آتَوْا» بصيغة مقصورة «يَأْتُونَ مَا أَتَوْا».
5. القراءة بتغيير في الإعراب
مثل القراءة الشاذة عن سورة الكهف الآية 82 «وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ» المنقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله): «وفي الشواذ قراءة النبي (صلى الله عليه وآله) «جِدَارًا»». في هذه القراءة، قُرئت «وَأَمَّا الْجِدَارُ» بصيغة «جِدَارًا».
6. القراءة بتغيير التشديد إلى تخفيف
مثل القراءة الشاذة عن سورة الضحى الآية 3 «مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى» المنقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله): «في الشواذ عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعروة بن الزبير «ما ودَعَك» بالتخفيف» (نفس المصدر، 1372: 10، 762). في هذه القراءة، قُرئ «ما ودَّعك» بتخفيف الدال.
7. القراءة بتغيير الفعل المجهول إلى معلوم
مثل القراءة الشاذة عن سورة البقرة الآية 234 «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ» المنقولة عن الإمام علي (عليه السلام): «روي في الشواذ عن علي (عليه السلام) «يَتَوَفَّوْنَ» بفتح الياء» (نفس المصدر، 2، 589).
8. القراءة بتغيير نون الخفيفة إلى نون التوكيد الثقيلة
مثل القراءة الشاذة عن سورة الفرقان الآية 36 «فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا» المنقولة: «في الشواذ قراءة مسلم بن محارب «فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا» على التأكيد بالنون الثقيلة وروي ذلك عن علي (عليه السلام) وعنه «فَدَمِّرْنَاهُمْ» وهذا كأنه أمر لموسى وهارون أن يدمراهم» (نفس المصدر، 7، 264).
9. القراءة بتغيير الأفعال الناقصة إلى أفعال المقاربة
مثل القراءة الشاذة عن سورة إبراهيم الآية 46 «وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ» المنقولة: «في الشواذ عن علي (عليه السلام) وعمرو بن مسعود وأبي بن كعب «وإن كاد مكرهم لتزول»» (نفس المصدر، 6، 495). هذه القراءة هي أيضًا من تفردات عمر بن الخطاب ونُسبت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام). كان عمر يقرأ الآية المذكورة هكذا: «وإن كاد مكرهم»؛ أي أنه كان يقرأ كلمة «كان»، وهي القراءة المعروفة والمشهورة، بصيغة «كاد». ورد في كنز العمال أن عكرمة روى أن عمر بن الخطاب كان يقرأها هكذا: «كاد مكرهم» بالدال. السيوطي أيضًا نقل هذه القراءة عن عمر. وقد ذكر السيوطي وغيره أنه كان يفضل القراءة غير المعروفة (إن كاد مكرهم) بينما لم يكذب القراءة المعروفة (مؤدب، 1378: 91).
10. القراءة بتغيير وتبديل الكلمة
مثل القراءة الشاذة عن سورة سبأ الآية 14 «تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ» المنقولة: «في الشواذ قراءة ابن عباس والضحاك «تبينت الإنس» وهو قراءة علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) وأبي عبد الله (عليه السلام)» (الطبرسي، 1372: 8، 595). في هذه القراءة المنسوبة إلى الإمام زين العابدين (عليه السلام) والإمام الصادق (عليه السلام)، تم تغيير كلمة «الجن» إلى «الإنس». سنبحث هذه القراءة قريبًا.
11. القراءة بتغيير الكلمة المفردة إلى جمع
مثل القراءة الشاذة عن سورة التوبة الآية 19 «أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» المنقولة: «في الشواذ قراءة محمد بن علي الباقر (عليه السلام) وابن الزبير وأبي وجرة السواري وأبي جعفر السعدي القارئ «أجعلتم سُقاة الحاج وعَمَرَة المسجد الحرام»» (نفس المصدر، 5، 22). في هذه القراءة، قُرئت كلمتا «سقاية وعمارة» بصيغة «سقاة وعمرة».
12. تغيير كلمة إلى كلمة أخرى
مثل القراءة الشاذة عن سورة آل عمران الآية 2 «الْحَيُّ الْقَيُّومُ» المنقولة: «روي في الشواذ عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وإبراهيم النخعي والأعمش وعن زيد بن علي بن الحسين وعن جعفر بن محمد الصادق وعن النبي (صلى الله عليه وآله) «الحي القيام»» (نفس المصدر، 2، 694). هذه القراءة هي أيضًا من تفردات عمر بن الخطاب ونُسبت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) والإمام الصادق (عليه السلام). قرأ عمر الآية الشريفة المذكورة «الحي القيام». وقد ورد في كنز العمال أن عمر بدأ في الصلاة بسورة آل عمران وقرأها هكذا: «الم الله لا إله إلا هو الحي القيام»، بينما ورد في مستدرك الحاكم أنه كان يقرأ أيضًا بالقراءة المعروفة وهي «الحي القيوم». يتضح من هذا التقرير أن كلا الشكلين كانا جائزين عند عمر ولم يكن هناك نص خاص يحدد له قراءة معينة (مؤدب، 1378: 89؛ راجع: الجدول رقم 3، قسم الملاحق).
