الملخص: يدور موضوع هذه المقالة حول تحليل ودراسة العلاقة بين الذات والصفات الإلهية. ويثبت هذا البحث فرضية عينية الصفات والذات الإلهية مصداقاً، ويبطل الفرضيات المنافسة، أي الفرضيات السلبية للنيابة والحال وزيادة الصفات على الذات. الهدف الرئيس من طرح المسألة هو نقد النظريات في بحث العلاقة بين الذات وصفات الباري تعالى، وتبيين نظرية التوحيد الصفاتي. طريقة البحث المستخدمة هي الوصفية التحليلية والنقدية. ومن أهم النتائج التي توصلت إليها هذه المقالة هي بطلان نظرية سلبية الصفات، وبطلان نظرية نيابة التعطيل والنفي، وبطلان نظرية الحال، وبطلان نظرية زيادة الصفات على الذات، وتبيين نظرية عينية الصفات والذات مصداقاً، وتبيين نظرية التوحيد الصفاتي التي تتوافق مع نظرية عينية الصفات والذات مصداقاً.
مقدمة
مسألة العلاقة بين الذات والصفات الإلهية في مبحث أوصاف الباري تعالى من المسائل المهمة في الإلهيات بالمعنى الأخص. وقد اختلف المسلمون في هذه المسألة، وللفرق المختلفة آراء متباينة. في مبحث صفات الحق تعالى، بعد البحث في الجانب المعنوي لألفاظ ومفاهيم الصفات، يكون جانبها الوجودي هو موضوع البحث والنقاش. وفي مسألة العلاقة بين الذات والصفات الإلهية، يُبحث في الجانب الوجودي للصفات.
أوصاف الحق تعالى
تنقسم أوصاف الحق تعالى، ابتداءً، إلى ثبوتية وسلبية. وتنقسم الصفات الثبوتية إلى ذاتية وفعلية وإضافية. وتنقسم الصفة الذاتية إلى قسمين: حقيقية محضة مثل العلم بالذات، وحقيقية ذات إضافة مثل العلم بالغير. أما الصفة الفعلية فمثل الخلق والرزق، والصفة الإضافية فمثل القادرية والعالمية.
- الصفة الثبوتية تفيد معنى إيجابياً، والصفة السلبية تسلب سلب الكمال، وهذا يعود إلى إيجاب الكمال.
- الصفة الذاتية هي الصفة التي تكفي الذات في ثبوتها، من دون حاجة إلى افتراض أمر خارج عن الذات.
- لا يتصف ذات الحق تعالى بالصفة الفعلية إلا بافتراض أمر خارج عن الذات.
- تُنتزع الصفات الفعلية من مقام الفعل.
- الصفة الإضافية، لكونها من المعاني الاعتبارية، زائدة على الذات، وذات الحق تعالى أسمى من أن تكون مصداقاً للصفات الاعتبارية.
- الملا هادي السبزواري يكتب: “الصفات السلبية للحق تعالى في الحقيقة هي سلب النقص والإمكان، وترجع إلى سلب تحصيلي (سلب الاتصاف وليس الاتصاف بالسلب يُسلب عن الذات). يبدو أنها تذكر بطريقة تعليمية في العدل الأوصاف الثبوتية، وهي أمور تُسلب عن الحق تعالى كصفة سلبية، وعند العرفاء قسمان ثنائيان آخران سوى هذا التقسيم إلى صفات “لطفية” وصفات “قهرية”، وتقسيم آخر إلى صفات “تنزيهية” وصفات “تشبيهية”. ونقول أيضاً: صفات الله الثبوتية ثلاثة أقسام: الأولى حقيقية محضة، والثانية حقيقية ذات إضافة، والثالثة إضافية محضة. أما صفات الجمال فهي التي يتجمل بهاء الذات وتتلألأ بها، مثل “العلم” و”الإرادة” و”القدرة” وما شابهها. وأما صفات الجلال فهي التي تمجد الذات (تتمة الحاشية في الصفحة التالية)
الأقدس بها، مثل “سبوح قدوس رب الملائكة والروح”؛ لأن القدوسية والسبوحية تنزه عن المواد والأعراض الجسمانية، بل عن الماهية. فصفات الجمال هي نفسها الصفات الثبوتية، وصفات الجلال هي نفسها الصفات السلبية… أما الصفات الثبوتية، فحقيقتها أنها ليست “إضافة” في مفهومها ولا تستلزم الإضافة، مثل الحياة وعلم الذات بالذات. وأما الحقيقة ذات الإضافة، فهي وإن لم تكن إضافة، إلا أنها “صاحبة إضافة” ويلزمها إضافة، مثل “القدرة” و”العلم” بغير الذات، والإرادة والمحبة بغير الذات، والإضافية المحضة هي نفس الإضافات، مثل “الخالقية” و”الرازقية” و”المبدعية” و”المصورية” وما شابهها. وأما الصفات “اللطفية” و”القهرية”، فالرحمة و”اللطف” و”الإحسان” و”المغفرات” وما شابهها هي لطفية، والأوصاف مثل “الغضب” و”الانتقام” و”المعاقبة”، كما في الدعاء: “وأيقنت أنك أنت أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة، وأشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة” ومن أسمائه “القاهر” و”القهار” و”قاسم الجبارين”، “مبير الظالمين” وما إلى ذلك هي صفات وأسماء قهرية. أما الصفات التنزيهية والتشبيهية، فالتنزيهية هي التي لا نظير لها في “ما سوى” ، أو التي توجد آيتها في القديسين، مثل “القدوسية” بمعنى “لا ماهية له…”، والتشبيهية هي التي توجد آيتها في الماديات، والبساطة المحضة والقدم الذاتي وما إلى ذلك، وكأنها في الإطلاق عليه تشبيه بالخلق، مثل “السميع” و”البصير” اللذين يشبهان “السمع” و”البصر” في الحيوانات.
