العقلانية والنصانية في الكلام الإسلامي: دراسة لرؤية الشيخ الطوسي وابن إدريس

الملخص: إن اتساع مباحث علم الكلام وتنوعها دفع المتكلمين إلى توظيف مناهج مختلفة لإثبات المباحث الكلامية. وتُعَدُّ العقلانية والنصانية من المناهج التي يمثل كل منها في حقيقته طيفاً واسعاً يضم مدارس علمية وعلماء مختلفين. ومن هذا المنطلق، يمكن تشخيص وإبراز الاختلافات حتى داخل المدرسة أو الطيف الواحد. من بين العقلانيين الشيعة، يُعتبر ابن إدريس نقطة تحول في الفقه وأصوله، حيث أعاد للعقلانية والأصولية مكانتهما الحقيقية في الفقه. ورغم وقوفه في وجه الهيمنة المطلقة لفتاوى الشيخ الطوسي في الفقه، إلا أنه عمل ضمن الإطار المنهجي ذاته. ومع ذلك، يمكن تمييز اختلافات بينهما حتى من الناحية المنهجية. يسعى هذا البحث إلى إظهار هذه الاختلافات إلى جانب أوجه التشابه. لقد فضل كل من الشيخ الطوسي وابن إدريس في مباحثهما الكلامية المنهج العقلاني على المنهج النصاني، غير أن ابن إدريس استعان بالعقل بشكل أكبر في تبيين المباحث الكلامية ودراستها. طبعاً، لا يعني هذا أن الشيخ الطوسي لم يلتفت إلى دور العقل في استدلالاته وبحوثه الكلامية.

١. مفهوم العقل في تيارَي العقلانية والنصانية

من المسائل المهمة بين تيارَي العقلانية (Rationalism) والنصانية (Traditionalism)، الفهم الصحيح والدقيق لمعنى العقل وبيان المراد منه في هذين التيارين والتوجهين الفكريين.

١.١. المفهوم اللغوي

١.١.١. التعريف اللغوي للعقل

للعقل في اللغة معانٍ متعددة، فتارة يُستخدم بالمعنى الحَدَثي والمصدري، وأخرى يُستعمل بالمعنى الاسمي. ومن بعض استعمالات العقل بالمعنى الحَدَثي والمصدري: ١. ربط ركبة البعير بالعقال. ٢. المنع من المرض. ٣. التثبيت في الأمور. ٤. لف الساق حول ساق الخصم لإسقاطه. ٥. بلوغ سن الرشد. ٦. الفهم. ٧. دفع الدية. ٨. الالتجاء. ٩. اللجوء (عندما يأتي مع “إلى”، مثل: عقل إليه).

أما العقل بالمعنى الاسمي وغير الحَدَثي، فله استعمالان: ١. الحِجا، ويُعبَّر عنه أحياناً بالقلب. ٢. الدية.

وللعقل في اللغة اللاتينية ثلاثة استعمالات: ١. كلمة “Ratio” التي تقابلها في الإنجليزية “Reason” وفي الألمانية “Raison”، وتُطلق على العقل الجزئي، والعقل الاستدلالي، والعقل المبرِّر، وأساس قبول الأفكار، وعلى الاستدلال والدليل نفسه. ٢. كلمة “Intellectus” التي تقابلها في الإنجليزية “Intellect”، وتُستخدم للدلالة على العقل الفعّال، والعقل الكلي، والعقل الشهودي، وقوة الفهم في مقابل الإحساس والإرادة. ٣. كلمة “Nous” التي أصبحت مهجورة إلى حد كبير، وتعني المبدأ العقلاني الحاكم على عالم الطبيعة الذي تنشأ منه قوانين ونظام الطبيعة، ويُعتبر في كثير من الحالات مجرداً ومفارقاً للمادة، وذلك في مقابل “Logos” الذي يُفترض في الغالب أنه مادي لا مجرد، ويُستخدم في بعض الحالات بمعنى العقل الإنساني والعقل الشهودي.

١.١.٢. التعريف الاصطلاحي للعقل

للعقل في الاصطلاح أيضاً معانٍ متنوعة واستعمالات مختلفة، أهمها: ١. العقل في اصطلاح علم الكلام. ٢. العقل في اصطلاح علم الأصول وعلم الفقه. ٣. العقل في المباحث الأخلاقية. ٤. العقل في اصطلاح علم الفلسفة والمنطق.

١.٢.١. العقل العملي والعقل النظري

كما بُيِّن، يُستعمل العقل في معانٍ متعددة، ويُقسَّم باعتبارات مختلفة، وأشهر هذه التقسيمات هو تقسيمه إلى عقل نظري وعقل عملي؛ فالعقل النظري يدرك ما هو كائن وما ليس بكائن، والعقل العملي يدرك ما ينبغي وما لا ينبغي. لا خلاف بين العلماء في العقل النظري ومدركاته، إذ يتفق الجميع على أن للعقل مدركات. ومحل البحث والنقاش هو العقل العملي، وهل يدرك العقل ما ينبغي وما لا ينبغي أم لا؟ وإن كان يدرك، فإلى أي حد؟

٢. معنى العقلانية والنصانية في الكلام

في مباحث علم الكلام، تشير العقلانية إلى المدارس التي لا تتجاهل دور قوة العقل وسائر الأدوات العادية لاكتساب المعرفة في مقابل المعارف الوحيانية. وفي مقابل هذا المعنى للعقلانية، تُستخدم النصانية. والمقصود بالنصانية هو الرؤية التي تحذّر المتدينين من التقييم العقلاني للمعتقدات الدينية، وترى أن المعارف الدينية يجب أن تُستقى من النصوص الدينية والمصدر الوحياني، وأن العقل والفكر لا سبيل لهما إلى إدراك التعاليم الدينية وتحليلها. إن العقل والاستفادة منه، وهو أسلوب استدلال العقلانيين، له استعمالات عدة في معانٍ مختلفة: ١. العقل كأداة لتدليل المواقف، وهذا المعنى مقبول لدى التيارين العقلاني والنصاني. ٢. المعنى الثاني، الذي هو وجه افتراق النصانيين عن العقلانيين، ولكل من التيارين قراءته الخاصة به، هو أن العقلانيين يعتبرون العقل مصدراً ومنهجاً مستقلاً لاكتساب الحقائق الدينية. أما من وجهة نظر النصانيين، فالنص هو المعتبر أولاً وبالذات، وللعقل وجود تبعي، وهو يستقي الحقائق الدينية من النصوص الدينية (الكتاب، والسنة، والإجماع). ٣. المعنى الثالث الذي ذُكر للعقل في هذا المقام هو أن يُستخدم العقل كقرينة لفهم المعارف الدينية. ٤. المعنى الرابع الذي قيل للعقل في هذا الاصطلاح هو الاستفادة من العقل لتأويل النصوص الدينية.

