إعادة قراءة رأي ابن الوليد حول أصلي زيد النرسي وزيد الزراد

الملخص: تُعدّ مسألة نسبة الحديث إلى مؤلفيه من أهم أركان عملية تقييم الحديث. ويُعتبر محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد أحد أبرز خبراء التراث في تاريخ حديث الشيعة. ووفقًا لبعض النقولات، كان يعتقد بوضع أصلي زيد الزراد وزيد النرسي، ويرى أن محمد بن موسى الهمداني هو واضعهما. وقد لاقى هذا الرأي معارضة من قِبَل المتقدمين من نقاد الحديث، كابن الغضائري، والمتأخرين منهم، كالسيد بحر العلوم والمحقق الخوئي. في هذا البحث، وبعد عرض آراء الموافقين والمخالفين، يُقيَّم رأي ابن الوليد ويُحكَم عليه من خلال دراسة قرائن الصدور لبعض روايات الأصلين. فإذا كانت النسخة والطريق الموجودان لهذين الأصلين هما النسخة المتقدمة نفسها، فإن النتيجة لا تتوافق كثيرًا مع رأي ابن الوليد. ويبدو أنه لا يمكن القول بوضع أصلي زيد الزراد وزيد النرسي، بالنظر إلى مضمون رواياتهما والمعطيات الببليوغرافية. والجدير بالذكر أنه بدراسة مضمون 34 رواية من أصل زيد الزراد، يمكن الاعتقاد بأن أيًا من هذه الروايات لا يتعارض من حيث المحتوى مع المعتقدات الإمامية المشهورة.

۱. مدخل

يواجه “الحديث”، بوصفه أحد أهم أدوات نشر التعاليم الدينية، تهديدات عديدة منذ نشأته وحتى يومنا هذا. وقد نبه أئمة أهل البيت (ع)، بصفتهم مصدر الأحاديث ومنبعها، منذ الأيام الأولى إلى المخاطر المختلفة التي تهدد التراث الحديثي، ودعوا أصحابهم المخلصين إلى مواجهة هذه التهديدات مواجهةً عملية.

كان أحد أخطر التهديدات التي أحدقت بالحديث هو خطر الضياع والاندثار. في ظروف تلك الحقبة، كانت أفضل وسيلة لحفظ الأحاديث الشفهية هي تقييدها وتدوينها. ولهذا السبب، قدّم الأئمة (ع) توصيات كثيرة بكتابة الحديث (للاطلاع على نموذج، انظر: الكليني، 1407: 1/52، 8-11). وأدت هذه التوصيات إلى ظهور مصنفات حديثية كثيرة في فترة وجيزة.

يمكن تتبع كثرة المصنفات الحديثية في رواية سماعة بن مهران، حيث عرض على الإمام الرضا (ع) قائلاً: «قلت أصلحك الله، إنا نجتمع فنتذاكر ما عندنا، فلا يرد علينا شيء إلا وعندنا فيه شيء مسطر، وذلك مما أنعم الله به علينا بكم» (المصدر نفسه، 57). إن وجود “شيء مسطر” في كل مسألة يدل بوضوح على وفرة المدونات الحديثية.

من ناحية أخرى، بعد تدوين الأحاديث، كان الخطر الذي استهدف التراث الناشئ هو خطر “الجعل والدس”، والذي يبدو أنه كان أخطر تهديد يواجه الحديث؛ إذ كان هناك دائمًا من يسعى خلف مصالحه الدنيوية، فيقدم على الكذب على الأئمة (ع) نظرًا لمكانة الحديث وأهميته بين الناس. على سبيل المثال، كانت الناووسية تعتقد بمهدوية الإمام الصادق (ع)، وتعتبره حيًا وأنه المهدي الموعود. ولإثبات زعمهم هذا، نسبوا كلامًا كاذبًا إلى الإمام الصادق (ع): “إذا رأيتم رأسي يُرمى إليكم من فوق جبل، فلا تصدقوا” (انظر: النوبختي، 1404: 67). وقد روى أمير المؤمنين (ع) عن النبي الأكرم (ص) أنه قال: «وقد كُذِب على رسول الله (ص) على عهده، حتى قام خطيبًا فقال: أيها الناس، قد كثرت عليّ الكذّابة، فمن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (سليم بن قيس، 1405: 2/621؛ الكليني، 1407: 1/62). وفي رجال الكشي أيضًا، رُوي عن الإمام الصادق (ع) قوله: «إنا أهل بيت صدق لا نخلو من كذاب يكذب علينا» (الكشي، 1409: 108 و 305).

لهذا الغرض، استخدم أصحاب الأئمة (ع) نظامًا لحفظ مدوناتهم الحديثية يقلل من احتمالية أي تلاعب أو جعل أو دس إلى أدنى حد ممكن، بل ويقلل من الخطأ البشري الناجم عن السهو والغفلة بنسبة كبيرة. هذه الطريقة هي طريقة “القراءة والسماع” للتراث الحديثي، والتي توجد عليها شواهد كثيرة جدًا (النجاشي، 1365: 144، 258، 35؛ الكشي، 1407: 507). ومع ذلك، وُصفت بعض الكتب الحديثية من قبل بعض علماء الحديث بأنها موضوعة، ومن أمثلة هذه المصنفات أصلا زيد الزراد وزيد النرسي.

فيما يتعلق ببحث رأي ابن الوليد حول هذين الأصلين – بناءً على تتبع الكاتب – فإن الدراسة المستقلة الوحيدة هي مقالة السيد مهدي الخوئي بعنوان “اعتبار سنجی اصل زید نرسی” (حديث حوزه، ش 8، 1393). وقد ركز كاتب المقال جهده الأكبر على دراسة متن ومحتوى روايات أصل زيد النرسي، وبحث وثاقته ومنبته الحديثي. وفي قسم قصير، عرض رأي ابن الوليد حول هذا الأصل والآراء المخالفة له. بالطبع، تطرق العديد من أهل النظر في علم تقييم الحديث، مثل السيد بحر العلوم والمحقق الخوئي، في ضمن كتاباتهم، إلى دراسة رأي ابن الوليد، والتي تمت الإحالة إليها في هذا النص.

ابن الوليد ومكانته الحديثية

لا شك أن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد هو أحد أهم نقاد الحديث وأمهر خبراء التراث في تاريخ التشيع. وقد ذكر النجاشي في ترجمته لابن الوليد: «أبو جعفر، شيخ القميين، وفقيههم، ومتقدمهم، ووجههم… ثقة ثقة، عين، مسكون إليه» (النجاشي، 1365: 383). ووصفه الشيخ الطوسي بقوله: «القمي، جليل القدر، عارف بالرجال، موثوق به» (الطوسي، 1420: 442). وفي ترجمته لحيدر بن محمد بن سمرقندي، ذكر أنه روى جميع أصول ومصنفات الشيعة عن ابن الوليد (نفس المصدر، 1430: 421). وهذا النقل يدل بوضوح على الدور المحوري لابن الوليد وإحاطته بمصنفات الشيعة. وبعد أن ذكر النجاشي مستثنيات ابن الوليد عن ابن نوح، قال: «وقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كله» (النجاشي، 1365: 348). وهذا التأييد لرأيه يظهر بوضوح مكانة ابن الوليد عند كبار الإمامية.

تاريخ وفاة ابن الوليد هو سنة 343 هـ (نفس المصدر: 383)، وهذا يعني أنه كان من محدثي الطبقة التاسعة ومعاصرًا للكليني. كان لابن الوليد صلات علمية بالعديد من كبار علماء الحديث الذين كانوا في طبقة مشايخه، وبواسطتهم نقل كتبًا كثيرة إلى الجيل اللاحق.

