مناهج العلامة المجلسي ومبانيه في فهم الحديث في كتاب السماء والعالم

الملخص

تناول العلامة المجلسي في كتابه «بحار الأنوار» – وتحديداً في كتاب «السماء والعالم» – شرح وتفسير متون الأحاديث، وسعى إلى حد ما لحل الإشكالات المتعلقة بالأخبار. وتعتبر بياناته في ذيل الروايات والآيات القرآنية جديرة بالاهتمام. يسعى هذا البحث، الذي أُجري بالمنهج الوصفي التحليلي، إلى استجلاء مناهج ومباني العلامة المجلسي في فقه الحديث ضمن كتاب «السماء والعالم». وتشير نتائج البحث إلى أن العلامة كان يستهل كل موضوع بذكر الآيات القرآنية المرتبطة به، ويقدم شرحاً وتفسيراً لها عند الضرورة. ومن أهم مباني المجلسي في شرح روايات هذا الكتاب: إحراز صحة المتن؛ شرح مفهوم المفردات الواردة في الروايات بالاستعانة بالآيات القرآنية وآراء كبار اللغويين؛ الاهتمام بالمعاني التركيبية للمفردات المركبة كالمجاز والكناية والاستعارة وضرب المثل؛ نقد الحديث؛ الاستفادة من الآيات ذات الصلة؛ الاستعانة بالأحاديث المشهورة والمرتبطة وتكوين أسرة الحديث؛ معرفة سبب وفضاء صدور الروايات؛ الاهتمام بالمحكم والمتشابه في الأحاديث؛ والاستفادة من العلوم التجريبية في طرح المفاهيم والمعارف التخصصية.

1. طرح المسألة

تُعدّ سنة المعصومين (عليهم السلام)، المدوّنة في قالب الأحاديث المكتوبة في المجامع الروائية، أهم مصدر وأوثق دليل بعد القرآن الكريم في تبيين واستنباط العلوم والمعارف الإسلامية، سواء كانت عقدية أم أخلاقية أم شرعية. وقد عكف علماء المسلمين، لا سيما المحدثون البارزون، منذ القدم، إلى جانب جمع الروايات وتدوينها والاهتمام بدراسة أسانيدها ونقدها الخارجي، على تحليل متونها ونقدها الداخلي وتبيين دلالاتها، مبتكرين في ذلك مبانٍ ومناهج مناسبة. وفي هذا السياق، يحظى كتاب «بحار الأنوار»، الذي يُعتبر أضخم موسوعة روائية إسلامية، وبخاصة شيعية، بأهمية بالغة لدى الباحثين في فقه الحديث، نظراً لشخصية مؤلفه؛ إذ إن تبيين مباني العلامة ومناهجه في فقه الحديث في بحار الأنوار يمهد الطريق للبحث في سائر المصادر الروائية.

يُطلق على المجلد الرابع عشر من مجموعة بحار الأنوار ذات الـ 26 مجلداً اسم «كتاب السماء والعالم». ويشمل هذا العنوان المجلدات من 54 إلى 63، أي 9 مجلدات من أصل 111 مجلداً في الطبعات الجديدة. في هذا الأثر، يُقدَّم لكل سؤال حول الموجودات السماوية والفضائية والظواهر الكونية جوابٌ من لسان القرآن المجيد أو الأخبار أو الحكماء وأهل النظر. وقد كتب العلامة المجلسي عن أهمية هذا الكتاب في مقدمته ما يلي: «هذا المجلد الرابع عشر من كتب بحار الأنوار، المسمى بكتاب السماء والعالم، قد سُمّي بذلك لاشتماله على كشف غوامض أسرار الآيات والروايات في خلق اللوح والقلم، والعرش والكرسي، والحجب والسرادقات والسماوات، وأصناف الملائكة، والنجوم والكواكب وأوصافها وأحكامها وآثارها، وكل ما يتعلق بالأرضين والعناصر والمواليد من معادن ونباتات وحيوانات، وخواصها وحلالها وحرامها وصيدها وذباحتها، ومنافع الأدوية والثمار والنباتات والجذور العلاجية وخواصها ومنافعها، وأحوال الإنسان والروح والنفس وتشريح الأبدان وعلم الطب، وأحوال البلدان والمدن والنواحي البعيدة وما يتصل بها. وفي هذا التأليف لم يسبقني أحد من علمائنا وغيرهم، وأرجو بفضل الله سبحانه أن يكون قرة عين للمؤمنين وسبب غيظ وحسرة للمنافقين والملحدين، وأستعين في ذلك بربي جل شأنه وبسادتي الكرام (أهل البيت)، وحسبنا الله ونعم الوكيل» (المجلسي، 1403هـ، 14: 1).