٣. مكانة العقل في فهم المعارف الدينية

تُعدّ مكانة العقل في فهم المعارف الدينية ودوره في تأويل النصوص الدينية وتفسيرها من المباحث الواسعة التي كانت محط اهتمام العلماء والمتكلمين منذ القرن الأول الهجري. ولطالما كان للفرق الإسلامية مواقف متباينة تجاه مدى الاستفادة من العقل. ففي عصر الغيبة الصغرى وحتى النصف الثاني من القرن الرابع، كان التوجه النقلي غالباً على التوجه العقلي والاستفادة من العقل في الاستدلال على التعاليم الدينية وتبيينها وتفسيرها. ولم تكن الشخصيات الحديثية في هذا العصر، كالشيخ الصدوق، تعتبر العقل مصدراً شرعياً لفهم المعارف الدينية. ولكن منذ عصر الشيخ المفيد والسيد المرتضى فصاعداً (النصف الثاني من القرن الرابع والقرن الخامس)، غلب التوجه العقلي على الميول النقلية، وطُرح كأحد مصادر فهم المعارف الدينية وتأويل التعاليم الدينية. لم يصرح الشيخ الطوسي بكون العقل مصدراً للأحكام الفقهية، كما أن أستاذه الشيخ المفيد في “التذكرة” لم يعتبر العقل إلا طريقاً لمعرفة الكتاب والسنة. ونجد هذا التصريح نفسه في كلام الشيخ الطوسي: “أما الأدلة الموجبة، فبالعقل يُعلم كونها أدلة، ولا مدخل للشرع في ذلك”. أما في الكلام والعقائد، فيعتبر الشيخ الطوسي العقل من أهم المصادر، شأنه في ذلك شأن سلفيه الشيخ المفيد والسيد المرتضى. المعروف أن محمد بن إدريس هو أول من اعتبر العقل مصدراً مستقلاً لاستنباط الأحكام الشرعية. فهو يكتب في كتاب “السرائر”: “فإذا فُقدت الثلاثة، أي الكتاب والسنة والإجماع، فالمعتمد في المسألة الشرعية عند المحققين التمسك بدليل العقل، فإنها مبقاة عليه وموكولة إليه”. ولكن قبل أكثر من قرن من وفاته، تحدث الكراجكي أيضاً عن مرجعية العقل في الفقه، وفرّق بين عصر الحضور وعصر الغيبة.

٣.١. مدرسة قم النصانية

أدّت هجرة عدد من الأشعريين في أواخر القرن الأول إلى مدينة قم إلى تحويل هذه المدينة إلى إحدى المدن الشيعية. وقد أدى الحضور الواسع للشيعة والمحبين لآل البيت في هذه المدينة إلى أن تُعرف كمركز للتشيع منذ أواخر القرن الأول، وأصبح الشيعة يشكلون الأغلبية الساحقة من سكانها. والروايات الكثيرة التي نُقلت عن الأئمة المعصومين حول قم تحكي عن المكانة الرفيعة لهذا المركز العلمي في ذلك العصر. ونظراً لاهتمام علماء قم بأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وتبحرهم في فن الحديث، عُرفت هذه المدينة في القرنين الثالث والرابع كمرجعية علمية للعلماء. وفي بعض الحالات، كان الأئمة الشيعة (عليهم السلام) يوجهون الناس لفهم الدين إلى محدثي قم، كما أرشد الإمام الرضا (عليه السلام) علي بن مهزيار لفهم المعارف الدينية إلى زكريا بن آدم القمي وإلى يونس بن عبد الرحمن. كما أن عدداً من كبار علماء الشيعة تلقوا علومهم من محدثي قم، فعلى سبيل المثال، درس الكشّي عند محمد بن قولويه القمي، ودرس الشيخ المفيد عند جعفر بن محمد بن قولويه القمي وعند الشيخ الصدوق. ومن خلال ذلك، خلّف علماء قم تراثاً ثميناً من المجاميع الروائية والكتب الحديثية. وبحسب نقل الشيخ الصدوق، بلغت مؤلفات علي بن بابويه، والد الصدوق، مئة أثر، ومؤلفات الصدوق أكثر من ثلاثمئة أثر. ولعل بالإمكان الادعاء بأن معظم المؤلفات الحديثية للشيعة في ذلك العصر كانت من آثار ونتائج التوجه الحديثي في قم. السمة الأساسية لمدرسة قم هي النصانية والابتعاد عن العقل في تفسير التعاليم الدينية. فقد كان هؤلاء يحللون المسائل العقلية والكلامية وفقاً للأساليب الحديثية، ويتجنبون الاستدلالات الكلامية المصطلح عليها. بل إن عدداً من أتباع هذه المدرسة كانوا يدينون الاستدلالات العقلية التي كانت تُستخدم للدفاع عن المذهب. وقد استطاع هذا التيار الفكري، الذي كان أحد التيارين الحاكمين لدى الشيعة في عصر الحضور، أن يتغلب في ذلك العصر على التوجه العقلي والكلامي للشيعة، ويُخرج التيار العقلاني من الميدان. وقد أدى هذا الأمر إلى أن تكون غالبية فقهاء الشيعة في عصر الغيبة الصغرى من هذا التيار الفكري نفسه. وبلغت مدرسة قم التقليدية ذروتها حتى منتصف القرن الرابع، إلى أن تصدى لها عظماء مثل الشيخ المفيد وتلميذه السيد المرتضى، مما أدى في النهاية في النصف الثاني من القرن الرابع والقرن الخامس إلى غلبة مدرسة بغداد العقلانية.

٣.٢. مدرسة بغداد العقلانية

تأسست بغداد في القرن الثاني الهجري، وسرعان ما أصبحت أهم مركز علمي في العالم الإسلامي. وقد بدأت الحركة العلمية في هذه المدينة منذ انتقال مركز الخلافة من الكوفة إلى بغداد. ومع بدء حركة الترجمة، انتقل عدد من علماء الشيعة الذين كانوا يعيشون في الكوفة إلى هذه المدينة، مما أدى إلى نموها العلمي. ورغم أن هذه المدينة كانت في البداية مركزاً للخلافة العباسية ومسكناً لأتباع جهاز الخلافة، إلا أن الحضور المؤقت لبعض الأئمة المعصومين (عليهم السلام) في بغداد سرّع من انتقال الشيعة إلى هذه المدينة، حتى إن بعض مناطقها، مثل محلة الكرخ، أصبحت محلة شيعية. وكان عدد كبير من المتكلمين وتلاميذ الأئمة الكلاميين (عليهم السلام)، مثل هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن وأبي سهل النوبختي، يشتغلون بالمباحث الكلامية في هذه المدينة، مما أدى إلى انتشار وتوسع المناظرات العلمية بين الشيعة فيها. وقد أدى اهتمام حكومة آل بويه الشيعية في القرن الرابع بترويج التشيع إلى ازدهار الحوزات الكلامية في بغداد. ونتيجة لذلك، تمكن أشخاص مثل الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي من إرساء الأسس الفكرية والمعرفية للمذهب على أساس العقل. وفي أواخر القرن الرابع، وصلت هذه الحركة إلى ذروتها، وتغلب التيار الفكري والعقلاني في بغداد على التيار النصاني في قم وأصبح هو التيار الحاكم. وفي منتصف القرن الخامس، ومع دخول السلطان طغرل بك السلجوقي إلى بغداد ونشوب الصراعات الطائفية والمذهبية، أُحرقت محلة الكرخ ومكتبة الشيخ الطوسي الكبرى، مما أدى إلى هجرة شيخ الطائفة إلى النجف الأشرف.