۱-۲. بعض مشايخ ابن الوليد الذين يكثر الرواية عنهم

 

  1. سعد بن عبد الله الأشعري: يكتب النجاشي عنه: «شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها» (نفس المصدر، 177). وذكر الشيخ الطوسي أيضًا: «جليل القدر، واسع الأخبار، كثير التصانيف، ثقة» (الطوسي، 1430: 215). وبناءً على برنامج أسناد الشيخ الصدوق، روى ابن الوليد 2414 رواية بواسطة سعد بن عبد الله.
  2. عبد الله بن جعفر الحميري: يعرّفه النجاشي بأنه «شيخ القميين ووجههم، قدم الكوفة سنة نيف وتسعين ومائتين، وسمع أهلها منه فأكثروا، وصنف كتبًا كثيرة» (النجاشي، 1365: 219). في هذه العبارة، يصور النجاشي بوضوح مكانة مدرسة قم الحديثية في الفترة الزمنية لحياة مشايخ الكليني. والجدير بالذكر أنه حتى فترة قريبة، كان محدثو قم يسافرون إلى الكوفة للتحصيل وطلب العلم؛ لأن الكوفة كانت مركز نشر الثقافة الشيعية. ولكن في عصر نشاط الحميري العلمي، كان محدثو قم يتوجهون إلى الكوفة بهدف التدريس والتعليم ونشر الثقافة، لا التعلم والتلقي.
  3. محمد بن الحسن الصفار: هو صاحب كتاب «بصائر الدرجات»، وهو أحد أقدم النصوص الحديثية المتبقية. وقد ذكر النجاشي في وصف شخصيته: «كان وجهًا في أصحابنا القميين، ثقة، عظيم القدر، راجحًا، قليل السقط في الرواية» (نفس المصدر، 354). وقد روى ابن الوليد عنه 1962 مرة.
  4. محمد بن يحيى العطار: يستخدم النجاشي في وصفه عبارة «شيخ أصحابنا في زمانه، ثقة، عين» (نفس المصدر، 353). وقد روى ابن الوليد عنه 386 مرة، بناءً على أسناد الصدوق.

لقد تشكلت شخصية ابن الوليد الحديثية في مدرسة قم الحديثية من خلال هؤلاء الرواة المشهورين والموثوقين؛ مشايخ امتلكوا الكثير من التراث الشيعي ونقلوه إلى ابن الوليد.

۲-۲. الكتب التي نقلها ابن الوليد

في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع، تمكن ابن الوليد، من خلال علاقاته الواسعة مع مشايخ قم البارزين، من الوصول إلى التراث المتبقي من مدرسة الكوفة الحديثية ونقله إلى تلامذته. وقد ألف ابن الوليد كتبًا عديدة بالاعتماد على المصنفات السابقة، ولكن للأسف، لم يصل أي من هذه المصنفات إلينا اليوم بشكل مستقل. فقط النجاشي والشيخ الطوسي يذكران كتابين له، وهما «كتاب تفسير القرآن» و«كتاب الجامع» (النجاشي، 1365: 383؛ الطوسي، 1420: 442). وكان «كتاب الجامع» لابن الوليد أحد أهم الجوامع الحديثية الشيعية في القرن الرابع، وهو من مصادر كتاب «من لا يحضره الفقيه» (ابن بابويه، 1413: 3). وفيما يلي، سيتم التطرق إلى نقل جزء من التراث الشيعي إلى الجيل التالي بواسطة ابن الوليد من خلال دراسة طرق النجاشي، لتصوير جانب من أنشطته الحديثية في القرن الرابع.

الرقم عنوان الكتاب تلقاه عن نقله إلى المرجع في رجال النجاشي
۱ كتاب سليم بن قيس محمد بن أبي القاسم ماجيلويه ابن أبي جيد القمي ص ۸، ش ۴
۲ كتاب إبراهيم بن أبي البلاد محمد بن الحسن الصفار ابن أبي جيد القمي ص ۲۲، ش ۳۲
۳ كتاب إبراهيم بن رجاء الشيباني محمد بن الحسن الصفار ابن أبي جيد القمي ص ۲۳، ش ۴۳
۴ كتاب إبراهيم وفضل بن محمد محمد بن الحسن الصفار ابن أبي جيد القمي ص ۲۵، ش ۴۲
۵ كتاب إسماعيل بن جابر الجعفي محمد بن الحسن الصفار ابن أبي جيد القمي ص ۳۳، ش ۷۱
۶ كتاب الحسين بن المختار محمد بن الحسن الصفار ابن أبي جيد القمي ص ۵۵، ش ۱۲۳
۷ كتاب النوادر للحسين بن ثوير سعد بن عبد الله والحميري ابن أبي جيد القمي ص ۵۵، ش ۱۲۵
۸ ثلاثين كتابًا للحسن والحسين بن سعيد الأهوازي الحسين بن الحسن بن أبان أربعة من مشايخ الحديث ص ۶۰، ش ۱۳۷
۹ كتاب إسحاق بن يزيد سعد بن عبد الله والحميري ابن أبي جيد القمي ص ۷۲، ش ۱۷۲
۱۰ كتاب النوادر لأحمد بن عبدوس الحسن بن متويه ابن أبي جيد القمي ص ۸۱، ش ۱۹۷
۱۱ كتاب إدريس بن عبد الله محمد بن الحسن الصفار ابن أبي جيد القمي ص ۱۰۴، ش ۲۵۹
۱۲ كتاب حفص بن غياث محمد بن الحسن الصفار ابن أبي جيد القمي ص ۱۳۵، ش ۳۴۶
۱۳ كتاب حكم بن حكيم سعد بن عبد الله والحميري الشيخ الصدوق ص ۱۳۷، ش ۳۵۳
۱۴ كتاب خالد بن جرير الصفار والحميري ابن أبي جيد القمي ص ۱۵۰، ش ۳۰۹
۱۵ كتاب مسائل زكريا بن آدم محمد بن الحسن الصفار ابن أبي جيد القمي ص ۱۷۴، ش ۴۵۸
۱۶ كتاب زرعة بن محمد محمد بن الحسن الصفار ابن أبي جيد القمي ص ۱۷۶، ش ۴۶۶
۱۷ كتاب سالم بن مكرم الحسين بن محمد بن عامر ابن أبي جيد القمي ص ۱۸۸، ش ۵۰۱
۱۸ نوادر جهيم بن أبي جهم محمد بن الحسن الصفار الشيخ الصدوق ص ۱۳۱، ش ۳۳۸
۱۹ كتاب حكم بن حكيم سعد بن عبد الله والحميري الشيخ الصدوق ص ۱۳۷، ش ۳۵۳
۲۰ كتاب حمزة بن يعلى محمد بن الحسن الصفار ابن قولويه ص ۱۴۱، ش ۳۳۶
۲۱ كتب موسى بن القاسم محمد بن الحسن الصفار ابن أبي جيد القمي ص ۴۰۵، ش ۱۰۷۳
۲۲ كتب صفوان بن يحيى محمد بن الحسن الصفار ابن أبي جيد القمي ص ۱۹۸، ش ۵۲۴
۲۳ كتب محمد بن الحسين بن أبي الخطاب محمد بن الحسن الصفار محمد بن الحسن الصفار ص ۳۳۴، ش ۸۹۷

بناءً على فهرسي النجاشي والشيخ الطوسي، يقع ابن الوليد في طريق نقل أكثر من 120 كتابًا. والجدير بالذكر أن وجود ابن أبي جيد في نقل العديد من المصنفات – التي كانت متاحة للقميين – إلى بغداد يظهر بوضوح دوره المحوري في نقل التراث.

۳-۲. تلامذة ابن الوليد في الحديث

يُعدّ محمد بن علي بن بابويه، المعروف بالشيخ الصدوق، بلا شك أهم تلميذ لابن الوليد في الحديث. وقد روى الشيخ الصدوق في كتبه ما مجموعه 7513 حديثًا عن ابن الوليد (مع وجود روايات مكررة ضمن هذا العدد). ومن تلامذة ابن الوليد الآخرين يمكن ذكر ابنه أحمد، الذي روى الشيخ الطوسي أكثر من 580 رواية عن طريقه عن ابن الوليد. كما أن ابن أبي جيد هو تلميذ آخر لابن الوليد، ورغم قلة الروايات المنقولة عنه عن ابن الوليد (الطوسي، 1390: 1/20 و58؛ الحر العاملي، 1409: 7/269 و8/77) – وهو ما قد يُعزى إلى عدم امتلاك ابن الوليد لكتاب – إلا أنه لا يمكن إغفال دوره في نقل التراث الشيعي إلى بغداد كما مر سابقًا. وقد ذكر النجاشي في عبارة أنه رأى إجازة ابن الوليد لابن أبي جيد برواية جميع كتب وأحاديث ابن الوليد (النجاشي، 1365: 383). كما أن جعفر بن محمد بن قولويه، صاحب “كامل الزيارات”، هو من تلامذة ابن الوليد في الحديث، وقد روى عنه روايات متعددة (ابن قولويه، 1356: 12، 13، 20، 29، 41، 68، 79، 91، 98، 119).

والجدير بالذكر أن الشيخ الصدوق كان ينظر إلى ابن الوليد نظرة خاصة، وكان متأثرًا جدًا بآراء أستاذه الحديثية. وفيما يتعلق بخبر عن محمد بن موسى الهمداني، الذي كان ابن الوليد يراه موضوعًا، أيّد الصدوق رأي أستاذه، وكتب في عبارة لافتة: «وكل ما لم يصححه ذلك الشيخ قدس الله روحه، ولم يحكم بصحته من الأخبار، فهو عندنا متروك غير صحيح» (ابن بابويه، 1413: 2/90)؛ أي أن كل رواية لم يحكم بصحتها أستاذنا ابن الوليد، فهي عندنا متروكة وغير صحيحة.