أنواع اختلاف القراءات في روايات أهل البيت (عليهم السلام)
في هذا القسم، سنقوم بدراسة أنواع من اختلافات القراءات التي يترتب عليها تغيير في المعنى. يمكن تقسيم تأثير اختلاف القراءات في تفسير الآية من الناحية الفقهية (لساني فشاركي، 1371: 594-596) وغير الفقهية إلى ما يلي:
1. «وجاءت سكرة الحق بالموت» بدلًا من «وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ» (ق: 19). المنسوبة إلى أئمة الهدى (عليهم السلام) (الطبرسي، 1372: 9، 214). هذه القراءة التي تعد علامة على التغيير والتحريف، ذكرها مفسرون شيعة آخرون قبل الطبرسي مثل علي بن إبراهيم القمي (القمي، 1367: 2، 324؛ كريمينيا، 1385: 14) والشيخ الطوسي (الطوسي، دون تاريخ: 9، 365) أيضًا دون ذكر سند. ينسب الشيخ الطوسي هذه القراءة إلى ابن مسعود أيضًا (نفس المصدر، 6، 262). وقد نسب ابن حجر العسقلاني هذه القراءة إلى أبي بكر وطلحة بن مصرف والإمام زين العابدين (عليه السلام) (العسقلاني، دون تاريخ: 9، 24). يصرح الشيخ الطوسي بوضوح أن معنى الآية هكذا، كأن قلبًا قد حدث في الآية؛ كما قيل في آية «لكل أجل كتاب» أن معناها «لكل كتاب أجل». على أي حال، نظرًا لأن المرحوم الطبرسي نقل هذه القراءة في بحث «القراءة» دون سلسلة سند عن أهل البيت (عليهم السلام) وسندها لا يصل إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فلا يمكن اعتبارها قراءة صحيحة. ورغم أن الطبرسي لا يعتبر اختلاف القراءات تحريفًا للقرآن، إلا أنه لم يُدخل هذه القراءة التي يرى معظم علماء الشيعة أنها تؤدي إلى التحريف، في معنى وتفسير الآية ولم يفسر الآية على أساسها.
2. القراءة بتغيير «لَتُصِيبَنَّ» إلى «لَا تُصِيبَنَّ» (الأنفال: 25) التي عُدّت من قراءات أمير المؤمنين (عليه السلام) والإمام الباقر (عليه السلام) (الطبرسي، 4، 818). نقل المرحوم الطبرسي هذه القراءة المخالفة للمشهور في بحث «القراءة» عن الإمامين دون ذكر سند، لكنه لم يعتنِ بها في تفسير الآية؛ ورغم أن هذا الاختلاف في القراءة لا يحدث فرقًا كبيرًا في معنى الآية؛ لأنه وفقًا للقراءة المشهورة «لا تصيبن» تُقرأ بـ«لا» الناهية ونون التوكيد الثقيلة للتأكيد على النهي، والآية تهدف إلى تحذير جميع المؤمنين من فتنة شاملة لا تتعلق بالكفار والمشركين. أما في القراءة المنسوبة إلى الأئمة (عليهم السلام)، فإن اللام في «لتصيبن» للقسم والنون الثقيلة للتأكيد، وتقدير الآية هو: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً أُقْسِمُ لَتُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً»، وكلمة «خاصة» في هذه القراءة حال من الفتنة، والمعنى هو: أيها المؤمنون، اتقوا فتنة تختص بالظالمين منكم؛ وبناءً على كلتا القراءتين، تأمر الآية الكريمة الجميع بالتقوى والحذر من الوقوع في الفتنة (الطباطبائي، 1417: 9، 51-52؛ فاكر ميبدي، 105). إذًا، على الرغم من أن هذه القراءة المخالفة لا تؤثر في معنى الآية، إلا أنها لكونها بدون سلسلة سند وغير مستندة إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، لا يمكن اعتبارها قراءة صحيحة.