٣.٣. النصانية عند الشيعة وأهل السنة

يوجد اختلاف كبير بين مدرستي النصانية والعقلانية عند الشيعة وتيارَي النصانية والعقلانية عند أهل السنة، فالإفراط والتفريط الموجودان في هذين التيارين الفكريين بين علماء أهل السنة لا وجود لهما أبداً بين علماء الشيعة. فلم يكن العقلانيون من الشيعة أناساً لا يقيمون أي حد أو قيد لمدركات العقل، كالعقلانيين من أهل السنة، ولا يتحاشون إدخال القياس وأمثاله في فهم الشريعة. فالعقلانيون من الشيعة، أمثال هشام وزرارة ويونس بن عبد الرحمن وغيرهم، استناداً إلى إرشادات أهل البيت (عليهم السلام)، ولا سيما الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام)، اتجهوا إلى الاستفادة من الاستدلالات العقلية والمناظرة بالأساليب العقلية، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا يستفيدون من العقل في نطاق محدد ومعين. ورغم ذلك، وبسبب وجود بعض الروايات التي تنهى عن أساليب العقلانية غير الصحيحة، تحاشى بعض التقليديين من الشيعة استخدام أي أسلوب عقلي، وانتقدوا اجتهادات هذه الفئة من المتكلمين. وقد قام الأئمة المعصومون (عليهم السلام)، منعاً للإفراط والتفريط في الاستفادة من هذه النعمة الإلهية، بتشجيع أتباعهم على الاستفادة من العقل، وفي الوقت نفسه حذروهم من الوقوع في شرك القياس والأخذ بالرأي. على سبيل المثال، عندما سأل شخص مالك بن أنس، أحد أئمة أهل السنة الأربعة، عن آية “الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى”، غضب غضباً شديداً وتصبب العرق على وجهه، وأطرق رأسه، ثم بعد لحظة رفع رأسه وقال: “الكيف غير معلوم، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة”. وقال مالك للسائل: “أخشى أن تكون ضالاً، إذ تطرح مثل هذه الأسئلة”، ثم أمر بإخراجه من المجلس. إن جملة “الكيفية مجهولة والسؤال بدعة” هي جملة شائعة كان يقولها جميع أهل الحديث في ذلك الزمان في جواب السائلين عن مثل هذه المسائل. وقد نُقلت هذه الجملة عينها عن أحمد بن حنبل أيضاً. أما أهل الحديث من الشيعة، فيجيزون طرح مثل هذه المباحث والأسئلة، وفي كثير من الحالات التي تحتاج فيها الأحاديث إلى تأويل، يقومون بتأويلها وتوجيهها توجيهاً صحيحاً. على سبيل المثال، يورد الشيخ الصدوق في الباب الأول من رسالة “الاعتقادات” آيات كثيرة في مجال معرفة الله والتوحيد، ظاهرها يثبت لله يداً ورجلاً ووجهاً… كبقية المخلوقات، ثم يذكر بعد ذلك تفسيرها وتوجيهها الصحيح. وقد عدّ النجاشي والشيخ الطوسي للصدوق مؤلفات كثيرة، وهذه الكتب جاءت جواباً على أسئلة مختلفة كانت تُرسل إليه من بلاد نائية وقريبة. وفي الوقت نفسه، يسعى أهل الحديث والشيخ الصدوق إلى استقاء أجوبة هذه الأسئلة من الآيات القرآنية والروايات المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين (عليهم السلام).

٣.٤. الفروق بين العقلانية والنصانية عند الشيعة

١. الاختلاف في موازين نقد الحديث: ينظر العقلانيون بنظرة نقدية إلى الأحاديث التي تتنافى مع الفهم العقلي، ويدققون في سندها وأصولها العقلية والرجالية، فيقومون بالجرح والتعديل. في المقابل، لا يمتلك النصانيون نقداً عميقاً لسند الحديث. ٢. شذوذ الحديث: من موارد الاختلاف الأخرى بين النصانيين والعقلانيين شذوذ الحديث. فبحسب رأي الشيخ المفيد، لا يكتسب أي حديث حجيته بمجرد نقله في المصادر الروائية، وفي بعض الموارد، كباب الاستطاعة، يردّ أحاديث لشذوذها. في المقابل، استند الصدوق وأتباع مدرسته النصانية في مسائل متعددة من المجالات الدينية والمعرفية إلى أحاديث شاذة، مما أدى إلى نقد شديد من المفيد لهم. ٣. التسامح في قبول الحديث: لقد تبنى النصانيون منهج التسامح في قبول الروايات بسبب عدم تعمقهم فيها وعدم تحليلها ومقابلتها بالإدراك العقلي الصحيح. وفي المقابل، لا يطيق العقلانيون مثل هذا التسامح، ويدخلون إلى ميدان قبول الروايات بمقياس العقل. ٤. تقديم النقل على العقل وقياس المدركات العقلية بالنص: الأصل الأولي في النصانية هو التبعية المحضة لتعاليم القرآن والسنة والإجماع، وقياس المكتشفات العقلية على هذه المصادر الثلاثة. فإذا وافق المكتشف العقلي أحد هذه المصادر الثلاثة، قبلوه، وإذا خالفه، لم يقبلوه. في مقابل هذا المنهج، يقيّم العقلانيون نص الروايات بمقياس العقل، ولا يقبلون الرواية التي تخالف ضروريات العقل، أو يؤوّلونها. ٥. الثبات الفكري عند النصانيين: يعتقد النصانيون أنه بسبب اتباعهم للنص والمصدر الوحياني، لا يوجد خلاف في المعارف الإسلامية بينهم، وكلما ابتعدنا عن النص، زاد الخلاف في المعتقدات. لذلك، يعتقد النصانيون أن لديهم ثباتاً فكرياً في أصول الدين، ولكن بسبب الاختلاف في عمق التفكرات العقلية، لا يوجد هذا الثبات والدوام بين العقلانيين. ٦. كون كثير من الأحكام عقلانية: يعتبر النصانيون العقل مصدراً ثانوياً وتبعياً، ويقيسون الأحكام العقلية بالنص، ويعتقدون أنه إذا اعتُبر العقل مصدراً أولياً ومحكاً لتقييم النص، فلا حاجة للوحي. بالإضافة إلى ذلك، فإن كثيراً من عقائدنا الدينية عصية على العقل، فكيف يمكن قياسها بالعقل والخرد؟

٤. مكانة العقل عند فقهاء الشيعة

توجد علاقة خاصة بين الشيخ الطوسي وابن إدريس من بين فقهاء الشيعة؛ فالشيخ الطوسي يُطرح كفقيه كان لعظمته وهيمنته العلمية تأثير خاص على فقهاء الشيعة، وأحدث ركوداً نسبياً في الفقه. في المقابل، يُطرح ابن إدريس كفقيه تصدى لهذا الركود النسبي بنقده الواسع للآراء الفقهية للشيخ. وفي المذهب الإمامي، وبسبب اهتمام الأئمة (عليهم السلام) بالمسائل العقلية، تحتل هذه المباحث مكانة خاصة، وقد أولى فقهاء الإمامية في ميدان الاجتهاد اهتماماً خاصاً لدور دليل العقل والإجماع والنص، وإن لم يكن مستوى اهتمامهم بهذا المصدر المهم متساوياً. ومن أبرز الفقهاء الذين سبقوا الشيخ الطوسي وابن إدريس وأشاروا بشكل أو بآخر إلى دليل العقل في آثارهم، يمكن ذكر الشيخ المفيد والسيد المرتضى. وسنقوم، ضمن الإشارة إلى رؤيتهما تجاه دليل العقل والنص، بدراسة مكانة العقل والنص من وجهة نظر الشيخ الطوسي وابن إدريس.