من هذه المعطيات المختلفة، يمكن إدراك مكانة ابن الوليد الحديثية جيدًا. وهدف الكاتب من طرح هذه المعطيات هو بيان أنه لم يغض الطرف عن مكانة ابن الوليد الحديثية وشخصيته التراثية، وأنه مع مراعاة مكانته الحديثية، قد قيّم رأيه بخصوص أصلي زيد النرسي وزيد الزراد.

أصالة أصلي زيد النرسي وزيد الزراد

۱-۳. مسألة النسبة إلى المؤلف

فيما يتعلق بأي مصنف حديثي، هناك مسألتان تحظيان باهتمام الباحثين: الأولى هي نسبة الكتاب إلى المؤلف، والثانية هي اعتباره. والمقصود بالأصالة هو عدم وجود شك في نسبة كتاب إلى مؤلفه. أما المقصود باعتبار الكتاب، فهو مدى توفيق المؤلف في تدوين التعاليم ثابتة النسبة إلى المعصومين (ع). فكلما جمع المؤلف أحاديث ثابتة النسبة إلى المعصومين (ع) أكثر في كتابه، زاد اعتبار كتابه.

لقد شكك بعض علماء الشيعة في مجال تقييم الأحاديث في نسبة بعض الكتب إلى مؤلفيها. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى الشك في نسبة كتاب “أصفياء أمير المؤمنين” إلى علي بن الحسن بن فضال. فالنجاشي في ترجمة علي بن الحسن بن فضال، بعد أن نقل شك بعض مشايخه في نسبة هذا الكتاب إليه (النجاشي، 1365: 258)، يوضح سبب هذا الشك بقوله: «قالوا: وهذا الكتاب ألصق روايته إلى أبي العباس ابن عقدة وابن الزبير، ولم نر أحدًا ممن روى عن هذين الرجلين يقول: قرأته على الشيخ، غير أنه يضاف إلى كل رجل منهما بالإجازة حسب» (نفس المصدر).

بناءً على هذا النقل، فإن الشك في نسبة هذا الكتاب إلى ابن فضال نشأ فقط لعدم وجود من قرأه على ابن عقدة وابن الزبير، وهما من تلامذة علي بن الحسن بن فضال. وفي مثال آخر، يشك الشيخ الطوسي في نسبة كتاب باسم “تفسير الرؤيا” إلى أحمد بن أصفهبذ، ويعتبره من مصنفات الكليني (الطوسي، 1420: 73). وفي مثال آخر، لا يقبل النجاشي نسبة مجموعة من الكتب إلى الفضل بن شاذان النيسابوري (النجاشي، 1365: 363). كما أن نفي ابن الغضائري لنسبة كتاب سليم إلى سليم بن قيس الهلالي هو من موارد الكلام في أصالة الكتاب. وينقل ابن الغضائري عن بعض الأصحاب أن أبان بن أبي عياش هو واضع هذا الكتاب (ابن الغضائري، 1364: 36). ومثال آخر هو نفي نسبة كتاب “تفسير الباطن” إلى محمد بن أورمة من قبل النجاشي وابن الغضائري (النجاشي، 1365: 330؛ ابن الغضائري، 1364: 94).

وهذا يدل على أن علماء الحديث في عملية تقييم المصنفات كانوا يولون أهمية خاصة لإثبات نسبة الكتاب إلى مؤلفه. والشك في نسبة أصلي زيد الزراد وزيد النرسي، وهو موضوع هذه الدراسة، هو أحد هذه النماذج.

۲-۳. الشك في أصالة أصلي زيد الزراد وزيد النرسي من قبل ابن الوليد وسببه

ينقل الشيخ الطوسي شك اثنين من أهم علماء الحديث – وهما ابن الوليد، وتبعه الشيخ الصدوق – في نسبة هذين الكتابين إلى مؤلفيهما، فيقول: «لم يروهما محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، وقال في فهرسته: لم يروهما محمد بن الحسن بن الوليد، وكان يقول: هما موضوعان، وكذلك كتاب خالد بن عبد الله بن سدير» (الطوسي، 1420: 202).

وفقًا لهذا النقل، فإن ابن الوليد كان يرى أيضًا أن كتاب خالد بن عبد الله بن سدير موضوع. ويبدو أن وجود محمد بن موسى الهمداني في طريق هذا الكتاب كان له تأثير كبير في هذا الرأي؛ لأن ابن الوليد لم يكن يحمل أي نظرة إيجابية تجاه محمد بن موسى الهمداني، بل استثناه أيضًا من رجال “نوادر الحكمة” (النجاشي، 1365: 348؛ ابن الغضائري، 1364: 94).

وهذه النقطة يمكن استخلاصها بوضوح من تقرير الشيخ الصدوق عن كيفية تعامله مع روايات محمد بن موسى الهمداني. فقد ذكر الشيخ الطوسي في ترجمة سعد بن عبد الله ورواة كتبه: «أخبرنا بجميع كتبه ورواياته عدة من أصحابنا عن محمد بن علي بن الحسين ابن بابويه عن أبيه ومحمد بن الحسن عن سعد بن عبد الله عن رجاله. قال محمد بن علي بن الحسين: إلا كتاب “المنتخبات”، فإني لم أروها عن محمد بن الحسن إلا أجزاء قرأتها عليه، وأعلمت على الأحاديث التي رواها محمد بن موسى الهمداني، وقد رويت عنه كل ما في كتب “المنتخبات” مما أعرف طريقه من الرجال الثقات» (الطوسي، 1420: 216).

بالاعتماد على هذا النقل، فإن الشيخ الصدوق يروي جميع كتب سعد بن عبد الله عن ابن الوليد، باستثناء كتاب “المنتخبات”. فقد قرأ الصدوق كتاب “المنتخبات” على شيخه ابن الوليد، ووضع علامات على الأحاديث التي رواها محمد بن موسى الهمداني. وقد روى الصدوق كتاب “المنتخبات” من طريق الرجال الثقات. كما قرأ ابن الغضائري هذا الكتاب على ابن قولويه (النجاشي، 1365: 178).

في مثال آخر، لا يرى ابن الوليد صحة رواية صلاة يوم عيد الغدير لمجرد أن راويها هو محمد بن موسى. وفي هذا الصدد، يكتب الشيخ الصدوق: «وأما خبر صلاة يوم غدير خم والثواب المذكور فيه لمن صامه؛ فإن شيخنا محمد بن الحسن رضي الله عنه كان لا يصححه، ويقول: إنه من طريق محمد بن موسى الهمداني، وكان كذابًا غير ثقة» (ابن بابويه، 1413: 2/90).

وقد روى الشيخ الطوسي هذا الخبر (الطوسي، 1407: 3/143). ويبدو من عبارة النجاشي أنه يشك في رأي محدثي قم، وعلى رأسهم ابن الوليد، بخصوص محمد بن موسى الهمداني (الخوئي، 1410: 17/283)، ويعبر عن شكه هذا بعبارة «والله أعلم»؛ حيث يقول: «ضعفه القميون بالغلو، وكان ابن الوليد يقول: إنه كان يضع الحديث، والله أعلم. له كتاب ما روى في أيام الأسبوع، وكتاب الرد على الغلاة» (النجاشي، 1365: 338). ومن المثير للاهتمام أن القميين اتهموه بالغلو، بينما له هو نفسه كتاب في الرد على الغلاة.

الكتاب الآخر الذي يذكره النجاشي للهمداني هو «ما روى في أيام الأسبوع». وطريق النجاشي إلى كلا الكتابين هو: ابن شاذان عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه عن الهمداني (نفس المصدر). ووفقًا لطريق النجاشي، فإن محمد بن يحيى العطار هو راوي كتابي محمد بن موسى؛ وهي نقطة تتضح جيدًا في روايات الكليني عنه. فقد روى الكليني 30 رواية عن الهمداني، 26 منها بواسطة محمد بن يحيى العطار.

من محتوى العديد من الروايات المنقولة عنه في كتاب “الكافي”، يمكن استنتاج أن كتاب «ما روى في أيام الأسبوع» للهمداني كان أحد المصادر المباشرة للكليني في تدوين “الكافي”؛ مثل سبب تسمية يوم الجمعة بالجمعة، وصيام يوم عاشوراء، وكيفية الصيد يوم الجمعة، وكراهة الذبح يوم الجمعة قبل الصلاة (الكليني، 1407: 3/415، 4/146، 6/219، 6/236). وربما يمكن اعتبار روايته المشهورة في باب صلاة يوم الغدير وثوابها من هذا الكتاب أيضًا (الطوسي، 1407: 3/147).

