دراسة وثاقة أحمد بن محمد بن يحيى العطار من منظار الأستاذ الشب زنده دار

سيد رضا حسني1

الملخص

أحمد بن محمد بن يحيى العطار من الرواة المعروفين الذين ورد ذكرهم في العديد من أسانيد الكتب الحديثية الأربعة عند الشيعة، وكذلك في كتب الشيخ الصدوق، على الرغم من عدم امتلاكه لأصل أو كتاب. لم يُوثَّق بشكل خاص في كتب الرجال الأساسية عند الشيعة؛ ومن هنا، لا بد من التمسك بالتوثيقات العامة التي قيلت فيه لتصحيح رواياته المذكورة. في هذا المقال، وبمنهج تحليلي-اجتهادي، وبالاستفادة من مباحث الأستاذ الشب زنده دار، قام الكاتب بدراسة اثني عشر توثيقًا عامًا ورد في حق هذا الراوي، وبعد التحقيقات اللازمة من قبل الأستاذ، قَبِل بخمسة وجوه لإثبات وثاقته، وهي: ترضي الشيخ الصدوق عليه، وعدم حاجته إلى توثيق خاص لشهرته، وتوثيق الشهيد الثاني له، واعتماد الأصحاب على الطريق المشتمل عليه، ووجود الراوي في طريق بعض الرواة الذين صحّح العلامة طريقهم.

المقدمة

من أهم مصادر الشريعة في نظر الشيعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) للعصمة والطهارة، والتي في حال غيابها، سنواجه طريقاً مسدوداً من الجهل في جميع وظائف الحياة الفردية والاجتماعية. وكما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة، فإن الله تعالى قد جعل معالم الدين ومستلزمات إصلاح حياة المؤمنين الدنيوية والأخروية في التمسك بأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (الصدوق، 1413هـ، ج2، ص 616).

لا شك أن أحد المتطلبات الأساسية لاستنباط وفهم الحكم الإلهي من الروايات هو دراسة المباحث المتعلقة برجال أسانيد الروايات، والتي بدونها، قد يختلط الكثير من الروايات الصحيحة والسقيمة، ولا يُعرف الحق من الباطل. علم الرجال هو علم يبحث في أحوال الرواة الواقعين في أسانيد الروايات (المامقاني، 1373هـ، ج1، ص29؛ السبحاني، 1410هـ، ص 11).

في كلام الرجاليين، إثبات وثاقة راوٍ ممكن من طريقين: القسم الأول هو التوثيقات الخاصة، وهي عبارة عن تصريح الأئمة المعصومين (عليهم السلام) أنفسهم أو إخبار الثقات بوثاقة الشخص. القسم الثاني هو التوثيقات العامة، وفي هذا القسم يمكن اعتبار الشخص الذي تنطبق عليه الضوابط الكلية المذكورة لوثاقة الرواة، موثوقاً به (الإيرواني، 1431هـ، ص33).

أحمد بن محمد بن يحيى العطار من الرواة الشيعة المشهورين الذين وردوا في سند الكثير من الروايات الشيعية في الكتب الأربعة، وكذلك كتب الشيخ الصدوق، ومن أهمها حديث الرفع (الكليني، 1407هـ، ج2، ص 463)؛ ومن هنا فإن إثبات وثاقته يمكن أن يكون مفتاحاً مناسباً للاعتماد على الأحاديث التي نُقلت عن طريقه. بعض الأكابر مثل المحقق الخوئي، نظراً لعدم ورود توثيق خاص في حق هذا الراوي المشهور، اعتبروه مجهول الحال ولم يعتمدوا على الأحاديث المنقولة عن طريقه (الخوئي، 1403هـ، ج3، ص 122).

في هذا المقال، ومن وجهة نظر الأستاذ الشيخ مهدي الشب زنده دار – حفظه الله – تم بحث أحد عشر توثيقاً عاماً طُرحت بشأن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، حيث قُبل بعضها ورُد البعض الآخر.

الوجوه غير المقبولة في إثبات وثاقة أحمد بن محمد بن يحيى العطار

1-1. كفاية عدم ورود قدح في الراوي المعروف

يعتقد البعض أن من التوثيقات العامة التي يمكن استخدامها لإثبات وثاقة الرواة، هو كون الراوي معروفاً مع عدم ورود قدح فيه. في نظرهم، كون الراوي معروفاً مع عدم وجود جرح فيه، يدل على حسن ظاهره، وحسن الظاهر أمارة على الوثاقة (التبريزي، 1423هـ، ج3، ص22). من هذا المنطلق، يمكن القول إن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، الذي هو من الرواة المشهورين ولم يرد فيه قدح، هو موثوق.

مناقشة في البيان المذكور

البيان المذكور محل مناقشة من جهتين:

1-1-1. البيان المذكور صحيح في حال وصول جميع أقوال الرجاليين إلينا. في هذه الحالة، يمكن القول إن كون الراوي معروفاً وعدم ورود قدح من الرجاليين بشأنه يوجب الاطمئنان بعدالته؛ ولكن الكثير من كتب الرجال لم تصلنا، ولا يمكن الاطمئنان بعدالة الراوي المذكور (السيستاني، 1437هـ، ج1، ص 237).

في الرد على هذه المناقشة، يُقال: إن دلالة حسن الظاهر على عدالة الشخص مطروحة في الروايات (الصدوق، 1413هـ، ج3، ص 38)، وحسن الظاهر يمكن إثباته بالتتبع في كتب الرجال الموجودة وعدم وجود قدح بشأن الراوي المعروف؛ بعبارة أخرى، لإثبات حسن ظاهر الراوي، لا حاجة للتتبع في جميع كتب الرجال؛ تماماً كما أنه لإثبات حسن ظاهر شخص ما، لا يلزم التحقيق والسؤال من جميع الذين يعرفونه، ويكفي التحقيق من بضعة أشخاص.

2-1-1. كون الراوي معروفاً يدل فقط على كثرة الرواية عنه، وهذا الأمر لا يدل على حسن ظاهره؛ لأن كثرة الرواية عن شخص لا تستلزم معاشرته؛ إذ في كثير من الحالات تكون الرواية عن شخص عن طريق الإجازة المحضة؛ أي أن الرواة قد يكونون قد حصلوا على إجازة نقل الرواية من راوٍ آخر؛ دون أن يعاشروه ويعلموا حسن ظاهره وعدالته.