3. القراءة بتغيير «ونادى نوحٌ ابنَه» إلى «ونادى نوحٌ ابنَها» (هود: 42) قراءة منسوبة إلى حضرة علي (عليه السلام)، الإمام الباقر (عليه السلام) والإمام الصادق (عليه السلام) (الطبرسي، 1372: 5، 243). نقل المرحوم الطبرسي هذه القراءة في بحث «القراءة» دون سند عن هؤلاء الأئمة الثلاثة، لكنه لم يولِ هذه القراءة اهتمامًا في تفسير الآية مما يؤدي إلى تغيير معناها؛ لأنه بناءً على قراءة «ونادى نوح ابنها» أو «ونادى نوح ابنه»[4] بفتح الهاء، وهي مخفف «ابنها»، والمقصود بالضمير «ها» زوجة نوح، قيل إن زوجة نوح حملت من غير نوح وألحقت الولد بفراش نوح. وبهذه القراءة يُؤيد رأي الحسن البصري. فهو يعتقد أن الابن الغريق لم يكن ابن نوح، بل كان ربيبه أو ولدًا غير شرعي (الزمخشري، 1407: 2، 396؛ فاكر ميبدي، نفس الموضع). هذه القراءة ناتجة عن رواية نقلها السيوطي عن ابن الأنباري في المصاحف (السيوطي، 1404: 3، 334) ووجهها عكرمة (الطبرسي، 1372: 5، 246)؛ وبناءً على ذلك، كما قال العلامة الطباطبائي، نُسبت هذه القراءات إلى أهل البيت (عليهم السلام)، فبما أن صدور الرواية عن الأئمة الثلاثة والنبي (صلى الله عليه وآله) ليس قطعيًا، وقد تسربت من كتب أهل السنة إلى تفاسير الشيعة، فلا يمكن اعتبارها قراءة صحيحة.
4. القراءة بتبديل «أفلم يتبين» إلى «أفلم ييأس» (الرعد: 31). هذه القراءة منسوبة أيضًا إلى علي، والإمام السجاد (عليه السلام)، وزيد بن علي، والإمام الصادق (عليه السلام) (الطبرسي، 1372: 6، 449). ولكن من هو المقصود بعلي هنا ليس واضحًا؛ لأنه ورد في المتن: «قرأ علي وابن عباس وعلي بن الحسين وزيد بن علي وجعفر بن محمد وابن أبي مليكة وعكرمة والجحدري وأبو يزيد المزني «أفلم يتبين» والقراءة المشهورة «ييأس»» (نفس المصدر). ينقل المرحوم الطبرسي في بحث «الحجة» عن ابن جني أن قراءة «أفلم يتبين» هي تفسير لـ «أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا». وبناءً عليه، حتى لو لم نعتبر هذه القراءة تفسيرًا، فإنها لا تؤثر كثيرًا في معنى الآية ولا تسبب تحريفًا؛ لأنه كما يقول نقلاً عن ابن جني في تتمة كلامه: ليس ببعيد أن يكون هذا المعنى قريبًا من معنى اليأس، لأنه عندما يبحث شخص عن شيء ويحققه ويثبته، كمن يئس من شيء، يتركه ويذهب وراء مطلب آخر (نفس المصدر). هذه الرواية أيضًا، مثل الروايات السابقة، بدون ذكر سلسلة سند، وصدورها عن الأئمة الثلاثة والنبي (صلى الله عليه وآله) ليس قطعيًا؛ لذا لا يمكن أن تكون قراءة صحيحة.
5. القراءة بتبديل «تبينت الإنس» إلى «تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ» (سبأ: 14). هذه القراءة في مجمع البيان من القراءات الشاذة لابن عباس والضحاك ومنسوبة إلى إمامين هما حضرة زين العابدين (عليه السلام) وحضرة الصادق (عليه السلام) (الطبرسي، 1372: 8، 595). ويذكر دليله على هذه القراءة في بحث «الحجة» كما يلي: «وأما قوله تبينت الإنس فمعناه تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب وهكذا هو في مصحف عبد الله ويؤول إلى هذا المعنى قراءة يعقوب «تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ»» أي: وأما قوله (تبينت الإنس) فمعناه أنه تبين للناس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب لما بقوا في العذاب، وهكذا ورد في مصحف عبد الله ابن مسعود، وتؤول إلى هذا المعنى قراءة يعقوب «تبينت الجن» (فاكر ميبدي، 106). وقد فسر الشيخ الطوسي الآية على أساس هذه القراءة أيضًا (الطوسي، دون تاريخ: 8، 384). ويقول المرحوم الطبرسي في بحث التفسير: «فَلَمَّا خَرَّ» أي سقط سليمان ميتًا «تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ» أي ظهرت الجن فانكشف للناس «أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ» معناه في الأعمال الشاقة» (الطبرسي، 1372: 6، 601)، أما المرحوم الطبرسي في مقدمة تفسيره في «الفن الثاني» فقد أورد رأي الشيخ الطوسي الذي يجيز اختلاف القراءات، دون أن يجعله دليلاً على تحريف القرآن. وبناءً عليه، يمكن استنتاج أنه من وجهة نظر كلا المفسرين الكبيرين، فإن نقل اختلافات القراءات، سواء من جانب القراء المشهورين السبعة والعشرة أو المنسوبة إلى الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، لا يدل على تحريف القرآن (كريمي نيا، 1385: 14).