والنقطة المثيرة للاهتمام هي أن العديد من روايات الهمداني في كتاب “الكافي” تتعلق بخصائص الأطعمة. فإذا قبلنا أن هذه الروايات مأخوذة أيضًا من كتاب من تأليف الهمداني، فيجب أن ننسب إليه كتابًا آخر حول خصائص الأطعمة، والذي من المحتمل أن النجاشي لم يكن على علم به؛ مثل خاصية خبز الأرز، وخصائص سويق العدس، وخاصية لحم الحجل، وحلية البيض، وخاصية الماش، وسويق التفاح، وخصائص النبق (بالترتيب: الكليني، 1407: 6/305، 307، 312، 325، 344، 356، 361) وغيرها من الروايات.

نقطة أخرى حول محمد بن موسى هي أنه على الرغم من استثنائه من قبل ابن الوليد من رجال “نوادر الحكمة”، إلا أن الشيخ الطوسي روى تسع روايات عنه بواسطة صاحب “نوادر الحكمة” عن الهمداني (للاطلاع على مثال، انظر: الطوسي، 1407: 6/241، 284، 383، 397). فإذا كان كتاب “نوادر الحكمة” هو المصدر المباشر للشيخ الطوسي في هذه الروايات، يمكن القول إن الشيخ الطوسي لا يرى أن استثناء ابن الوليد يعني الرفض الكلي لرواياته. ويبدو أن استثناء ابن الوليد لا يعني حتى تضعيف الأشخاص المستثنين، بل هو مجرد تحذير بضرورة الاحتياط والحاجة إلى مزيد من الدقة في التعامل مع رواياتهم (شاكر، حسيني، 1392: كامل المقال)؛ وهو أمر يلاحظ أيضًا بخصوص روايات سهل بن زياد؛ لأنه على الرغم من استثناء ابن الوليد له، روى الشيخ الطوسي 11 حديثًا عن سهل بواسطة صاحب “نوادر الحكمة” (للاطلاع على مثال، انظر: الطوسي، 1407: 1/32، 2/122، 3/254). ومحمد بن موسى الهمداني هو من رواة زيارة عاشوراء في كتاب “كامل الزيارات” أيضًا (ابن قولويه، 1356: 174).

كما يُلاحظ، فإن حال محمد بن موسى لدى محدثين مثل الكليني والشيخ الطوسي ليس سيئًا إلى هذا الحد، وقد نقل كلاهما روايات متعددة عنه. وليس واضحًا تمامًا ما هو سبب رفض ابن الوليد الكلي لرواياته وتشاؤمه تجاه الهمداني.

۱-۲-۳. عدم قبول رأي ابن الوليد من قبل المتقدمين

من أوائل من خالف رأي ابن الوليد بخصوص أصلي زيد الزراد وزيد النرسي هو ابن الغضائري. فقد ذكر: «قال أبو جعفر ابن بابويه: إن كتابهما موضوع، وضعه محمد بن موسى السمان. وغلط أبو جعفر في هذا القول؛ فإني رأيت كتبهما مسموعة عن محمد بن أبي عمير» (ابن الغضائري، 1364: 62).

من وجهة نظر ابن الغضائري، أخطأ الشيخ الصدوق في اعتباره أصلي زيد الزراد وزيد النرسي موضوعين. ويرى ابن الغضائري أن دليل أصالة هذين الكتابين وعدم وضعهما هو أنهما سُمعا من ابن أبي عمير. وبناءً على هذه العبارة، يبدو أن ابن الغضائري قد وصل إلى نسخة من هذين الكتابين تحمل قرائن القراءة والسماع من قبل خبير حديثي مثل ابن أبي عمير، وهو ما كان سببًا في تأييد ابن الغضائري لهذين الكتابين.

ويبدو أن النجاشي أيضًا لم يكن لديه شك في أصالة هذين الأصلين. وهو يذكر طريقه إلى كتاب زيد الزراد كالتالي: «أخبرنا محمد بن محمد، قال: حدثنا جعفر بن محمد، قال: حدثنا أبي وعلي بن الحسين بن موسى، قالا: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، قال: حدثنا محمد بن عيسى بن عبيد، عن ابن أبي عمير، عن زيد بكتابه» (النجاشي، 1365: 175).

وهذا الطريق هو من أقوى طرق النجاشي في فهرسته، حيث يضم بالترتيب: «الشيخ المفيد»، «جعفر بن محمد بن قولويه»، «محمد بن قولويه وابن بابويه (والد الصدوق)»، «علي بن إبراهيم»، «محمد بن عيسى بن عبيد»، و«ابن أبي عمير». إن وجود ابن أبي عمير وغيره من المحدثين المشهورين دليل على أن النجاشي لم يشك في أصالة هذا الكتاب. وكما يصرح بحر العلوم بهذه النقطة (بحر العلوم، 1363: 2/371)، فإن وجود ابن أبي عمير في طريق النجاشي يؤيد رأي ابن الغضائري أيضًا.

وللنجاشي رأي إيجابي أيضًا تجاه كتاب زيد النرسي، حيث يكتب: «له كتاب يرويه جماعة» (النجاشي، 1365: 174). وهذه العبارة تدل على شهرة الكتاب (كاميارنيا، 1393: كامل المقال). وعلاوة على ذلك، يقع ابن أبي عمير أيضًا في طريق النجاشي إلى هذا الكتاب: «أخبرنا أحمد بن علي بن نوح، قال: حدثنا محمد بن أحمد الصفواني، قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن زيد النرسي بكتابه». وهذا الطريق أيضًا من طرق النجاشي المعتبرة. (ابن نوح السيرافي: «إنه كان ثقة في حديثه، متقنًا لما يرويه»؛ الصفواني: «إنه شيخ ثقة فقيه فاضل»؛ علي بن إبراهيم: «إنه ثقة في الحديث، ثبت، معتمد»). ويرى بحر العلوم أن وجود هؤلاء الأعلام في طريق هذا الأصل دليل على شهرته بين الأصحاب وانتشار أخباره (بحر العلوم، 1363: 2/372). كما أن الشيخ الطوسي قد عرّف ابن أبي عمير بأنه راوي هذا الكتاب (الطوسي، 1420: 201).

إذا قبلنا بنظرية وثاقة مشايخ الشيوخ الثلاثة (الطوسي، 1417: 1/154)، يمكن قبول وثاقة صاحبي هذين الأصلين (الاسترآبادي، 1422: 5/294؛ بحر العلوم، 1363: 2/366). وكما سيأتي، فإن المحدثين المتأخرين أيضًا يعتبرون وجود ابن أبي عمير في نقل هذين الكتابين من أهم قرائن الاعتماد (المجلسي، 1403: 1/43؛ النوري، 1408: خاتمة 1/48).

من مجموع المعطيات المتاحة، يُستفاد أن ابن الوليد وتلميذه الشيخ الصدوق هما الوحيدان اللذان شككا في أصالة هذين الأصلين (بحر العلوم، 1363: 2/368). وبالطبع، كما مر سابقًا، فإن تأثر الشيخ الصدوق الكبير بابن الوليد لم يكن عديم الأثر في تكوين هذه النظرية الحديثية، لدرجة أن المحدث النوري أبدى استغرابه في هذا الصدد وكتب: «الغريب أن علي بن بابويه، شيخ مشايخ أهل قم، يروي هذا الأصل – أصل زيد الزراد – لكن ابنه الصدوق لا يعتمد على أبيه في رواية هذا الأصل… ويقلد أستاذه ابن الوليد» (النوري، 1408: خاتمة 1/47). والجدير بالذكر أن الصدوق في بعض المواضع، بعد نقل رواية عن أبيه، يصرح بأنه قبل رأي ابن الوليد في المسألة رغم مخالفة رأي أبيه له (ابن بابويه، 1385: 2/501، 502، 511). كما كان لابن الوليد تأثير في تكوين بعض آراء الصدوق الكلامية (نفس المصدر، 1413: 1/360). هذا في حين أن العديد من علماء الحديث في ذلك العصر، مثل ابن الغضائري، عارضوا هذا الرأي بشدة. لذلك، لا يمكن اعتبار رأي ابن الوليد والشيخ الصدوق بخصوص هذين الأصلين من المسلمات، والحكم بظاهرة الوضع في التراث الشيعي على نطاق واسع بالتمسك بكون هذا الكتاب موضوعًا – وهو ما قوبل بمعارضة جادة حتى من أشد علماء الرجال صرامة مثل ابن الغضائري (راجع: البهبودي، 1427: 355).

