الملخص: يُعدّ الحديث أحد أهم مصادر العلوم الدينية، إلا أنه يواجه تحديات كنظرة التقليل من الاعتماد عليه3. ويُعتبر وجود الرواة الضعاف، مثل محمد بن علي الصيرفي (أبوسمينة)، أحد أسباب هذه النظرة4. تبحث هذه المقالة، بأسلوب وصفي-تحليلي، في أسباب وجود روايات أبوسمينة في آثار محمد بن علي بن بابويه (الشيخ الصدوق)5. لقد استعان ابن بابويه بروايات أبوسمينة في آثاره بناءً على أدلة وقرائن6. وأهم هذه الأدلة هي: نسبية مفهوم الضعف عند الصدوق، ونقد متن الرواية، والاهتمام بموضوعها، وعدم الإيمان بكل المنقولات، وتقدم علم المصادر على علم الأسانيد، والتفريق في دور الراوي7. وتتطلب دراسة الحالة الأخيرة إعادة بناء المتون الحديثية القديمة بالاستعانة بالفهارس والنظرة الكلية إلى أسانيد الروايات ومحتواها8. في هذا البحث، تمّت دراسة المصدر الذي اعتمده الصدوق في أخذ روايات أبوسمينة، وتوصّل البحث إلى نتيجة مفادها أن معظم روايات أبوسمينة لم تكن مأخوذة من مصنفاته 9؛ وبعبارة أخرى، كان دوره في بعض الروايات الموجودة هو دور ناقل لكتاب حديثي، كما أن عددًا من رواياته أُدخلت في الكتب اللاحقة بعد تنقيحها من قبل كبار المحدّثين، وقد أخذ الصدوق هذه الروايات من تلك المصادر، بينما نُقل القليل منها إلى الصدوق شفهيًا10.
۱. مقدمة
للرواة الضعاف حضور ملحوظ في الآثار الحديثية الشيعية11. ولهذا السبب، وبناءً على المعايير السندية، فإن عددًا كبيرًا من الروايات الموجودة في المصادر الحديثية المعتبرة لن يحظى بالاعتبار12. وقد دفع هذا الأمر بعض المتأخرين إلى تنقيح الروايات الموجودة في كتب الحديث المتقدمة13. فبحسب زعمهم، اعتبروا أحاديث الرواة الضعاف غير صحيحة وأخرجوها من دائرة العمل، وجمعوا الروايات الصحيحة والقابلة للعمل في مصنفات مستقلة14. ويبدو أن هذا التوجه في التعامل مع الأحاديث لا ينسجم مع المسار التاريخي لقبول الروايات وتقييمها 15؛ ذلك أن روايات الشيعة قد مرت بمراحل صعبة ودقيقة بتوجيه من الأئمة (ع) وجهود حثيثة من الشيعة، واجتازت عدة مراحل من التنقيح في المدارس الحديثية في الكوفة وقم وبغداد حتى وصلت إلينا16. ومن تبعات النظرة التقليلية للأحاديث، خلو يد الشيعة من قسم من معارف الأئمة (ع) وتعاليمهم، وما يترتب على ذلك من اتهام المحدّثين المتقدمين بالتساهل والتسامح 17؛ مثل نسبة عدم معرفة الحديث والأسانيد إلى الشيخ الصدوق، وهو ما يوجد في آثار السيد المرتضى والشيخ المفيد18. وبالطبع، يجب الانتباه إلى أن معارضة هذا الرأي – أي طرح الرواية وحذفها لمجرد وجود راوٍ ضعيف في السند – لا تعني القبول القطعي والعام لهذا النوع من الروايات 19؛ بل تعني أن دراسة السند ليست سوى جزء من منظومة تقييم كل حديث، وأن القدماء كانوا ملتزمين بهذا التقييم20. فقرائن الصحة عند القدماء – والتي لا يزال بالإمكان استعادة عدد منها حتى الآن – تغطي هذا الضعف21. ومن هنا، فإن ضعف الرواة في بعض الأحيان لا يخل ببعض أدوارهم في نقل الحديث22. وأحيانًا يكون هذا الضعف في حد الاتهام ويحتاج إلى مراجعات رجالية23.
وفي هذا السياق، تنبه عدد من علماء الدين وبعض الباحثين المعاصرين إلى مخاطر هذا النوع من النظرة إلى الأحاديث، وعكسوا ذلك في مباحثهم الدرسية وأعمالهم البحثية24. ففي كتاب “حديث ضعيف، نگاهى به رويكرد عالمان متقدم شيعه”، تناول حسين پوري كيفية تعامل المدارس الحديثية المتقدمة والمتأخرة مع الحديث الضعيف، وخلص إلى أن تلك الروايات كانت صحيحة ومعتمدة عند المتقدمين بناءً على قرائن أخرى25. وفي كتاب “اعتبار سنجى احاديث شيعه: زيرساختها، فرآيندها، پيامدها”، أشار حسيني شيرازي إلى أن ضعف الراوي لا يعني طرح جميع رواياته، بل يعني تحديد ضوابط ومرشحات لقبول آثاره ورواياته26. كما تناولت رسائل جامعية مثل “معيار اعتبارسنجى از منظر قدما” لشاه حسيني زوايا من هذا البحث، ورأت أن وجود الرواة الضعاف لم يكن مانعًا من قبول رواياتهم عند المتقدمين27.
إلى جانب هذه الآثار التي درست بشكل عام عوامل تقييم القدماء، هناك آثار درست بشكل خاص كل عامل من العوامل المؤثرة في تقييمات المحدّثين المتقدمين واختياراتهم28. ففي مقالة “منبع معتبر و نشانههاى آن نزد محدثان متقدم امامى: نگاهى به جايگاه منابع مكتوب در حديثپژوهى قدما” لحميد باقري، تم تناول دور المصدر الحديثي المكتوب الذي يستخدمه المحدّث29. وفي مقالة “جايگاه نقد محتوايى در اعتبارسنجى احاديث شيعه” لحسيني شيرازي وحمادي، تم بحث دور صحة محتوى الروايات في اختيارها عند المحدّثين30. كذلك، في الآثار التي تتناول الفرق بين المباحث الرجالية والفهرسية، تم الاهتمام بالتفريق بين أدوار رواة الحديث كأحد عوامل وجود الضعفاء في آثار المتقدمين 31؛ مثل المباحث التي يطرحها آية الله شبيري زنجاني وآية الله مددي في دروس خارج الفقه، والتي نرى انعكاسها في آثار مثل “بازسازى متون كهن حديث شيعه” لعمادي حائري، و”نگاهى به نقش و جايگاه مؤلفههاى كتابمحور در ارزيابىهاى حديثى قدما در پرتو تحليل منابع فهرستى” لباقري32. وفي قسم من مقالة “مبانى و روشهاى بازيابى متون كهن حديثى” لمرداني، تم تبيين أساليب تشخيص المصدر المكتوب للحديث بمساعدة السند ومطابقته مع الطرق الموجودة في كتب الفهارس33.
في هذه الآثار، تم بيان المبادئ والمباحث النظرية لبعض العوامل المؤثرة في اختيار الأحاديث من قبل المحدّثين المتقدمين، وأهمها دور الآثار المكتوبة، والتفريق بين أدوار الرواة في السند، وتأثير المحتوى الصحيح للأحاديث34. ويمكن إعادة النظر في هذه العوامل وأمثالها كأسباب لوجود الرواة الضعاف في آثار المتقدمين35. إن إكمال هذه النظريات وتطبيقها على مجموع آثار كل محدّث من المتقدمين سيكون مقياسًا لصحة هذه النظريات والأساليب36.
من بين المحدّثين، تحظى دراسة أداء محمد بن علي بن بابويه، المعروف بالشيخ الصدوق، في استخدامه لروايات الضعفاء بالأولوية 37؛ أولاً بسبب اتساع نطاق آثاره التي وصلتنا، وثانيًا بسبب الاتهامات الموجهة إليه بعدم الاهتمام بالأسانيد (خويي، ۱۳۷۶: ۹۰)، وكذلك بسبب الحضور الواسع لروايات الضعفاء في آثاره38. وأحد هؤلاء الرواة هو محمد بن علي الصيرفي، المعروف بأبي سمينة39. وقد نقل الصدوق عن هذا الراوي ۲۱۲ رواية40. بالإضافة إلى ذلك، كان للشيخ الصدوق دور في نقل كتب أبي سمينة إلى الأجيال اللاحقة (طوسي، بي تا: ۴۱۲، ش ۶۲۵)41. ومن هنا، فإن دراسة كيفية اعتماد ابن بابويه على روايات هذا الراوي والاستفادة منها تستحق التأمل42. فعلى الرغم من أنه في تنقيح الحديث والتعامل مع الغلاة كان تابعًا لمشايخ قم ومدرسة قم المتشددة، إلا أنه في الوقت نفسه لم يرَ أن الاستفادة من هذا الراوي تتعارض مع معاييره الحديثية43. يسعى هذا البحث إلى تقديم أسباب اعتماد الصدوق على روايات أبي سمينة، وباستخدام نظرة ببليوغرافية وأسلوب فهرسي – في مقابل الأسلوب الرجالي – يهدف إلى الوصول إلى المصادر التي أخذ منها الصدوق روايات أبي سمينة، ومن هذا المنظور، يبيّن عدم تأثير هذا الراوي الضعيف على صحة رواياته44. فهل أخذ الصدوق هذه الروايات من كتب أبي سمينة 45؟ وبعبارة أخرى، هل اعتمد على اختيار الروايات بمعايير أبي سمينة 46؟ أم أن هذه الروايات أُخذت من كتب آخرين وكان أبوسمينة مجرد ناقل لتلك الآثار 47؟ أم أن رواياته كانت مسجلة في آثار المصادر المعتمدة لدى الصدوق، واستخدمها الصدوق منها 48؟ ستتضح الإجابة على هذه الأسئلة من خلال تتبع مصادر روايات أبي سمينة49.