نظريات في مسألة العلاقة بين الذات والصفات الإلهية
- نظرية سلبية الصفات
في نظرية سلبية الصفات، يُسلب نقيض الصفة الثبوتية عن ذات الحق تعالى سلباً تحصيلياً. القاضي سعيد القمي في هذا الشأن يكتب: “نظام توحيد الله تعالى نفي صفاته، أي ما ينتظم به التوحيد الحقيقي ويصير العارف بالله موحداً حقيقياً هو نفي صفاته بمعنى إرجاع جميع صفاته الحسنى إلى سلب النقائص ونفي مقابلها، لا أن تكون الصفات قائمة بذاته تعالى، أو أن تكون الصفات قائمة بذاتها، أو أن تكون الصفات عين الذات. بمعنى أن حيثية الذات هي بعينها حيثية كونها مصداقاً للصفات، بحيث تكون ذات الحق تعالى بنفسها فرداً وجودياً، وأيضاً فرداً عرضياً للعلم والقدرة وغيرهما من الصفات.”
القاضي سعيد القمي ينتقد استدلال بعض المحققين في إثبات الاشتراك المعنوي للأوصاف ببيان أنه لو لم تكن الأوصاف مشتركة معنوياً، لما كانت صورة الألفاظ مع معانيها دليلاً وشاهداً على أسماء وأوصاف الحق تعالى ، ويرى الاشتراك اللفظي للأوصاف.
وقد استدل الشيخ سعيد القمي لإثبات دعواه في نظرية سلبية الصفات بأدلة عقلية ونقلية، ونذكر هنا دليلاً عقلياً واحداً له. يكتب القاضي سعيد القمي في شرح توحيد الصدوق:
- يكتب الشيخ سعيد القمي في إبطال نظرية عينية وزيادة الصفات على الذات: “العقول تشهد أن كل صفة وموصوف مخلوقان، وهذا الأمر يبطل القول بعينية الصفات والذات، أو زيادتها وعروضها على الذات، فإن العقل الصريح غير المشوب بالشبهات والشكوك يحكم بمخلوقية الصفة والموصوف، سواء كانت الصفات عيناً أو زائدة على الذات. أما بناءً على القول بالعينية مع قبول اتحاد حيثية الذات والصفات، فلا شك أن اعتبار حيثية كونها ذاتاً يتقدم على اعتبار حيثية كونها صفات بالاعتبار الواقعي النفس الأمري، لأن الذات بالذات تتقدم على الصفات، ومنع هذا الأمر مكابرة صريحة؛ لأن مفهوم الوصف يتأخر عن الموصوف. وبما أن تقدم الوصف على الموصوف أو معيته له ممتنع بداهة، فإذا تحقق القبلية والبعدية الذاتية، تتضح العلية والمعلولية بين الذات والصفة. وإذا فرضت عينية الذات والصفة، فمن الواضح أن الذات باعتبار علة، وباعتبار معلولة. ومن جهة أخرى، الذين يقولون بعينية الذات والصفة يعتقدون أن الذات، كما هي فرد عرضي للوجود، كذلك هي بنفس تلك الحيثية الذاتية، فرد عرضي للعلم والقدرة وغيرهما من الصفات. وهذه الطبائع للصفات موجودة بين الخلق، ومن الواضح أن ما في الخلق معلول. فيلزم بناءً على ما هو حق وبرهان عند أهل المعرفة أن جميع الطبائع العرضية مجعولات حقيقية، ويلزم مع فرض عينية الذات والصفات أن يكون جعل الذات والصفات مجعولاً؛ لأن جعل الطبيعة يكون بجعل الأفراد. ولو كان هذا بالعرض، فهذا الكلام بمعزل عن استحالة العينية وامتناع اتحاد الذات والصفة، ومع استحالة العينية يكون الإيراد على النظر المذكور أوضح؛ لأن الذات مستغنية بذاتها، والصفة محتاجة إلى الموصوف، وامتناع اتحاد الصفة والموصوف بيّن وواضح؛ لأنه يستلزم أن يصير المحتاج غنياً، والغني محتاجاً، ويلزم من ذلك احتياج الشيء إلى نفسه. وكل مخلوق يشهد أن له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف، وهذه هي كبرى القياس، والقياس يصور هكذا: كل موصوف وصفة مخلوق، وكل مخلوق له خالق ليس بصفة ولا موصوف.”
من وجهة نظرنا، المفاهيم هي أمور وجودية، وليست واسطة وطريقاً لمعرفة حضرت الأحدية تعالى شأنه. الصفات الوجودية للشيء غير ذات ذلك الشيء، وكل ما هو غير المبدأ الأول وأمر ثبوتي، فهو معلول بالضرورة. وبالتالي، ستكون تلك المحمولات (الصفات) مخلوقات لله تعالى، والله سبحانه لا يتصف ويُكمّل بخلقه؛ لأنه في هذا الفرض يلزم أن يكون الحق تعالى فاعلاً وقابلاً؛ لأنه من جهة صدور الصفات منه، ومن جهة اتصاف الذات بالصفات، يلزم تعدد الجهات في الحق سبحانه. ويلزم أيضاً أن يكون صدور الصفات منه غير مسبوق بشيء يتوقف عليه إيجاد العلم والقدرة. أي بافتراض أن صفة الحق تعالى غير ذاته، يكون صدور نفس الصفات منه بدون صفة وبنفس الذات؛ لأن المفروض أن الصفات فعله، وصدور الصفات المذكورة من الذات بدون صفة، وهذا محال؛ لأنه يستلزم أن فاقد الشيء معطي الشيء. ويلزم أيضاً في أول شيء يصدر من ذات الحق تعالى أن يتقدم العرض على الجوهر، وأن يكون العرض مبدأ صدور الجوهر، وكذلك يلزم أن يكون مرتبة وجود الصفات بعد مرتبة الذات، وأن لا يكون الحق تعالى في مرتبة الذات متصفاً بالصفات. ومن اللوازم الباطلة الأخرى أنه في فرض وجوب الصفات يتعدد الواجب الوجود، وإذا كانت الصفات ممكنة، فبسبب إمكان الصفات يلزم إمكان زوالها عن الذات، وغير المذكور من الأمور المحالة الأخرى يلزم.
نقد نظرية سلبية الصفات
يمكن القول في نقد كلام المرحوم القاضي سعيد القمي: مفاهيم الصفات مشتركة معنوياً، والاشتراك اللفظي باطل ؛ لأنه إذا كانت صفات الباري تعالى مشتركة لفظياً، لانقطع الطريق إلى فهم صفات الباري تعالى، وتعطلت العقول عن معرفة الحق تعالى، ولم يُفهم من الآيات التي ورد فيها ذكر أوصاف الحق تعالى أي معنى، وهذا الأمر له توال فاسدة. وكذلك بقبول هذه النظرية، يلزم الاشتراك اللفظي أن تكون ذات الحق تعالى فاقدة للكمال. وبتعبير آخر، تكون الذات عين الوجود وفاقدة لكل نقص، وجهة الإمكان عين العدم، ومحض السلب.