2-1. اشتراك الراوي مع الثقات الآخرين في بعض الأسانيد وعدم وجود اختلاف في النقل بينه وبين الثقات

يعتقد بعض الباحثين، ومنهم الإمام الخميني، أن اشتراك الراوي مع رواة ثقات آخرين في أسانيد كثيرة، وعدم وجود اختلاف في نقل هذا الراوي عن الآخرين من قبل ناقلي الأحاديث، يدل على وثاقته (الموسوي الخميني، 1421هـ، ج1، ص 72). هذا الوجه ينطبق على أحمد بن محمد بن يحيى العطار؛ فلم يذكر أي من الذين نقلوا الروايات المشتركة بينه وبين رواة ثقات آخرين وجود اختلاف في النقل بينه وبينهم؛ من هنا يمكن القول إن هذا الأمر، بالإضافة إلى أنه يوجب الاطمئنان بوثاقته، فهو علامة عقلائية على وثاقة الشخص والعرف يعتمد عليه أيضاً.

في مناقشة هذا الوجه، يُقال: صحة البيان المذكور تتوقف على إحراز تقيّد الناقلين بذكر الاختلافات؛ على سبيل المثال، في مورد الشيخ الطوسي، يمكن إحراز تقيّده بذكر الاختلافات؛ لأنه عندما ينقل رواية في التهذيب والاستبصار ثم يذكر طريقها في المشيخة، فإن ذلك يكشف عن عدم وجود اختلاف بين الطرق؛ لأنه في حال وجود اختلاف بين الطرق، كان ذكر الشيخ له ضرورياً، وعدم ذكره ينافي وثاقته.

3-1. وثاقة أحمد بن محمد بن يحيى عند الشيخ الطوسي

للشيخ الطوسي طريقان إلى كتاب محمد بن يحيى العطار:

1. الطريق الذي يقع فيه أحمد بن محمد بن يحيى العطار.

2. الطريق الذي يروي فيه عن الشيخ المفيد عن ابن قولويه عن الكليني.

الطريق الثاني صحيح تماماً ولا مناقشة فيه؛ لأنه لا شك في وثاقة الشيخ المفيد وابن قولويه والكليني. مع الأخذ في الاعتبار هذه النقطة، ليس من المعقول أن يعدل الشيخ عن مثل هذا الطريق الخالي من الإشكال إلى طريق مشكوك فيه؛ وبالنظر إلى أنه في كثير من الحالات نُقل عن طريق الطريق الثاني، يتضح أن اعتبار الطريق الأول ليس أقل من اعتبار الطريق الثاني. ورد هذا البيان في كلام سماحة الأستاذ السيد كاظم الحائري – حفظه الله – (الحائري، 1408هـ، ج3، ص 223).

مناقشة للبيان المذكور

1-3-1. كون نقل الشيخ من كتاب محمد بن يحيى تشريفياً

ناقش البعض الوجه المذكور بالقول إن نقل الشيخ الطوسي من كتاب محمد بن يحيى كان لمجرد التشريف بالسند؛ ولذلك فهو لا يعبر عن اعتماد الشيخ على ذلك الكتاب (السيستاني، 1437هـ، ج1، ص 182)؛ والشاهد على ذلك أن كتاب محمد بن يحيى العطار ليس من مصادر التهذيب والاستبصار؛ بل إن الروايات التي ينقلها من كتاب محمد بن يحيى العطار مأخوذة من كتاب الكافي (نفس المصدر، ص 183). على سبيل المثال، الروايات المنقولة عن طريق «حسين بن عبيد الله، عن أحمد بن محمد بن يحيى» ليست مأخوذة من كتب محمد بن يحيى؛ بل من كتاب محمد بن علي بن محبوب وكتاب نوادر الحكمة، وهما من مصادر الشيخ الطوسي في تأليف التهذيب والاستبصار. الشاهد على هذا المطلب هو أن الشيخ يورد الروايات التي ذكرها بالطريق المذكور في التهذيب غالباً بصورة يكون فيها اسم محمد بن علي بن محبوب أو محمد بن أحمد بن يحيى في بداية السند، وهذا المطلب يدل على أن الشيخ في الاستبصار، من أجل الاختصار في السند، كان بصدد بيان الطريق المذكور بذكر طريق مختصر، ومن هنا حذف اسم محمد بن علي بن محبوب (السيستاني، 1437هـ، ج1، ص 182).

يمكن الرد على هذه المناقشة من عدة جهات:

1. هذا الادعاء يتعارض مع تصريح الشيخ الطوسي في مشيخة التهذيب. يعرّف الشيخ في مشيخة التهذيب طريقته في نقل الأحاديث بذكر السند كاملاً – كما كتب معظم «كتاب الطهارة» بهذه الطريقة – ثم يكتب: «بعد فترة قررت أن أذكر اسم الكتاب الذي أخذت منه في أول السند، ثم أورد طريقي إلى صاحب الكتاب في المشيخة» (الطوسي، 1407هـ، ج1، ص 6).

بناءً على قول الشيخ الطوسي، فإن جميع الموارد التي يبدأ فيها سند الحديث باسم محمد بن يحيى العطار، تكشف عن أن الشيخ قد نقل مباشرة من كتابه. بعض الأكابر يحملون قول الشيخ الطوسي هذا على الغالب ولا يعتبرونه قاعدة دائمة (السيستاني، 1414هـ، ج1، ص 26)، وهذا الادعاء نفسه يرد عليه إشكال مخالفة الظاهر لكلام الشيخ.

2. الشاهد الذي قُدم في الإشكال على الوجه المذكور، بأن الروايات التي ينقلها الشيخ في الاستبصار عن حسين بن عبيد الله، تبدأ في التهذيب باسم محمد بن علي بن محبوب، والاستنتاج بأن مصدر الكتاب هو كتاب محمد بن علي بن محبوب، ليس تاماً.

لمزيد من البحث في المطلب المذكور – على سبيل المثال – الرواية التي نُقلت في التهذيب والاستبصار، تُبحث كالتالي:

رواية الاستبصار

«أَخْبَرَنَا بِهِ الْحُسَيْنُ بن عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَحْمَدَ بن مُحَمَّدِ بن يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بن عَلِيٍّ بن مَحْبُوبِ، عَنِ الْعَبَّاسِ بن مَعْرُوفِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ (عليه السلام) قَالَ: كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: إِذَا مَاتَ الْكَلْبُ فِي الْبِئْرِ نُزِحَتْ وَقَالَ جَعْفَرٌ (عليه السلام): إِذَا وَقَعَ فِيهَا ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهَا حَيّاً نُزِحَ مِنْهَا سَبْعُ دِلَاءٍ» (الطوسي، 1390هـ، ج 1، ص 38).

رواية التهذيب

«مُحَمَّدُ بن عَلِيِّ بن مَحْبُوبٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بن مَعْرُوفِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ قَالَ، كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: إِذَا مَاتَ الْكَلْبُ فِي الْبِئْرِ نُزِحَتْ، قَالَ: وَقَالَ جَعْفَرٌ (عليه السلام): إِذَا وَقَعَ فِيهَا ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهَا حَيّاً نُزِحَ مِنْهَا سَبْعُ دِلَاءٍ» (الطوسي، 1407هـ، ج 1، ص 415).