۲. التعريف الرجالي بأبي سمينة
عُرّف محمد بن علي بن إبراهيم بن موسى، أبو جعفر (النجاشي، ۱۴۳۹: ۵۴۵، ش ۱۰۳۲)، في كتب الرجال بألقاب الكوفي، القرشي، المقرئ (الطوسي، بي تا: ۴۱۲، ش ۶۲۵ و۴۰۶، ش ۴۱۹)، الصيرفي، الطاحي (النجاشي، ۱۴۳۹: ۵۴۵، ش ۱۰۳۲)، والهمداني (ابن الغضائري، ۱۳۶۴: ۹۵، ش ۱۳۴)، وبكنية أبي سمينة (النجاشي، ۱۴۳۹: ۵۴۵، ش ۱۰۳۲؛ الطوسي، بي تا: ۴۱۲، ش ۶۲۵؛ ابن الغضائري، ۱۳۶۴: ۹۵، ش ۱۳۴)50. وقد أجمع جميع الرجاليين على ضعفه، واعتبروه مشهورًا بالكذب والغلو في الكوفة وقم (الكشي، ۱۳۴۸: ۵۴۵-۵۴۶؛ النجاشي، ۱۴۳۹: ۵۴۵، ش ۱۰۳۲؛ الطوسي، بي تا: ۴۱۲، ش ۶۲۵؛ ابن الغضائري، ۱۳۶۴: ۹۵، ش ۱۳۴)51. وبعبارات مثل “لا يعتمد في شيء” (النجاشي، ۱۴۳۹: ۵۴۵، ش ۱۰۳۲) و”لا يلتفت إليه ولا يكتب حديثه” (ابن الغضائري، ۱۳۶۴: ۹۵، ش ۱۳۴)، بيّنوا إعراض المجتمع الشيعي عن أحاديثه52. وعلى الرغم من التضعيفات الكثيرة، ذُكرت له في كتب الرجال آثار مثل كتب الحسين بن سعيد53. والنقطة الجديرة بالتأمل في التقارير الرجالية هي دور الشيخ الصدوق في طريق وصول الأجيال اللاحقة إلى هذه الآثار54. وبالطبع، يجب القول إن الصدوق يعتمد على آثار هذا الشخص بشكل نسبي، ولا يورد من آثار أبي سمينة إلا الروايات الخالية من التخليط أو الغلو أو التدليس، ولا يعتمد على منفرداته التي لم تُنقل إلا من طريقه (الطوسي، بي تا: ۴۱۲، ش ۶۲۵)55.
۳. أسباب نقل روايات أبي سمينة في آثار الصدوق
لا يمكن أن يُعزى الحضور الملحوظ لأبي سمينة في أسانيد الصدوق إلى تساهل الصدوق أو عدم اهتمامه بالسند 56؛ ذلك أن للصدوق في جمع الأحاديث مبناه الخاص الذي يختلف عن مبنى المتأخرين 57؛ أي أنه إذا حصل له الوثوق بصدور الحديث، فإنه يدرجه في كتابه حتى لو كان سنده ضعيفًا58. ولهذا السبب، لا يمكن أن يُنسب إليه التساهل من خلال تقييم رواياته بمعيار المتأخرين59. وكما أشار المجلسي الأول أيضًا إلى هذا الاختلاف في المبنى – الذي أدى إلى توهم التساهل بشأن القدماء – (راجع: المجلسي، ۱۴۰۶: ۲۳۹)60. يجب أن نرى بأي معيار ومقياس استفاد الصدوق من روايات أبي سمينة في آثاره. يمكن أن يكون الاعتماد على رواياته ناتجًا عن أحد الأسباب التالية:
۱-۳. وجود المقويات في رواية الراوي الضعيف
على الرغم من أن الصدوق يقر بضعف الرواة الموجودين في بعض الأسانيد، إلا أنه مع ذلك ينقل عنهم الرواية (ابن بابويه، ۱۴۱۳: ۲/۱۳۸، ۴/۳۵)61. ويمكن البحث عن أحد أسباب ذلك في مفهوم الضعف عند الصدوق62. فالضعف من وجهة نظر الصدوق لم يكن يعني عدم الاعتماد على جميع روايات الراوي الضعيف63. فقد اعتمد بوجود القرائن على طائفة من روايات هؤلاء الأفراد، وبعض هذه القرائن يندرج ضمن القرائن السندية والخارجية، وبعضها ضمن القرائن المتنية64:
- ۱-۱-۳. عدم الانفراد في روايات الراوي الضعيف:
صرح الشيخ الصدوق في بعض المواضع في آثاره بعدم قبول منفردات الراوي الضعيف 65؛ مثل عدم قبول تقرير تاريخي من أحمد بن هلال – وهو ناصبي – بسبب تفرده في ذلك النقل (نفسه، ۱۳۹۵: ۷۶)، وعدم قبول منفردات السكوني لكونه عاميًا (نفسه، ۱۴۱۳: ۴/۳۴۴)66. وفيما يتعلق بنقل كتب أبي سمينة إلى تلامذته، فإنه يستثني منفرداته بعبارة “إلا ما كان فيها من تخليط أو غلو أو تدليس، أو ينفرد به ولا يعرف من غير طريقه” (الطوسي، بي تا: ۴۱۲، ش ۶۲۵)67. إذن، فإن قسمًا من منقولات أبي سمينة في آثار الصدوق مأخوذ من الروايات غير المنفردة لهذا الراوي الضعيف في كتبه68. - ۲-۱-۳. تواتر الرواية أو شهرتها:
في بعض الحالات، يكون قبول الروايات في موضوع ما بسبب تواترها وشهرتها69. ولهذا السبب، ينقل الشيخ الصدوق في باب روايات عدد الأئمة (ع) (ابن بابويه، ۱۳۹۵: ۱/۷۸) روايات الضعفاء إلى جانب الروايات صحيحة السند، وفي النهاية يشير إلى شهرة الروايات70. وهذا الكلام يدل على قبول الشهرة الروائية عند الصدوق 71؛ أي أنه حيثما توجد رواية مشهورة – سواء كانت في حد التواتر أو المستفيض، بتعاريف الصدوق نفسها – فإن وجود راوٍ ضعيف في سند تلك الرواية لا يؤدي إلى إعراض الصدوق عنها72. وكان قبول الصدوق واعتماده على قسم من روايات أبي سمينة بسبب الشهرة أيضًا 73؛ مثلما ورد في كتاب “كمال الدين” في باب “الثاني عشر من الأئمة (ع)”74. فمن بين سبع وثلاثين رواية في هذا الباب، معظمها ضعيف من حيث السند، وفي ثلاث روايات (نفس المصدر، ۲۵۶، ح ۱، ۲۶۹، ح ۱۲، و ۲۸۲، ح ۳۶) يوجد أبوسمينة أيضًا75. وفي هذه الروايات، لا يرى الصدوق حاجة إلى دراسة السند 76؛ لأنه يصرح في “كمال الدين” بأن رواية عدد الأئمة مشهورة ومستفيضة، وأن الإمامية قد تلقتها بالقبول (نفس المصدر، ۱/۷۸)77. إن وجود أفراد ضعفاء مثل أبي سمينة في هذا الباب – الذي يعتبر الصدوق رواياته مشهورة – يدل على التغاضي عن ضعف الرواة الموجودين في السند بسبب شهرة الرواية78. - ۳-۱-۳. وجود رواية الراوي الضعيف في كتاب مشهور ومعتمد:
يؤكد الشيخ الصدوق في مقدمة كتاب “من لا يحضره الفقيه” على أخذ الرواية من الكتب المشهورة والمعتمدة79. وفيما بعد، يعتبر منقولاته من هذه الآثار أساسًا لفتواه، ويعد هذه الروايات حجة بينه وبين الله80. يُفهم من هذا الكلام أن شهرة هذه الكتب كانت سببًا في اعتماد الصدوق على تلك الروايات والإفتاء على أساسها81. وهذا الاعتماد نفسه أدى إلى دخول روايات بعض الضعفاء من الكتب المشهورة والمعتمدة إلى آثار الصدوق 82؛ ذلك أن وجود روايات الضعفاء في هذه الآثار المعتمدة يدل على اعتماد صاحب الكتاب على تلك الرواية 83؛ مثل طائفة من منقولات محمد بن حسان الرازي عن أبي سمينة في آثار الصدوق، والتي بعد الدراسات التي نقدمها في هذه المقالة، نصل إلى نتيجة مفادها أن قسمًا من روايات أبي سمينة قد دخل أولاً إلى كتاب محمد بن حسان، وبعد ذلك دخل إلى كتاب “نوادر الحكمة”، وفي النهاية أخذها الصدوق من كتاب “نوادر الحكمة”84. - ۴-۱-۳. المحتوى المقبول في روايات الراوي الضعيف:
كان القدماء يعتبرون آثار الرواة مجموعة من الصحيح والسقيم85. وأحد مقاييس تمييز الصحة عندهم كان انسجام التعاليم الموجودة في تلك الروايات مع التعاليم الشيعية المؤكدة86. ووجود استثناءات في الآراء الرجالية لابن الوليد والشيخ الصدوق يدل على قبولهما لمعيار نقد المتن في تقييم الروايات87. ولهذا السبب، عندما يروي الصدوق كتاب أبي سمينة للأجيال اللاحقة، فإنه يتجنب نقل المفاهيم المصحوبة بالغلو والتخليط والتدليس في تلك الآثار (الطوسي، بي تا: ۴۱۲)88. إن دراسة محتوى روايات الضعفاء في الآثار الحديثية تظهر حقيقة أن الروايات التي انعكست في كتب الشيعة هي فقط تلك التي تخلو من المفاهيم الغالية وغير الصائبة، وفي الحقيقة، فإن روايات رواة مثل أبي سمينة حظيت باهتمام محدّثين مثل الشيخ الصدوق بعد تنقيحها89.