٤.١. الشيخ المفيد

من بين القدماء الذين وصلت إلينا آثارهم الأصولية، يُعدّ الشيخ المفيد أول فقيه أولى اهتماماً لدليل العقل. وقد أشار بشكل متفرق في آثاره إلى دليل العقل ودوره، ومن ذلك: ١. لا يعتبر الشيخ المفيد خبر الواحد حجة، ولكنه يعتبره معتبراً إذا أيده دليل العقل. ٢. لا يعتبر الحديث المخالف للعقل معتبراً. ٣. يخصص عموم القرآن والرواية بواسطة الدليل العقلي. ٤. يعتقد أنه كلما طرأت مسألة في زمن الغيبة لم يُبيَّن فيها أي حكم، يمكن التوصل إلى حكمها بالرجوع إلى العقل. مع ذلك، لا يعترف به كمصدر مهم للأحكام إلى جانب المصادر الثلاثة: الكتاب، والسنة، والإجماع، بل يعتبره طريقاً للوصول إلى الأحكام المشرَّعة في المصادر الثلاثة. وبيانه في هذا الشأن هو: “أصول الأحكام هي كتاب الله، وسنة النبي، وأقوال الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، والطريق إلى هذه الأصول هو طريق العقل، وهو نفسه طريق معرفة حجية القرآن وأدلة الأخبار”.

٤.٢. السيد المرتضى

بعد الشيخ المفيد، أشار السيد المرتضى أيضاً في آثاره إلى دليل العقل وأولى اهتماماً لدوره: ١. في جواب “المسائل الموصليات”، ورداً على سؤال حول كيفية الوصول إلى الحق في مسألة شرعية عند اختلاف الإمامية وعدم ثبوت الإجماع وفقدان الكتاب والسنة القطعيين، يقول: “كلما كانت هناك حادثة لم يكن للإمامية رأي فيها لا على نحو الاختلاف ولا على نحو الاتفاق، ولم يكن في الأدلة الموجبة للعلم طريق للوصول إلى حكمها، نلتزم في تلك الحادثة بحكم العقل”. ٢. يجيز السيد المرتضى تخصيص العموم بالعقل دون أي شبهة. ٣. يجيز النسخ بالدليل العقلي. ٤. يجيز أيضاً العدول عن ظاهر القرآن بالدليل العقلي. ٥. في مبحث الحظر والإباحة في الأشياء، يقول بالإباحة، ويستدل على رد نظر المخالفين بالدليل العقلي. ٦. في مبحث الأخبار، يضع دليل العقل صراحةً في مصاف الكتاب والسنة والإجماع، ويقسم الخبر إلى قسمين، وفي تعريف القسم الثاني يكتب: “أما الخبر الذي نعلم ببطلانه بالنظر والتأمل، فهو الخبر الذي لا يتطابق محتواه مع ما يدل عليه بدليل عقلي أو كتاب أو سنة أو إجماع”. من الموارد المنقولة، والتي هي معظم الموارد المتعلقة بالعقل في آثار السيد المرتضى، يتضح أنه أولى اهتماماً لدليل العقل، بل ووضعه في مصاف الأدلة الثلاثة: الكتاب، والسنة، والإجماع. ولكنه لا يذكره كمصدر مهم كبقية الأدلة الثلاثة لاستنباط الأحكام، والشاهد على ذلك أنه في كتابه الضخم “الذريعة”، بينما يبحث بالتفصيل عن سائر الأدلة والمصادر في أقسام مستقلة، يتحدث عن دليل العقل قليلاً جداً وبشكل متفرق وجزئي.

٤.٣. الشيخ الطوسي

بعد الشيخ المفيد والسيد المرتضى، أولى الشيخ الطوسي أيضاً اهتماماً لدليل العقل، وأشار في مواضع من آثاره إلى دور العقل والدليل العقلي: ١. كشأنه شأن الشيخ المفيد والسيد المرتضى، يخصص العموم بالدليل العقلي. ٢. يعتقد أنه بسبب الدليل العقلي، يُعدل عن ظاهر وحقيقة الكتاب ويُحمل على المجاز. ٣. يعتبر العقل حاكماً في باب الطاعة والعصيان. ٤. يعتبر دليل العقل أحد قوانين صحة خبر الواحد واعتباره. ٥. في المسائل المستجدة التي لم يُبيَّن حكمها، يعتبر العقل مرجعاً. ٦. من القرائن التي تجعل الخبر محفوفاً بالقرائن ومفيداً لليقين، مطابقته للعقل. مع ذلك، لم يذكر الشيخ الطوسي، كشأنه شأن الفقهاء والأصوليين الذين سبقوه، دليل العقل كمصدر إلى جانب سائر مصادر استنباط الأحكام، ولم يخصص له بحثاً مستقلاً.

٤.٣.١. الشيخ الطوسي، رائد الأصوليين

أدى رواج الفكر الأخباري والنقلاني حتى عصر الشيخ إلى إبطاء الحركة الحيوية للأصول والفقه وجرّها إلى الجمود. وقد أدرك الشيخ خطورة الموقف، فتصدى لمواجهة هذا الخط الانحرافي القديم، وألف كتاب “عدة الأصول”. وهو في مقدمة كتاب “المبسوط” يذكر أن دافعه للتأليف هو إضعاف هذا الخط، فيقول: “ما زلت أسمع أقوال الفقهاء المخالفين الذين يحتقرون فقهنا، وكنت أفكر منذ مدة طويلة في تأليف كتاب في فروع الفقه. وما كان يثبط عزمي أكثر هو أن أصحابنا كانوا أقل رغبة في هذا العمل، لأنهم ألفوا متون الأخبار وصريح ألفاظ الروايات…”. بل إن الشيخ في تفسيره يهاجم الفكر الأخباري مستنداً إلى الآيات، وفي ذيل آية “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ” (محمد: ٢٤) يقول: “وهذه الآية تدل على بطلان قول الجهلة من أصحاب الحديث”. كما يشير في “عدة الأصول” إلى دافعه لتأليف هذا الكتاب، ويهاجم هذا الخط الانحرافي. من هنا، دخل الشيخ الطوسي ميدان الاجتهاد، واعتبر نفسه في مقدمة الكتاب المذكور رائداً في تأليف مثل هذا الكتاب. “والذين ألفوا في هذا المجال، إنما كتب كل واحد منهم على أساس أصوله ومبانيه الكلامية، ولم يكتب أحد من مذهب الإمامية حتى الآن كتاباً في هذا الباب”.