في نظرية سلبية الصفات، حدث خلط بين مفهوم ومصداق الصفات. ما هو زائد على مصداق الذات وعلى المفهوم الآخر هو مفهوم الصفة، وليس مصداق الصفة. مع اتصاف الذات بالصفات، تكون مفاهيم الصفات زائدة على الذات. ولكن بناءً على نظرية عينية الصفات والذات، مصداق الصفات وليس مفاهيمها هو عين الذات. ذات الواجب الوجود بسيطة غير متناهية، وهي بعينها مصداق الذات وجميع المفاهيم الكمالية. الذات المطلقة والبسيطة للحق تعالى، بدون تعدد جهات وحيثيات، هي مصداق المفاهيم الكثيرة. جميع الإيرادات واللوازم الباطلة في كلام القاضي سعيد القمي هي في فرض أن للصفات شيئية غير الذات، سواء كانت الصفات زائدة على الذات قديمة ومستغنية عن فاعل أو حادثة ومحتاجة إلى فاعل، وسواء فرض أن فاعل الصفات ذات الواجب تعالى أو ذات أخرى. جميع الفروض المذكورة لها توال فاسدة، ولكن في فرض أن مصداق الصفات عين الذات ، وليس لها شيئية ووجود غير الذات، فلا يلزم أي من التوالي الفاسدة.
نظرية نيابة الذات عن الصفات (النفي والتعطيل)
نظرية النيابة هي العقيدة المشهورة للمعتزلة. في هذا الرأي، تُنسب الصفات إلى الذات مجازاً، بمعنى أن ذات الحق تعالى بدون صفة، ويترتب على الذات ما يترتب على صاحب هذه الصفات. ويُطلق اسم “عالم” عليه مثلاً؛ لأنه تنكشف له حقائق الأشياء بذاته. أي أن العمل الذي يقوم به الصفة يمكن أن يصدر من الذات البسيطة الواحدة، وتترتب آثار الصفات على الذات الواحدة. وكذلك يقول المعتزلة: “خذ الغايات ودع المبادئ”، فمثلاً على العلم بالفعل تترتب الأحكام والإتقان، وهذا يصدر من ذات الصانع نفسها، ونفي الاضطرار الذي يترتب على الاختيار والمختارية الفعلية، والتي تترتب على العلم والمشيئة والقدرة، يترتب على الذات، وكذلك في الباقي. وقد ظنوا أن مفاهيم الصفات المتغايرة، إذا صدقت على ذاته البسيطة، لزم التكثر في ذاته البسيطة، وهو محال. لذلك، لا تصدق معاني الصفات على ذات الله بالذات، بل ذاته تنوب عن كل صفة من الصفات.
ولو كانت الصفات قديمة قائمة بالذات، لكانت الصفات قائمة بالذات أزلاً، في حين أنه لا قديم إلا ذات الحق تعالى. وبتعبير آخر، يرى المعتزلة أن الأمر في أوصاف الحق سبحانه يدور بين محذورين: أولهما القول بأن للحق سبحانه صفات كالعلم، وهذا يستلزم الاعتراف بتعدد واثنينية الذات والصفة؛ لأن واقع الصفات مغاير للموصوف. وثانيهما نفي العلم والقدرة وسائر الصفات الكمالية عن ذات الحق تعالى، وهذا أولاً يستلزم النقص في الذات، وثانياً إتقان آثاره وأفعاله يكذب نفي الصفات. والخلاص من المحذورين المذكورين هو اختيار نظرية النيابة.
نقد نظرية النيابة
تستند نظرية النيابة إلى تخيل أن اتصاف الشيء بصفة يستلزم دائماً زيادة الوصف على الذات، ولذلك وقع المعتزلة في المحذورين المذكورين سابقاً. اتصاف الموضوع بالوصف لا يستلزم زيادة الوصف على الذات، وإن كان معنى ومفهوم الوصف غير الذات وغير المعنى والمفهوم الآخر، إلا أن تغاير وتعدد المعنى والمفهوم لا يستلزم تغاير وتعدد المصداق أو منشأ الانتزاع. خلو الذات من الصفات الكمالية يستلزم التركيب في الذات، ومحدودية ذات الواجب، والخلف. يكتب الحكيم ملا هادي السبزواري، مبطلاً هذه النظرية: “بناءً على هذا القول، الصفات يصح سلبها عن الذات، فيقال للذات مجازاً “عالم” و”قادر” ونحوهما، وسبب هذه الأقوال هو غفلتهم عن مراتب “الوجود” ومراتب كمالاته، ولم يصلوا إلى تحقيق الدرجات المتفاضلة والعرض العريض الذي ذكرناه في الوجود وكمالاته، فظنوا أنه متى كانت الصفة معينة قائمة بغير وعرضية، فإنها تتعلق بذات الشيء، وإذا كانت “عين” الذات، فإن معنى القائم بغير والعرض لا يتعلق بها، فلا تكون “صفة”.
- قريب من رأي المعتزلة قول بعض المحققين الشيعة. ففي موضع ما، يصرّح الفاضل المقداد بنفي الصفة عن الحق تعالى، فيقول: “التعبير عن صفات الحق تعالى هو في الحقيقة تعبير عن ذاته، بمعنى أن مقتضى الصفات ينسب إلى الذات، لا باعتبار صفة تقوم بالذات، مثل التمكن من الإيجاد الذي يقال باعتباره: إنه قادر، لا أن القدرة قائمة به.”
ويلزم من نظرية نيابة الذات عن الصفات لازم باطل آخر، وهو أنها تستلزم فقدان الذات الفيّاضة لكل كمال.
نظرية الحال
نظرية الحال هي رأي أبي هاشم المعتزلي وأتباعه. ترى هذه الجماعة أن الله تعالى متساوٍ مع غيره في الذات، وأن امتياز الحق تعالى عن غيره بصفة تسمى الألوهية. هذه الحالة تستلزم الأحوال الأربعة: القدرية، والعالمية، والحيوية، والموجودية. والحال صفة موجودة لا توصف بوجود ولا عدم. وعلى سبيل المثال، الباري تعالى قادر باعتبار القادرية. وبتعبير آخر، يفترضون أن الصفات حالة بين الوجود والعدم، ويعتبرون ذات الحق تعالى مساوية لذوات الممكنات، وامتيازه عنها بحالة الألوهية. وحالة الألوهية هذه توجب أربع حالات: العلم، والقدرة، والحياة، والوجود. فالباري تعالى قادر باعتبار حالة القدرة، وعالم باعتبار حالة العلم، وكذلك سائر الصفات.