۲-۳. عدم الاهتمام بالسند في بعض أنواع الروايات
كانت طريقة القدماء والمتأخرين ولا تزال هي أن نظرتهم إلى الروايات تختلف باختلاف موضوع الأحاديث90. وأبرز تجلٍّ لذلك هو في الروايات الاستحبابية، حيث قالوا بقاعدة التسامح في أدلة السنن وقبول روايات “من بلغه” (للاطلاع على مثال، راجع: البرقي، ۱۳۷۱: ۱/۲۵؛ الكليني، ۱۴۰۷: ۲/۸۷؛ ابن بابويه، ۱۴۰۶: ۱۳۲؛ العاملي، ۱۴۰۸: ۹۴)91. وعمومًا، كان تشدّد المحدّثين في الروايات ذات الموضوعات المتعلقة بالحلال والحرام والاعتقادات الأساسية للإمامية92. وفي الحالات التي لا يتعلق فيها الحديث بهذه المباحث، كانوا يكتفون بعدم الاطمئنان بكون الرواية موضوعة، ويجيزون لأنفسهم نقلها93. على سبيل المثال، يمكن أن يكون وجود روايات العامة والضعفاء في كتاب “الخصال” نابعًا من الموضوع الأخلاقي للكتاب94. ويشير مترجم هذا الكتاب إلى هذا الموضوع قائلاً:
“بما أن غالب موضوعات الكتاب أخلاقية، والمطالب الأخلاقية تُقاس بالعقل، وتُميّز صحتها وفسادها بمعونة العقل، فلا حاجة كبيرة إلى تنقيح وتصحيح أسانيد الخبر، بل إن صحة ورصانة المتن تجبر ضعف السند” (ابن بابويه، ۱۳۷۷: ۱/۱۴)95.
في الآثار التي ألفها الصدوق بشكل موضوعي، والتي فيها نوع من التفنن في التأليف، مثل “الخصال”، و”علل الشرائع”، و”معاني الأخبار”، و”ثواب الأعمال”، وكتب الفضائل، يبدو أن انسجام الرواية مع موضوع الكتاب، وإكمال وإتمام مجموعة روايات تلك المجموعة، كان له أولوية أكبر عند الصدوق من اعتبار وصحة رواياتها96. وتشمل روايات أبي سمينة في هذه المجموعات رواية واحدة في “علل الشرائع” (نفسه، ۱۳۸۵: ۲/۵۴۵)، ورواية واحدة في “فضائل الأشهر الثلاثة” (نفسه، ۱۳۹۶: ۱/۴۳-۴۴)، وخمس روايات في “الخصال” (نفسه، ۱۳۶۲: ۱/۳۲۱، ۲۶۴ و ۲/۴۲۹، ۴۸۵ و ۵۰۴)، وعدة روايات في “ثواب الأعمال” (نفسه، ۱۴۰۶: ۱/۱۳۱، ۱۳۲، ۱۳۳، ۲۸۷، ۲۸۸، ۲۸۹، ۳۲۶ و ۳۲۸) و”معاني الأخبار” (نفسه، ۱۴۰۳: ۱/۱۴۴، ۱۴۹، ۲۰۷، ۲۲۶، ۲۲۷، ۲۲۹ و ۳۷۲)، والتي لا تحتاج إلى دراسات سندية والتدقيق في وجود راوٍ ضعيف مثل أبي سمينة؛ لأن المتن في هذه الموضوعات له أولوية أكبر من السند97.
۳-۳. الإقرار بعدم اعتبار بعض روايات الضعفاء مع نقلها
لا يصرح الصدوق في غير كتاب “من لا يحضره الفقيه” بصحة جميع روايات كتبه الأخرى98. وعلى الرغم من أن البعض يرى أن القدماء كانوا يروون الحديث الذي يعتقدون به (الحر العاملي، ۱۴۰۹: ۳۰/۲۴۴؛ جمع من الباحثين، ۱۳۹۵: حاشية ۹۱؛ داوري، ۱۴۱۶: ۱/۴۷۷)، إلا أنه يبدو أن كلامهم ينصرف في الغالب إلى الروايات العملية والاعتقادية99. فالقدماء في مواجهتهم للروايات في مجالات التاريخ، والمستحبات، والمكروهات، وثواب وعقاب الأعمال، وما إلى ذلك، لم يكونوا يلحظون مثل هذه التحفظات الشديدة، إلا إذا اطمأنوا بوضع رواية في تلك المجالات أيضًا، وفي تلك الحالات كانوا ينبهون على ذلك100. والكثير من كتب الصدوق، بالنظر إلى دافع وهدف تأليفها، تندرج في هذه الفئة101. وفي كثير من الحالات، يقر الصدوق نفسه بعدم صحة بعض الروايات في آثاره، ويبيّن أن سبب ذكرها هو عوامل مثل انسجامها مع عنوان الباب والكتاب (للاطلاع على مثال، راجع: ابن بابويه، ۱۳۶۲: ۱/۲۹۲؛ ۱۳۸۵: ۱/۳۰۵)، ومن بينها يمكن تحديد روايات أبي سمينة102.
۴-۳. تقدم نقد المصادر على نقد الأسانيد
بالإضافة إلى الأسباب التي ذُكرت باختصار، يبدو أن أحد الأسباب التي كان لها سهم كبير في كثرة نقل المتقدمين عن الضعفاء هو التفريق بين دور الراوي الضعيف في المجموعة الحديثية103. فبناءً على كتب الفهارس، يمكن تصور دورين للرواة: أحدهما هو كونهم أصحاب مصنفات حديثية، والآخر هو وقوعهم في طريق نقل مصنفات الرواة الآخرين (حسيني، ۱۳۹۷: ۱۷۳-۱۷۴)104. وبناءً على التحليل المقدم لعبارة “أخبرني بكتبه ورواياته” في كتب الرجال، حيث فُسّرت “الكتب” بأنها مصنفات الراوي، و”الروايات” بأنها النقولات التي ينقلها الراوي عن الآخرين ومن كتاب مؤلف آخر (مددي، ۱۳۹۳: ۱/۳۶۸)، يمكن اعتبار هذه العبارة أيضًا دالة على التفريق بين هذين المقامين للراوي105.
أحد أسباب الحضور الواسع للرواة الضعفاء في طرق أحاديث ومصنفات الرواة الآخرين نابع من التفريق بين هاتين الوظيفتين106. فالرواة مثل أبي سمينة، على الرغم من تضعيفهم في حيثيتهم الاستقلالية كأصحاب تأليف – أي أن كتبهم لم تحظ بقبول المجتمع الشيعي ولم تدخل في عملية النشر إلا في حالات خاصة وبعد دراسات متنية دقيقة – إلا أنهم قُبلوا في حيثيتهم التبعية كناقلي آثار، وعند وقوعهم في طريق نقل كتاب راوٍ ثقة آخر107. والشاهد على ذلك هو الحضور الواسع لأبي سمينة في طريق وصول الطوسي والنجاشي إلى الكتب الحديثية (للاطلاع على مثال، راجع: النجاشي، ۱۴۳۹: ۸، ۷۲، ۱۲۹، ۱۵۴، ۱۶۵؛ الطوسي، بي تا: ۲۳۱، ۳۴۶، ۴۰۷، ۴۸۲)108. إذن، فإن تضعيف راوٍ لا يتعارض مع قبول دوره في نقل الأثر الحديثي لراوٍ ثقة آخر (حسيني، ۱۳۹۷: ۶۴۷)، وهذا الأمر أيضًا نابع من التزام المحدّثين بمراحل نقل الكتاب عن طريق الاستنساخ والقراءة والإجازة109. وبهذه العملية لتحمل ونقل الكتب الحديثية، كانت إمكانية الجعل والدس والتحريف تصل إلى أدنى حد ممكن110. وفي التقرير الذي يذكره الحسن بن علي الوشاء في إجازته لأحمد بن محمد بن عيسى لأخذ كتاب العلاء بن رزين، حيث يشترط الكتابة والسماع كشرط مسبق للإجازة (النجاشي، ۱۴۳۹: ۳۹، ش ۸۰)، يتجلى مدى هذا الالتزام بوضوح111.