في دراسة القرينة المزعومة، يُقال:

أولاً، قول الشيخ الطوسي بأن صاحب الكتاب هو الشخص المذكور في بداية السند لا يتعلق بهذه المسألة التي هي جزء من «كتاب الطهارة»؛ لأن الشيخ اتبع هذه الطريقة بعد باب الطهارة في كتاب التهذيب؛ ومن ثم فإن الروايات المذكورة بعد هذه الرواية تبدأ بأشخاص ليسوا أصحاب كتب.

ثانياً، في المثال المذكور، تم التعليق؛ أي في رواية واحدة أو عدة روايات،2 يُذكر السند كاملاً، ثم دون ذكر الرواة المشتركين، يتم التعليق على السند السابق، ويُذكر السند من حيث ينقطع الاشتراك. في هذا المثال، الأمر كذلك. ففي نفس الباب، في الرواية العاشرة، جاء ما يلي:

«أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَحْمَدَ بن مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بن يَحْيَى وَالْحُسَيْنُ بن عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَحْمَدَ بن مُحَمَّدِ بن يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بن يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بن عَلِيٍّ بن مَحْبُوبٍ، عَنْ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عُمَرَ بْن يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْن سَعِيدِ بن هِلَالٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَمَّا يَقَعُ فِي الْبِئْرِ مَا بَيْنَ الْفَأْرَةِ وَالسِّنَّوْرِ إِلَى الشَّاةِ فَقَالَ: كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: سَبْعُ دِلَاءٍ قَالَ: حَتَّى بَلَغْتُ الْحِمَارَ وَالْجَمَلَ فَقَالَ: كُرٌّ مِنْ مَاءٍ» (نفس المصدر، ص 235).

في سند هذه الرواية، يوجد سندان إلى محمد بن علي بن محبوب، ثم في الروايات التالية، يُحال إلى هذا السند حتى الرواية الثامنة عشرة التي تم فيها التعليق؛ بناءً على ذلك، عندما يُذكر محمد بن علي بن محبوب، يعني أن السندين الموجودين في الرواية العاشرة إلى ابن محبوب موجودان أيضاً في الرواية الثامنة عشرة؛ إذاً في هذه الرواية، محمد بن علي بن محبوب ليس أول شخص مذكور في السند؛ بالإضافة إلى أنه في كثير من الحالات في كتاب التهذيب – بسبب وجود محمد بن يحيى العطار في بداية السند – يُستفاد أن مصدر الشيخ الطوسي كان كتاب محمد بن يحيى العطار. إذن، هو مشمول بقول الشيخ الطوسي بشأن كون أول شخص مذكور في السند هو صاحب الكتاب.

4. لازم تمامية الإشكال المذكور هو بطلان الوجه الذي طرحه المحقق الحائري – حفظه الله – في وثاقة الراوي. توضيح ذلك أن استدلال صاحب مباحث الأصول على وثاقة أحمد بن محمد بن يحيى العطار كان أنه لو كان للشيخ طريق تام، لما كان هناك معنى لاستخدامه طريق أحمد بن محمد بن يحيى الذي لم تثبت وثاقته.

إشكال المستشكل المحترم هو أن الشيخ الطوسي لم يستخدم كتاب محمد بن أحمد بن يحيى؛ بل نقل الرواية عن محمد بن علي بن محبوب؛ بينما الكلام هو أنه إذا كان سند الشيخ إلى محمد بن علي بن محبوب صحيحاً، فلماذا في كثير من الحالات لا ينقل الرواية بذلك السند؛ بل ينقلها من كتاب محمد بن يحيى العطار؟ إذن، الإشكال المذكور لا يتم إلا إذا كان سند الشيخ الطوسي إلى كتاب محمد بن علي بن محبوب غير تام؛ أما إذا كان سنده تاماً، فلا يرد الإشكال على هذا الوجه.

بناءً على ذلك، المناقشة الأولى على وجه المحقق الحائري – حفظه الله – غير واردة.

2-3-1. بيان موارد كنقض

إشكال آخر طرحه بعض الباحثين المعاصرين هو أن ادعاء صاحب مباحث الأصول بأنه «إذا كان للشيخ سند تام وفي نفس الوقت نقل سنداً آخر، فهذا يكشف عن أن ذلك السند تام أيضاً»، ليس كاملاً؛ لأنه توجد موارد يذكر فيها الشيخ الطوسي سنداً في الفهرست خالياً من الإشكال؛ وفي نفس الوقت في التهذيبين يذكر نفس الرواية بسند فيه إشكال ولا يشير إلى سنده التام؛ بل في المشيخة التي هي سند الكتاب، يُرى أحياناً أنه يذكر سنداً فيه إشكال؛ بينما يوجد في الفهرست سند خالٍ من الإشكال؛ إذن هذا التصور بأن الشيخ الطوسي إذا كان لديه سند تام، فلا معنى لأن ينقل عن سند غير تام، ليس صحيحاً (السيستاني، 1437هـ، ج1، ص 182).

في الرد على هذا الإشكال، يُقال:

أولاً، وجود إشكال في سند رواية مذكورة في التهذيب، في نظرنا، لا يستلزم وجود إشكال في ذلك السند عند الشيخ. إذا كان كون السند معيباً مسلّماً عند الشيخ نفسه، يرد الإشكال، والحال أنه ليس معلوماً أن تلك الأسانيد كانت معيبة عند الشيخ نفسه.

ثانياً، الموارد المذكورة في الإشكال بأن «الشيخ الطوسي يذكر سنداً في الفهرست خالياً من الإشكال؛ وفي نفس الوقت في التهذيبين يذكر نفس الرواية بسند فيه إشكال»، قليلة جداً بحيث يمكن احتمال غفلة الشيخ فيها. توضيح ذلك أنه أحياناً يحدث اختلاف في النقل في الأسانيد الصحيحة أو ذات الإشكال من قبل الشيخ، في رواية أو روايتين، وفي هذه الحالة يمكن أن تكون هناك غفلة من الشيخ قد حدثت؛ ولكن عندما تُنقل روايات كثيرة عن أحمد بن محمد بن يحيى، فإن احتمال غفلة الشيخ في شأنه مردود؛ ومن هنا، في الموارد التي يوجد فيها سند تام وفي نفس الوقت ينقل الشيخ عن أحمد بن محمد بن يحيى، يُكتشف أن هذا الشخص يتمتع بالاعتبار اللازم عند الشيخ.