نقد نظرية الحال
لقد تعرضت نظرية الحال، بحسب ظاهر تعبيرها، للنقد واعتبرت باطلة لعدة أسباب. قيل أولاً: إن هذا الكلام غير معقول؛ لأن الشيء إما موجود أو معدوم، ولا يُتصور واسطة بين الوجود والعدم، أي لا يوجد شيء ليس بموجود ولا بمعدوم، لأن لازم هذا القول ارتفاع النقيضين، واستحالة ارتفاع النقيضين من البديهيات الأولية، بل جميع الأدلة العقلية تنتهي إلى استحالة اجتماع النقيضين وارتفاع النقيضين. وبناءً على هذا القول، تبطل جميع البراهين العقلية وتُعطل. وثانياً: إيراد احتياج الذات إلى الصفات، الذي ورد على قول الأشاعرة، يرد على هذا القول أيضاً.
- وتسمى هذه الفرقة باختصار “البشمية”.
- أبو هاشم، مستخدماً صيغة الكلابي القديم واستبدال لفظ “الحال” بـ “الصفة” فيما يتعلق بالأحوال، يقول: “هي ليست إلهاً وليست غير إله”. ويهدف هذا إلى لفت الانتباه إلى طريقتين متضادتين لتصور عقيدة الصفات. لذا، الجزء الأول من الصيغة “ليست إلهاً” هو نفي لهذا التصور المعتزلي بأن الألفاظ المحمولة على الله مجرد أسماء للإشارة إلى ذات الله. أما الجزء الثاني من الصيغة “ليست غير إله”، فهو نفي لتصور الصفاتيين بأن الألفاظ المحمولة على الله تشير إلى وجود صفات حقيقية في الله مميزة عن ذاته.
ولكن بالتأمل في هذه النظرية يمكن القول إنها ذات وجه معقول. يبدو أن المقصود بالحال في هذه النظرية هو المعقول الثاني الفلسفي، أي أن صفة الحال، وإن لم تكن موجودة بوجودها الخارجي، إلا أنها موجودة بوجود منشأ الانتزاع. أي أن الحال ليست موجودة بمعنى أنها ليست موجودة بوجود مصداق وما بإزاء خارجي، وليست الحال معدومة بمعنى أنها ليست معدومة بوجود منشأ الانتزاع، بل هي موجودة. لذلك، لا يرد الإيراد المذكور أعلاه على النظرية المذكورة.
نظرية زيادة الصفات على ذات الحق تعالى
أ) نظرية زيادة الصفات الحادثة
فرقة الكرامية، وهي من فرق الصفاتية المجسمة المشبهة، ترى أن صفات كالعلم والقدرة الذاتية حادثة بتجدد متعلقها. يقولون: “إن الله لم يكن قادراً أزلاً ثم صار قادراً، أو لم يكن عالماً أزلاً ثم صار عالماً.”
ب) نظرية زيادة الصفات القديمة
نظرية زيادة الصفات القديمة، وهي الرأي القائل بأن صفات الحق تعالى ليست ذاته وليست غير ذاته، ظهرت أولاً على ما يبدو من قبل عبد الله بن كلاب. وبعد ابن كلاب، اعتقد أبو الحسن الأشعري وأتباعه بهذه النظرية. يرى الأشاعرة أن الباري تعالى عالم بعلم، ومريد بإرادة، ومتكلم بكلام. هذه الصفات أزلية قائمة بالذات، وكما يقول الشهرستاني، لا يمكن أن تكون الصفات هي نفسها الذات وليست غير الذات، ولا هي غير الذات وليست غير الذات. ولا يتصور أن الله عالم بغير علم أو قادر بغير قدرة.
الافتراض الأساسي أو المسلّمة في كلام الأشعري هي التلازم بين المفهوم والمصداق في الوحدة والكثرة. فالأشاعرة وأتباعهم يعتقدون في العلاقة بين المفهوم والمصداق بالتلازم بين المفهوم والمصداق في الوحدة والكثرة. وبتعبير آخر، يتبنى الأشاعرة نظرية التلازم بين المفهوم و المصداق من حيث الوحدة والكثرة، أي أنهم يرون أن وحدة وكثرة المصداق تستلزم وحدة وكثرة المفهوم، ووحدة وكثرة المفهوم تستلزم أو تكشف عن وحدة وكثرة المصداق. وفي بحث الصفات الإلهية، بناءً على هذا المبدأ المسلم للتلازم بين المفهوم والمصداق من حيث الوحدة والكثرة، يعتبرون تعدد مفاهيم الأوصاف الإلهية دليلاً وكاشفاً عن كثرة مصاديق الصفات، ويعتقدون بوجود صفات كثيرة زائدة على ذات الحق تعالى.
أدلة الأشاعرة في زيادة الصفات على الذات
يحتج الأشاعرة لإثبات نظريتهم بعدة أدلة:
- يقول أهل اللغة لمن له علم إنه عالم، فيجب إثبات صفة العلم له.
- نحن ندرك الذات، ثم نستدل على كونها عالمة وقادرة وسائر الصفات. ولهذا السبب، العلم الذي لم يكن حاصلاً لنا في البداية يحصل، وهذا يدل على المغايرة بين الذات والصفات المذكورة.
- الأشاعرة الأوائل يحكمون على الغائب بحكم الشاهد، من خلال قياس الغائب على الشاهد.
- يرى الأشاعرة أنه إذا كان مفهوم الصفة هو نفس الذات، لزم أن يكون حمل الصفة على الذات عديم الفائدة، وبمثابة حمل الشيء على نفسه، وهو لازم باطل.
- لو كانت القدرة والعلم مثلاً هما نفس الذات، لزم أن يكون العلم والقدرة أمراً واحداً، وهذا باطل بالبديهة.