والدليل الآخر الذي طُرح على صحة هذا الادعاء هو وجود نسخ متعددة من كتاب واحد، حيث إن عبارات “كثرة الطرق إلى الكتاب”، و”التي رواها عنه غيره”، و”المشهورة” في كتب الرجال تدل على كثرة نسخة واحدة ومشايخ الإجازة لكتاب واحد112. وفي الحقيقة، كانت تدل على وجود عدة سلاسل إجازة حتى مؤلف الكتاب113. لذلك، في حال وجود أي تصرف في الكتاب من قبل راوٍ ضعيف، لم يكن ليجني سوى الفشل (حسين پوري، ۱۳۹۳: ۱۴۰)114. إن قبول الدور المزدوج للرواة والاعتماد على دورهم كناقلين على الرغم من ضعفهم يمكن ملاحظته أيضًا في كلام رجاليين مثل ابن الوليد، والصدوق، والنجاشي، والكشي، وابن الغضائري115. وهذا الكلام لا يعني أن كل راوٍ ضعيف موجود في الروايات له دور تبعي 116؛ ذلك أن الأفراد الذين صُرح بضعفهم في كتب الرجال ذُكرت لهم أيضًا كتب جيدة أو مقبولة أو تحتوي على روايات صحيحة وسقيمة117. والجدير بالذكر أن في طريق وصول الرجاليين إلى تلك الكتب يقع أفراد مثل الصدوق وابن الوليد 118؛ أي أن هؤلاء الرواة الضعفاء والمنحرفين هم مؤلفو الكتب، وكتبهم أيضًا كانت مقبولة بشكل مطلق أو نسبي لدى المجتمع، وكان لكبار مثل الصدوق ومشايخ قم دور في نشرها ونقلها إلى الأجيال اللاحقة119.
۴. استعادة المصادر المكتوبة لروايات أبي سمينة في آثار الصدوق
لمعرفة المصادر التي استخدمها الشيخ الصدوق لنقل روايات أبي سمينة، وأي من هذه المصادر يعود لأي من الرواة المذكورين في سلسلة السند، يجب اتباع الخطوات التالية120:
- أ. تحديد الرواة أصحاب الكتب في كل سند بالاستعانة بكتب الفهارس والرجال121.
- ب. دراسة طريق وصول أصحاب كتب الفهارس والرجال إلى آثار الرواة أصحاب الكتب – الذين تم استعادتهم في المرحلة السابقة – ومعرفة حضور أو عدم حضور الشيخ الصدوق في هذه الطرق122.
- ج. إجراء مقارنة ومطابقة بين سند الرواية وطرق الوصول إلى الكتب الحديثية لكل من الرواة أصحاب الكتب في السند المذكور، لتشخيص إلى أي من الرواة أصحاب الكتب في هذه السلسلة تعود الرواية المذكورة123. وبعبارة أخرى، يتم تحديد دور كل من الرواة الموجودين في السند كناقل أو صاحب كتاب124.
تحتاج روايات أبي سمينة في آثار الصدوق، بالنظر إلى أسانيدها المتشابهة، إلى تتبع مصادرها لتحديد دور أبي سمينة في آثار الصدوق125. والآن، سيتم استعادة دور أبي سمينة في آثار الشيخ الصدوق من خلال الدراسات التالية126. وبالطبع، نظرًا للحجم المحدود للمقالة، لا يمكن دراسة جميع الروايات الموجودة في آثار الصدوق التي ورد فيها اسم أبي سمينة واستعادة المصدر المكتوب المستخدم127. لذلك، تم اختيار نماذج منها كانت مصادرها قابلة للتشخيص128.
۱-۴. منقولات إبراهيم بن محمد الثقفي عن أبي سمينة في آثار الصدوق
في آثار الصدوق، توجد أربعة أسانيد ينقل فيها إبراهيم بن محمد الثقفي عن أبي سمينة129. وهذه الأسانيد هي:
- حدثنا أبي، قال: حدثنا عبد الله بن الحسن المؤدب، عن أحمد بن علي الإصبهاني، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، قال: حدثنا محمد بن علي الكوفي، عن سليمان بن عبد الله الهاشمي، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن جابر الجعفي، قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: سمعت رسول الله (ص) يقول لعلي بن أبي طالب (ع)… (ابن بابويه، ۱۳۷۶: ۱/۱۰۸)130.
- حدثنا أبي، قال: حدثنا عبد الله بن الحسن المؤدب، عن أحمد بن علي الإصبهاني، عن إبراهيم بن محمد، قال: حدثنا محمد بن علي الصراف، عن الحسين بن الحسن الأشقر، عن صالح بن أبي الأسود، عن أخيه، عن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، عن أبيه، عن جده (ع)، قال: كان النبي (ص)… (نفس المصدر: ۴۴۰)131.
- حدثنا أبي، قال: حدثنا عبد الله بن الحسن المؤدب، عن أحمد بن علي الإصبهاني، عن إبراهيم بن محمد، قال: حدثنا محمد بن علي الصراف، قال: حدثنا الحسين بن الحسن الأشقر، عن علي بن هاشم، عن أبي رافع، عن محمد بن أبي بكر، عن عباد بن عبد الله، عن سلمان، عن النبي (ص)، قال… (نفس المصدر: ۱۰۸)132.
- حدثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدثنا عبد الله بن الحسن المؤدب، عن أحمد بن علي الإصبهاني، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، قال: حدثني محمد بن علي، قال: حدثنا الحسين بن سفيان، عن أبيه، قال: حدثني فضل بن الزبير، قال: حدثني أبو عبيدة الحذاء زياد بن عيسى، قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول… (نفسه، ۱۳۶۲: ۱/۱۷۱)133.
أحد طرق الوصول إلى كتب إبراهيم الثقفي الكثيرة – التي ذُكرت في كتب الفهرست والرجال – هو بواسطة أحمد بن علوية الأصفهاني – وهو نفسه أحمد بن علي الإصبهاني (الطوسي، بي تا: ۱۲؛ النجاشي، ۱۴۳۹: ۱۷-۱۸)134. في حين أن في الطرق التي يذكرها الرجاليون لآثار أبي سمينة، لم تصلهم كتبه بواسطة أحمد بن علي الأصفهاني، بل تلقوا آثار أبي سمينة بواسطة مشايخ الصدوق عن محمد بن أبي القاسم ماجيلويه (النجاشي، ۱۴۳۹: ۳۳۲-۳۳۳؛ الطوسي، بي تا: ۴۰۶، ش ۶۱۹ و ۴۱۲، ش ۶۲۵)135. من ناحية أخرى، لا يتطابق أي من الأسانيد الأربعة المذكورة مع طرق الشيخ الصدوق في الوصول إلى آثار أبي سمينة – الموجودة في كتب الفهرست (راجع: الطوسي، بي تا: ۴۱۲، ش ۶۲۵)136. إذن، يجب القول إن هذه الأحاديث ليست مأخوذة من كتب أبي سمينة137. ويجب اعتبار مصدر هذه الروايات الأربع هو كتب إبراهيم بن محمد الثقفي138. فهو الشخص الذي ينقل عن أبي سمينة، ولا ينبغي اعتباره حاملاً وواسطة لنقل كتب أبي سمينة139. كما أن الأدلة التالية تعزز هذه النظرية140:
- بدراسة آثار الشيخ الصدوق، نجد أنه في سبعة وعشرين موضعًا يذكر الصدوق رواية بسند “حدثنا أبي، قال: حدثنا عبد الله بن الحسن المؤدب، عن أحمد بن علي الإصبهاني، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، قال: حدثنا…”، وفي أربع حالات فقط من هذه الأسانيد ينقل إبراهيم بن محمد الثقفي عن أبي سمينة141. وفي بقية الحالات، يستمر السند مع شخص غير أبي سمينة142. إن تشابه بداية الأسانيد في هذه السبعة وعشرين سندًا يدل على النقل من مصدر مكتوب مشترك، وبما أن المشتركات تنتهي في النهاية باسم إبراهيم الثقفي، يمكن القول إنها منقولة من كتبه143.
- من بين خمسة وسبعين سندًا ورد فيها اسم إبراهيم بن محمد الثقفي، فإن السند المذكور أعلاه هو الأكثر تكرارًا، وهذا بحد ذاته دليل على الأخذ من مصدر مشترك144.