بالإضافة إلى معارضة هذا الرأي، عارض المتقدمون بعض آراء ابن الوليد الأخرى أيضًا. فابن نوح، الذي يرى أن ابن الوليد كان على حق في مسألة الاستثناءات، لا يقبل رأي ابن الوليد بخصوص محمد بن عيسى بن عبيد، وقد نقل النجاشي شرح هذه المخالفة كالتالي: «وقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كله… إلا في محمد بن عيسى بن عبيد، فلا أدري ما رابه فيه؛ لأنه كان على ظاهر العدالة والثقة» (النجاشي، 1365: 348).

۲-۲-۳. نقد نظرة ابن الوليد من قبل محدثي المتأخرين

من بين المتأخرين، اعتمد العلامة المجلسي على هذين الأصلين بناءً على قرائن، وأخبر عن وجود نسخة قديمة منهما – قوبلت على خط منصور بن الحسن الآبي (ت 422 هـ) (للمزيد من البحث، انظر: جمع من العلماء، 1423: 97-102)، والتي كُتبت عن خط الشيخ محمد بن الحسن القمي سنة 374 هـ (المجلسي، 1403: 1/43؛ المامقاني، 1431: 29/78). وقد روى العلامة المجلسي عن هذين الكتابين في مواضع متفرقة من “بحار الأنوار” (للاطلاع على مثال، انظر: المجلسي، 1403: 4/122، 5/145، 6/292، 7/276، 47/269). كما تحدث السيد بحر العلوم بالتفصيل عن اعتبار هذين الأصلين بناءً على رواية ابن أبي عمير وقرائن أخرى، ونقد رأي ابن الوليد والشيخ الصدوق (بحر العلوم، 1363: 360-378).

ويعتقد المحقق الخوئي، استنادًا إلى كلام ابن الغضائري وصحة طريق النجاشي، بأصالة هذين الكتابين وبطلان كلام ابن الوليد. وقد طرح احتمال أن تكون نسخة أصلي زيد الزراد وزيد النرسي قد وصلت إلى ابن الوليد من طريق ضعيف، أي طريق محمد بن موسى الهمداني – وليس من الطريق المشهور والمعتبر الذي يقع فيه ابن أبي عمير – ولهذا حكم بوضع هذا الكتاب. ولكن مع ذلك، يسأل السيد الخوئي ابن الوليد: ألا يمكن لشخص ضعيف أن يصدق؟ هل يعلم ابن الوليد أن محمد بن موسى لا يصدق أبدًا؟ (الخوئي، 1410: 7/366). ومن بين المتأخرين، اعتمد آخرون أيضًا على هذا الكتاب (النوري، 1408: خاتمة 1/48؛ المامقاني، 1431: 29/188؛ الوحيد البهبهاني، 1422: 5/293).

۳-۲-۳. دراسة الطريق المذكور في بداية الأصلين

ذكرنا سابقًا أن العلامة المجلسي وصل إلى نسخة من أصل زيد النرسي تعود إلى القرن الرابع. وفي بداية هذه النسخة، رُوي طريق إلى الكتاب يختلف عن طريق النجاشي، وهو موجود أيضًا في نسخة الشيخ الحر العاملي: «حدثنا الشيخ أبو محمد هارون بن موسى التلعكبري أيده الله، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني، قال: حدثنا جعفر بن عبد الله العلوي أبو عبد الله المحمدي، قال: حدثنا محمد بن أبي عمير، عن زيد النرسي» (المجلسي، 1403: 1/43). وكما يُلاحظ، فإن هذا الطريق من الطرق المعتبرة جدًا، وجميع الأفراد الموجودين فيه هم من أشهر خبراء التراث في تاريخ الشيعة. فقد وُصف هارون بن موسى التلعكبري (ت 385 هـ) بأنه ثقة معتمد، ومن وجوه الأصحاب، لا يطعن عليه بشيء. وذكر النجاشي أن منزله في بغداد كان محط رحال نقاد الحديث لتلقي الكتب الحديثية ومقابلتها (النجاشي، 1365: 439). كما وصفه الشيخ الطوسي بأنه شخص لا نظير له، روى جميع أصول ومصنفات الشيعة (الطوسي، 1430: 449). ووُصف ابن عقدة أيضًا بأنه معتمد وجليل القدر، وله مكانة خاصة في الحديث (النجاشي، 1365: 94). كما وُصف جعفر بن عبد الله رأس المذري بأنه «أوثق الناس في حديثه» (نفس المصدر، 120). ويبدو أن هذا الطريق من أفضل الطرق الروائية، كما نبه إليه بحر العلوم (بحر العلوم، 1363: 2/372).

وفي بداية نسخة زيد الزراد أيضًا، ذُكر هذا الطريق: «حدثنا أبو محمد هارون بن موسى التلعكبري، عن أبي علي محمد بن همام، عن حميد بن زياد بن حماد، عن أبي العباس عبيد الله بن أحمد بن نهيك، عن محمد بن أبي عمير، عن زيد الزراد». وهذا الطريق أيضًا من الطرق الروائية الخالية من الخلل، والإبهام الوحيد فيه قد يكون كون حميد بن زياد واقفيًا، وهو ما لا يُعد خللًا في الطريق بسبب توثيق النجاشي الصريح له (النجاشي، 1365: 132).

۴. دراسة قرائن الصدور والاعتماد على روايات الأصلين

۱-۴. مسألة كون النسخة وجادية

النسخة المتوفرة اليوم من هذين الأصلين هي في الواقع نسخة وجادية من العلامة المجلسي. ويُطرح هذا السؤال: هل هذه النسخة هي نفسها النسخة التي كانت في متناول المتقدمين؟ ليس للعلامة المجلسي طريق إلى هارون بن موسى الذي يقع في بداية سند هذين الأصلين. ولكن كما هو مشهور، كان العلامة المجلسي خبيرًا في معرفة الخطوط والكتاب، ويعتبر هذه النسخة – كما قيل – مصححة بخط منصور بن الحسن الآبي (422 هـ)، وتاريخ كتابتها سنة 374 هـ. وبعد أن أحرز العلامة المجلسي اعتبار هذين الأصلين، روى جميع رواياتهما في “بحار الأنوار”.

بالإضافة إلى المجلسي، أبان الشيخ الحر العاملي أيضًا عن اعتماده على هذا الكتاب – وأقدم نسخة موجودة من هذين الأصلين هي نسخة كانت في ملكية الشيخ الحر، وكُتبت سنة 1096 هـ بخط عبد الرضا بن أحمد الجزائري (جمع من المؤلفين، 1423: 104).

إن اعتبار النسخة لا يقتصر على عدم كونها وجادية. فهناك قرائن مختلفة تمنح النسخة اعتبارًا، منها قدم النسخة المكتشفة، والكاتب، والقرائن والشواهد الموجودة على النسخة، مثل تطابق الخط ونوع الكتابة والورق مع تاريخ كتابة النسخة، وعلامات التصحيح والمقابلات المتكررة، وغيرها من الأمور. ومن المحتمل أن هذه القرائن هي التي دفعت المجلسي والشيخ الحر إلى الاعتماد على هذين الأصلين – وعلى سائر الأصول الستة عشر.

۲-۴. الإشكال في الطريق أم في المحتوى؟

النقطة المهمة هي أنه في الكلمات المنقولة عن ابن الوليد والشيخ الصدوق، لم يُطرح أبدًا الكلام عن محتوى هذين الأصلين. وقد ذكرنا سابقًا أن كل ما ورد في عبارة الشيخ الطوسي هو وصف هذين الأصلين بالوضع، وأن واضعهما هو محمد بن موسى الهمداني. وابن الغضائري أيضًا، عندما رد، لم يتطرق أبدًا إلى محتوى هذين الأصلين، بل ركز رده على امتلاك هذا الكتاب لطريق صحيح.

لذلك، يجب القول إن ابن الوليد كان يظن أن لهذا الكتاب طريقًا واحدًا فقط، وهو طريق محمد بن موسى، وأن محمد بن موسى في اعتقاده ضعيف وكذاب، وبالتالي يجب طرح هذين الأصلين. ويُؤكد أن الفرضية هي أن مشكلة ابن الوليد ليست مشكلة محتوى مع هذا الكتاب. والآن، في هذه الحالة التي وصل فيها كتاب بطريق ضعيف، ألم يكن بإمكان ابن الوليد والصدوق أن يعملا كما كان يفعل المتقدمون؟ أي أن ينقلا الروايات ذات قرينة الصدور؟ ويمكن أن تكون قرينة الصدور طريقًا آخر للكتاب نفسه، أو وجود شاهد لروايات الكتاب في كتب أخرى.