نقد نظرية زيادة الصفات على الذات
إذا كانت الصفات زائدة على ذات الحق تعالى حادثة، كما تعتقد فرقة الكرامية بزيادة الصفات الحادثة، لزم أن تكون صفات الله معلولة لغيره. وفي هذا الفرض، إما أن يكون علة الصفات غير ذات الله، وهذا يستلزم احتياج الحق تعالى إلى الغير، وهو ما لا يتوافق مع وجوب الوجود، ويلزم الخلف. أو أن ذات الله فاعلة لأوصافها، وفي هذه الحالة يلزم أن تكون الذات الواحدة مركبة من حيثيتين: من حيثية فاعلة وواجدة للصفة، ومن حيثية أخرى قابلة للاتصاف وفاقدة للصفة. وجمع بين حيثيتي الوجدان والفقدان في الذات الواحدة البسيطة يستلزم اجتماع النقيضين، وهو خلف وباطل. إذا كانت الصفات الثبوتية الذاتية في الله قديمة وزائدة على ذاته، استلزم ذلك تعدد القدماء، وهو ما يتجنبه الأشاعرة.
بناءً على نظرية زيادة الصفات على الذات، يلزم أن تكون ذات الله فاقدة لمراتب من الوجود والكمال، وهذا باطل؛ لأنه بفرض فقدان صفات الكمال، تصبح ذات الله محدودة ومركبة من وجود وعدم، وهذا يستلزم الخلف.
وفي الرد على الدليل الأول للأشاعرة يقال: قول أهل اللغة في بحث الصفات الإلهية، وهو من مباحث الإلهيات، لا اعتبار له؛ لأن اللغويين لا يدركون مثل هذه المعاني. كلامهم يثبت وضع الألفاظ للمعاني بحسب اعتقادهم. وفي الرد على دليلهم الثاني يمكن القول: دليلهم يدل فقط على زيادة الصفات في الذهن (زيادة مفهومية)، ولكنه لا يدل على ثبوت زيادة صفات القدرة والعلم في الخارج. كطول الجسم الذي هو معنى مصدري، وهو وصف للجسم في الذهن، ولا وجود له في الخارج.
وفي الرد على الدليل الثالث للأشاعرة، الذين يثبتون الصفات الزائدة على الذات لله من خلال قياس الغائب على الشاهد، يجب القول: إن مفاهيم الأوصاف تُؤخذ من الخارج وتُثبت لله بالبرهان، ولكن لا يمكن إثبات الصفات الزائدة على الذات لله في مصداق الصفات من خلال قياس الغائب على الشاهد، كما هو الحال في صفات الممكن الوجود؛ لأن الباري تعالى في الذات والصفات عين ذات واجب ومتناهي، ومعلوله ومخلوقه في الذات والأوصاف ممكن الوجود ومتناهي. وبتعبير آخر، أوصاف الممكنات عرضية وتبعية، وأوصاف الله ذاتية ولها ضرورة أزلية ومستقلة وعين الوجود المطلق وذاته البسيطة. لذلك، مصداق الواجب الوجود يغاير مصداق الممكن الوجود في الوصف الوجوبي والوصف الإمكاني.
في نقد كلام الأشاعرة الذين يعتقدون أنه لو كانت صفات الله هي عين ذاته، لزم حمل الشيء على نفسه، ولصارت المحمولات أولية، ولصارت الأوصاف الكثيرة في ذات واحدة، ولبطلت هذه اللوازم بطلاناً للملزم العيني للصفات مع الذات. يمكن القول إنه إذا كانت عينية الذات والصفات في المفهوم، فالتلازم ثابت واللازم باطل. ولكن إذا كانت عينية الذات والصفات في المصداق وليس في المفهوم، فالتلازم غير ثابت، ولا يلزم اللازم الباطل. الذات البسيطة للحق تعالى هي منشأ انتزاع المفاهيم الكثيرة، وليس الأمر كذلك أن الأوصاف كثيرة في المصداق، وأن مصاديق الصفات الكثيرة هي عين الذات. اتصاف الموصوف بوصف ما يعني أن ذات الموصوف واجدة للصفة، سواء كانت الصفة عين الذات أو زائدة عليها. في صدق المشتق، لا يلزم أن يكون مبدأ المشتق خارجاً عن ذات الموصوف. وفيما يتعلق بالحق تعالى، يثبت بالبرهان أن الصفات عين ذاته.
مفاهيم الصفات تختلف عن بعضها البعض، وكذلك عن مفهوم ذات الله، ولكن هذا الاختلاف هو فقط في المعنى والمفهوم، وهو من قبيل الحمل الأولي، وليس في المصداق ومن قبيل الحمل الشايع الصناعي. مفهوم الصفة في الإنسان والحق تعالى واحد مشترك معنوي، وهو مشكك بالنسبة للمصداق. وبحسب تشكيك الوجود، فباعتبار شدة وضعف الوجود، مصداق الصفة في الإنسان مثلاً زائد على الذات، وفي الحق تعالى عين ذاته.
لقد خلط الأشاعرة بين مفهوم ومصداق الصفة، وطبقوا حكم المفهوم على المصداق. فما هو زائد على الذات هو المفهوم وليس المصداق، وقد اعتبروا تعدد مفاهيم الصفات دليلاً على تعدد مصداق الصفة.
يعتقد الأشاعرة أن من لا يعتقد بصفات زائدة على ذات الحق تعالى ليس مؤمناً. والحق أن نقول إن الاعتقاد بزيادة الصفات مصداقياً على الذات يتنافى مع الإيمان، كما هو ظاهر كلام الإمام أمير المؤمنين علي في الخطبة الأولى من نهج البلاغة، حيث يقول: “وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه بشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله…” مضمون هذا الكلام هو أن من يقول بمقارنة الصفات بذات الحق عز برهانه، فقد جعل أمراً آخر قريناً ونظيراً له، ومن قال ذلك فقد قال بتعدد الواجب. فبلا جرم يثبت التركيب. وبناءً على ما روي عن الإمام علي بن موسى الرضا، من قال إن الله عالم بعلم وقادر بقدرة وسميع بسمع وبصير ببصر، فقد اتخذ مع الله آلهة، وكان محرومًا من ولايتنا أهل البيت.