٤.٣.٢. الشيخ الطوسي، متكلم بارع

كان القرنان الرابع والخامس حافلين بالمناظرات والملتقيات، وتأليف ونشر الكتب والتفاسير الكلامية. ومن شواهد ذلك مناظرات الشيخ المفيد مع رؤساء الأشاعرة والمعتزلة، وتأليفه أكثر من خمسين أثراً كلامياً، وكذلك تأليف السيد المرتضى كتاب “الشافي” رداً على كتاب “المغني” لعبد الجبار. وقد تولى الشيخ الطوسي، بسبب مكانته العلمية الرفيعة التي أحرزها، كرسي الكلام من قبل الخليفة. وقد خلّف أكثر من خمسة عشر أثراً كلامياً، أهمها كتابه “تلخيص الشافي”. إن تفسيره الشريف “التبيان”، الذي يُعدّ نظير كتابيه “التهذيب” و”الاستبصار” من آثاره المهمة جداً، يحتوي على إشعاعات كلامية دقيقة، أثبت فيها المفسر، مستنداً إلى الآيات، حقانية الشيعة، وردّ وأبطل آراء المخالفين، خاصة آراء أهل السنة والأشاعرة. كما أن كتبه الثلاثة: “شرح الجمل”، و”المفصح في الإمامة”، و”الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد”، هي من آثاره الكلامية القيمة الأخرى، وقد طُبع بعضها. على أي حال، كان الشيخ الطوسي، بالإضافة إلى تبحره في علوم اللغة والتفسير والرجال والحديث وأصول الفقه وغيرها من العلوم، يمتلك براعة تامة في الأصول الفلسفية والكلامية. والنقطة المهمة هي أنه يُلاحظ أن الشيخ الطوسي قد استفاد من المسائل العلمية والفلسفية الدقيقة جداً التي تكشفت لاحقاً في كتب أهل التحقيق من الفلاسفة المسلمين وغير المسلمين حول الخصائص الذاتية للأمور الإرادية والقوانين المتعلقة بالفعل والانفعالات الطبيعية.

٤.٤. ابن إدريس

يذكر ابن إدريس في “السرائر” العقل والدليل العقلي بتعبيرات مختلفة؛ فتارة يعبر بـ “دليل العقل”، وهذا التعبير هو الأكثر استخداماً في “السرائر”، وتارة يستخدم “أدلة العقل” في مقابل “أدلة السمع”، وتارة يذكرها بعنوان “العقول” أو “أصول أحكام العقلية”. ولكن مع كل هذه التعبيرات، لم يبيّن ابن إدريس مراده من دليل العقل بشكل صريح. لذلك، من الضروري، من خلال دراسة موارد استعمال دليل العقل في “السرائر”، تحديد مراده من دليل العقل، وكذلك إلى حد ما نطاقه ودوره في فقه ابن إدريس. يُفهم من بعض الموارد أن مراده من دليل العقل هو الأصل العملي العقلي نفسه. ففي بحث الخمس يقول: “لا تُعلم المسألة الشرعية إلا من أربعة طرق: كتاب الله، وسنة رسوله المتواترة، وإجماع الشيعة الإمامية، وإذا لم توجد هذه الطرق الثلاثة، نلجأ إلى دليل العقل، وهذا الدليل العقلي هو معنى كلام الفقهاء الذين يعبرون بدلالة الأصل”. وأحياناً يعبر صراحة عن أصل البراءة بـ “دليل العقل”، كما في بحث ما إذا كانت شهادة امرأتين مع يمين المدعي كافية لإثبات الدعوى المالية أم لا، فيقول: “لا تُقبل شهادة امرأتين مع يمين؛ لأن ما تقتضيه الأدلة والنظر الصحيح هو عدم قبول الشهادة، وفي هذا المورد، جعل شهادة امرأتين بمنزلة رجل واحد يحتاج إلى دليل شرعي، والأصل عدم وجود دليل شرعي هنا، وحملها على الرجل قياس، وهو باطل عندنا نحن الإمامية. ولا يوجد إجماع أيضاً، ولا أخبار متواترة، وإن وجدت أخبار فهي نادرة وشاذة. والأصل براءة الذمة”. “فإذا أراد أحد أن يثبت حكماً شرعياً بشهادة امرأتين، فهو يحتاج إلى أدلة قاهرة، إما إجماع أو تواتر أخبار أو قرآن، ولا يوجد أي منها في المسألة، فيبقى دليل العقل، وهو ما اخترناه وحققناه”. وفي كلام آخر، اعتبر أصل الإباحة من مصاديق دليل العقل، وذلك في مورد من عقد على امرأة ثم عقد على أختها. يرى الشيخ الطوسي في هذه المسألة أن العقد الثاني باطل، وأنه إذا وطئ الثانية، يفارقها، وبحسب رواية، لا يمكنه مباشرة الزوجة الأولى قبل انقضاء العدة. ينقد ابن إدريس ذلك قائلاً: “لا يوجد مانع من وطء الأولى في كتاب أو سنة أو إجماع أو دليل عقل، بل إن الكتاب والعقل والسنة تؤيد رأينا؛ لأن الأصل الإباحة، وكذلك آية “إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ” تنفي اللوم عن وطء زوجته”. يُفهم من التعليل بأصل الإباحة في هذا الكلام أن المراد من دليل العقل هو أصل الإباحة نفسه. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر في موضع آخر أصل بقاء الملك من مصاديق دليل العقل. ففي مسألة ما إذا كانت أموال أهل البغي غنيمة أم لا، يفتي بعدم كون أموالهم غنيمة، وإلى جانب الإجماع والرواية، يتمسك بدليل العقل بهذا البيان: “ودليل العقل يؤيد ذلك ويقويه؛ لأن الأصل أن تبقى الأملاك في ملكية أصحابها، ولا يحل تملكها إلا إذا دلت أدلة قاطعة للعذر”. حتى الآن، كانت الموارد التي ذكرناها هي التي ورد فيها تعبير “دليل العقل” صراحةً، وذُكر إلى جانبه أصل من الأصول كمصداق له. ولكن بالإضافة إلى ذلك، اعتبر الأصول العملية دليلاً عقلياً بشكل غير مباشر في موارد أخرى. وبيان ذلك أنه من جهة، صرح في مواضع، منها مقدمة “السرائر”، بأن طريق الحصول على الأحكام هو الكتاب والسنة والإجماع، وإذا لم تكن هذه موجودة، نحصل عليها عن طريق دليل العقل. ومن جهة أخرى، في مقام التطبيق، يقول في موارد كثيرة جداً في مقام الاستدلال: “لا يوجد في المسألة كتاب ولا سنة ولا إجماع”، ومع عدم وجود هذه، يتمسك دائماً بأحد الأصول العملية، خاصة أصل البراءة. وبهذا يتضح أن المراد من الأصل العملي المذكور هو دليل العقل نفسه الذي لم يُصرح به. وفيما يلي نشير إلى نماذج منها: ١. أصل البراءة: تمسك بهذا الأصل في “السرائر” أكثر من سائر الأصول. يقول ابن إدريس في مسألة الجهر والإخفات في قراءة صلاة الظهر يوم الجمعة بعدم وجوب الجهر، ويستدل على ذلك قائلاً: “لأن الأصل براءة الذمة من الواجبات والمستحبات، فوجوب شيء أو استحبابه يحتاج إلى دليل شرعي، ولا يوجد إجماع في هذه المسألة، والروايات مختلفة، فيبقى فقط الأصل، وهو براءة الذمة”. كذلك يفتي باستحباب التكبير في منى، ويستدل على ذلك بقوله: “الأصل براءة ذمة الإنسان من العبادة، واشتغال الذمة يحتاج إلى دلالة دليل من كتاب أو سنة متواترة أو إجماع، ولا إجماع في المسألة لاختلاف الأصحاب. وكتاب الله خالٍ من هذه المسألة، والسنة المتواترة ليست فيها. فبناءً على ذلك، يبقى فقط أصل براءة الذمة”. ٢. أصل الإباحة: في مورد جواز تحليل المولى جاريته لعبده، يقول: “لا مانع من الجواز في كتاب أو سنة أو إجماع، والأصل الإباحة”. ٣. أصل الصحة: إذا طلق رجل زوجته الحامل ثم راجعها وأراد أن يفارقها مرة أخرى بطلاق سني، أفتى الشيخ بأنه لا يجوز مثل هذا الطلاق قبل وضع الحمل. ينقد ابن إدريس ذلك قائلاً: “لا أرى له وجهاً، ولا مانع منه في كتاب أو سنة متواترة، ولا يوجد إجماع في المسألة، والأصل الصحة، والمنع يحتاج إلى دليل”. حتى الآن، كانت جميع مصاديق دليل العقل التي بيناها من الأصول. والسؤال المطروح الآن هو: هل ينحصر دليل العقل عند ابن إدريس في موارد الأصول، أم أنه يشمل موارد أخرى أيضاً؟ بعبارة أخرى، ما هو نطاق دليل العقل من وجهة نظر ابن إدريس؟ بالنظر إلى النماذج التي ذكرناها، لا شك في أن موارد الأصول، خاصة أصل البراءة والإباحة، هي من مصاديق دليل العقل عنده، بل يمكن القول إنه بناءً على تفسيره لدلالة الأصل من وجهة نظر الفقهاء، اعتبر دلالة الأصل هي دليل العقل نفسه. وفي الوقت نفسه، يتمسك بدليل العقل في موارد لا يذكر فيها الأصل، مما يدل على أن نطاق دليل العقل عنده أوسع من الأصول العملية ويشمل الدليل العقلي المستقل أيضاً. وفيما يلي نشير إلى نماذج منها: ١. في مسألة تقسيم الخمس، يشير إلى أنه لا يمكن إعطاء سهم الإمام لغيره بدون إذنه، ولا يوجد دليل على جواز ذلك في كتاب الله أو السنة المتواترة، ولا يوجد إجماع أيضاً. “فبناءً على ذلك، من الأدلة الأربعة يبقى فقط دليل العقل، ودليل العقل يمنع التصرف في مال الغير بدون إذنه”. ٢. في مبحث الإجارة، يعتقد، كغالبية الفقهاء، أن عقد الإجارة لا يبطل بموت المؤجر أو المستأجر، ويقول: “الأدلة القاهرة، عقلية كانت أم سمعية، تدل على عدم البطلان”. ثم يقرر الدليل العقلي على النحو التالي: “الدليل العقلي هو أن المنفعة حق من حقوق المستأجر على المؤجر، فلا تبطل بموته، وإذا كانت حقاً من حقوق الميت، يرثه الوارث لعموم آيات الإرث، ومن أراد أن يخرج شيئاً من تلك الحقوق، فعليه إقامة الدليل؛ لأنه في تلك الحالة يكون قد تصرف في مال الغير، أي المنفعة، والتصرف في المنفعة بدون إذن صاحبها لا يجوز”. ٣. كما أشار في المباحث الأصولية، ذكر أن أحد الأدلة الصالحة لتخصيص العموم هو دليل العقل. وفي مسألة قضاء صوم المغمى عليه، أفتى بعدم الوجوب، وفي مقابل الإشكال القائل بأنه يجب عليه قضاء الصوم لعموم آية “وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ”، يقول: “عموم الآية قد خُصص بالدليل العقلي؛ لأننا ندرك بعقلنا أن الله لا يكلف من ليس لديه شروط التكليف، ومن شروط التكليف كمال العقل، وبما أن المغمى عليه قد زال عقله، فليس عليه تكليف، ويُخصَّص عموم الآية بهذا الدليل العقلي”. ٤. ورد في رواية أنه يجوز شق الثوب في موت الأب والأخ. ينقد ابن إدريس هذه الرواية قائلاً: “الأولى، بل الواجب، ترك العمل بهذه الرواية؛ لأنه لا دليل عليها من كتاب أو سنة قطعية أو إجماع، والأصل حفظ المال، وتضييعه علامة على السفه؛ لأن هذا العمل إضرار، والعقل يقبّحه”. في هذا المورد، ورغم استخدام تعبير “الأصل”، إلا أنه بسبب تضمنه لكلمة “قبح” والاستناد إليه، يمكن اعتباره من مصاديق الدليل العقلي المستقل، ويدخل تحت قاعدة الملازمة بين الشرع والعقل.