نحن نعلم أن المتقدمين في تعاملهم مع روايات الرواة الضعفاء لم يكونوا يطرحون جميع روايات الراوي الضعيف، بل كانوا يطرحون فقط رواياته المنفردة والتي لا قرينة عليها. وهذه الحقيقة يمكن تتبعها بوضوح في ترجمة محمد بن سنان (النجاشي، 1365: 328)، ومحمد بن أورمة (الطوسي، 1420: 407)، ومحمد بن علي أبو سمينة (نفس المصدر، 412)، والحسن بن محمد بن يحيى العلوي (ابن الغضائري، 1364: 54). فالشيخ الطوسي عند تعامله مع روايات محمد بن سنان في مقام الفتوى، وليس مجرد التنظير، يحكم صراحة بضعفه الشديد، ولكنه يحصر الأثر التخريبي لهذا الضعف في منفرداته فقط، لا في رواياته التي لها قرينة صدور (الطوسي، 1407: 7/361). وهذا هو نهج جميع المتقدمين، ولا يوجد استثناء في هذا الصدد. ويشير صاحب “المعالم” أيضًا في مقدمة “منتقى الجمان” إلى هذه النقطة، وهي أن علماء الحديث في القرون الأولى كانوا يرجعون إلى الراوي الضعيف ويعملون برواياته لوجود القرائن (العاملي، 1362: 1/14).

لذلك، فإن أحد أهم أساليب تقييم الحديث هو الاهتمام بقرائن صدور روايات الرواة؛ حتى الرواة الضعفاء الذين ضُعّفوا بشدة. ومما لا شك فيه أن نقل الرواة المعتمدين لرواية الراوي الضعيف، وكذلك رواية أحاديث مشابهة ومتوافقة، هي من قرائن صدور روايات الرواة الضعفاء.

والآن، مع بيان النقطة المذكورة، يُطرح هذا السؤال مرة أخرى: لماذا تُطرح جميع روايات هذين الأصلين فجأة من قبل ابن الوليد؟ إذا كانت المشكلة هي ضعف الطريق فقط، ولم يكن هناك طريق آخر في نظره، فإن رد الفعل المناسب والمنطقي الوحيد من جانب ابن الوليد هو عدم رواية هذين الأصلين. ولكن لماذا يعتبر ابن الوليد هذين الأصلين موضوعين؟ إن وجود طريق ضعيف في نظر المتقدمين – حتى لو كان طريقًا واحدًا ضعيفًا – لا يعني الوضع أبدًا. فابن الوليد نفسه وقع مرارًا في مسار نقل كتب صُنفت من قبل رواة ضُعّفوا بشدة، مثل محمد بن أورمة ومحمد بن علي أبو سمينة، الذين أشير إليهما في الفقرة السابقة، ولكنه لم يتحدث عن الوضع. أما بالنسبة لطريق هذين الأصلين، فإن تعامل ابن الوليد معه مثير للتأمل جدًا.

لذلك، يمكن العودة مرة أخرى إلى الاحتمالين المذكورين سابقًا، وهو أن ابن الوليد إما كان يرى محتوى هذين الأصلين مخالفًا لمعتقداته المعرفية، أو أنه جعل محمد بن موسى خطًا أحمر في بحثه الحديثي. ورغم أن الاحتمال الثاني أقوى بسبب القرائن المذكورة سابقًا – وهو بالطبع يخالف سنة نقاد الحديث – ولكن إذا كان الاحتمال الأول هو المقصود، وكان الأصلان الموجودان هما الأصلين اللذين كانا في متناول المتقدمين، فيمكن دراسة هذين الكتابين دراسة محتوى.

۳-۴. دراسة محتوى روايات أصل زيد الزراد

بالنسبة للروايات الموجودة في هذين الأصلين، يمكن الحكم بالاعتبار أو عدمه بنفس الطريقة. يحتوي أصلا زيد النرسي وزيد الزراد إجمالاً على 84 رواية (زيد الزراد 34 رواية، وزيد النرسي 50 رواية). وفيما يلي، ونظرًا لمحدودية حجم المقالة، سنكتفي بدراسة محتوى 34 رواية من أصل زيد الزراد. والجدير بالذكر أن الحر العاملي كتب في أقدم نسخة متبقية من الأصول الستة عشر (والتي هي بحسب ما كتب الشيخ الحر أربعة عشر): «اعلم أني تتبعت أحاديث هذه الكتب الأربعة عشر، فرأيت أكثر أحاديثها موجودًا في “الكافي” أو غيره من الكتب المعتمدة، والباقي له مؤيدات فيها، ولم أجد فيها شيئًا منكرًا سوى حديثين محتملين للتقية وغيرها» (جمع من المؤلفين، مقدمة الأصول الستة عشر، 1423: 104).

لقد حكم الشيخ الحر العاملي باعتبار مجموعة روايات “الأصول الستة عشر” بالضبط من خلال منهج محورية القرينة وتتبع قرائن الصدور.