جدير بالذكر أن العلامة المجلسي عاش في عصر شاعت فيه الإخبارية في المجتمع العلمي الشيعي على يد المولى أمين الأسترآبادي (المتوفى 1036هـ) بتأليفه كتاب «الفوائد المدنية». وقد أدى دخول هذا الكتاب إلى الحوزات العلمية الشيعية إلى ميل بعض علماء الشيعة من مسلك الاجتهاد الأصولي نحو الإخبارية، مثل المولى محسن الفيض الكاشاني (المتوفى 1091هـ) الذي، رغم كونه مجتهداً أصولياً في بداية أمره، تراجع عن الاجتهاد الأصولي في العقد الثالث من عمره بعد لقائه بالأسترآبادي وألف كتباً في رد الاجتهاد. كما هاجم البعض، مثل نور الدين محمد الأخباري (المتوفى 115هـ، من تلاميذ الفيض)، علماء الأصول بشدة (الميرجليلي، 1394هـ.ش، 42-43).

انتهى النزاع الأصولي الأخباري الذي أحياه الملا أمين في أواخر القرن الحادي عشر بغلبة الأخباريين. وفي أواخر هذا القرن، رجّح علماء كبار، مثل الشيخ الحر العاملي (المتوفى 1114هـ) من معاصري المجلسي وأصدقائه، المنهج الأخباري في الفقه على الاجتهاد (المصدر نفسه، 43).

لم يكن العلامة، الذي عاش في هذا العصر وكان من تلاميذ الفيض، بمنأى عن تأثير التيار الأخباري، ولكن من الإنصاف أن نعتبره إخبارياً معتدلاً، كما اعترف هو نفسه بهذا الاعتدال. ففي جوابه للملا خليل القزويني الذي سأله عن منهجه في الاستنباط، كتب العلامة: «أما المسألة الثانية التي سألتم عنها، وهي طريقة المجتهدين والأخباريين، فمسلك الفقير في هذا الباب بين بين ووسط. فالإفراط والتفريط في جميع الأمور مذموم، والفقير يرى أن مسلك الجماعة الذين يسيئون الظن بفقهاء الإمامية [المجتهدين] ويتهمونهم بقلة التدين هو مسلك خاطئ؛ لأنهم كانوا أكابر الدين. أرى أن مساعيهم مشكورة وزلاتهم مغفورة. كما لا أرى صواب مسلك الجماعة الذين يتخذونهم قدوة ولا يجيزون مخالفتهم في أي أمر ويقلدونهم، ولا أرى صواب العمل بالأصول العقلية غير المستنبطة من الكتاب والسنة؛ ولكنني أتبع الأصول والقواعد الكلية المعلومة من عمومات الكتاب والسنة مع عدم معارضة نص خاص فيها» (جعفريان، 1370هـ.ش، 261-262).

يكشف جواب العلامة بوضوح عن الوضع القائم في ذلك العصر والنزاع بين الأخباريين والأصوليين، لدرجة أن عالماً مثل الملا خليل القزويني يسأل العلامة عن هذا الأمر. بعد هذه المقدمة، يسعى هذا المقال من خلال دراسة وتحليل أنشطة العلامة المجلسي، مع التركيز على فهم الروايات في كتاب السماء والعالم، إلى الإجابة عن هذا السؤال: ما هي أصول وقواعد فهم الحديث عند المجلسي؟

2. خلفية البحث

فيما يتعلق بالكشف عن منهج العلامة في فهم الحديث، حاول بعض الباحثين التطرق إلى مباني ومناهج العلامة في فقه الحديث، وكذلك أصول نقد الحديث في بحار الأنوار أو كتبه الأخرى؛ ومن ذلك كتاب «العلامة المجلسي وفهم الحديث» (1389هـ.ش) لعبد الهادي فقهي زاده؛ وكتاب «العلامة المجلسي» (1375هـ.ش) لحسن طارمي؛ ومقالة «أصول نقد متن الحديث وفهمه في بحار الأنوار» (1385هـ.ش) لكامران إيزدي مباركه؛ ومقالة «منهج فقه الحديث عند العلامة المجلسي في مرآة العقول» (1393هـ.ش) لعلي أكبر خداميان آراني، ومقالة «دراسة منهج فقه الحديث عند العلامة المجلسي في شرح الكافي (كتاب الحجة)» (1392هـ.ش) لنهلة غروي نائيني وآخرين.