٤.٤.١. مكانة ورتبة دليل العقل مقارنة بسائر الأدلة من وجهة نظر ابن إدريس

اتضح مما سبق أن ابن إدريس أولى أهمية كبيرة لدليل العقل، وأعطاه أهمية أكثر من سائر الفقهاء. والسؤال المطروح هنا هو: ما هي مكانة ومنزلة هذا الدليل عند ابن إدريس؟ وهل كان دليل العقل عنده مساوياً ومرتبةً للأدلة الثلاثة: الكتاب، والسنة، والإجماع، أم أنه كان يأتي في رتبة بعد هذه الأدلة، ويُتمسك به فقط في حال عدم وجودها؟ يصرح ابن إدريس في ثلاثة مواضع من “السرائر” بأن رتبة دليل العقل طولية بالنسبة لسائر الأدلة، ويُتمسك به في حال فقدان سائر الأدلة، وليس هذا رأيه فقط، بل يعتقد أن الأمر كان كذلك عند محققي الشريعة أيضاً. فهو يقول في مقدمة “السرائر”: “الحق لا يتجاوز أربعة طرق: كتاب الله، وسنة متواترة متفق عليها، وإجماع، ودليل عقل. كلما لم توجد الأدلة الثلاثة الأولى في مسألة ما، فإن ما يُعتمد عليه في العمل من وجهة نظر المحققين في منبع الشريعة هو دليل العقل؛ لأن مسائل الشريعة في هذه الحالة تكون مرتبطة بدليل العقل وموكولة إليه”. بالإضافة إلى المورد المذكور، حصر في كتاب الخمس وكتاب الصوم أيضاً طرق معرفة واستنباط الأحكام الشرعية في الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل، وفي حال عدم وجود الطرق الثلاثة الأولى، عرّف دليل العقل كمرجع. بعد أن علمنا أن ابن إدريس يعتبر دليل العقل مرجعاً ومعتبراً في حال فقدان سائر الأدلة، يجب أن نرى هل التزم بهذا المبنى والرؤية في استدلالاته وموارد تمسكه به أم لا. فإذا قبلنا أن الأصول العملية من وجهة نظر ابن إدريس هي من مصاديق دليل العقل – كما قدمنا شواهد وقرائن على ذلك سابقاً – فيجب أن نقبل أن ابن إدريس لم يلتزم بهذه الرؤية في جميع الموارد، واستدل بالدليل العقلي في موارد متعددة إلى جانب سائر الأدلة، بل ومقدماً عليها. وهنا، ضمن الإشارة إلى هذه الموارد، نبيّن التوجيه الممكن لعمله هذا:

أ) موارد الاستدلال بالأصل في مصاف سائر الأدلة: ١. في مصاف الإجماع والأخبار المتواترة: “قام الإجماع على هذه المسألة، ووردت أخبار متواترة عن الأئمة (عليهم السلام)، وكذلك الأصل براءة الذمة”. ٢. في مصاف الأخبار المتواترة خاصة: “الروايات متواترة بالنسبة لهذه المسألة، وكذلك الأصل براءة الذمة من هذا التكليف”. ٣. في مصاف آية قرآنية: “لقول الله تعالى: ‘مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ’ (المائدة: ٨٩)، وكذلك لأن الأصل براءة الذمة”. ٤. في مصاف الإجماع: “مما لا شك فيه أن الإجماع منعقد… والأصل براءة الذمة”.

ب) موارد التمسك بالأصل مقدماً على سائر الأدلة: ١. مقدماً على الكتاب: “… الأصل براءة الذمة… وكذلك قول الله تعالى: ‘وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ’ (محمد: ٣٦)”. ٢. مقدماً على الإجماع: “… لأن الأصل براءة الذمة… والإجماع حاصل أيضاً في المسألة”. ٣. مقدماً على الرواية: “لأن الأصل براءة الذمة، وكذلك لقول النبي (صلى الله عليه وآله): ‘البينة على المدعي واليمين على من أنكر'”. لوحظ أن ابن إدريس تمسك بدليل العقل، والمراد هنا أصل البراءة، إلى جانب سائر الأدلة، بل ومقدماً عليها. وهذا ظاهراً خلاف ما قاله هو نفسه، ولكن يمكن توجيه ذلك بأن قوله بالرجوع إلى دليل العقل في حال عدم وجود سائر الأدلة هو في صورة عدم وجود أي من الأدلة الأخرى، وهذه الرؤية لا تتنافى مع التمسك بدليل العقل إلى جانب الأدلة الأخرى من باب زيادة الاستدلال وإقامة أدلة متعددة.

٤.٤.٢. مبنى ابن إدريس في حجية الإجماع وكيفية كشفه عن قول المعصوم

الفرق المهم بين فقهاء الشيعة والعامة في مبحث الإجماع هو اختلافهم في ملاك اعتبار وحجية الإجماع؛ لأنه خلافاً لأصوليي أهل السنة الذين اعتبروا الإجماع حجة من حيث هو إجماع، فإن أصوليي وفقهاء الشيعة يعتبرون الإجماع حجة بملاك دخول قول ورأي المعصوم (عليه السلام) بين المجمعين. وقد قبل ابن إدريس، كأحد فقهاء الشيعة، هذه الرؤية وصرح بها في “السرائر”. ولكن ما يحتاج إلى دقة أكبر هو الإجابة على هذا السؤال: من أي طريق يكشف الإجماع عن قول المعصوم (عليه السلام) من وجهة نظره، وأصلاً أي نوع من الإجماع يعتبره حجة؟ حتى عصر ابن إدريس، كان أهم طريقين للكشف هما: طريق الحس أو الإجماع الدخولي، وهو الطريق الذي قبله أكثر القدماء، ومنهم السيد المرتضى، والآخر طريق اللطف أو الإجماع اللطفي، الذي قبله الشيخ الطوسي. ويُستفاد من “السرائر” أن ابن إدريس، كشأنه شأن السيد المرتضى، قبل طريق الحس، ولهذا السبب لا يعتبر مخالفة الفقهاء معلومي النسب مضرة باعتبار الإجماع. وهو في مسألة النكاح مع العمة والخالة، حيث يقول الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي بالحرمة الأبدية للزواج من بناتهما، يقول: “إذا كان على المسألة إجماع، فهو الدليل ونعمل به، ولكن إذا لم يكن إجماع، فلا يوجد دليل آخر من كتاب أو سنة أو عقل، وبقول اثنين أو ثلاثة، وكذلك من عُلم اسمهم ونسبهم، لا تتحقق الحرمة الأبدية؛ لأنه في نظرنا وجه حجية الإجماع هو دخول المعصوم في ضمن المجمعين، فإذا قالت جماعة بقول، وعلمنا أن المعصوم ليس بينهم، لا نقطع بصحة قولهم إلا إذا وجد دليل آخر غير قولهم. وإذا خالف أحد من أصحابنا عُلم اسمه ونسبه، فإن مخالفته لا تؤثر في دلالة الإجماع؛ لأن حجية الإجماع هي لدخول قول المعصوم، لا لمجرد الإجماع. ومن هنا، يستدل المدققون من أصحاب الإمامية بالإجماع مع وجود مخالفة من الأصحاب المعروفين”.

الجمع والنتيجة

يستخدم المتكلمون الإسلاميون لإثبات العقائد وتبيين التعاليم الدينية، نظراً لاتساع المباحث الكلامية، أساليب متعددة. ومن بين هذه الأساليب، برز منهجان وتياران فكريان بشكل خاص، وهما العقلانية والنصانية، ويندرج عالمان شيعيان مشهوران في هذين التيارين. فيُعد الشيخ الطوسي ممثلاً لمدرسة وتيار النصانية، وابن إدريس ممثلاً لمدرسة العقلانية. ورغم أن هذين العالمين البارزين لا يختلفان في أمهات المسائل وفي الأصول، إلا أنهما لا يتفقان في المنهج وفي مدى الاعتبار الذي يوليانه للعقل. فالشيخ الطوسي لا يعارض استخدام العقل، ولكنه لا يرى للعقل مكانة مع وجود النص. وهو يقبل العقل في دائرة التعريف الوارد في الروايات للعقل، ولا يؤمن له بدور خارج هذا النطاق. أما ابن إدريس، فمع وجود الدليل العقلي، يعتبر الرواية والنص برهاناً تكميلياً، ويسعى غالباً إلى الاستفادة من المنهج العقلي لإثبات التعاليم الدينية في المجالات المعرفية. ويعتقد الشيخ الطوسي أنه بدون استخدام العقل تكون المعتقدات الدينية تقليدية وغير مستقرة ولا معنى لها. ويتحاشى الشيخ الطوسي الدخول في المسائل الكلامية وبحثها، ويفسرها بأنها من الجدال الممنوع. في المقابل، يرى ابن إدريس أن الدخول في المباحث الكلامية ضروري، ويقبل الجدال في المباحث الدينية على أساس الجدال الأحسن. ونطاق دليل العقل عنده أوسع من الأصول العملية، ويشمل الدليل العقلي المستقل والاستدلالات العقلية أيضاً. ومراده من دليل العقل هو كل ما يقع في نطاق حكم العقل ويُطرح في مقابل دليل الكتاب والسنة والإجماع. وبالنظر إلى التفسير الذي قدمه لدلالة الأصل في كلام الفقهاء، واعتبره هو دليل العقل نفسه، يمكن القول إن التمسك بالأصول العملية في رأي الفقهاء الذين سبقوه كان يُعتبر من مصاديق التمسك بدليل العقل، ويمكن تبرير تمسكهم الكثير بهذه الأصول في هذا الإطار.