الرقم المتن أو المحتوى الموضوع النقل في كتب أخرى
۱ سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: خياركم سمحاؤكم، وشراركم بخلاؤكم. ومن خالص الإيمان البر بالإخوان؛ وفي ذلك محبة من الرحمن، ومرغمة للشيطان، وتزحزح عن النيران. أخلاقي هذه الرواية نقلها الكليني بسند «عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عمن حدثه، عن جميل بن دراج، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول» مع إضافات (الكليني، 1407: 4/41، ح 15). كما روى الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي هذا الحديث في كتبهما.
۲ مذمة الشهادة بغير علم، جواز الشهادة بمعرفة الخط والخاتم. فقهي، أخلاقي هذه الرواية رواها زيد الزراد فقط. وقد رواها المتأخرون بواسطته (النوري، 1408: 17/414؛ البروجردي، 1386: 30/326).
۳ سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إذا أتى على الصبي أربعة أشهر فاحجموه في كل شهر حجمة في نقرته؛ فإنها تخفف لعابه، وتهبط الحر من رأسه ومن جسده. آداب إسلامية، حجامة المولود هذه الرواية رواها الكليني بسند «عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن جندب، عن سفيان بن السمط، قال: قال لي أبو عبد الله (ع)» (الكليني، 1407: 6/53). كما روى الشيخ الطوسي هذا الحديث عن سفيان بن السمط (الطوسي، 1407: 8/115).
۴ سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: علامة سخط الله على خلقه جور سلطانهم وغلاء أسعارهم، وعلامة رضا الله عن خلقه عدل سلطانهم ورخص أسعارهم. أخلاقي، اجتماعي هذه الرواية رواها الكليني بسند «محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن الغفاري، عن القاسم بن إسحاق، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص)…» (الكليني، 1407: 5/162). كما روى الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي هذا الحديث (الطوسي، 1407: 7/158؛ ابن بابويه، 1413: 3/269).
۵ فضل وآثار قراءة سورة الإنسان في الصلاة للشيعة. فقهي، استحبابي هذه الرواية رواها زيد الزراد فقط.
۶ دعاء لبس الدرع. آداب إسلامية هذه الرواية أيضًا رُويت فقط في أصل زيد الزراد.
۷ استحباب أثر السجود في أحد مواضع السجود للمسلم. أخلاقي، عبادي روى الشيخ الطوسي القسم الأول من هذه الرواية بطريق ينتهي إلى النوفلي عن السكوني (الطوسي، 1407: 2/313).
۸ أهمية وقيمة رواية الدراية والمعرفة. أخلاقي، ثقافي روى الكليني القسم الأول من هذه الرواية بسند «محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن سنان، عن محمد بن مروان العجلي، عن علي بن حنظلة، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول» (الكليني، 1407: 1/50).
۹ أحد أذكار أمير المؤمنين (ع). آداب إسلامية روى الصدوق هذه الرواية مطابقة تمامًا للرواية الموجودة عن “بريد الرزاز”، والذي يبدو أنه تصحيف لـ”زيد الزراد” (ابن بابويه، 1403: 11). وفي الكافي عن أبي حمزة الثمالي عن الإمام السجاد (ع) بسند «عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (ع)، قال: كان أمير المؤمنين يقول» (الكليني، 1407: 2/580).
۱۰ أهل البيت (ع) هم الظروف التي تُنقل منها العلوم إلى الشيعة. فضائل ومناقب هذه الرواية رواها زيد الزراد فقط.
۱۱ الترغيب في تلقي العلم من مصدره الصحيح. ثقافي، تربوي هذه الرواية رواها الزراد فقط. وقد ورد ما يماثلها في مصادر معتمدة متعددة (الكليني، 1407: 1/51، 222، 399).
۱۲ عن أبي عبد الله (ع)، قال: قال أمير المؤمنين (ع): إنا نكره البلاء ولا نحبه ما لم ينزل، فإذا نزل بنا القضاء لم يسرنا أن لا يكون نزل البلاء. أخلاقي، تربوي هذه الرواية موجودة فقط في أصل زيد. ولكن مضمونها، وهو طلب العافية، منقول في روايات كثيرة.
۱۳ حكمة البلاء لأولياء الله والرفاه لأعداء الله. أخلاقي، تربوي ورد ما يماثل هذا المضمون في مصادر أخرى (الكليني، 1407: 2/252؛ الأهوازي، 1404: 15-29، 260).
۱۴ سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه الذي هو فيه خيرًا من أمسه الذي ارتحل عنه فهو مغبوط. أخلاقي، تربوي روى الصدوق ما يماثل هذه الرواية بطرق مختلفة.
۱۵ سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: ملعون مغبون من غبنه عمره يومًا بعد يوم، ومغبوط محسود من كان يومه الذي هو فيه خيرًا من أمسه الذي ارتحل عنه. أخلاقي، تربوي مثل الرواية السابقة.
۱۶ الكافر لا نصيب له من الحياة. أخلاقي، تربوي ورد مضمون الرواية في روايات أخرى.
۱۷ على ماذا تجب الزكاة؟ فقهي روايات كثيرة مماثلة في المصادر الفقهية.
۱۸ وصل صوم شهر شعبان برمضان وصيام النبي (ص) ثلاثة أيام من كل شهر. فقهي، استحبابي، عبادي نقل الشيخ الصدوق ما يماثل هذه الرواية (ابن بابويه، 1396: 51).
۱۹ كيفية فصل النبي الأكرم (ص) بين صيام شهر شعبان ورمضان. فقهي، استحبابي، عبادي مثل السابقة.
۲۰ أوصاف المؤمنين الحقيقيين. أخلاقي، تربوي ورد ما يماثل مضمون هذه الرواية في مصادر مختلفة.
۲۱ قال النبي (ص) لأصحابه: لا تقوموا للقادم، فإنها من عادة العجم، ولكن تفسحوا له. آداب إسلامية القسم الثاني من الحديث يشبه آية «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ»، وقد بُيّن في روايات مختلفة.
۲۲ لا تفشِ سرك لمن يذيعه. أخلاقي، تربوي هذه الرواية رواها زيد الزراد فقط.
۲۳ سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: قال رسول الله (ص): يقول الله تبارك وتعالى: ليست بشر الليالي ليلة أرجف بها عبادي، أهدمها عليهم بشهادة ورحمة لأوليائي، وسخطة ونقمة على أعدائي. أخلاقي، توحيدي هذه الرواية رواها زيد الزراد فقط.
۲۴ زيد قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: يا جارية، اختمي على السفط بخاتمي العقيق؛ فإنه لا يزال محفوظًا حتى تؤدى إلينا وديعتنا. آداب، سيرة أهل البيت (ع) هذه الرواية رواها زيد الزراد فقط.
۲۵ سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: اكتب على المتاع “الحافظ الله”؛ فإنه لا يزال محفوظًا. آداب إسلامية هذه الرواية رواها زيد الزراد فقط.
۲۶ سمعته يقول: اكتب على المتاع “بركة لنا”؛ فإنه لا تزال البركة فيه والنماء. آداب إسلامية روى الشيخ الصدوق ما يماثل هذه الرواية عن الإمام الرضا (ع) (ابن بابويه، 1413: 3/201).
۲۷ آداب تحريز الأشياء وحفظها. آداب إسلامية هذه الرواية رواها زيد الزراد فقط.
۲۸ دعاء الإمام الصادق (ع) بعد النظر إلى السماء. آداب إسلامية هذه الرواية رواها زيد الزراد فقط.
۲۹ دعاء للأمان من شر الجن. آداب إسلامية هذه الرواية رواها زيد الزراد فقط.
۳۰ دعاء الخروج من المنزل. آداب إسلامية هذه الرواية رواها زيد الزراد فقط.
۳۱ علاقة الإمام الصادق (ع) بالجن وأمره لهم بإطلاق سراح أحد الشيعة كان قد وقع في أيديهم. فضائل ومعجزات رُويت علاقة الأئمة بالجن في مصادر أخرى أيضًا (الصفار، 1404: 95؛ الكليني، 1407: 1/394-398، 103).
۳۲ الصلاة مع حمل الحديد مكروهة، إلا أن يكون سلاحًا عند الضرورة. فقهي، استحبابي ورد ما يماثل هذه الرواية في الكافي (الكليني، 1407: 3/400، 403).
۳۳ اجتناب موائد الملوك، وخصائص الملح والخل. أخلاقي، تربوي رُويت آثار الملح في كتب أخرى أيضًا (الكليني، 1407: 6/325-327).
۳۴ دعاء الإمام الصادق (ع) عند النظر إلى السماء. آداب إسلامية هذه الرواية رواها زيد الزراد فقط.

كما يُلاحظ، هناك 6 روايات منقولة في مصادر أخرى، و14 رواية لها ما يماثلها، والبقية رواها زيد الزراد وحده، وهي ذات محتوى في الآداب والأخلاق. الكثير من روايات أصل زيد الزراد مروية في مصادر أخرى أو لها ما يماثلها. لذلك، لا يوجد مضمون غريب أو شاذ في هذا الأصل. أما بالنسبة لكتاب زيد النرسي، فقد رُويت فيه بضع روايات فقط ذات مضامين مثيرة للشك (مهدي الخوئي، 1393: كامل المقال).

وفي الختام، يجدر الإجابة على سؤال: إذا سلّمنا بأن النسخة الموجودة من هذين الأصلين هي نفسها نسخة المتقدمين، فكيف نثبت أن جميع روايات هذين الأصلين قد وصلت إلينا؟ فربما حكم ابن الوليد والشيخ الصدوق بوضع هذين الأصلين بناءً على روايات أخرى كانت موجودة فيهما، ولم تصل إلينا.

في الجواب، يجب القول إن هذا السؤال يحتمل احتمالات مختلفة. فإذا كان المقصود أن أصلي زيد النرسي وزيد الزراد كان لهما نسخة أكبر تحتوي على روايات أكثر من النسخة الأصغر، وأن هاتين النسختين الكبيرتين وصلتا فقط إلى ابن الوليد ومن بعده إلى الشيخ الصدوق، فيجب القول – بغض النظر عن أن الاحتمالات التي لا مؤيد لها ولا شاهد لا ينبغي الالتفات إليها كثيرًا في العلوم النقلية مثل تاريخ الحديث الذي يعتمد فقط على النقولات – حقًا، لماذا لم يشر أي من المتقدمين والمتأخرين إلى هذه النقطة؟ لماذا لم يطرح الموافقون والمخالفون لهذين الأصلين هذه النقطة والسؤال المذكور؟ لقد صرح النجاشي والطوسي في مواضع متعددة بوجود نسختين أو حتى عدة نسخ لمصنف ما، ولا يوجد أي سبب يدعوهما للسكوت عن تعدد نسخ هذين الأصلين. بالإضافة إلى ذلك، حتى لو قبلنا هذا الاحتمال – ويُؤكد أن هذا الكلام مجرد احتمال – وهو أن لهذين الأصلين نسخة أكبر من النسخة الحالية وروايات أكثر من الروايات الموجودة، يبقى هذا السؤال مطروحًا: لأي سبب وصلت إلينا الروايات الأقل – أي النسخة الأصغر من هذين الأصلين وليس الأكبر؟ هناك عدة احتمالات:

أولاً: أن يقال إن روايات هذين الأصلين قد نُقّحت؛ أي أنها بعد التنقيح تحولت إلى نسختين، صغيرة وكبيرة. فإذا كانت قد نُقّحت، فمن الذي قام بهذا التنقيح؟ إذا قيل إن ابن الوليد والشيخ الصدوق هما من نقحاها، فيجب القول إنهما، كما مر، لم يقعا أبدًا في طريق نقل ورواية هذا الكتاب ليرويا نسختهما المنقحة. بالإضافة إلى ذلك، ما هو الدليل على تنقيح واختيار روايات هذين الأصلين؟ حتى لو سلمنا بأن هذين الكتابين قد نقحهما شخص ما، يبقى هذا السؤال مطروحًا: بناءً على أي معايير قام ذلك الشخص المجهول بالتنقيح؟ ولماذا لم يشر أي من خبراء التراث إلى هذه النقطة؟

ثانيًا: أن يكون لهذين الكتابين، كبعض المصنفات، تحريران مختلفان – كبير وصغير – من قبل المؤلف أو غيره، وأن النسخة الصغيرة فقط هي التي وصلت إلينا، بينما كانت النسخة الأكبر في متناول ابن الوليد والشيخ الصدوق، وبناءً عليها حكما بوضع هذين الأصلين؛ أي أن سبب وجود نسختين للكتاب هو في الواقع وجود تحريرين مختلفين لهذين الأصلين، وليس التنقيح. وهنا يُطرح هذا السؤال مرة أخرى: بأي دليل يمكن القول إن هذه النسخة الأكبر كانت في متناول هذين المحدثين فقط؟ وإذا كان النجاشي وابن الغضائري قد وصلا أيضًا إلى النسخة الأكبر، فلماذا لا نعتمد حكمهما؟ مع أن هذه الاحتمالات مجرد احتمالات لا أكثر.