- بسبب الاشتراك في الموطن الأصلي لإبراهيم بن محمد الثقفي وأبي سمينة، وهو الكوفة (النجاشي، ۱۴۳۹: ۱۶-۱۸، ش ۱۹ و ۳۳۲، ش ۸۹۴؛ الطوسي، بي تا: ۱۲-۱۴، ش ۷)، يجب القول إن إبراهيم الثقفي، في زمن تأليف آثاره في الكوفة، كان على اتصال بأبي سمينة، الذي كان في الطبقة التي تسبقه، وسمع منه الحديث145. وقد حدث هذا الأمر في وقت لم يكن فيه أبو سمينة قد اشتهر بالكذب في الكوفة وأُخرج منها146.
۲-۴. روايات الشيخ الصدوق عن علي بن عيسى المجاور حتى أبي سمينة
ينقل الصدوق مرة واحدة فقط رواية عن أبي سمينة بالسند التالي:
“حدثنا علي بن عيسى المجاور رضي الله عنه في مسجد الكوفة، قال: حدثنا علي بن محمد بن بندار، عن أبيه، عن محمد بن علي المقرئ، عن محمد بن سنان، عن مالك بن عطية، عن توير بن سعيد، عن أبيه سعيد بن علاقة، عن الحسن البصري، قال: صعد أمير المؤمنين (ع) منبر البصرة، فقال…” (ابن بابويه، ۱۴۰۳: ۱۲۰)147.
أخذ الشيخ الصدوق هذه الرواية في الكوفة عن علي بن عيسى المجاور148. وفي آثار الصدوق، من بين أربعة عشر سندًا نُقلت فيها رواية عن علي بن عيسى، في أحد عشر موضعًا ينقل علي بن عيسى عن علي بن محمد ماجيلويه (راجع: نفسه، ۱۳۷۶: ۲۳۹، ۳۹۲، ۴۰۴، ۴۳۹، ۴۶۲، ۴۶۳، ۴۸۲، ۵۲۳؛ ۱۳۷۸: ۱/۲۷۵)، وأحدها في السند المذكور أعلاه (نفسه، ۱۴۰۳: ۱۲۰)149. وهذا الشخص القمي هو نفسه علي بن محمد بن عبد الله أبي القاسم بن عمران، أو بعبارة أخرى، علي بن محمد بن بندار، أي ابن محمد بن أبي القاسم ماجيلويه، وابن عم محمد بن علي ماجيلويه – أستاذ الصدوق (راجع: النجاشي، ۱۴۳۹: ۳۵۳، ش ۹۴۷)150. ويبدو أنه في سفر له إلى الكوفة قد نقل عن أبي سمينة لعلي بن عيسى، أو ربما أملى عليه كتاب أبي سمينة أو نقله له151.
۱-۲-۴. دراسة التصحيف في نقل “عيون الأخبار”
بالطبع، في كتاب “عيون أخبار الرضا (ع)” (ابن بابويه، ۱۳۷۸: ۲/۸۸)، ورد “محمد بن علي” بدلاً من “علي بن محمد ماجيلويه”، وهو يوافق اسم أستاذ الصدوق (محمد بن علي ماجيلويه)152. ولكن بناءً على القرائن التالية، يجب القول إن هذا الاسم سُجل خطأ، والصحيح هو “علي بن محمد”153:
- في أي من الكتب الحديثية الموجودة، لا يوجد نقل مباشر لمحمد بن علي ماجيلويه عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، إلا في موردين ينقل فيهما علي بن عيسى المجاور عنه الحديث154. ودائمًا ما ينقل محمد بن علي ماجيلويه عن البرقي بواسطة عمه محمد بن أبي القاسم، أو ابن عمه علي بن محمد بن أبي القاسم – الذي هو والد زوجة البرقي وجد والدة هذين الواسطتين (النجاشي، ۱۴۳۹: ۳۵۳، ش ۹۴۷) – أو بأكثر من واسطتين155. ومما لا شك فيه أن هذا الشخص لا يمكن أن يكون محمد بن علي ماجيلويه156.
- لو كان محمد بن علي ماجيلويه (أستاذ الصدوق) قد ذهب إلى الكوفة، لما كان هناك داعٍ لأن ينقل الصدوق الرواية عنه بواسطة كوفيين 157؛ لأنه إلى جانب الروايات الكثيرة التي سمعها من هذا الأستاذ في قم، كان بإمكانه أن ينقل الروايات المذكورة عنه مباشرة158.
۲-۲-۴. دراسة مصدر الشيخ الصدوق في نقل الخبر
في الرواية المذكورة (ابن بابويه، ۱۴۰۳: ۱۲۰) بالسند المذكور أعلاه – التي ينقلها الشيخ الصدوق في الكوفة عن علي بن عيسى المجاور – تكمن نقطة159. فبالنظر إلى الراوي الذي يلي علي بن عيسى، وهو قمي وابن عم أستاذ الصدوق، محمد بن علي بن ماجيلويه، يتبادر إلى الذهن هذا السؤال: لماذا لم يأخذ الصدوق هذه الرواية في قم 160؟ هل بسبب عدم مقبولية هذه الرواية لم يُسمح بنشرها في قم 161؟ أم أن مشايخ قم لم يبدوا إقبالاً على أخذ هذه الرواية، فاضطر علي بن محمد بن بندار إلى نشرها في الكوفة، وبعد ذلك أخذها الصدوق في سفر له إلى هناك عن شيخ كوفي 162؟ وما هي الخاصية التي كانت في هذه الرواية حتى كانت قابلة للنقل في الكوفة لا في قم 163؟ وكذلك، لأي سبب اعتمد عليها الصدوق 164؟ من ناحية أخرى، نعلم أن هذه الروايات نفسها قد أُخذت في مدينة بلخ بسند سني165. ومحتوى هذه الرواية يدور حول اسم حضرة علي (ع) وآبائه، حيث يعرّف أمير المؤمنين (ع) نفسه على منبر البصرة قائلاً: “أنا زيد بن عبد مناف بن عامر بن عمرو بن المغيرة بن زيد بن كلاب”، فيعترض عليه أحدهم ويجيبه الإمام (ع)166.
وقد وردت هذه الرواية نفسها بالسند المذكور في “معاني الأخبار”: “حدثنا الحاكم أبو حامد أحمد بن الحسين بن الحسن بن علي ببلخ، قال: حدثنا عبد المؤمن بن خلف، قال: حدثني الحسن بن مهران الأصبهاني ببغداد، قال: حدثني الحسن بن حمزة بن حماد بن بهرام الفارسي، قال: حدثنا أبو القاسم بن أبان القزويني، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن بن أبي الحسن البصري، قال:…” (نفس المصدر، ۱۲۱)167.
بالطبع، لم يرد اسم الرواة الثلاثة الأخيرين في السند في أي من الأسانيد الأخرى168. ومن ناحية أخرى، فإن هذه الرواية قد أخذها الشيخ الصدوق في مدينة بلخ، التي كان غالبية سكانها من العامة، وقد ورد اسم بعض هؤلاء الأفراد في كتب الرجال العامة أيضًا (للاطلاع على مثال، راجع: ابن حجر، ۱۴۰۴: ۱۰/۱۲؛ الرازي، ۱۳۷۱: ۱/۱۴۳)، وكل هذا شاهد على أن هذه الرواية منقولة عن مشايخ الصدوق السنة169. وفي هذين السندين، باستثناء الحسن البصري، لا توجد معلومات رجالية عن أي من الرواة170. وقد ورد هذا السند مرة واحدة فقط في “معاني الأخبار” (ابن بابويه، ۱۴۰۳: ۱۲۱)، ولم يتكرر في أي من المصادر الحديثية الشيعية، ولا حتى في كتب الصدوق الأخرى171. وقد أخذ الصدوق هذه الرواية من طريقين، كلاهما غير قمي172. ومحل أخذ كلا الطريقين يصل إلى العراق173. ففي أحد الطريقين، أخذ الصدوق هذه الرواية مباشرة من راوٍ كوفي، وفي الطريق الآخر، تلقاها بواسطة شيخ خراساني174. وفي هذه الرواية، ينتهي سند الشيخ الخراساني أيضًا إلى بغداد175. وهذه المطالب تبيّن أن محل نشر هذه الرواية كان في العراق176.
النتيجة هي أنه بما أن كلا سندي هذه الرواية لم يتكررا في جميع الكتب الحديثية، ولم يرد اسم جميع أفراد سلسلة السند في أي سند آخر، وأن الحاكم، أستاذ الصدوق، لم يسجل الصدوق عنه في كتبه سوى ثلاث روايات، إحداها عن البخاري (ابن بابويه، ۱۴۰۳: ۱۲۱، ۳۰۴، ۳۰۵)، فيبدو أن الحاكم من مشايخ الصدوق أهل السنة177. إذن، فإن الشيخ الصدوق قد تحمل هذه الرواية شفهيًا، ولم يأخذها من مصنفات أبي سمينة178.
۳-۴. منقولات محمد بن حسان الرازي عن أبي سمينة في آثار الصدوق
في أسانيد الصدوق، توجد خمسة أسانيد روى فيها محمد بن حسان الرازي عن أبي سمينة179. وهذه الأسانيد يمكن تقسيمها إلى فئتين180:
في الفئة الأولى، ينقل أحمد بن إدريس روايتين، ومحمد بن يحيى العطار رواية واحدة، مباشرة عن محمد بن حسان الرازي بالسند التالي181:
- الحديث ۱. حدثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رحمه الله، عن أبيه، عن محمد بن حسان، عن محمد بن علي الكوفي، عن علي بن حسان الواسطي، عن عمه عبد الرحمن بن كثير، عن المفضل بن عمر، قال: سألت أبا عبد الله (ع)… فقال… (نفسه، ۱۳۸۵: ۲/۳۱۸)182.