3-3-1. عدم التلازم بين مرويات الشيخ في غير الموارد المبتدئة بالسند، والنقل من كتاب محمد بن يحيى

المناقشة الثالثة على الوجه المذكور هي أنه على فرض أن كتاب محمد بن يحيى العطار من مصادر الشيخ الطوسي وأن له سنداً معتبراً إلى هذا الكتاب، فإن البيان المذكور لا يدل على وثاقة أحمد بن محمد بن يحيى العطار؛ لأن كون كتاب محمد بن يحيى العطار مصدراً للشيخ الطوسي لا يستلزم أن تكون جميع مرويات الشيخ في المواضع التي لم تبدأ بسند مأخوذة من كتابه، لأنه من الممكن أن تكون من رواياته؛ لذا يكتب الشيخ في الفهرست مراراً: «أخبرنا بجميع كتبه ورواياته»، وأحد الأمور التي تبرر وجود الكليني في كثير من الطرق – بينما تلك الرواية لم ترد في الكافي – هو أن الكليني صاحب كتاب ورواية؛ إذ من الممكن أن تكون تلك الرواية قد وصلت إليه بعد تأليف الكتاب أو أن المعايير التي كان يضعها لإدراج الحديث في ذلك الكتاب لم يرها في تلك الرواية.

4-1. إسناد الشيخ الصدوق الجازم بضميمة سند الخصال والتوحيد

الوجه الرابع هو وجه ذكره المحقق الحائري في مباني الأحكام؛ ببيان أن الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه نسب حديث الرفع بشكل جازم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي نفس الوقت ذكر الصدوق في كتاب الخصال هذا الحديث بسند يشتمل على أحمد بن محمد بن يحيى العطار، وهناك اطمئنان بانحصار الحديث المذكور في هذا السند؛ بناءً على ذلك، يمكن استنتاج أن الأفراد الواقعين في السند موثوقون عند الشيخ الصدوق؛ لأنه في غير هذه الصورة، ما كان ينبغي له أن ينسب حديث الرفع بشكل جازم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (الحائري، 1388، ج2، ص 230).

يمكن مناقشة هذا الاستدلال من جهتين:

أولاً، هو يكتب في الخصال والتوحيد: «رفع عن أمتي»؛ لكن في الفقيه يكتب: «وضع عن أمتي» وهو مطابق لنقل الكافي؛ ولهذا السبب، يمكن القول إن المرحوم الصدوق اعتمد على نقل الكافي وليس على السند الموجود في الخصال والتوحيد، على الرغم من وجود الإرسال في سند الكافي.

ثانياً، الإسناد الجازم للشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه لا يستلزم وثاقة جميع الأفراد الموجودين في السند؛ لأنه من الممكن أن يكون كتاب أحمد بن محمد بن يحيى العطار مسلّماً وقطعياً عند الصدوق؛ ولكن لكي لا يكون الحديث مرسلاً، ذكر السند في التوحيد والخصال. كما أن الكثير من الأكابر، مع أنهم كانوا ينقلون حديثاً من كتاب قطعي عندهم، كانوا يذكرون سنده أيضاً كاملاً لإخراج الحديث من حالة الإرسال، وهو ما يسمى بالسند التشريفي؛ وكذلك من الممكن أنه لضم الشواهد والقرائن، ذكر السند كاملاً. بناءً على ذلك، لم يكن الإسناد الجازم له بسبب وثاقة أفراد السند عنده فقط؛ بل بسبب كون الكتاب مسلّماً عنده؛ إذن الوجه المذكور لا يمكن أن يدل على وثاقة الراوي.

5-1. نقل الأسانيد المعتبرة في الدفاع عن الشيعة

لتوضيح الوجه الخامس لإثبات وثاقة الراوي المذكور، لا بد من الإشارة إلى المسار التاريخي لتدوين كتب الحديث بشكل مختصر:

وفقاً للتقارير التاريخية الموجودة في كتب تاريخ الحديث، بعد وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، مُنعت كتابة الحديث عند العامة؛ على عكس الشيعة الذين اهتموا بكتابة ونقل الحديث منذ البداية (البروجردي، 1380، ج1، ص 32). بعد رفع منع كتابة الحديث من قبل عمر بن عبد العزيز (ت. 101هـ)، بدأت مجموعات كثيرة من المسلمين في تدوين الحديث (ابن حجر العسقلاني، 1378، ج1، ص 218)، وبسبب كثرة عدد مؤلفات العامة، تفوقوا على الشيعة (الحسيني، 1411هـ، ص 164). لهذا السبب، كانت العامة تطعن دائماً في الشيعة لعدم امتلاكهم تراثاً حديثياً. استمرت هذه الطعون حتى زمن الشيخ المفيد (ت. 413هـ)، حيث قام هو وبعده الشيخ الطوسي والنجاشي بجمع مجموعة من آثار الحديث وكتّاب الحديث الشيعة لإثبات أن الشيعة أيضاً لديهم كتب ومؤلفات في مجال الحديث؛4 ومنذ ذلك الوقت، دُوّنت كتب الشيعة ومؤلفوهم، وبالتالي علم الرجال الشيعي أيضاً (راجع: النجاشي، 1407هـ، ج1، ص 3).

بالنظر إلى المقدمة أعلاه، لو أن الشيخ الطوسي والنجاشي كتبوا أسماء أصحاب الكتب؛ ولكنهم اعتبروا طرقهم مجهولة أو تمسكوا بأسانيد ضعيفة، لما صدق الدفاع عن الشيعة؛ لأن ذلك لم يكن ليمنع طعون العامة. إذن، هذه الطريقة لم تكن لتكون مؤثرة إلا إذا كانت طرقهم إلى تلك الكتب معتبرة ومستندة؛ إذاً، الأسانيد التي ذكرها النجاشي والشيخ لهذه الكتب، يجب أن يكون جميع أفراد طرقها ثقات؛ وبالتالي فإن جميع الأفراد الواقعين في تلك الطرق، ومنهم أحمد بن محمد بن يحيى العطار، هم ثقات.

هذا الوجه لا يخلو من مناقشة؛ لأنه على الرغم من أن الأسانيد يجب أن تكون متقنة؛ إلا أنه لا يُرى لزوم في اعتبار جميع الأسانيد؛ لأن الكثير من الكتب لها طرق متعددة، وملاحظة جميعها يمكن أن تثبت اعتبار تلك الكتب، وليس من اللازم أن يكون كل سند موجود فيها متقناً. لهذا السبب، يضعّف الشيخ الطوسي والنجاشي الكثير من الأشخاص الذين طُرحوا في الرجال؛ بعبارة أخرى، كان الهدف من كتابة هذه الكتب هو بيان تحقق التواتر الإجمالي لها ووجود كتب ومحدثين كثيرين في الشيعة، والذي يلزمه لكي يصل إليها، إتقان كل سند موجود في الكتب، ليس ضرورياً.