- وفقاً للعُرف، كل صفة هي غير الصفة الأخرى وغير الذات، والصفات هي معانٍ قائمة بالذات. يعتمد الأشاعرة في معرفة مفاهيم الألفاظ على العُرف، ولذلك، وفقاً لهذا المبدأ، لا يمكن للمعتصمين بزيادة الصفات على الذات أن يتصوروا أن الذات لديها صفة تكون عين الذات. وبفهمهم العرفي للصفات، اعتقدوا أنه إذا كان لله صفة، فإن صفته شيء غير ذاته. ووفقاً لهذا الرأي، يعتبرون المعتزلة منكرين للصفات. وفهم المعتزلة للصفات هو نفس المعاني القائمة بالغير، ولذلك فهم ينكرون الصفات ويقولون بنيابة الذات عن الصفات.
- وقد ذكرت وجوه في توجيه نفي الصفات: أ) المقصود هو نفي الوصف المحدود وصفة المخلوقات. ب) بيان محو الأوصاف الإلهية في مقام الأحدية، حيث لا يرتفع التكثر المصداقي فحسب، بل يتعدد المفهوم أيضاً، فلا يلحظ السالك الواصل شيئاً غير الهوية المطلقة. ج) المقصود هو نفي زيادة الصفات على الذات، وليس سلب أصل الصفة.
نظرية عينية الذات والصفات في المصداق (التوحيد الصفاتي)
تبيين نظرية عينية الذات والصفات الإلهية
معنى عينية الصفات والذات هو أن “الذات بذاتها، دون حيثيات تقييدية، هي مصداق جميع مفاهيم الصفات، ووجود الذات هو في الحقيقة وجود جميع الصفات. ومعنى عينية الصفات مع بعضها البعض هو أن وجود كل صفة هو عين وجود الذات. وهو عين وجود الصفة الأخرى. فوجود الذات، الذي هو وجود علمه، بنفس الحيثية هو وجود قدرته، وهو عين وجوده.”
يكتب ملا عبد الرزاق اللاهيجي في هذا الشأن:
“ثابت ومحقق في كلمات وأحاديث أمير المؤمنين وسائر الأئمة المعصومين عليهم السلام، وفي مذهب الحكماء والمعتزلة والإمامية، أنه لا يتحقق في الواجب تعالى صفة مقابلة للذات، أي عرضية ومعنىً يقوم بذات الواجب تعالى وتكون ذات الواجب تعالى موضوعاً ومحلاً له؛ بل صفات الواجب تعالى عين ذاته، كما أن الوجود عين ذاته، بمعنى أن العمل الذي ينشأ في غير الواجب تعالى من الذات الغيرية باعتبار قيام الصفة بتلك الذات، ينشأ في الواجب تعالى من الذات المجردة بدون قيام صفة بها. فمثلاً، انكشاف وتمييز الأشياء من ذات زيد يحصل باعتبار قيام صفة العلم به، ولا يأتي الانكشاف والتمييز منه ما لم تقم صفة العلم بذاته. بخلاف الواجب تعالى الذي انكشاف وتمييز الأشياء من ذاته بذاتها، ولا يحتاج في الانكشاف والتمييز إلى أن تقوم صفة العلم بذاته، وكذلك في سائر الصفات.”
نظرية التوحيد الصفاتي، وهي توحيد مصداق الذات والصفات الإلهية أو جعلهما واحداً، فرع على كثرة المفاهيم. وبناءً على هذه النظرية، تتحد المفاهيم الكثيرة في مصداق واحد. نظرية التوحيد الصفاتي لا تنطبق على أي من النظريات في باب صفات الحق تعالى، ويصح سلبها عنها؛ لأنه في نظرية سلبية الصفات، وإن سُلب نقيض الصفات الثبوتية عن ذات الله تعالى سلباً تحصيلياً، إلا أن الذات لا تتصف بصفات ثبوتية حتى يُطرح بحث كيفية اتصاف الذات بالصفات. وفي نظرية نيابة الصفات عن الذات أيضاً، تُنفى الصفات عن الذات، وإسناد الصفات إلى الذات مجازي، وتصدر الأفعال من الذات التي تنوب عن الصفات. وعلى سبيل المثال، الذات ليس لها علم، ولكن الفعل العالم يصدر منها. وفي نظرية الحال، وإن كانت تعابيرها تبدو غير معقولة ظاهراً، إلا أن هناك وجهاً معقولاً لهذه النظرية وهو تفسير الحال بالمعقول الثاني الفلسفي، ولكن لا وجود لصفة حقيقية ووجودية متحدة مع الذات البسيطة. وفي نظرية زيادة الصفة على الذات، لكل وصف من الأوصاف الوجودية وجود غير وجود الصفة الأخرى، وهي في الوجود والمصداق خارجة عن الذات. وهذه النظرية تتقابل مع نظرية التوحيد الصفاتي؛ وبالتالي، تنطبق نظرية التوحيد الصفاتي على القول بعينية الذات والصفات في المصداق وتُبيّن.
براهين نظرية عينية الصفات والذات الإلهية
تقرير البرهان الأول: إذا كانت صفات الواجب زائدة على ذاته، سواء كانت مستندة إلى ذات الواجب أو إلى غير الذات، فإنها بالضرورة وبالذات ستكون متأخرة عن ذات الواجب، وستكون الذات الواجبة في المرتبة الذاتية المتقدمة على الصفات خالية من الصفات، وفي تلك المرتبة التي لا توجد فيها الصفات، تكون إمكانية الصفات قائمة، بمعنى أن المرتبة تصبح ظرفاً لإمكان الصفات، وفي هذا الفرض يلزم أن يشتمل الواجب الوجود، في مرتبة الذات، على الجهة الإمكانية.
- إذا نظرنا إلى ترادف الألفاظ للصفات، فلا توجد مفاهيم متغايرة. لذلك، فإن بحث نظرية التوحيد الصفاتي يفتقر إلى الموضوع؛ لأن التوحيد الصفاتي بالمعنى الاصطلاحي فرع على كثرة المفاهيم المتغايرة. ويرفض صدر المتألهين وحدة مفاهيم الصفات مع الذات، ويقول: “اعلم أن كثيراً من العقلاء المدققين ظنوا أن معنى كون الصفات عين الذات هو أن معاني ومفاهيم الصفات ليست متغايرة بعضها عن بعض، وأنها كلها ترجع إلى معنى واحد، وهذا الظن فاسد. ولو كان كذلك، لزم أن تكون ألفاظ العلم والقدرة والإرادة والحياة مترادفة في حق تعالى، وأن يُفهم من كل لفظ المعنى الذي يفهم من اللفظ الآخر. ونتيجة لذلك، لن تكون هناك فائدة في إطلاق أي من الألفاظ بعد إطلاق أحدها، وفساد هذا الأمر ظاهر، ويؤدي إلى التعطيل والإلحاد. بل الحق أن معنى كون الصفات عين الذات هو أن الصفات الكثيرة موجودة بوجود الذات الأحدية، وأن الصفة ليست منفصلة ومميزة عن الذات.”