- الحديث ۲. … حدثنا الحسين بن أحمد بن إدريس، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن حسان، عن محمد بن علي، عن علي بن النعمان، عن عبد الله بن طلحة، عن أبي عبد الله (ع)، قال: قال رسول الله (ص)… (نفسه، ۱۳۹۶: ۱۲۱)183
- الحديث ۳. … أبي رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن حسان الرازي، عن محمد بن علي، رفعه، قال: قال رسول الله (ص)… (نفسه، ۱۳۸۵: ۲/۳۶۳)184.
وفي الفئة الثانية، ينقل كل من أحمد بن إدريس ومحمد بن يحيى العطار رواية واحدة بواسطة محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، صاحب كتاب “نوادر الحكمة”185:
- الحديث ۴. حدثنا محمد بن علي ماجيلويه، قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، عن محمد بن حسان الرازي، عن محمد بن علي الكوفي، عن الحسن بن هارون الحارثي، عن محمد بن داود، قال: كنت أنا وأخي عند الرضا (ع)، فمضى أبو الحسن (ع)… (نفسه، ۱۳۷۸: ۲/۲۰۶)186.
- الحديث ۵. حدثنا الحسين بن أحمد بن إدريس، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، عن محمد بن حسان الرازي، عن محمد بن علي، عن عيسى بن عبد الله العلوي العمري، عن أبيه، عن آبائه، عن علي (ع)، قال: قال رسول الله (ص)… (نفسه، ۱۳۷۶: ۱/۱۵۲)187.
من بين الرواة الموجودين في الأسانيد المذكورة أعلاه، تم تحديد الأفراد أصحاب الكتب188. وفيما يلي، سيتم بيان من كتاب أي راوٍ نُقلت كل من هذه الروايات، مع ذكر السبب، وسيتم دراسة مدى الاحتمالات189:
۱-۳-۴. تحديد مصدر روايات الفئة الأولى (كتاب محمد بن حسان)
بالنظر إلى أن هدف تأليف كتب الفهارس هو ذكر الكتب الحديثية الشيعية وطرق الوصول إليها، وأن أسماء أصحاب الكتب فقط هي التي ذُكرت في الفهارس، فإذا لم يرد اسم عدد من الرواة في كتب الفهارس، يمكن الادعاء بأنهم لم يكونوا أصحاب كتب، وكان دورهم يقتصر على نقل الروايات والكتب190. وفي الأسانيد المذكورة أعلاه، يندرج اسم عيسى بن عبد الله العلوي العمري، والحسن بن هارون الحارثي، ومحمد بن داود، وعبد الله بن طلحة في هذه الفئة191. إذن، فإن هذه الروايات، باحتمال كبير، لا يمكن أن تكون مأخوذة من كتب هؤلاء الأفراد192.
بالنسبة للمصدر الذي أخذ منه الصدوق الروايات المذكورة، توجد عدة احتمالات193. في الحديث ۲، على الرغم من أن علي بن النعمان صاحب كتاب، إلا أن احتمال نقل الرواية المذكورة من كتب هذا الشخص بعيد 194؛ أولاً، لم يرد اسم أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه (الصدوق) في أي طريق إلى كتب علي بن النعمان (النجاشي، ۱۴۳۹: ۲۷۴، ش ۷۱۹؛ الطوسي، بي تا: ۲۸۲، ش ۴۱۶)195. ومن ناحية أخرى، لا يوجد أي تشابه بين سند هذه الرواية وطريق النجاشي والشيخ الطوسي إلى كتاب علي بن النعمان196. كذلك، فإن أسانيد سائر منقولات الصدوق عن علي بن النعمان لا تشبه الطرق المذكورة في الفهرست (ابن بابويه، ۱۴۱۳: ۱/۳۴۷؛ ۱۳۹۸: ۱/۱۶۷؛ ۱۳۷۸: ۲/؛ ۱۳۹۶: )197. ومع ذلك، يبقى الاحتمال الوحيد هو أن تكون هذه الرواية مأخوذة من كتب أبي سمينة أو محمد بن حسان الرازي198.
في سند الحديث ۱، على الرغم من نسبة كتاب إلى علي بن حسان (الهاشمي) أيضًا، إلا أن أصحاب كتب الرجال يعتبرونه فاسد الاعتقاد، وصاحب كتاب مخلط باسم “تفسير باطن”، وناقلاً لروايات عمه الكذاب والواقفي، عبد الرحمن بن كثير (النجاشي، ۱۴۳۹: ۲۵۱، ش ۶۶۰؛ الكشي، ۱۳۴۸: ۴۵۲، ش ۸۵۱؛ ابن الغضائري، ۱۳۶۴: ۷۷)199. وعلى الرغم من أن ابن بابويه ينقل عن علي بن حسان الهاشمي في كتاب “من لا يحضره الفقيه” (ابن بابويه، ۱۴۱۳: ۳/۵۶۱-۵۶۲) – الذي يدعي الصدوق صحة رواياته – وفي كتاب “التوحيد” (نفسه، ۱۳۹۸: ۱/۳۴۳) – الذي لا يجوز له بسبب محتواه الاعتقادي أن يذكر أي نوع من الروايات – إلا أنه يبدو أن الصدوق لم يستخدم كتابه مباشرة 200؛ لأنه على الرغم من ذكر طريق لكتاب علي بن حسان في كتب الفهرست، إلا أن الشيخ الصدوق غير موجود في ذلك الطريق، ولا يوجد أي اشتراك بين ذلك الطريق وهذا السند (الطوسي، بي تا: ۲۸۶، ش ۴۲۸)201. ومع ذلك، يبدو أن الشيخ الصدوق وجد روايات علي بن حسان في كتب معتمدة كانت نتاج تنقيح الروايات من قبل مؤلفيها، واعتمد عليها، وأقدم على أخذها من الكتب اللاحقة (الواسطة)202. وفي حال قبول هذا الاحتمال، يجب القول إن رواية الحديث المذكور في “علل الشرائع” (نفسه، ۱۳۸۵: ۲/۳۱۸) مأخوذة من كتب الرواة الذين تَلَوا علي بن حسان، والتي ستكون في هذه الرواية كتب أبي سمينة أو محمد بن حسان الرازي203.
أما مصدر الحديث ۳، فبسبب كونه مرفوعًا، لا يمكن تحديده بدقة، ولكن يمكن وضعه في فئة الروايتين السابقتين، واعتباره مأخوذًا من أحد كتب أبي سمينة أو محمد بن حسان204.
إن احتمال أن يكون الصدوق قد أخذ الروايات الثلاث المذكورة من كتاب محمد بن حسان هو الأقوى 205؛ لأنه:
- وفقًا لبرنامج “دراية النور”، ورد اسم محمد بن حسان في ۸۶ رواية في الكتب الأربعة، وهو ينقل معظم الروايات عن أبي سمينة206. بحيث تكررت في “الكافي” ۳۴ رواية بسند “أحمد بن إدريس (أبو علي)، عن محمد بن حسان، عن محمد بن علي (أبي سمينة)” (راجع: الكليني، ۱۴۰۷: ۲/۳۶۱، ۳۶۳، ۳۶۴، ۳۶۷؛ ۳/۱۱۴؛ ۴/۶۴؛ ۶/۴۰۲، ۴۰۶؛ ۷/۴۳۶)، وهذا التكرار في السند يمكن أن يكون قرينة على الأخذ من مصدر مكتوب واحد207. وفي هذه الحالة، سيكون الرواة المشتركون هم طريق الوصول إلى ذلك المصدر – أي كتاب محمد بن حسان208.
- من ناحية أخرى، فإن طريق النجاشي والطوسي إلى كتب محمد بن حسان هو:”أخبرنا ابن شاذان، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى، قال: حدثنا أبي وأحمد بن إدريس، عن محمد بن حسان بكتبه” (النجاشي، ۱۴۳۹: ۳۳۸)209.
“أخبرنا ابن أبي جيد، عن محمد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله ومحمد بن يحيى وأحمد بن إدريس، عن محمد بن حسان، عن محمد بن علي الصيرفي، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني” (الطوسي، بي تا: ۴۱۴)210.
إن التشابه المذكور في سند الروايات والطرق الموجودة في “الفهرست” يعزز ادعاء أخذ هذه الروايات من كتاب محمد بن حسان211. وبالطبع، وفقًا لتقرير الشيخ الطوسي في “الفهرست”، فإن محمد بن حسان في كتابه هو راوٍ لروايات أبي سمينة (نفس المصدر)212. إذن، فإن مجرد وجود اسم أبي سمينة في هذه الأسانيد ليس دليلاً على نقل الصدوق من كتبه213. ويبدو أن هذا الأمر يدل على حقيقة أن إحدى الطرق المطمئنة في استخدام روايات أبي سمينة في قم وبين مشايخ عصر الكليني – الذين هم من مشايخ الصدوق – كانت الروايات المنسوبة إلى أبي سمينة التي أُدرجت في كتاب محمد بن حسان بعد تنقيحها214.