6-1. كثرة رواية الصدوق عن الراوي

بعض الأكابر مثل الشيخ مرتضى الحائري (الحائري، 1388، ج2، ص 230) وآية الله فاضل اللنكراني (فاضل اللنكراني، 1429هـ، ج1، ص 242) يعتبرون كثرة رواية الأكابر مثل الصدوق دليلاً على وثاقته. الشيخ الصدوق يروي كثيراً عن أحمد بن محمد، وهذه الكثرة في النقل قرينة على أن الصدوق كان يعتمد عليه.

البيان المذكور ليس تاماً من جهتين:

أولاً، من الناحية الصغروية، كثرة نقل الصدوق عنه غير ثابتة.

ثانياً، من الناحية الكبروية، ليس معلوماً أن كثرة رواية الصدوق توجب الحكم بوثاقة الشخص.

توضيح ذلك أن كثرة النقل في كتب الصدوق الأخرى مثل الخصال، والتوحيد، وعيون أخبار الرضا (عليه السلام)، والأمالي، لا تستند إلى التزامه بصحة الأخبار؛ بل كان غرضه في تلك الكتب فقط جمع الروايات لكي توضع تحت كل باب روايات متعددة تعاضد بعضها بعضاً وتثبت عنوانها في الجملة. بناءً على ذلك، كثرة نقله لا تثبت الوثاقة؛ بل إذا أفتى الشيخ الصدوق في مكان مثل من لا يحضره الفقيه، إلى جانب كثرة النقل، وفقاً لتلك الرواية، يمكن القول إنه يدل على وثاقة ذلك الشخص؛ لأن الشيخ في من لا يحضره الفقيه حكم بصحة جميع الروايات المذكورة فيه (الصدوق، 1413هـ، ج1، ص 3). لكن معنى كلام الشيخ هذا يوصل إلى الاطمئنان بصحة الروايات ولا يستلزم وثاقة كل فرد من أفراد الأسانيد؛ إذ قد يثق الشخص بصدور رواية ويفتي بمضمونها؛ ولكنه لا يقول بوثاقة كل راوٍ من رواتها.

2. الوجوه المقبولة في إثبات وثاقة أحمد بن محمد بن يحيى العطار

1-2. كثرة ترضي الشيخ الصدوق

الشيخ الصدوق في كثير من الموارد يتقيد بذكر الترضي والترحم على أحمد بن محمد بن يحيى العطار (الصدوق، 1413هـ، ج3، صص 136 و 838؛ ج4، صص 427، 447، 492، 508، 523 و 528). هو في كثير من الموارد التي ذكر فيها اسم هذا الراوي، أورد بعده عبارة «رضي الله عنه» أو «رحمه الله». بعض الأكابر يعتبرون استخدام مثل هذه العبارات من الصدوق علامة على جلالة وعدالة الراوي الموصوف (المامقاني، 1351، ج2، ص 23؛ السيستاني، 1437هـ، ج1، ص 184).

المحقق الخوئي في مدخل معجم رجال الحديث، في مناقشته للوجه المذكور، يكتب: «الترحم والترضي مجرد دعاء مطلوب لجميع المؤمنين – عادلهم وفاسقهم –؛ إذن لا يدل على الوثاقة؛ على سبيل المثال، الإمام الصادق (عليه السلام) طلب الرحمة لجميع زوار الإمام الحسين (عليه السلام). بل يُرى أحياناً أن الإمام الصادق (عليه السلام) ترحم على أشخاص معروفين بالفسق. فكيف يمكن أن تكون الترحمات المطروحة من قبل الشيخ الصدوق دليلاً على وثاقتهم؟ في علم الرجال أيضاً، ترحم النجاشي على محمد بن عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن البهلول، والحال أنه هو نفسه يخبر عن تضعيف الشيوخ لهذا الراوي» (الخوئي، 1403هـ، ج1، ص 74).

يمكن قبول قول المحقق الخوئي في حالة ترحم الشيخ الصدوق على الراوي مرة أو مرتين فقط؛ لكن تقيّد الشيخ بالترحم والترضي على راوٍ ما يدل على وثاقته؛ بعبارة أخرى، تقيّد الشيخ الصدوق بالترضي على راوٍ بصورة أنه في كل الموارد التي يذكر فيها اسم الراوي، يستخدم الترضي بشأنه أيضاً، يدل على الوثاقة؛ على عكس الرواة الذين لا يُرى مثل هذا التقيّد بشأنهم ويكتفى بمرة أو مرتين، والتي معها لا يمكن الاطمئنان بوثاقة الراوي.

2-2. عدم الحاجة إلى توثيق خاص بسبب الشهرة في الوثاقة والرواية

يعتقد الشهيد الثاني بحق أن المشايخ المشهورين من عهد الكليني فصاعداً – بسبب الشهرة في الوثاقة والأمانة – لا يحتاجون إلى توثيق. أحمد بن محمد بن يحيى العطار أيضاً من مشايخ الكليني المشهورين؛ لأنه من جهة باب نقل الرواية عن والده، وروايات محمد بن يحيى العطار غالباً ما تُنقل عن طريقه، ومن جهة أخرى، له كثرة في الرواية وواقع في طرق متعددة؛ ومن هنا، للحكم بوثاقته، لا حاجة إلى توثيق خاص.5

3-2. توثيق الشهيد الثاني

وثّق الشهيد الثاني عدداً من الرواة باسم «أحمد» في كتابه في الدراية (الرعاية في علم الدراية)، وأحدهم هو أحمد بن محمد بن يحيى العطار (العاملي، 1408هـ، ج1، ص 371).

المحقق الخوئي لا يعتبر توثيقات الشهيد الثاني معتبرة؛ لأن شهادة علماء الرجال المتأخرين اجتهادية وحدسية، ومنهم الشهيد الثاني (الخوئي، 1403هـ، ج1، ص 37).

في الرد على المحقق الخوئي، يُقال إن المتأخرين من حيث التخصص في علم الرجال ليسوا في مستوى واحد؛ بعضهم كانوا على ارتباط دائم بالشخصيات العلمية والحوزوية، والشهيد الثاني منهم. هو من الفقهاء الذين انتقلت إليه أقوال العلماء وخطوطهم جيلاً بعد جيل وصدراً عن صدر، والكثير من المطالب التي لم ترد في متون الكتب، نُقلت شفهياً إلى أمثاله؛ بناءً على ذلك، شهادة شخصية مثله يمكن أن تدل على وثاقة الراوي المذكور.