تقرير البرهان الثاني: إذا كانت الصفات الكمالية للواجب زائدة ومتأخرة عن ذات الواجب، لزم أن يكون الواجب تعالى في المرتبة المتقدمة خالياً من الصفات الكمالية، وخلوه من الصفات الكمالية هو نقص لا محالة.
تقرير البرهان الثالث: إذا كانت صفات الواجب مثل العلم والقدرة والإرادة زائدة على ذات الواجب، فهي معلولة للواجب لا محالة، وصدورها من ذات الواجب لا يمكن أن يكون بواسطة هذه الصفات نفسها، وإلا لزم تقدم الشيء على نفسه، ولا يمكن أن يكون بواسطة صفات أخرى مثل تلك الصفات، وإلا لزم التسلسل. بل يجب أن يكون بدون وساطة الصفات. فالذات الواجبة، بالنظر إلى صفاتها، فاعل موجب، وفعل الفاعل الموجب فعل اضطراري، والفعل الاضطراري بالضرورة نقص، والنقص لا يليق بالواجب الوجود.
تقرير البرهان الرابع: إذا كانت الذات الواجبة محلاً لصفاتها، فستكون قابلة لتلك الصفات، ولا محالة تكون فاعلة لها أيضاً، إذ لا يجوز أن تستند صفات الواجب إلى غير الواجب؛ فيلزم أن تكون الذات الواحدة من جميع الجهات فاعلة وقابلة.
تقرير البرهان الخامس: على مذهب المتكلمين؛ الصفات الزائدة إما أن تكون حادثة أو قديمة. بناءً على الأول، تصبح الذات الواجبة محلاً للحوادث، وبناءً على الثاني، يلزم تعدد القدماء، وكلاهما ممتنع.
تقرير البرهان السادس: صفات الواجب عين الذات؛ لأنه لو كانت زائدة على الذات، لزم أن يكون الحق تعالى في حد ذاته فقيراً ومحتاجاً، فلا يكون في حد ذاته غنياً بالذات من جميع الجهات.
تقرير البرهان السابع: إذا كانت صفات الحق تعالى زائدة على ذاته، لزم أن تكون ذات الحق تعالى من حيث الذات بدون كمال أسمى من ذاتها التي لها كمال؛ لأنه باعتبار الأول تفيض الكمال، وباعتبار الثاني تستفيد الكمال. وهذا الإيراد والإشكال أقبح وأشنع من سائر الإشكالات.
تقرير البرهان الثامن: الواجب بالذات علة تامة، ينتهي إليه كل موجود ممكن بلا واسطة أو بواسطة، أي أن حقيقة الواجب بعينها علة، وكل كمال وجودي موجود في المعلول موجود في العلة بصورة أسمى وأشرف؛ فكل كمال وجودي متحقق في الواجب بالذات؛ لأن المفروض أنه وجود محض، وواحد بالوحدة الحقة. لا تعدد جهات ولا تغاير حيثيات ولا عدم طريق في ذاته؛ فكل كمال وجودي مفروض عين ذاته، وعين الكمال المفروض الآخر.
وبناءً عليه، فإن الصفات الذاتية للواجب بالذات مختلفة من حيث المفهوم، وواحدة من حيث المصداق.
تقرير البرهان التاسع: الموجود اللامتناهي واجد لجميع الكمالات الوجودية. الحق تعالى وجود صرف، وعلم صرف، وقدرة صرف، وجميع الكمالات الوجودية الصرف. إذا كانت مفاهيم أوصاف الكمال تدل على كثرة المصداق، لزم أن لا يكون مصداق الواجب الوجود واجب الوجود؛ لأن مصداق الواجب الوجود وجود صرف. والوجود الصرف ليس وجوداً كثيراً؛ ونتيجة لذلك، لن يكون الواجب الوجود وجوداً كثيراً. الوجود الصرف فاقد للحد والتركيب، ولا يُسلب شيء عن ذاته. هذا المضمون هو مضمون القاعدة المعروفة “بسيط الحقيقة كل الأشياء وليس بشيء منها” في النظام الفلسفي لصدر المتألهين، ومفاد هذه القاعدة هو أن الحق تعالى ببساطة ووحدة ذاته واجد لأصل وحقيقة وجود الأشياء، دون أن تتطرق الحدود والنقائص والأمور العدمية للأشياء إلى ساحته القدسية. ونتيجة لذلك، فإن جميع الموجودات الممكنة تُحمل عليه بحمل الحقيقة والرقيقة، وذاته منشأ انتزاع المفاهيم الكثيرة.
الخاتمة
في مسألة العلاقة بين الذات والصفات الإلهية، تمت دراسة ونقد وجهات النظر السلبية والثبوتية للصفات. وفي نقد وجهة النظر السلبية، تم بيان أنه في كلام القائل بهذه النظرية، حدث خلط بين مفهوم ومصداق الصفات، وأن ما هو زائد على مصداق الذات وزائد على المفهوم الآخر هو مفهوم الصفة.
وفي نقد نظرية نيابة الذات عن الصفات، قيل إن نظرية النيابة تستند إلى تخيل أن اتصاف الشيء بصفة يستلزم دائماً زيادة الوصف على الذات، وأن سبب هذا القول هو الغفلة عن مراتب الكمالات والدرجات المتفاضلة للوجود. ويلزم من النظرية المذكورة خلو الذات وفقدانها للكمال. وخلو الذات من صفات الكمال يستلزم التركيب ومحدودية ذات الواجب، والخلف.
وفي نقد نظرية الحال، بيّن أن نظرية الحال غير معقولة؛ لأن واسطة بين الوجود والعدم لا تُتصور، لأن لازم هذا القول ارتفاع النقيضين. وفي نقد نظرية زيادة الصفات الحادثة على الذات، قيل إنه إذا كانت الصفات زائدة على ذات الحق تعالى حادثة، لزم أن تكون صفات الله معلولة لغيره. وفي هذا الفرض، إما أن تكون علة الصفات غير ذات الله، وهو ما يستلزم احتياج الحق تعالى إلى الغير والخلف، أو أن ذات الله فاعلة لأوصافها، وفي هذا الفرض يلزم أن تكون الذات الواحدة مركبة من حيثيتين، وجمع بين حيثيتي الوجدان والفقدان في الذات الواحدة البسيطة يستلزم اجتماع النقيضين وهو باطل.