إلا أنه لم يُعثر على بحث يتناول بشكل خاص منهج فقه الحديث عند العلامة في «كتاب السماء والعالم».

3. أصول (مباني) فهم الحديث من وجهة نظر العلامة المجلسي

يتبع علم فقه الحديث، شأنه شأن سائر العلوم، أصولاً خاصة. والمقصود بأصول فقه الحديث هو القواعد التي تساعد الباحث على استنباط المعنى من النصوص الروائية وتحميه من الزلل المحتمل في فهم المتن. يجب على الباحث الذي يسعى لفهم مراد المعصومين (عليهم السلام) أن يراعي القواعد الخاصة بفقه الحديث، وأن يتبع على أساسها منهجاً خاصاً للوصول إلى المفهوم الحقيقي للروايات. إن نسبة أصول فقه الحديث إلى فقه الحديث كنسبة علم المنطق إلى الفكر والاستدلال. فكما أن مراعاة قواعد علم المنطق تصون الإنسان من الخطأ في التفكير وإقامة البرهان، فإن مراعاة أصول فقه الحديث تساعد الباحث على الفهم الصحيح لمعاني النصوص الروائية وتمنعه من الفهم الخاطئ (ميرجليلي، 1390هـ.ش، 57).

من خلال دراسة وتتبع «بيانات» العلامة المجلسي في ذيل روايات كتاب بحار الأنوار، يمكن استخلاص الأصول والقواعد التي استخدمها لفهم الروايات، والاستفادة منها كنموذج في الفهم الصحيح والأمثل للأحاديث. وأهم هذه الموارد هي:

1-3. إحراز صحة المتن

المقصود بإحراز صحة المتن هو التيقن من صحة متن الرواية وصدورها عن المعصوم (عليه السلام) قبل الخوض في بحث معناها؛ لأنه مع فرض الشك في وجود أصل الرواية أو في صحة متنها الموجود، يصبح شرح معناها أمراً لا طائل من ورائه. وتُعد هذه النقطة من الأصول المهمة في فقه الحديث. وللوصول إلى متن صحيح لرواية ما، توجد آليات أهمها ما يلي:

1-1-3. مقابلة النسخ المتعددة

بمراجعة الكتب الأخرى التي نقلت حديثاً ما ومقارنة النسخ المتعددة، يمكن الوصول إلى المتن الأصلي للحديث. وعادة ما يمكن البحث عن النسخ المختلفة في سائر مخطوطات المؤلف أو الكُتّاب الآخرين، أو في مصادر أخرى نقلت ذلك الحديث (مسعودي، 1389هـ.ش، 138؛ حجت، 1391هـ.ش، 160).

إن الدراسة والتدقيق في كتابات العلامة في كتاب «السماء والعالم» تكشف عن جهوده في مجال دراسة النسخ المتعددة. على سبيل المثال، قال الإمام علي (عليه السلام) في رده على زنديق: «ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا» (المجلسي، 1403هـ، 54: 184). في بيانه لمعنى كلمة «الاعتقام»، عرض العلامة نتيجة دراسة النسخ المختلفة، وبيّن في كل حالة مفهومها بناءً على متن الحديث. وهو، ضمن نقله لرأي البعض القائل بأن المقصود هو أن الله جعل تلك الريح عقيماً لا تلقح، يعتقد أنه لو كان «اعتقام» متعدياً أو قرأنا «مهب» بالرفع، لكان هذا المعنى مستفاداً من الحديث؛ ولكن بما أن «مهب» جاءت منصوبة في جميع نسخ هذه الرواية، فلا يمكن اعتبارها فاعلاً. ثم يضيف أنه في بعض النسخ رُوي الفعل «أعقم» من باب الإفعال وبدون «تاء»، وبناءً على هذه النسخة، تكون قراءة النصب «مَهَبَّهَا» صحيحة (المصدر نفسه).