الشاهد على أن الشهيد الثاني يختلف عن المتأخرين الآخرين هو أنه أحياناً كانت خطوط القدماء من الأصحاب مثل الشيخ الطوسي في حوزته، وكان لديه اطلاع أكبر على مطالب المتقدمين، وهذا المطلب يزيل نقطة ضعف شهادة المتأخرين التي هي كون أقوالهم حدسية؛ إذ يوجد احتمال كونها حسية، وتجري أصالة الحس؛ مثلاً، ابن الشهيد الثاني في مقدمة منتقى الجمان يكتب: «خط الشيخ الطوسي عندي؛ الشيخ الطوسي ذكر الأسانيد في المرة الأولى؛ لكن في المرة الثانية التي كان بصدد إصلاحها، في بعض الموارد التي ذكرها بصورة «عن»، أصلحها وحولها إلى «و»» (العاملي، 1407هـ، ج1، ص 39).

4-2. اعتماد الأصحاب على الطريق المشتمل على أحمد

بإثبات اعتماد الأصحاب على الطريق المشتمل على أحمد بن محمد بن يحيى العطار، يمكن كشف وثاقته. توضيح ذلك أن النجاشي يكتب رسالة إلى أستاذه أبي العباس – الذي كان من مشايخه وكبار الشيعة – ويطلب منه أن يبين طرقه إلى حسين بن سعيد الأهوازي. يذكر أبو العباس أسماء خمسة من ناقلي كتب حسين بن سعيد الأهوازي، ثم يقول من بين هؤلاء الخمسة، الشخص الذي يعتمد عليه الأصحاب هو أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري الذي يروي كتب حسين بن سعيد وأخيه حسن بن سعيد، ثم يذكر طريقين لأحمد بن محمد بن عيسى، أحدهما يشتمل على أحمد بن محمد بن يحيى العطار (النجاشي، 1407هـ، ج1، ص 59)؛ بناءً على ذلك، يُعلم أن أحمد بن محمد بن يحيى العطار محل اعتماد الأصحاب؛ لأن أبا العباس من بين الخمسة، يعتبر فقط أحمد بن محمد بن عيسى هو الذي يُعتمد عليه في نقل كتب حسين بن سعيد، والطريق إلى أحمد بن محمد بن عيسى هو أحمد بن محمد بن يحيى العطار؛ ومن هنا، يُعلم أن الأصحاب يعتمدون على أحمد بن محمد بن يحيى العطار أيضاً؛ وبالتالي، تثبت وثاقته.

أورد المحقق الخوئي في معجم رجال الحديث إشكالين على الاستدلال المذكور:

الإشكال الأول: هذا الاستدلال يدل على أن الأصحاب وكذلك ابن نوح اعتمدوا على أحمد بن محمد بن يحيى؛ لكن مجرد اعتمادهم لا يدل على الوثاقة؛ إذ ربما كان اعتمادهم على أساس أصالة العدالة، ولا يوجد دليل على حجية أصالة العدالة (الخوئي، 1403هـ، ج2، ص 329).

هذا الإشكال محل تأمل من عدة جهات:

أولاً، اعتماد جميع الأصحاب على أصالة العدالة بعيد جداً ولا يمكن إيجاد شاهد على هذا الادعاء (السيستاني، 1437هـ، ج2، ص 242).

بالإضافة إلى أنه نادراً ما يمكن إيجاد أفراد يقولون بأصالة العدالة. حتى في كثير من عبارات العلامة الحلي الذي يعتبره المحقق الخوئي من القائلين بهذا المبنى، يُلاحظ عدم ميله إلى أصالة العدالة (نفس المصدر).

ثانياً، سيرة العقلاء بل سيرة المتشرعة هي أنه عند إخبار شخص عن صغرى وعدم معرفة اشتراك نظره في الكبرى معنا، ما لم يحصل علم بعدم الاتحاد، تُقبل الصغرى. في مورد أحمد بن محمد بن يحيى، يمكن القول إن اعتماد الأصحاب عليه وكذلك عدم معرفة منشأ اعتمادهم عليه كافٍ للحكم بوثاقته؛ بعبارة أخرى، وزن باب الإخبارات والشهادات هو وزن باب الحمل على الصحة؛ ومن هنا، كما أنه في باب الحمل على الصحة، ما لم يحصل علم بالاختلاف، يجري الحمل على الصحة، في باب الشهادات أيضاً، ما لم يحصل علم باختلاف المبنى، تُقبل شهادة الشخص.

الإشكال الثاني: كشف وثاقة أحمد بن محمد بن يحيى عن طريق ذكر طريق أحمد بن محمد بن عيسى كان صحيحاً في حال ذكر ابن نوح للوصول إلى طريق أحمد بن محمد بن عيسى فقط الطريق المشتمل على أحمد بن محمد بن يحيى العطار؛ لكن النجاشي يصرح بأن ابن نوح ذكر طريقاً آخر أيضاً إلى أحمد بن محمد بن عيسى؛ فربما اعتمد الأصحاب على الطريق الآخر فقط وذكروا طريق أحمد بن محمد بن يحيى لتأييد الطريق الأول فقط.

في الرد على هذا الإشكال، يمكن القول:

بالنظر إلى مجموع كلام ابن نوح، ظاهر كلامه هو أن طريق أحمد بن محمد بن عيسى معتمد؛ سواء النسخة التي تنقل الطريق الأول أو النسخة التي تنقل الطريق الثاني؛ بعبارة أخرى، بما أنه يذكر خمسة أشخاص في طريق كتاب حسين بن سعيد الأهوازي ويعتبر فقط نقل أحمد بن محمد بن عيسى معتبراً، يُكتشف أن الاعتبار وعدم الاعتبار المذكور في كلامه، ليس من ناحية هؤلاء الخمسة أنفسهم؛ لأن أحد هؤلاء الأربعة الذين لا يعتمد ابن نوح على نقلهم، هو أحمد بن محمد بن خالد البرقي وهو من كبار الثقات؛ من هنا، إذا كان هناك إشكال، فهو في الطرق إلى هؤلاء الأربعة؛ إذن ابن نوح بصدد بيان هذا المطلب وهو أن الطرق إلى هؤلاء الأربعة ليست صحيحة والطرق إلى أحمد بن محمد بن عيسى فقط هي الصحيحة؛ لأنه في غير هذه الصورة، لو كانت نسخ هذين الاثنين تختلف عن بعضها البعض، لكان عليه أن يذكر أن المعوّل عليه هو النسخة التي ينقلها أحمد بن محمد بن عيسى، وراويها هو السند الأول، وليس السند الثاني؛ بينما في هذه المرحلة – مع أنه في مقام بيان الطريق المعوّل عليه – لم يفصل بين هذين الطريقين المذكورين؛ بناءً على ذلك، يُعلم أنه اعتمد على كلا الطريقين.