وفي نقد نظرية زيادة الصفات القديمة للأشاعرة، بيّن أن الأشاعرة خلطوا بين مفهوم ومصداق الصفة، وطبقوا حكم المفهوم على المصداق. وبناءً على نظرية زيادة الصفات على الذات، يلزم أن تكون ذات الله فاقدة لمراتب من الوجود والكمال، وبفرض فقدان صفات الكمال، تصبح ذات الله محدودة ومركبة من وجود وعدم، وهذا يستلزم الخلف.
وفي تبيين نظرية عينية ذات الحق وصفاته في المصداق (التوحيد الصفاتي)، ذُكرت براهين النظرية المذكورة، وذُكر أن بناءً على المذهب الحق، لا يتحقق في الواجب تعالى صفة مقابلة للذات، أي عرضية ومعنىً يقوم بذات الواجب تعالى وتكون ذات الواجب تعالى موضوعاً ومحلاً له، بل صفات الواجب تعالى عين ذاته.
المصادر والمراجع:
- ابن بابويه، محمد بن علي (١٤٢٣)، التوحيد، تحقيق: سيد هاشم حسيني طهراني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم.
- الأشعري، أبي الحسن (١٤٠٠)، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تصحيح: هيلموت ريتر، دار النشر فرانز شتاينر.
- التبریزي، ملارجبعلي (١٣٧٨)، رسالة إثبات واجب، سيد جلال الدين آشتياني (المحرر)، منتخبات من آثار حكماء الإلهيين في إيران، ج ١، مركز انتشارات دفتر تبليغات إسلامي، قم.
- الجرجاني، سيد شريف علي (١٣٢٥ هـ)، شرح المواقف، منشورات شريف رضي، قم.
- الجواهري، عبدالله (١٣٦٨)، شرح الحكمة المتعالية الأسفار الأربعة، ج ٦، انتشارات الزهراء عليها السلام، طهران.
- الحلي، حسن بن يوسف (١٤٠٧)، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، مؤسسة النشر الإسلامي، قم.
- الحلي، (بدون تاريخ)، أنوار الملكوت في شرح الياقوت، تحقيق: محمد نجمي زنجاني، ج ٢، الشريف الرضي، قم.
- الرحماني، غلامرضا (١٣٩٠)، فلسفة فلوطين، بستان كتاب، قم.
- الزنوزي، ملا عبدالله (١٣٩٧ هـ)، لمعات الهيبه، تصحيح: سيد جلال الدين آشتياني، طهران، انتشارات انجمن فلسفه إيران.
- السبحاني، جعفر، الملل والنحل (بدون تاريخ)، مؤسسة الإمام الصادق، قم.
- السبحاني، جعفر (١٤٢٥)، رسائل ومقالات، ج ٢، مؤسسة الإمام الصادق، قم.
- السبزواري، ملاهادي (١٣٨٣)، أسرار الحكم، تصحيح: كريم فيضي، ج ١، قم.
- السيوري، مقداد بن عبدالله (١٣٨٠)، اللوامع الإلهية، تحقيق: سيد محمد علي قاضي طباطبائي، بستان كتاب، قم.
- السيوري، مقداد بن عبدالله (١٣٦٥ هـ ش)، الباب الحادي عشر للعلامة الحلي مع شرحيه النافع يوم الحشر ومفتاح الباب، تحقيق: مهدي محقق، طهران، مؤسسة مطالعات إسلامية جامعة مك غيل وجامعة جامع علوم إنسانية طهران.
- الشهرستاني، محمد بن عبدالكريم (١٩٦٨م)، الملل والنحل، تحقيق: عبدالعزيز محمد الوكيل، مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوضيع، القاهرة.
- الشيرازي، صدر الدين محمد (١٣٦٤)، الشواهد الربوبية، تصحيح: سيد جلال الدين آشتياني، انتشارات دانشگاه مشهد.
- الشيرازي، صدر الدين محمد (١٩٨١م)، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، دار إحياء التراث، بيروت.
- الشيرازي، صدر الدين محمد (١٣٩١ هـ)، شرح الأصول الكافي، چاپ سنگي مكتبة المحمودي، طهران.
- الصبحي، أحمد محمود (١٤٠٥)، في علم الكلام، دار النهضة العربية، بيروت.
- صليبا، جميل (١٤١٤)، المعجم الفلسفي، الشركة العالمية للكتاب، بيروت.
- الطباطبائي، سيد محمد حسين (١٣٦٤)، بداية الحكمة، تصحيح: غلامرضا فياضي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم.
- الطباطبائي، سيد محمد حسين (١٤٠٤)، نهاية الحكمة، مؤسسة النشر الإسلامي، قم.
- الطيب، سيد عبدالحسين (١٣٦٢)، كلم الطبيب في تقرير عقائد الإسلام، ج ٤، مكتبة إسلام، طهران.
- العلوي العاملي، سيد أحمد (١٣٩٦ هـ)، لطائف غيبيه، چاپخانه حيدري، طهران.
- الفيض الكاشاني، ملا محسن (١٣٨٣)، أنوار الحكمة، تعليق: محسن بيدار فر، ج ١، منشورات قم، مطبع شريعت، قم.
- القمي، قاضي سعيد (١٣٦٢)، مفتاح الجنة، تصحيح: سيد محمد مشكاة، انتشارات الزهراء عليها السلام، طهران.
- القمي، قاضي سعيد (١٤١٥)، شرح توحيد الصدوق، تصحيح: نجفقلي حبيبي، مؤسسة نشر وزارة الإرشاد الإسلامي، طهران.
- اللاهيجي، عبد الرزاق (١٣٧٢)، گوهر مراد، تصحيح: زين العابدين قرباني، چاپ وانتشارات وزارة فرهنگ وإرشاد إسلامي، طهران.
- المظفر، محمد رضا (١٤١٢)، عقائد الإمامية، ج ١، مؤسسة البعثة، بيروت.
- ولفسون، هري أوسترين (١٣٦٨)، ترجمة: أحمد آرام، انتشارات الهدى، طهران.