2-1-3. تحديد التصحيفات والتحريفات في الروايات

من المعايير المهمة في فهم الحديث، الانتباه إلى التحريفات والتصحيفات التي تقع في متون الروايات. إن دخول هذه الآفة في نقل الحديث يخل بالمعنى دائماً ويسبب إبهاماً أو ضعفاً في الروايات التفسيرية. وكان وقوع هذا النقص أمراً لا مفر منه نظراً لفترة المنع الرسمي لكتابة الحديث وتدوينه. بالإضافة إلى أن بعض المحدثين أو أصحاب الكتب والمجامع الروائية لم يضبطوا حروف الكلمات بشكل صحيح. وعلاوة على ما سبق، فإن عدم وجود رسم خط كامل للغة العربية في زمن صدور الأحاديث قد زاد الأمر تعقيداً (الهاشمي، 1387هـ.ش، 92؛ الميرجليلي، 1390هـ.ش، 158؛ المسعودي، 1391هـ.ش، 204).

التصحيف في اللغة يعني «الخطأ»، وفي الاصطلاح هو: تغيير في اللفظ يؤدي إلى تغيير المعنى (المامقاني، 1385هـ.ش، 1: 187؛ ابن منظور، 1414هـ، 9: 187؛ الطريحي، 1375هـ.ش، 5: 78). و«التحريف» في اللغة يعني «الاعوجاج والتقويس والتغيير»، وفي معناه الاصطلاحي قُدّمت له تعريفات مختلفة من قبل المحدثين؛ منها: تغيير الكلمة أو زيادتها أو إنقاصها أو تبديل حرف بحرف آخر في سند الحديث أو متنه بهدف إثبات مطلب فاسد (الميرداماد الأسترآبادي، 1422هـ: 205؛ الفراهيدي، 1409هـ، 3: 211؛ جديدي نجاد، 1380هـ.ش، 148؛ ابن منظور، 1414هـ، 9: 43). وقد أخذ البعض كلا المصطلحين بمعنى واحد (الطناحي، 1405هـ: 287؛ الفضلي، 1416هـ: 180؛ المامقاني، 1385هـ.ش، 5: 223)، لكن البعض الآخر فرّق بين المصحَّف والمحرَّف بأن التصحيف يطلق على الحالات التي يكون فيها سبب تغيير الكلمة خطأ في التنقيط، أما التحريف فيطلق على الحالات التي تتغير فيها الكلمة بتغيير شكلها إلى كلمة أخرى (ابن حجر العسقلاني، 1414هـ، 94؛ الغفاري، 1369هـ.ش، 43). على أي حال، يؤدي التغيير في كلمات الحديث إلى فهم خاطئ يجب على المحقق أن يكشفه ويحصل على المتن الصحيح.

وقد قام المجلسي، بالاستناد إلى نسخ معتبرة، بتشخيص مواضع التصحيف والتحريف في متون الأحاديث، وبعد تصحيحها، نقل المتن المصحح في «السماء والعالم». على سبيل المثال، نورد حالتين:

1- في الرواية التالية المنقولة عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، يحتمل المجلسي وقوع تصحيف: «إِنَّ اللَّهَ حِينَ شَاءَ تَقْدِيرَ الْخَلِيقَةِ وَ ذَرْءَ الْبَرِيَّةِ وَ إِبْدَاعَ الْمُبْدَعَاتِ… فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ أَنْتَ الْمُخْتَارُ الْمُنْتَخَبُ وَ عِنْدَكَ أَسْتَوْدِعُ نُورِي وَ كُنُوزَ هِدَايَتِي وَ مِنْ أَجْلِكَ أُسَطِّحُ الْبَطْحَاءَ وَ أَرْفَعُ السَّمَاءَ وَ أَمْزِجُ الْمَاءَ وَ أَجْعَلُ الثَّوَابَ وَالْعَذَابَ وَ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ وَ أَنْصِبُ أَهْلَ بَيْتِكَ بِالْهِدَايَةِ» (المجلسي، 1403هـ، 54: 212).

وقد احتمل مؤلف بحار الأنوار وقوع تصحيف في تركيب «أمزج الماء». فيكتب: تركيب «أمزج الماء»؛ أي خلطت الماء بشيء آخر وخلقت منه المركبات، ومن الممكن أن تكون الراء غير منقوطة (= أمرج الماء).