6. القراءة بالنقص «يسألونك الأنفال» بدلًا من «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ» (الأنفال: 1). نُسبت هذه القراءة إلى ثلاثة أئمة: حضرة زين العابدين (عليه السلام)، وحضرة الباقر (عليه السلام)، وحضرة الصادق (عليه السلام)، وكذلك إلى زيد بن علي وآخرين مثل عبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن مصرف (الطبرسي، 1372: 4، 795). ويذكر الطبرسي دليل هذه القراءة نقلاً عن ابن جني بقوله: يمكن أن يُفهم من هذه القراءة أن السؤال عن الأنفال، وهو مضمون القراءة المشهورة، كان أيضًا بهدف طلب الأنفال، وكان غرضهم من السؤال هو تملك الأنفال (نفس المصدر). وقد نقل الشيخ الطوسي هذه القراءة في التبيان دون ذكر سند عن أهل البيت (عليهم السلام) (الطوسي، دون تاريخ: 5، 71-72). وبالطبع، فإن إشارة الشيخ الطوسي إلى قراءة أهل البيت (عليهم السلام) تستند إلى روايات وردت في تفاسير سبقت تفسيره. ففي تفسير النعماني ورد: «عن أحمد بن محمد بن عقدة عن جعفر بن أحمد بن يوسف عن إسماعيل بن مهران عن حسن بن علي بن أبي حمزة عن أبيه عن إسماعيل بن أبي جابر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: … قال الله تعالى: يسئلونك الأنفال قل الأنفال لله وللرسول، فحرفوها وقالوا يسألونك عن الأنفال» (النوري، 1387: 7، 300). كذلك، نسب الطبري هذه القراءة (بحذف «عن») في جامع البيان إلى ابن مسعود، قائلاً: «… وقالوا: قد كان ابن مسعود يقرؤه (يسألونك الأنفال) على هذا التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، قال: كان أصحاب عبد الله يقرءونها (يسألونك الأنفال). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: هي في قراءة ابن مسعود يسألونك الأنفال» (الطبري؛ 1413: 9، 118). ورغم أن قراءة «يسئلونك الأنفال» منسوبة في تفسير مجمع البيان إلى أهل البيت (عليهم السلام) دون سند، إلا أنها وردت في مصادر أخرى بسند. في الفرق بين هاتين القراءتين، يجب القول إن كلمة «عن» إما زائدة في القراءة المشهورة أو مقدرة في القراءة الشاذة (الطباطبائي، 1417: 9، 7). بناءً على القراءة المشهورة، تدل الآية على وجود نزاع وخصومة بين الأفراد المشار إليهم في الآية، حيث كان كل منهم يدعي صحة قوله، والتفريع الذي جاء في تتمة الآية: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ» يدل على أن موضوع الخصومة كان الأنفال، وأن السؤال الذي أشير إليه في بداية السورة جاء لقطع هذه الخصومة. يبدو أنهم تخاصموا في أمر الأنفال، ولحسم الأمر ذهبوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، وهذا يؤيد القراءة المشهورة؛ لأنه كلما تعدى السؤال بـ «عن» كان بمعنى الاستعلام عن الحكم والخبر، أما إذا تعدى بنفسه فإنه يكون بمعنى الاستعطاف (الطلب) (نفس المصدر، 8). وعليه، بما أن الطبرسي ذكر هذه الرواية دون سند، ونسبتها إلى المعصوم والنبي (صلى الله عليه وآله) ليست قطعية، ومن جهة أخرى، وردت قبل الطبرسي في تفاسير أهل السنة بسند، يمكن القول إن هذه الرواية منقولة ولا يمكن اعتبارها قراءة صحيحة، بل يجب القول إن القراءة الصحيحة هي القراءة بـ «عن»؛ كما نقلها الشيخ الطوسي أيضًا مع ذكر سلسلة السند عن أهل البيت (عليهم السلام) من التفاسير السابقة.