۲-۳-۴. تحديد مصدر روايات الفئة الثانية (كتاب نوادر الحكمة)
في هذه الروايات، بالإضافة إلى اسم محمد بن حسان كراوٍ صاحب كتاب، نواجه اسم محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري كواسطة بين محمد بن يحيى وأحمد بن إدريس215. وهذا الأمر يثير هذا السؤال: ما هو السبب الذي جعل هذين الراويين لا ينقلان مباشرة عن محمد بن حسان كما في روايات الفئة الأولى 216؟ من ناحية أخرى، فإن هذا الراوي الواسطة له كتاب بعنوان “نوادر الحكمة”، والذي حظي باهتمام كبير من القميين، وقد وصل هذا الكتاب إلى الشيخ الطوسي عن طريق سعد ومحمد بن يحيى وأحمد بن إدريس (الطوسي، ۱۳۸۱: ۴۳۸)217. إن وجود تشابه في أسانيد روايات الفئة الثانية مع طريق الشيخ الطوسي إلى كتاب “نوادر الحكمة” يقودنا إلى هذا الرأي، وهو أن الصدوق قد أخذ روايات الفئة الثانية من كتاب “نوادر الحكمة”218. ولا يمكن القبول بأن هذه الروايات منقولة من كتاب محمد بن حسان 219؛ لأنه في هذه الحالة، لم يكن هناك سبب يدعو محمد بن يحيى وأحمد بن إدريس إلى نقل كتاب محمد بن حسان بواسطة أفراد آخرين 220؛ ذلك أنه بناءً على روايات الفئة الأولى، كان كل من محمد بن يحيى وأحمد بن إدريس قادرين زمانيًا ومكانيًا على النقل المباشر من كتب محمد بن حسان221. لذلك، فإن النقل بواسطة عن هذا الشخص يدل على أنهما أخذا هذه الروايات من مصدر آخر222. وبقليل من البحث في أسانيد الصدوق، نجد أن الشيخ الصدوق في معظم الحالات – أكثر من ۱۰۰ رواية – ينقل عن محمد بن حسان بواسطة صاحب “نوادر الحكمة”، وهذا يدل على دخول روايات كتب محمد بن حسان إلى كتاب “نوادر الحكمة”223. ومن ناحية أخرى، بما أن محمد بن حسان لم يكن من بين الأفراد الذين استثناهم ابن الوليد من كتاب “نوادر الحكمة” (النجاشي، ۱۴۳۹: ۳۴۸-۳۴۹؛ الطوسي، بي تا: ۴۰۸-۴۱۱)، فلم يكن هناك مانع للصدوق في نقل تلك الروايات224.
۴-۴. روايات أبي سمينة عن أبي جميلة في أسانيد الصدوق
الأسانيد التي ينقل فيها أبو سمينة عن أبي جميلة، المفضل بن صالح، يمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات225:
- روايات الفئة الأولى:“حدثنا المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي العمري السمرقندي رضي الله عنه، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود العياشي، عن أبيه، عن الحسين بن إشكيب، عن محمد بن علي الكوفي، عن أبي جميلة الأسدي، عن…” (ثم رواة بدون كتب حتى المعصوم) (ابن بابويه، ۱۳۹۶: ۳۱؛ ۱۳۶۲: ۲/۳۴۳)226.
- روايات الفئة الثانية (۴ روايات مع اختلاف طفيف في الراوي الأخير والمعصوم):“أبي رحمه الله، قال: حدثني محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي الكوفي، عن المفضل بن صالح، عن محمد بن علي الحلبي، عن حمران بن زرارة، عن أبي جعفر (ع) / أبي عبد الله (ع)، قال…” (نفسه، ۱۴۰۶: ۱/۲۸۹)227.
- روايات الفئة الثالثة:“حدثنا محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي الكوفي، عن أبي جميلة، عن…” (بقية الرواة حتى المعصوم) (نفسه، ۱۴۰۳: ۱/۲۴۵؛ ۱۴۰۶: ۱/۲۶۴، ۲۶۵ و ۲۴۶)228.
“حدثني محمد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه، قال: حدثني علي بن الحسين السعدآباذي، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن علي الكوفي، عن أبي جميلة، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر (ع)، قال…” (نفسه، ۱۴۰۶: ۱/۲۶۵)229.
“أبي رحمه الله، قال: حدثني محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي الكوفي، عن المفضل بن صالح، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر (ع)، قال…” (نفس المصدر: ۳۲۶)230.
في هذه الروايات، من المحتمل أن يكون الصدوق قد أخذها من كتب الأشخاص المحددين231.
۱-۴-۴. تحديد مصدر أحاديث الفئة الأولى
يشير الصدوق في كتاب “من لا يحضره الفقيه” في موضع واحد إلى أنه أخذ الرواية من كتاب العياشي (نفسه، ۱۴۱۳: ۱/۵۶۴، ح ۱۵۵۷)، وطريق وصوله إلى كتاب العياشي حسب المشيخة هو: “المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي رضي الله عنه، عن جعفر بن محمد بن مسعود”232. وكثرة النقل بهذا الطريق في أسانيد الصدوق هي أيضًا تأكيد للادعاء المذكور233. كذلك، ذُكر في كتب الرجال طريقان لآثار العياشي، أحدهما بواسطة ابنه (الطوسي، بي تا: ۳۹۹)، والآخر بواسطة حيدر بن محمد السمرقندي (النجاشي، ۱۴۳۹: ۵۳۵)، وهذا الأمر أيضًا يدل على تطابق طريق الصدوق والطوسي في الوصول إلى آثار العياشي234.
في خمس روايات من أسانيد الصدوق، روى المظفر بن جعفر عن جعفر بن محمد العياشي عن العياشي عن الحسين بن إشكيب، ومن بينها في سندين فقط ينقل الحسين بن إشكيب عن أبي سمينة عن المفضل بن صالح (ابن بابويه، ۱۳۹۶: ۳۱؛ ۱۳۶۲: ۲/۳۴۳)235. وعلى الرغم من أن الحسين بن إشكيب قمي ومقيم في سمرقند وكش، وهو صاحب تأليف، إلا أنه لم يُذكر في كتب الرجال طريق إلى آثاره236. إلى جانب عدم ذكر طريق إلى كتب هذا الشخص، فإن وجود روايات قليلة جدًا له في الكتب الأربعة يمكن أن يخبرنا بأن آثاره المكتوبة لم تحظ باهتمام كبير أو لم تكن في متناول محدّثي قم وبغداد، وهذا الأمر يضعف جدًا احتمال أخذ الروايات المذكورة من آثار هذا الشخص237. إذن، بالنسبة لهذه الأسانيد المشتركة، فإن الاحتمال الأقوى هو أن هذه الروايات لم تؤخذ من كتب أبي سمينة أو المفضل بن صالح أو ابن إشكيب، بل أُخذت من آثار العياشي238.
۲-۴-۴. تحديد مصدر أحاديث الفئة الثانية والثالثة
في الكتب الأربعة، يوجد ۴۶ سندًا يروي فيها أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري عن الحسن بن علي بن فضال عن أبي جميلة المفضل بن صالح239. ومن هذا العدد، في ۱۰ أسانيد، ينقل أبو جميلة عن محمد بن علي أبي شعبة الحلبي240. وفي أسانيد الصدوق أيضًا، تكرر السند المذكور ۱۰ مرات، ينتهي ۵ منها باسم الحلبي241. وعلى الرغم من التضعيفات والنسبة إلى الوضع الموجهة إلى المفضل بن صالح (ابن الغضائري، ۱۳۶۴: ۸۸، ش ۱۱۸)، إلا أن الشيخ الطوسي يذكر لكتابه طريقًا مشابهًا للأسانيد المتكررة المذكورة أعلاه في الكتب الأربعة: “أخبرنا به جماعة، عن أبي المفضل، عن ابن بطة، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال، عنه” (الطوسي، بي تا: ۴۷۵، ش ۷۶۵)242. وبالطبع، يذكر للحلبي أيضًا طريقًا مشابهًا للطريق إلى كتاب أبي جميلة 243؛ مع فارق أنه في كتاب الحلبي، يروي أبو جميلة عن الحلبي244. بمقارنة هذه الأسانيد والطريق، يمكن القول إن أصحاب الكتب الأربعة قد رووا ۴۶ مرة على الأقل من كتاب أبي جميلة بالسند المذكور أعلاه، وأن الصدوق قد روى ۵ مرات بهذا السند من كتبه245. إذن، بالنسبة لجميع روايات الفئة الثانية، بناءً على الاستدلالات المتقدمة، فإن احتمال أخذها من كتب أبي جميلة هو الأقوى246. وبالنسبة لروايات الفئة الثالثة، يوجد احتمالان: إما أن الصدوق قد استخدم لنقل هذه الروايات كتاب الحلبي، أو كتابًا من تأليف أبي جميلة أدرج فيه روايات كتاب الحلبي247. إذن، في هذه الروايات، يكون دور أبي سمينة هو دور ناقل لكتاب الحلبي وأبي جميلة فقط248.