وهو، بالاستناد إلى الآية 19 من سورة الرحمن، يطرح احتمال التصحيف هذا: «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ» (الرحمن: 19) (المجلسي، 1403هـ، 54: 214). وقد أثبت مؤلف غرر الأخبار هذا التركيب بصورة «أمرج الماء» (الديلمي، 1427هـ، 193). وبالطبع، أخذ أرباب اللغة كلتا الكلمتين بمعنى «خلط» (المصطفوي، 1368هـ.ش، 11: 92؛ ابن منظور، 1414هـ، 2: 365-366؛ الفيومي، 1414هـ، 2: 570).

2- مثال آخر على تشخيص التصحيف هو ما بيّنه العلامة بشأن الرواية التالية: «… ثُمَّ انْطَلَقْتُ قَصْدَ الْغَدِيرِ فَوَجَدْتُ خَمْسِينَ حَيَّاتٍ رَوَافِعَ مِنْ عِنْدِ الْغَدِيرِ…» (المجلسي، 1403هـ، 60: 68). وقد رأى في نسخة أخرى هذه الكلمة بصورة «رواقع» (البحراني الأصفهاني، 1413هـ، 21: 71)، وبناءً على ذلك، طرح عدة احتمالات: «رَوَافِعَ بالفاءِ وَالعَيْنِ المُهْمَلَةِ أي رَفَعَتْ رُءوسَهَا أو بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِن الرَّفْغِ وَهُوَ سِعَةُ العَيْشِ أي مُطْمَئِنَّةً غَيْرَ خَائِفَةٍ أو بِالقَافِ وَالعَيْنِ المُهْمَلَةِ أي مُلَوَّنَةً بِأَلْوَانٍ مُخْتَلَفَةٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الأصْلِ بِالتَّاءِ وَالعَيْنِ المُهْمَلَةِ أي تَرْتَعُ حَوْلَ الغَدِيرِ» (المجلسي، 1403هـ، 60: 68-69).

يبدو أن المجلسي، دون ذكر أي سند أو مدرك، قد احتمل جميع الحالات الممكنة لوجود الحيات بجانب البركة:

1- حيات رافعة رؤوسها «حيات روافع».

2- حيات غير خائفة «حيات روافغ».

3- حيات ملونة «حيات رواقع».

4- حيات ترعى «حيات رواتع».

2-3. تبيين مفهوم المفردات والكلمات الغريبة في الروايات

بما أن كل عبارة تتكون من مجموعة من الكلمات، فإن من أهم طرق فهم وتفسير أي كلام، ومنه الروايات، هو الانتباه إلى مضامين وإدراك مفهوم الكلمات الموجودة فيه، خاصة الكلمات الغريبة والنادرة الاستعمال، وذلك لفهم كلام المعصومين (عليهم السلام) فهماً صحيحاً ودقيقاً وتجنب الاستنباطات الخاطئة. وقد اهتم العلامة المجلسي بهذا الجانب جيداً واتبع هذا النهج في جميع أنحاء كتاب السماء والعالم. على سبيل المثال، في ذيل الخطبة 211 من نهج البلاغة، وقبل الشرح والتفسير، بيّن معاني الكلمات الواردة فيها، ثم شرع في شرح مفاهيم الخطبة.

«مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (ع) وَكَانَ مِنْ اقْتِدَارِ جَبَرُوتِهِ وَبَدِيعِ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ أَنْ جَعَلَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ الزَّاخِرِ الْمُتَرَاكِمِ الْمُتَقَاصِفِ يَبَساً جَامِداً ثُمَّ فَطَرَ مِنْهُ أَطْبَاقاً فَفَتَقَهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ بَعْدَ ارْتِتَاقِهَا فَاسْتَمْسَكَتْ بِأَمْرِهِ وَقَامَتْ عَلَى حَدِّهِ وَأَرْسَى أَرْضاً يَحْمِلُهَا الْأَخْضَرُ الْمُثْعَنْجِرُ وَالْقَمْقَامُ الْمُسَخَّرُ قَدْ ذَلَّ لِأَمْرِهِ وَأَذْعَنَ لِهَيْبَتِهِ وَ…» (المجلسي، 1403هـ، 54: 38).