5-2. وجود الراوي في طريق بعض الرواة الذين صححه العلامة

وقع أحمد بن محمد بن يحيى العطار في طرق بعض الأفراد في مشيخة الصدوق. من جهة أخرى، صحح العلامة الحلي في الفائدة الثامنة من خلاصة الأقوال تلك الطرق – التي طريقان منها هما طريق عبد الرحمن بن الحجاج وطريق عبد الله بن أبي يعفور – (الحلي، 1411هـ، ص 278)؛ بناءً على ذلك، يثبت أن العلامة اعتبر أحمد بن محمد بن يحيى العطار ثقة. بعبارة أخرى، العلامة في الفائدة الثامنة يصحح طريق الشيخ الصدوق إلى عبد الرحمن بن الحجاج وعبد الله بن أبي يعفور؛ والحال أن أحمد بن محمد بن يحيى موجود أيضاً في هذا الطريق، وهذا توثيق عام له.

بالطبع، الطريق المشتمل على أحمد بن محمد بن يحيى لا ينحصر في الطريقين المذكورين؛ بل توجد طرق أخرى تشتمل على أحمد بن محمد؛ أما سبب ذكر الأكابر لهذين الطريقين وعدم ذكرهم للطرق الأخرى، فيستند إلى انحصار طريق هذين الشخصين في الطريق المشتمل على أحمد بن محمد بن يحيى.

يعتبر المحقق الخوئي البيان المذكور قابلاً للمناقشة من جهتين:

أولاً، العلامة الحلي من المتأخرين وتوثيقاته ليست حجة لكونها حدسية.

ثانياً، بالإضافة إلى كون نظرات المتأخرين حدسية، توجد ميزة أخرى في العلامة الحلي تمنع الاعتماد على نظراته الرجالية وهي مبنى أصالة العدالة. فربما كان حكمه بوثاقة أحمد بن محمد بن يحيى من هذا الباب أيضاً؛ بينما المبنى المذكور غير مقبول (الخوئي، 1403هـ، ج2، ص 161).

في الرد على الإشكال الأول، يُقال كما ذُكر في الماضي، على الرغم من أن العلامة من المتأخرين، فبما أن احتمال كون الشهادات حسية متوفر عنده، يمكن القول إن شهادته محتملة للحس والحدس؛ وبالتالي، تكون مشمولة بأصالة الحس وتثبت حجيتها.

أما في الرد على الإشكال الثاني، فيُقال إن نسبة مبنى أصالة العدالة إلى العلامة الحلي غير مقبولة؛ لأنه في كثير من عبارات العلامة الحلي، يُلاحظ عدم ميله إلى أصالة العدالة (راجع: السيستاني، 1437هـ، ج2، ص 243).

بالإضافة إلى أن العلامة يعتبر العدالة ملكة، وهو من أوائل من اعتبر العدالة ملكة (الحلي، 1414هـ، ج2، ص 117). صاحب الجواهر في مقام رد هذا المطلب بأن العلماء يعتبرون العدالة ملكة نفسانية تحصل من ملازمة التقوى والمروءة، يكتب: «لم أجد أحداً عرّف العدالة بهذا التعريف، غير العلامة الحلي» (النجفي، 1394هـ، ج13، ص 299).

بناءً على ذلك، إشكالات المحقق الخوئي على الوجه المذكور غير تامة.

الإشكال الثالث الذي يمكن أن يرد على هذا البيان هو أن تصحيح راوٍ ما لا يستلزم توثيقه؛ إذ من الممكن أن يكون الأشخاص الواقعون في أوائل السند، من الأفراد الذين ذُكروا من باب التشريف؛ لأنه في تلك الموارد، السند واضح ولا حاجة إلى ذكر تفصيلي للأفراد؛ على سبيل المثال، في الموضع الذي يروي فيه أحمد بن محمد بن يحيى عن والده، يُقال إنه بسبب شهرة والده، وكتابه، وبالتالي السند الموجود في هذا الكتاب، من الواضحات؛ وبالتالي، توسّط أحمد في نقل كتاب والده ليس له دور في حجية واعتبار السند؛ بل فائدته إخراج الرواية من حالة الإرسال.

لكن بالدقة في كلام العلامة الحلي، يمكن التخلص من هذا الإشكال أيضاً. هو في الفائدة الثامنة من كتاب خلاصة الأقوال يكتب: «الشيخ الطوسي في كتابي التهذيب والاستبصار روى أحاديث كثيرة عن رواة لم يكونوا في عصره – بواسطة – ثم حذف الوسائط. ثم في آخر الكتاب، ذكر طريقه إلى كل من الرواة. طريقة الصدوق كذلك.

نحن في هذه الفائدة، ذكرنا صحة طريق كل منهم بشكل إجمالي إلى كل شخص موثوق به أو حسن الحال أو حتى إذا كان مذهبه فاسداً وحاله غير معلوم وفي نفس الوقت موثّق – حتى لو كان فاسد الطريق – على عكس الذين رُدّت روايتهم وتُرك قولهم، فإننا لا نذكر أسماءهم؛ أما إذا كان في الطريق راوٍ غير معلوم حاله من حيث الجرح والتعديل، فإننا لم نذكره» (الحلي، 1411هـ، ص 275).

من هذا الكلام، يُستفاد أن الطريق الذي يكون فاسداً في نظر العلامة، يضم رواة ليسوا مجهولي الحال؛ بل هم أشخاص ضعّفهم. الطريق الصحيح في نظره يتعلق بسند يكون جميع أفراده موثوقين، بناءً على ذلك، بالنظر إلى كلام العلامة في مبنى التصحيح، يثبت أن مبنى التصحيح هو أن يعرف رجال السند الواقعين فيه؛ ومن هنا، عندما يعتبر طريقاً غير صحيح، يعني أنه بلا شك كان هناك أفراد في السند كان يضعّفهم، وعندما يعتبر طريقاً صحيحاً، يعني أنه قطعاً كان هناك أفراد في السند كان يعرفهم بالوثاقة؛ إذن تصحيح العلامة أعم من الوثاقة ليس صحيحاً؛ لأن كلامه في الفائدة الثامنة قرينة على أن تصحيح السند في كلام العلامة يستلزم وثاقة رجال ذلك السند.

بناءً على ذلك، لا يرد إشكال على الوجه المذكور ويمكن أن يكون من الأدلة المقبولة على وثاقة أحمد بن محمد بن يحيى العطار.