الاستنتاج
على الرغم من أن ضعف أبي سمينة متفق عليه بين المحدّثين والرجاليين المتقدمين، إلا أنه بعد الدراسات التي أجريت، فإن أسباب نقل رواياته في آثار الشيخ الصدوق هي كالتالي249:
- تم تنقيح عدد من روايات أبي سمينة، واستخدم الصدوق غير منفرداته والروايات التي توجد قرينة على صحتها، والتي سُجلت وضُبطت في آثار رواة مثل إبراهيم بن محمد الثقفي، ومحمد بن حسان الرازي، وكتاب “نوادر الحكمة”250. ومجرد وجود راوٍ ضعيف (أبي سمينة) لا يضر بصحة هذه الروايات251.
- في الروايات المشهورة والمتواترة أيضًا، لا يخل حضور الرواة الضعفاء بصحة الرواية252. وفي هذه الحالات، لم يعتنِ الصدوق بوجود أبي سمينة في السند253.
- إن ظاهر أسانيد عدد من الروايات، وعدم تكرارها أو تكرارها القليل في آثار المحدّثين، يدل على أن تلك الروايات كانت من المنقولات الشفهية التي أخذها الصدوق، ولم يكن هناك أي مصدر مكتوب 254؛ مثل الروايات التي ينقلها الشيخ الصدوق عن أبي سمينة في الكوفة عن علي بن عيسى المجاور255.
- في عدد منها، يكون أبو سمينة مجرد راوٍ وناقل لكتب المتقدمين، وفي هذه الحالة، يمكن الادعاء بأن ضعف الراوي الناقل للآثار لا يضر بصحة الآثار ورواياتها 256؛ مثل روايات أبي سمينة عن كتب أبي جميلة والحلبي257. ومن هنا، يمكن القول إن الصدوق لم ينقل هذه الروايات دون اكتراث بوجود راوٍ ضعيف، بل إما أنه لم يعتبر لأبي سمينة دورًا استقلاليًا في نقل الرواية، أو أنه واجه رواياته المنقحة، أو كانت لديه قرينة على صحة روايات الراوي الضعيف فنقلها258.
المصادر والمراجع
- ابن الغضائري، أحمد بن الحسين (۱۳۶۴ هـ.ق)، رجال ابن الغضائري، قم: مؤسسة إسماعيليان. 259
- ابن بابويه (الشيخ الصدوق)، محمد بن علي (۱۳۶۲ هـ.ش)، الخصال، محقق: علي أكبر غفاري، قم: انتشارات جامعة مدرسين. 260
- (۱۳۷۶ هـ.ش)، الأمالي، طهران: كتابجي. 261
- (۱۳۷۷ هـ.ش)، الخصال، مترجم: محمد باقر كمرهاي، طهران: كتابجي. 262
- (۱۳۷۸ هـ.ق)، عيون أخبار الرضا (ع)، محقق: مهدي لاجوردي، طهران: نشر جهان. 263
- (۱۳۸۵ هـ.ش)، علل الشرائع، قم: كتابفروشي داوري. 264
- (۱۳۹۵ هـ.ق)، كمال الدين وتمام النعمة، محقق: علي أكبر غفاري، طهران: إسلامية. 265
- (۱۳۹۶ هـ.ق)، فضائل الأشهر الثلاثة، محقق: غلام رضا عرفانيان يزدي، قم: كتابفروشي داوري. 266
- (۱۳۹۸ هـ.ق)، التوحيد، محقق: هاشم حسيني، قم: انتشارات جامعة مدرسين. 267
- (۱۴۰۳ هـ.ق)، معاني الأخبار، محقق: علي أكبر غفاري، قم: انتشارات جامعة مدرسين. 268
- (۱۴۰۶ هـ.ق)، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، قم: دار الشريف الرضي. 269
- (۱۴۱۳ هـ.ق)، كتاب من لا يحضره الفقيه، محقق: علي أكبر غفاري، قم: انتشارات جامعة مدرسين. 270
- باقري، حميد (۱۳۹۲ هـ.ش)، “نگاهى به نقش و جايگاه مؤلفههاى كتابمحور در ارزيابىهاى حديثى قدما در پرتو تحليل منابع فهرستى”، علوم حديث، قم: السنة الثامنة عشرة، العدد ۶۸، ص ۳-۲۸. 271
- (۱۳۹۳ هـ.ش)، “منبع معتبر و نشانههاى آن نزد محدثان متقدم امامى: نگاهى به جايگاه منبع مكتوب در حديثپژوهى قدما”، پژوهشهاى قرآن و حديث، طهران: السنة السابعة والأربعون، العدد ۱، ص ۱-۲۵. 272
- برقي، أحمد بن محمد بن خالد (۱۳۷۱ هـ.ق)، المحاسن، محقق: جلال الدين محدث، قم: دار الكتب الإسلامية. 273
- جمعي از پژوهشگران (بإشراف: سيد حسن طالقاني) (۱۳۹۵ هـ.ش)، جستارهايى در مدرسه كلامى قم، تحقيق: پژوهشكده كلام أهل بيت (ع)، قم: دار الحديث. 274
- حر عاملي، محمد بن حسن (۱۴۰۹ هـ.ق)، وسائل الشيعة، محقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام. 275
- حسين پوري، أمين (۱۳۹۳ هـ.ش)، حديث ضعيف: نگاهى به رويكرد عالمان متقدم شيعه، قم: دار الحديث. 276
- حسيني شيرازي، سيد علي رضا وعبدالرضا حمادي (۱۳۹۳ هـ.ش)، “جايگاه نقد محتوايى در اعتبارسنجى احاديث شيعه”، پژوهشهاى قرآن و حديث، طهران: السنة السابعة والأربعون، العدد ۱، ص ۲۷-۵۱. 277
- حسيني شيرازي، سيد عليرضا (۱۳۹۷ هـ.ش)، اعتبارسنجى احاديث شيعه: زيرساختها، فرآيندها، پيامدها، طهران: سمت. 278
- خويي، أبو القاسم (۱۳۷۶ هـ.ش)، درآمدى بر علم رجال: ترجمه مقدمه معجم رجال الحديث، ترجمة: عبد الهادي فقهي زاده، طهران: أمير كبير. 279
- داوري، مسلم (۱۴۱۶ هـ.ق)، أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق، تحقيق: محمد علي صالح المعلم، [بلا مكان]: نمونه. 280
- رازي، أبو حاتم (۱۳۷۱ هـ.ق)، الجرح والتعديل، بيروت: دار إحياء التراث العربي. 281
- رباني، محمد حسن (۱۳۸۹ هـ.ش)، بررسى اعتبار احاديث مرسل، قم: مؤسسه بوستان كتاب. 282
- شاه حسيني، علي (۱۳۸۹ هـ.ش)، معيار اعتبارسنجى روايات از منظر قدما، رسالة ماجستير، كلية علوم حديث، قم. 283
- طوسي، محمد بن حسن (۱۳۸۱ هـ.ق)، الرجال، النجف: انتشارات حيدرية. 284
- (بلا تاريخ)، الفهرست، النجف: المكتبة المرتضوية. 285
- عاملي (الشهيد الثاني)، زين الدين (۱۴۰۸ هـ.ق)، الرعاية في علم الدراية، محقق: عبد الحسين محمد علي بقال، قم: مكتبة آية الله المرعشي النجفي. 286
- عسقلاني، ابن حجر (۱۴۰۴ هـ.ق)، تهذيب التهذيب، بيروت: دار الفكر. 287
- عمادي حائري، محمد (۱۳۸۸ هـ.ش)، بازسازى متون كهن حديث شيعه (روش، تحليل، نمونه)، طهران: مركز اسناد مجلس شوراى إسلامى. 288
- كشي، محمد بن عمر (۱۳۴۸ هـ.ش)، رجال الكشي، مشهد: انتشارات دانشگاه مشهد. 289
- كليني، محمد بن يعقوب (۱۴۰۷ هـ.ق)، الكافي، تصحيح: علي أكبر غفاري ومحمد آخوندي، طهران: دار الكتب الإسلامية. 290
- مجلسي، محمد تقي (۱۴۰۶ هـ.ق)، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، محقق: حسين موسوي كرماني وعلي پناه اشتهاردي، قم: مؤسسه فرهنگى إسلامى كوشانبور. 291
- مددي، سيد أحمد (۱۳۹۳ هـ.ش)، نگاهى به دريا، جمع وترتيب: سيد حميدرضا حسني، قم: مؤسسه كتابشناسى شيعه. 292
- مرداني، مهدي (۱۳۹۲ هـ.ش)، “مبانى و روشهاى بازيابى متون كهن حديثى در سايه بازيابى كتاب زيد بن وهب”، تحقيقات علوم قرآن و حديث، طهران: السنة الحادية عشرة، العدد ۲۱، ص ۱۴۷-۱۷۵. 293
- نجاشي، أحمد بن علي (۱۴۳۹ هـ.ق)، الرجال، تحقيق: موسى شبيري زنجاني، قم: انتشارات جامعة مدرسين. 294