7. قراءة «يحكم به ذو عدل منكم» بدلًا من «يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ» (المائدة: 95) المنسوبة إلى الإمامين حضرة الباقر (عليه السلام) وحضرة الصادق (عليه السلام) (الطبرسي، 1372: 3، 375؛ ستوده نيا، 1382: 41-108؛ دياري بيدگلي، 1387: 205). ورغم أنها وردت في مجمع البيان دون ذكر سند، إلا أنها نُقلت في الكافي مع ذكر سلسلة السند عن الإمام الصادق (عليه السلام) والإمام الباقر (عليه السلام) على النحو التالي: «علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل: «ذوا عدل منكم» قال: العدل رسول الله (ص) والإمام من بعده ثم قال: هذا مما أخطأت به الكتاب» (الكليني، 1407: 4، 396). وفي رواية أخرى ورد: «محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن فضال عن ابن بكير عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: «يحكم به ذوا عدل منكم» قال: العدل رسول الله (ص) والإمام من بعده ثم قال: هذا مما أخطأت به الكتاب» (نفس المصدر، 397). بناءً على كلتا الروايتين، يقول الإمامان إن الآية كانت «ذو عدل منكم» ثم قالا: «هذا مما أخطأت به الكتاب»، أي أن هذا من أخطاء النساخ. يتضح من ظاهر عبارة المرحوم الطبرسي التي وردت تحت عنوان «الحجة» أنه قبل القراءة المشهورة، واعتبر كلام الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام) مراد الآية. يقول: «قد وجدت في تفسير أهل البيت منقولاً عن السيدين (عليهما السلام) أن المراد بذي العدل رسول الله (ص) وأولي الأمر من بعده» (الطبرسي، 1373: 3، 375). وبناءً عليه، أولاً، بما أن الرواية في مجمع البيان دون سند، فهي غير معتبرة. ثانيًا، بفرض أنها مسندة، فهي لا تتعلق بالقراءة، بل بالتفسير ومراد الآية؛ كما صرح به المرحوم الطبرسي. ثالثًا، إذا أخذنا بنظر الاعتبار تتمة الرواية التي تقول: «هذا مما أخطأت به الكتاب»، فإنه يبدو أن هذه القراءة لا تسبب تحريفًا للقرآن؛ حيث يقبل العلامة الطباطبائي التغيير في الإعراب والنقطة وما شابه ذلك، ولا يعتبر هذا القدر من التغيير مضرًا بصيانة القرآن من التحريف (الطباطبائي، 1417: 12، 107).
8. قراءة «التائبين العابدين» بالياء إلى آخر الآية بدلًا من «التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ…» (التوبة: 112) المنسوبة إلى الإمامين حضرة الباقر (عليه السلام) وحضرة الصادق (عليه السلام) (الطبرسي، 1372: 5، 112). يكتب المرحوم الطبرسي في هذا الصدد: في قراءة أُبي وعبد الله بن مسعود والأعمش، قُرئت «التائبين العابدين…» إلى آخر الصفات التسع بالياء، وهذا مروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام). ثم يتناول التوجيه الأدبي ويكتب: الرفع في «التائبون العابدون» إما على الاستئناف أو على أنه مبتدأ خبره محذوف، أما «التائبين العابدين» فيمكن أن يكون مجرورًا صفة للمؤمنين في أول الآية السابقة أو منصوبًا على إضمار «أعني» و«أمدح» (نفس المصدر)؛ وبناءً عليه، يلاحظ جيدًا أن هذا الاختلاف في القراءة، وإن كان مختلفًا في التوجيه الأدبي عن القراءة المشهورة، إلا أنه لا يؤثر كثيرًا في المعنى التفسيري للآية. ومن جهة أخرى، هذه القراءة بدون سند ولا يمكن اعتبارها قراءة صحيحة.