النتيجة

من المطالب المذكورة، فُهم أنه طبقاً لنظر الأستاذ الشب زنده دار – دام ظله – كلمات بعض الأكابر في اعتبار أحمد بن محمد بن يحيى العطار مجهول الحال وضعيف الروايات المنقولة عنه ليست صحيحة؛ لأنه على الرغم من أنه ليس صاحب أصل وكتاب ولم يرد فيه توثيق خاص؛ لكن بما أن خمسة ضوابط كلية من التوثيقات العامة تصدق عليه، يمكن اعتباره ثقة والعمل بالروايات المنقولة عنه التي تزيد على 75 مورداً وأهمها حديث الرفع المعروف. تلك القواعد الخمس الكلية للتوثيقات العامة التي تنطبق على هذا الراوي المشهور هي: ترضي الشيخ الصدوق، وعدم الحاجة إلى توثيق خاص بسبب الشهرة في الوثاقة والرواية، وتوثيق الشهيد الثاني، واعتماد الأصحاب على الطريق المشتمل عليه، ووجود الراوي في طريق بعض الرواة الذين صحح العلامة طريقهم.

قائمة المصادر

1. ابن بابويه، محمد بن علي (الشيخ الصدوق) (١٤١٣هـ). من لا يحضره الفقيه. قم: مكتب النشر الإسلامي.

2. الإيرواني، باقر (١٤٣١هـ). دروس تمهيدية في القواعد الرجالية. قم: مدين.

3. البروجردي، سيد حسين (١٣٨٦هـ.ش). جامع أحاديث الشيعة. قم: انتشارات فرهنگ سبز.

4. الحائري، مرتضى بن عبدالكريم (١٣٨٨هـ.ش). القواعد الفقهية والاجتهاد والتقليد (مباني الأحكام – الحائري). قم: دفتر انتشارات.

5. الحسيني، معروف هاشم (١٤١١هـ). تاريخ الفقه الجعفري. قم: دار الكتاب الإسلامي.

6. الحلي، حسن بن يوسف (العلامة الحلي) (١٤١١هـ). خلاصة الأقوال. النجف: منشورات المطبعة الحيدرية.

7. ______________ (العلامة الحلي) (١٤١٤هـ). تذكرة الفقهاء. قم: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

8. الخميني، سيد روح الله (١٤٢١هـ). كتاب الطهارة. طهران: مؤسسة نشر وآثار الإمام الخميني.

9. الخوئي، سيد أبو القاسم (١٤٠٣هـ). معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة. قم: منشورات مدينة العلم، بيروت: دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع.

10. السبحاني، جعفر (١٤١٠هـ). كليات في علم الرجال. قم: مركز مديريت حوزه علميه قم.

11. السيستاني، سيد علي (١٤١٤هـ). قاعدة لا ضرر ولا ضرار. قم: مكتب آيت الله العظمى سيد علي السيستاني.

12. السيستاني، سيد محمدرضا (١٤٣٧هـ). قبسات من علم الرجال. (السيد محمد البكاء، المقرر). بيروت: دار المؤرخ العربي.

13. الطوسي، محمد بن حسن (١٣٩٠هـ). استبصار في ما اختلف من الأخبار. طهران: دار الكتب الإسلامية.

14. ______________ (١٤٠٧هـ). تهذيب الأحكام. (حسن موسوي خرسان، محقق) طهران: دار الكتب الإسلامية.

15. العاملي، زين الدين بن علي (الشهيد الثاني) (١٤٠٨هـ). الرعاية في علم الدراية (عبد الحسين محمد علي بقال، محقق). قم: انتشارات كتابخانه آيت الله مرعشي نجفي.

16. العاملي، حسن بن زين الدين (١٤٠٤-١٤٠٧هـ). منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان (علي أكبر الغفاري، مصحح). قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

17. فاضل اللنكراني، محمد (١٤٢٩هـ). تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة. قم: مركز فقهي ائمه اطهار (عليهم السلام).

18. الكليني، محمد بن يعقوب (١٤٠٧هـ). الكافي. طهران: دار الكتب الإسلامية.

19. المامقاني، عبد الله (١٣٥١هـ). تنقيح المقال في علم الرجال. قم: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث.

20. ______________ (١٣٧٣هـ.ق). مقباس الهداية. (محمدرضا مامقاني، محقق). قم: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

21. النجاشي، أحمد بن علي (١٤٠٧هـ). رجال النجاشي. قم: دفتر انتشارات إسلامي.

22. النجفي، محمد حسن (١٣٩٤هـ). جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام. بيروت: دار إحياء التراث العربي.

الهوامش

1. باحث في مدرسة الإمام محمد الباقر (عليه السلام) الفقهية، السنة الرابعة من بحث الخارج؛ s.r.hasani110@gmail.com

2. مرجع الضمير هو مضمون الخبر السابق، وهو لا يؤثر في البحث.

3. من الناحية المعنوية، لا يوجد فرق مؤثر بين الوضع والرفع. فمادة «وضع» عندما تتعدى بـ«عن»، فإنها تفيد معنى الرفع. (فاضل اللنكراني، ١٤٢٩هـ، ج٣، ص٢٣٣).3

4. يكتب النجاشي في مقدمة رجاله: «أما بعد، فإني وقفت على ما ذكره السيد الشريف ـ أطال الله بقاءه وأدام توفيقه ـ من تعيير قوم من مخالفينا أنه لا سلف لكم ولا مصنف. وهذا قول من لا علم له بالناس ولا وقف على أخبارهم، ولا عرف منازلهم وتاريخ أخبار أهل العلم، ولا لقى أحدا فيعرف منه، ولا حجة علينا لمن لم يعلم ولا عرف. وقد جمعت من ذلك ما استطعته، ولم أبلغ غايته، لعدم أكثر الكتب، وإنما ذكرت ذلك عذرا إلى من وقع إليه كتاب لم أذكره» (النجاشي، ١٤٠٧هـ، ج ١، ص ٣).

5. كلام الشهيد الثاني (رحمه الله) هو كالتالي: «ويعرف العدالة المعتبرة في الراوي بتنصيص عدلين عليها، أو بالاستفاضة بأن تشتهر عدالته بين أهل النقل وغيرهم من أهل العلم كمشايخنا السالفين من عصر الشيخ محمد بن يعقوب الكليني وما بعده إلى زماننا هذا؛ فإنه لا يحتاج أحد من هؤلاء المشايخ المشهورين إلى تنصيص على تزكية وتنبيه على عدالته لما اشتهر في كل عصر من ثقتهم وضبطهم وورعهم زيادة على العدالة، وإنما يتوقف على التزكية غير هؤلاء من الرواة الذين لم يشتهروا كلٌّ ككثير ممن سبق على هؤلاء، وهم طرق الأحاديث المدونة غالباً». (العاملي، ١٤٠٨هـ، ص ١٩٢).

Scroll to Top