المصادر والمراجع:

  • القرآن الكريم.
  • ابن منظور (١٤٠٥هـ)، لسان العرب، قم: نشر أدب الحوزة.
  • الزبيدي الحسيني، محمد مرتضى (١٩٩٥م)، تاج العروس، بيروت: دار الهداية.
  • الأنصاري، الشيخ مرتضى (١٣١٤هـ)، فرائد الأصول، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
  • الجرجاني، علي (١٣٠٦هـ)، التعريفات، طهران: ناصر خسرو.
  • آقا بزرگ الطهراني (١٣٧٢هـ.ش)، طبقات أعلام الشيعة، قم: إسماعيليان.
  • التستري، الشيخ أسد الله (١٣١٦هـ)، كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع، قم: مؤسسة آل البيت.
  • الجباري، محمدرضا (١٣٨٤هـ.ش)، مكتب حديثي قم، قم: مؤتمر السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام).
  • جبرئيلي، محمد صفر (١٣٨٩هـ.ش)، سير تطور كلام الشيعة، قم: پژوهشگاه انديشه.
  • الخطيب البغدادي، أحمد بن علي (١٣٤٩هـ)، تاريخ بغداد، مصر: المكتبة العربية.
  • رباني، علي (١٣٧٧هـ.ش)، فرق ومذاهب كلامي، قم: المركز العالمي للعلوم الإسلامية.
  • رشدي، محمد عرسان عليان (٢٠٠٨م)، دليل العقل عند الشيعة، بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي.
  • السبحاني، جعفر (١٤١١هـ)، الإلهيات، قم: المركز العالمي للدراسات الإسلامية.
  • السبحاني، جعفر (١٤٢٣هـ)، المذاهب الإسلامية، قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).
  • السيد المرتضى، أبو القاسم علي بن الحسين (١٤٠٥هـ)، جوابات المسائل الموصليات، قم: دار القرآن الكريم.
  • السيد المرتضى، أبو القاسم علي بن الحسين (١٤٠٥هـ)، رسائل الشريف المرتضى، قم: دار القرآن الكريم.
  • السيد المرتضى، أبو القاسم علي بن الحسين (١٤١١هـ)، الذخيرة في علم الكلام، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  • الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه (١٤١٠هـ)، معاني الأخبار، بيروت: مؤسسة الأعلمي.
  • الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه (١٤١٤هـ)، اعتقادات، قم: مؤتمر الشيخ المفيد.
  • الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه (١٣٩٥هـ)، كمال الدين وتمام النعمة، طهران: انتشارات إسلامي.
  • الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه (١٣٩٨هـ)، التوحيد، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  • الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه (١٣٦٢هـ.ش)، الخصال، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  • الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه (١٤٠٦هـ)، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، قم: دار الرضي.
  • الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه (١٣٦٢هـ.ش)، من لا يحضره الفقيه، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  • الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه (١٣٨٧هـ.ش)، عيون أخبار الرضا، طهران: نشر جهان.
  • الطباطبائي، محمد حسين (١٣٧١هـ.ش)، تفسير الميزان، طهران: انتشارات إسماعيليان.
  • الطبري، محمد بن جرير (١٤٠٩هـ)، تاريخ الطبري، بيروت: مؤسسة الأعلمي.
  • الطوسي، محمد بن الحسن بن علي (١٤١٧هـ)، عدة الأصول، قم: نشر ستارة.
  • الطوسي، محمد بن الحسن بن علي (١٤٠٤هـ)، اختيار معرفة الرجال، تحقيق السيد مهدي الرجائي، قم: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث.
  • الطوسي، محمد بن الحسن بن علي (١٤١٥هـ)، رجال الطوسي، تحقيق جواد القيومي الإصفهاني، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  • الطوسي، محمد بن الحسن بن علي (١٣٦٢هـ.ش)، تمهيد الأصول في علم الكلام، ترجمة: عبد الحسين مشكوة الديني، طهران: انتشارات دانشگاه تهران.
  • عابدي، أحمد (١٣٨٤هـ.ش)، مكتب كلامي قم، قم: مؤتمر السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام).
  • الكليني، محمد بن يعقوب (١٤١٣هـ)، أصول الكافي، بيروت: دار الأضواء.
  • كاشفي، محمدرضا (١٣٨٦هـ.ش)، كلام الشيعة: ماهيته، مصادره، وخصائصه، طهران: پژوهشگاه فرهنگ و انديشه.
  • الكراجكي، أبو الفتح (١٣٦٩هـ)، كنز الفوائد، قم: مكتبة المصطفوي.
  • المجلسي، محمد باقر (١٤١٣هـ)، بحار الأنوار، بيروت: مؤسسة الوفاء.
  • مدرسي طباطبائي، حسين (١٣٨٦هـ.ش)، مكتب در فرآيند تكامل، ترجمة: هاشم ايزدپناه، طهران: أمير كبير.
  • مدرسي طباطبائي، حسين (١٣٦٨هـ.ش)، مقدمه اي بر فقه شيعه، ترجمة: محمد آصف فكرت، مشهد: انتشارات آستان قدس رضوي.
  • مطهري، مرتضى (١٣٧٦هـ.ش)، أصول الفلسفة والمنهج الواقعي، طهران: انتشارات صدرا.
  • مطهري، مرتضى (١٣٧٦هـ.ش)، آشنايي با علوم إسلامي، طهران: انتشارات صدرا.
  • مطهري، مرتضى (١٣٧٦هـ.ش)، مجموعة آثار، طهران: انتشارات صدرا.
  • المظفر، محمد رضا (١٣٨٣هـ.ش)، أصول الفقه، قم: المطبعة العلمية.
  • المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (١٤١٤هـ)، أوائل المقالات، بيروت: دار المفيد.
  • المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (١٤١٤هـ)، المسائل السروية، بيروت: دار المفيد.
  • المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (١٤١٣هـ)، تصحيح الاعتقادات، طهران: المؤتمر العالمي.
  • المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (١٤١٤هـ)، الفصول المختارة، بيروت: مؤسسة البعثة.
  • المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (١٤١٤هـ)، المسائل العكبرية، تحقيق علي أكبر إلهي خراساني، بيروت: دار المفيد.
  • المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (١٤١٤هـ)، النكت في مقدمات الأصول، تصحيح محمدرضا جلالي، بيروت: دار المفيد.
  • المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (١٤١٤هـ)، أوائل المقالات، تحقيق إبراهيم الأنصاري، بيروت: دار المفيد.
  • مكديرموت، مارتن (١٣٧٢هـ.ش)، انديشه كلامي شيخ مفيد، ترجمة: أحمد آرام، طهران: دانشگاه تهران.
Scroll to Top