ثالثًا: أن يقال إن نسخ هذين الأصلين قد تلفت عبر التاريخ، ولم يبق منها إلا جزء من رواياتهما. فإذا اعتقدنا بذلك، فإن طريقة التعامل مع الروايات الموجودة في هذين الأصلين، بعد إثبات نسبة هاتين النسختين إلى مؤلفيهما، تكون كغيرها من الروايات والكتب الأخرى، حيث يجب اعتماد قرائن مختلفة، مثل دراسة المحتوى والبحث عن الشواهد والقرائن.

لذلك، إذا فُتح باب الآراء الاحتمالية في العلوم النقلية – تاريخ الحديث – التي تقوم على أساس النقولات، فيمكن طرح احتمالات كثيرة في كل بحث. ولا ينبغي إغفال هذه النقطة أيضًا، وهي أن ابن الوليد والشيخ الصدوق هما الوحيدان اللذان اعتبرا هذين الأصلين موضوعين.

الاستنتاج

كما مر، فإن اعتبار ابن الوليد لأصلي زيد النرسي وزيد الزراد موضوعين هو رأي منفرد، ولم يوافقه في ذلك إلا الشيخ الصدوق، بينما خالفه محدثون آخرون مثل ابن الغضائري. وفيما يتعلق بسبب اتخاذ ابن الوليد مثل هذا الموقف تجاه هذا الكتاب، طُرح احتمالان: أحدهما وجود محمد بن موسى الهمداني، والآخر محتوى هذين الأصلين. بالنسبة للاحتمال الأول، ذُكر أن مجرد وجود محمد بن موسى كراوٍ ضعيف وكذاب في طريق نقل هذا الكتاب لا يمكن أن يكون دليلاً على وضعه؛ لأن الطريق الضعيف، حتى في نظر ابن الوليد، لا يساوي الوضع أبدًا. أما الاحتمال الثاني، فإنه بالنظر إلى روايات النسخة الوجدانية وبالبيان الذي مر، لا يبدو معتبرًا إلى حد كبير. لذلك، يمكن القول إن دوافع رأي ابن الوليد والشيخ الصدوق تجاه هذين الأصلين ليست واضحة تمامًا. على أي حال، وبناءً على هذين الاحتمالين، يمكن القول إن رأي هذين المحدثين الخبيرين لا يبدو صحيحًا، كما أشار إليه ابن الغضائري أيضًا: «غلط أبو جعفر في هذا القول».

المصادر والمراجع

  • ابن بابويه، محمد بن علي (۱۳۶۲ هـ.ش)، الخصال، قم: جامعة المدرسين.
  • (۱۳۷۶ هـ.ش)، الأمالي، الطبعة السادسة، طهران: كتابجي.
  • (۱۳۸۵ هـ.ق)، علل الشرائع، قم: مكتبة الداوري.
  • (۱۳۹۶ هـ.ق)، فضائل الأشهر الثلاثة، قم: مكتبة الداوري.
  • (۱۴۰۳ هـ.ق)، معاني الأخبار، قم: دفتر انتشارات إسلامي.
  • (۱۴۱۳ هـ.ق)، من لا يحضره الفقيه، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  • ابن الغضائري، أحمد بن الحسين (۱۳۶۴ هـ.ق)، رجال ابن الغضائري، قم: مؤسسة إسماعيليان.
  • ابن قولويه، جعفر بن محمد (۱۳۵۶ هـ.ش)، كامل الزيارات، النجف: دار المرتضوية.
  • استرآبادي، محمد بن علي (۱۴۲۲ هـ.ق)، منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال، قم: مؤسسة آل البيت (ع).
  • بحر العلوم، السيد مهدي (۱۳۶۳ هـ.ش)، الفوائد الرجالية، طهران: مكتبة الصادق.
  • بروجردي، حسين (۱۳۸۶ هـ.ش)، جامع أحاديث الشيعة، طهران: انتشارات فرهنگ سبز.
  • بهبودي، محمد باقر (۱۴۲۷ هـ.ق)، معرفة الحديث، بيروت: دار الهادي.
  • جمعي از علما (۱۴۲۳ هـ.ق)، الأصول الستة عشر، تحقيق ضياء الدين محمودي ونعمة الله جليلي ومهدي غلامعلي، قم: دار الحديث.
  • حر عاملي، محمد بن الحسن (۱۴۰۹ هـ.ق)، وسائل الشيعة، قم: مؤسسة آل البيت (ع).
  • خويي، أبو القاسم (۱۴۱۰ هـ.ق)، معجم رجال الحديث، بيروت: مركز نشر الثقافة الإسلامية.
  • خويي، مهدي (۱۳۹۳ هـ.ش)، “اعتبار سنجی اصل زید نرسی”، حديث حوزه، قم، العدد ۸، صيف، ص ۱۱۶-۱۴۱.
  • شاكر، محمد تقي؛ حسيني، سيد عليرضا (۱۳۹۲ هـ.ش)، “ابن ولید و مستثنیات وی”، حديث پژوهی، كاشان، السنة الخامسة، العدد ۹، ربيع وصيف، ص ۵۷-۸۴.
  • صفار، محمد بن الحسن (۱۴۰۴ هـ.ق)، بصائر الدرجات، قم: مكتبة آيت الله مرعشي نجفي.
  • طوسي، محمد بن الحسن (۱۴۰۷ هـ.ق)، تهذيب الأحكام، تحقيق حسن الموسوي الخرسان، الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية.
  • (۱۳۷۳ هـ.ش)، الرجال، الطبعة الثالثة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  • (۱۳۹۰ هـ.ق)، الاستبصار، طهران: دار الكتب الإسلامية.
  • (۱۴۱۴ هـ.ق)، الأمالي، تصحيح مؤسسة البعثة، قم: دار الثقافة.
  • (۱۴۱۷ هـ.ق)، العدة في أصول الفقه، قم: محمد تقي علاقبنديان.
  • (۱۴۲۰ هـ.ق)، فهرست كتب الشيعة، قم: مكتبة المحقق الطباطبائي.
  • عاملي، حسن بن زين الدين (۱۳۶۲ هـ.ش)، منتقى الجمان، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  • كاميارنيا، محمد مهدي (۱۳۹۳ هـ.ش)، “کاوشی در گستره نقل حدیثی نخستین مکتوبات حدیثی امامیه”، علوم حديث، قم، السنة التاسعة عشرة، العدد الثاني (المتسلسل ۷۲)، صيف، ص ۳۲-۵۵.
  • كشي، محمد بن عمرو (۱۴۰۹ هـ.ق)، رجال الكشي، مشهد: مؤسسة نشر دانشگاه فردوسي مشهد.
  • كليني، محمد بن يعقوب (۱۴۰۷ هـ.ق)، الكافي، تحقيق علي أكبر غفاري ومحمد آخوندي، الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية.
  • مامقاني، عبد الله (۱۴۳۱ هـ.ق)، تنقيح المقال في علم الرجال، قم: مؤسسة آل البيت (ع).
  • مجلسي، محمد باقر (۱۴۰۳ هـ.ق)، بحار الأنوار، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • نجاشي، أحمد بن علي (۱۳۶۵ هـ.ش)، رجال النجاشي، تحقيق السيد موسى شبيري زنجاني، الطبعة السادسة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  • نوبختي، حسن بن موسى (۱۴۰۴ هـ.ق)، فرق الشيعة، بيروت: دار الأضواء.
  • نوري، ميرزا حسين (۱۴۰۸ هـ.ق)، مستدرك الوسائل، قم: مؤسسة آل البيت (ع).
  • هلالي، سليم بن قيس (۱۴۰۵ هـ.ق)، كتاب سليم، تحقيق محمد أنصاري زنجاني، قم: الهادي.
Scroll to Top