9. قراءة «له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله» بدلًا من «لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» (الرعد: 11)، وهذه القراءة منسوبة إلى حضرة علي (عليه السلام) وحضرة الإمام الصادق (عليه السلام) (نفس المصدر، 6، 428). قراءة «بأمر الله» بدلًا من «من أمر الله» مشهورة جدًا في النصوص الروائية والتفسيرية الشيعية. منشأ هذا القول رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) نقلها علي بن إبراهيم القمي: «وقوله «لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» فإنها قُرئت عند أبي عبد الله (ص) فقال لقارئها: ألستم عربًا فكيف تكون المعقبات من بين يديه وإنما المعقب من خلفه؟ فقال الرجل: جعلت فداك كيف هذا؟ فقال: إنما نزلت «له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله»» (القمي، 1367: 1، 360). في محضر الإمام الصادق (عليه السلام) قُرئت هذه الآية، فقال الإمام للقارئ: «ألستم عربًا؟ كيف تكون المعقبات من بين يديه (أمامه)؟ المعقبات دائمًا من الخلف». قال الرجل: «فداك نفسي، فكيف هذه الآية؟» قال: «إنما نزلت الآية هكذا: له معقبات من خلفه ورقيب بين يديه يحفظونه بأمر الله…». أدرج المرحوم الطبرسي رواية الإمام الصادق (عليه السلام) بالكامل في بحث قراءات تفسيره وقصد بها وظيفة قراءة صرفة. ويضيف أيضًا: قراءة «يحفظونه بأمر الله» نُقلت عن علي (عليه السلام) وابن عباس وعكرمة وزيد بن علي أيضًا (الطبرسي، 1372: 6، 428). لم يذكر الشيخ الطوسي هذا النوع من الروايات المتعلقة بكيفية قراءة خاصة بالأئمة (عليهم السلام) ضمن القراءات المعروفة للقراء السبعة أو العشرة. هذه القرينة تدل على أن وظيفة هذا النوع من الروايات من وجهة نظره تفسيرية بحتة وبهدف شرح وبيان مدلول الآية. يصرح الشيخ الطوسي بأن هذه الموارد من قبيل التفسير وبيان الآية. ويقول تحت آية «لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» بعد ذكر معانٍ وبيانات مختلفة من المفسرين والأدباء: «وفي تفسير أهل البيت أن معناه يحفظونه بأمر الله» (الطوسي، دون تاريخ: 6، 228). وبناءً عليه، رغم أن المرحوم الطبرسي نقل قراءة «يحفظونه بأمر الله» عن إمامين، وبما أنه في تفسيره في بحث القراءة، قبل نقل هذه الرواية، ذكر هذه القراءة نفسها عن أبي برهسم -صاحب القراءات الشاذة- يمكن فهم أن هذه القراءة شاذة. وإذا نُسبت إلى المعصوم، فهي بدون سند. علاوة على ذلك، أورد الطبرسي هذه الرواية فقط في مبحث القراءات، دون أن يدخلها في معنى وتفسير الآية ويفسر الآية على أساسها. والشيخ الطوسي أيضًا لا يقبل هذه القراءة كقراءة مشهورة منقولة عن الإمام، بل يعتبر «يحفظونه بأمر الله» تفسيرًا ومعنى للآية، لا قراءة أخرى تخالف المشهور والمنصوص عليه عن الأئمة (عليهم السلام).
10. قراءة «خالفوا» بدلًا من «وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا…» (التوبة: 118). هذه القراءة منسوبة إلى ثلاثة أئمة: حضرة زين العابدين (عليه السلام)، وحضرة الباقر (عليه السلام)، وحضرة الصادق (عليه السلام) (الطبرسي، 1372: 5، 118). هذه أيضًا رواية معروفة، ويبدو أن أول من أوردها في التفاسير الشيعية القديمة هو علي بن إبراهيم القمي، ونقلها عن الإمام الكاظم (عليه السلام) بتعبير «فقال العالم (عليه السلام)» (القمي، 1367: 1، 297). يذكر الشيخ الطوسي تحت هذه الآية آراء مختلفة حول المخالفة التي ارتكبها هؤلاء الثلاثة، وفي النهاية يكتب: «وفي قراءة أهل البيت: خالفوا لأنهم لو خُلِّفوا لما توجه عليهم العتب» (الطوسي، دون تاريخ: 5، 316). وفي هذا السياق، تختلف طريقة استخدام الشيخ الطوسي لهذه الرواية عن طريقة نقلها في مجمع البيان. يستفيد الشيخ الطوسي صراحة من هذه الرواية في بيان مضمون وتفسير الآية، لا كدليل على تحريف القرآن ولا حتى يعتبر مضمون الرواية من قبيل اختلاف القراءات. على العكس من ذلك، يكتب الطبرسي في خضم المباحث المتعلقة باختلاف القراءات: الإمام زين العابدين، والإمام الباقر، والإمام الصادق (عليهم السلام)، وأبو عبد الرحمن السلمي قرأوا هذه الآية «خالفوا». بالطبع، رغم أن المرحوم الطبرسي ذكر قراءة «خالفوا» -وهي مخالفة للقراءة المشهورة- في بحث اختلاف القراءات وفي معنى وتفسير الآية عن أهل البيت (عليهم السلام)، يمكن القول إنه أخذ هذه القراءة من التفاسير السابقة. والأمر الآخر هو أنه لم يذكر سندًا للرواية التي وردت فيها هذه القراءة حتى يكون انتسابها إلى المعصوم (عليه السلام) مسلمًا به وتُعد قراءة صحيحة منقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله).
الخاتمة
من خلال ما سبق، يمكن استخلاص النتائج التالية:
1. نقل المرحوم الطبرسي ما مجموعه مائة وخمس وأربعون رواية حول اختلاف القراءات المنسوبة إلى المعصومين (عليهم السلام) في تفسير مجمع البيان، منها مائة وأربع وأربعون رواية بدون سند.
2. مجموع روايات أهل البيت (عليهم السلام) بالتفصيل هو: عشر روايات عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، ورواية واحدة عن فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وخمس وخمسون رواية عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، واثنتا عشرة رواية عن الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وخمس وعشرون رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام)، وثمان وثلاثون رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام)؛ وبناءً على ذلك، فإن أكثر الروايات منسوبة إلى الإمام علي (عليه السلام) وأقلها إلى فاطمة الزهراء (عليها السلام). وتجدر الإشارة إلى أن هذه الروايات في مجمع البيان ذُكرت فقط حتى زمن الصادقين (عليهما السلام) وبعد ذلك، لم يُنقل شيء عن أي من الأئمة (عليهم السلام).
3. عدد الروايات الشاذة ست عشرة رواية، ومائة وتسع وعشرون رواية أخرى غير شاذة.
4. إحصاء الروايات التي تتطابق مع رواية حفص عن عاصم هو ثماني روايات، وفي مائة وأربع وثلاثين حالة أخرى، تتعارض قراءة حفص عن عاصم مع الروايات.
5. ذكر المرحوم الطبرسي اختلاف القراءات في اثنتين وخمسين سورة فقط، دون أن يذكر رواية عن المعصوم (عليه السلام) لهم. وفي ثماني سور من القرآن، لم يُطرح أي اختلاف في القراءات في مجمع البيان؛ وهي: الجمعة، الشرح، التين، العلق، العصر، الكوثر، النصر، والفلق.
6. استند المرحوم المحدث النوري إلى ثمان وسبعين رواية من الروايات التي نقلها المرحوم الطبرسي في اختلاف القراءات عن أهل البيت (عليهم السلام) في كتابه «فصل الخطاب» واعتبرها دليلاً على التحريف. ولكن العلامة العسكري في المجلد الثالث من كتاب «القرآن الكريم وروايات المدرستين» فنّد جميع مستنداته بأدلة واعتبرها لا أساس لها.
7. تظهر الدراسات أن هذه الروايات إما أنها في مجال اختلاف القراءات الذي لا يمس صيانة القرآن من التحريف؛ مثل قراءة «لتصيبن» بدلًا من «لا تصيبن»؛ أو أنها في مقام بيان معنى وتفسير الآية وطُرحت على أنها اختلاف في القراءات نتيجة التسامح؛ مثل قراءة «بأمر الله» بدلًا من «من أمر الله» في الآية 11 من سورة الرعد؛ أو أنها من تفردات الخليفة الثاني ولكي تلقى قبولاً من الآخرين، نُسبت إلى أهل البيت (عليهم السلام)؛ مثل قراءة «حي القيام» بدلًا من «حي القيوم»، وقراءة «وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ» بدلًا من «وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ».
المصادر والمراجع
1. ابن حجر العسقلاني، شهاب الدين (بلا تاريخ)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، بيروت، دار المعرفة.
2. إحسان فر لنگرودي، محمد (1385ش)، أسباب اختلاف الحديث، قم، دار الحديث.
3. حجتي، سيد محمد باقر (1382ش)، دراسة في تاريخ القرآن الكريم، طهران، دفتر نشر فرهنگ إسلامي.
4. دياري بيدگلي، محمد تقي ونانسي ساكي (1391ش)، نظرة تاريخية – روائية في باب اختلاف قراءة «مالك» / «ملك» بناءً على تفاسير الفريقين، كتاب قيم، العدد 5.
5. دياري بيدگلي، محمد تقي (1387ش)، مدخل إلى تاريخ علوم القرآن، قم، جامعة قم، الطبعة الثانية.
6. دياري بيدگلي، محمد تقي (1390ش)، دراسة نقدية للروايات التفسيرية، طهران، سمت.
7. رستم نژاد، مهدي (1390ش)، دراسة مقارنة في الروايات التفسيرية للفريقين، قم، المركز الدولي للترجمة والنشر بجامعة المصطفى العالمية.
8. رضوان، عمر بن إبراهيم (1413ق)، آراء المستشرقين حول القرآن الكريم، الرياض، دار طيبة.
9. الزركشي، بدر الدين (1415ق)، البرهان في علوم القرآن، بيروت، دار المعرفة، الطبعة الثانية.
10. الزركشي، محمد بن عبد الله (1410ق)، البرهان في علوم القرآن، بيروت، دار المعرفة.
11. الزمخشري، محمود بن عمر (1407ق)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، بيروت، دار الكتاب العربي.
12. ستوده نيا، محمدرضا (1382ش)، تأثير القراءات على التفسير، (رسالة ماجستير) المشرف سيد محمد باقر حجتي، جامعة قم.
13. السيوطي، جلال الدين (1404ق)، الدر المنثور في التفسير المأثور، قم، مكتبة آية الله مرعشي نجفي.
14. شريعت، محمد جواد (1370ش)، أربع عشرة رواية في قراءة القرآن المجيد، طهران، مركز الطباعة والنشر بمنظمة الإعلام الإسلامي.
15. الصغير، محمد حسين علي (1413ق)، المستشرقون والدراسات القرآنية، قم، دفتر الإعلام الإسلامي، الطبعة الثانية.
16. الطباطبائي، سيد محمد حسين (1417ق)، الميزان في تفسير القرآن، قم، دفتر انتشارات إسلامي.
17. الطبرسي، فضل بن حسن (1372ق)، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران، انتشارات ناصر خسرو.
18. الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير (1412ق)، جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت، دار المعرفة.
19. الطوسي، محمد بن الحسن (1415ق)، رجال الطوسي، تحقيق جواد قيومي أصفهاني، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.
20. الطوسي، محمد بن حسن (بلا تاريخ)، التبيان في تفسير القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
21. عنايت، غازي (1996م)، شبهات حول القرآن وتفنيدها، بيروت، دار ومكتبة الهلال.
22. فاكر ميبدي، محمد، اختلاف القراءات ودوره في التفسير من وجهة نظر العلامة الطباطبائي، قرآن شناخت، العدد 2.
23. القمي، علي بن إبراهيم (1367ش)، تفسير القمي، تحقيق سيد طيب موسوي جزائري، قم، دار الكتاب.
24. كريمي نيا، مرتضى (1385ش)، اختلاف القراءة أم تحريف القرآن: نظرة إلى نقل روايات الشيعة في تفسير تبيان، علوم حديث، السنة الحادية عشرة، العدد 40.
25. الكليني، محمد بن يعقوب (1407ق)، الكافي، تصحيح علي أكبر غفاري ومحمد آخوندي، طهران، دار الكتب الإسلامية.
26. لساني فشاركي، محمد علي (1391ش)، القراء السبعة والقراءات السبع، طهران، أسوة.
27. المجلسي، محمد باقر (1403ق)، بحار الأنوار، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
28. معرفت، محمد هادي (1411ق)، التمهيد في علوم القرآن، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.
29. مؤدب، سيد رضا (1378ش)، نزول القرآن ورؤيا الأحرف السبعة، قم، دفتر تبليغات إسلامي.
30. نصيري، علي (1387ش)، اختلاف القراءات وتحريف القرآن، معارف، العدد 60.
31. النوري (المحدث النوري)، ميرزا حسين (1408ق)، مستدرك وسائل الشيعة ومستنبط المسائل، قم، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الأولى.
الهوامش
1. لمزيد من الاطلاع، انظر: الزركشي، 1، 428-465؛ دياري بيدگلي، مدخل إلى تاريخ علوم القرآن، 64-82.
2. ذكر الدكتور محمد حسين علي الصغير في هذا الصدد ما يلي: “تظل القضية قضية تاريخية فحسب، إذ القرآن المعاصر الذي أجمع عليه العالم الإسلامي و هو ذات القرآن الذي نزل به الوحي على رسول الله (ص) مرقوم برواية حفص لقراءة عاصم بن أبي النجود الكوفي، باستثناء المغرب العربي الذي اعتمد قراءة نافع المدني برواية ورش” (الصغير، 1413: 110-111).
3. اعتبر عدد من المستشرقين اختلاف القراءات بمعنى تسرب التحريف إلى القرآن؛ كما نقل ريجي بلاشير عن بعض المستشرقين أنهم عدوا اختلاف قراءات القرآن بمعنى نفي قداسته (رضوان، 1413: 1، 113؛ الصغير، 1413: 32؛ عنايت، 1996: 135-137).
4. هذه القراءة من الموارد التي يوجد فيها اختلاف في برنامج جامع التفاسير والنسخة الخطية لمجمع البيان. في النسخة الخطية، ذُكرت هذه القراءة نفسها، ولكن في البرنامج الحاسوبي، أُشير إلى القراءة المشهورة.