في البداية، شرح العلامة الكلمات التالية، وبمساعدة علم المفردات وشرح الكلمات، بيّن معنى الحديث قائلاً: «اقتدار» يعني القدرة والتسلط على شيء؛ «جبروت» على وزن فَعَلُوت من جذر «جبر» ويعني التسلط؛ «بديع» يعني المخلوق؛ «لطيف» يعني الدقيق؛ «زَخْرُ البحر» يعني امتلاء البحر وارتفاع مائه؛ «تقاصف» يعني تلاطم أمواج البحر؛ «يَبَس» يعني الجاف؛ «فَطَرَ» يعني خلق؛ «أطباق» جمع طَبَق؛ … «قرارة» يعني المكان الصغير الذي يتجمع فيه الماء؛ «قمقام» يعني البحر؛ «إذعان» يعني الخضوع والطاعة (المجلسي، 1403هـ، 54: 39).

من أسلوب بيان العلامة في تبيين مفردات الأحاديث، يمكن القول إن المجلسي يكتفي بالترجمة البسيطة لمفردات الأحاديث ولا يبذل جهداً آخر في تأصيل المفردات، أو تحليل ودراسة أقوال اللغويين، أو بحث الاحتمالات المتعددة في معنى الكلمة الواحدة. ويبدو أنه، تجنباً لإطالة البحث والخروج عن الهدف الأساسي، يكتفي بذكر المعنى المشهور للمفردات. وبالطبع، فإن المعاني التي ذكرها المجلسي لهذه المفردات موجودة أيضاً في كتب اللغة (راجع: ابن الأثير الجزري، 1367هـ.ش، 5: 22 و 74؛ الراغب الأصفهاني، 1412هـ، 1: 74، 185، 889؛ ابن منظور، 1414هـ، 5: 86 و 13: 172؛ الفراهيدي، 1409هـ، 4: 207، 5: 31؛ المصطفوي، 1368هـ.ش، 1: 112)، على الرغم من أنه لم يستند إليها.

بناءً على هذه النقاط، يمكن بيان منهج العلامة في تبيين المفردات على النحو التالي: يكتفي العلامة في بيان معاني المفردات في كتاب السماء والعالم وسائر كتب مجموعة بحار الأنوار أحياناً بالترجمة البسيطة لمفردات الحديث دون الاستناد إلى مرجع لغوي. وبيان معاني مفردات اقتدار، جبروت، بديع، لطيف، ومتراكم في شرح الحديث المذكور أعلاه هو مثال على ذلك. فهو، دون الاستناد إلى كتاب لغوي، يبيّن «الاقتدار على الشيء» في الخطبة المذكورة بمعنى «القدرة والتمكن منه». وكذلك فيما يتعلق بكلمة «الجبروت»، يذكر معناها ووزنها وجذرها اللغوي. وقد كتب معاني سائر مفردات هذا الجزء من الخطبة على هذا النحو: بديع: مُبدِع، لطيف: دقيق (المصدر نفسه).

وبالطبع، يستند العلامة أحياناً في بيان معنى كلمة ما إلى كلام الكبار، وخاصة علماء اللغة. وهنا أيضاً، يعمل بطريقتين؛ فتارة يكتفي بنقل رأي علماء اللغة، وتارة أخرى، بعد نقل رأي ما، ينقده بنفسه أو بنقل رأي علماء آخرين. على سبيل المثال، يكتب العلامة في خصوص معنى كلمة «اليبس» في الخطبة المذكورة عن أمير المؤمنين نقلاً عن ابن أبي الحديد: «يبس بفتح الباء، هو المكان الذي كان رطباً ثم جف، والشاهد عليه الآية الكريمة ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى﴾ (طه: 77)؛ أما اليبس بسكون الباء، فهو كل شيء جاف بطبيعته ومنذ البداية؛ مثلاً يقال: حطب يبس، أي حطب جاف. وقد بيّن اللغويون الفرق بين هاتين الكلمتين، ولكن هذا الرأي اللغوي عليه إشكال ونقد، لأن الحطب لم يكن جافاً في البداية بل كان رطباً، والأصح أن يقال إن حرف الباء في هذه الكلمة لا حركة له إلا في المواضع التي تستخدم للمكان» (ابن أبي الحديد، 1404هـ، 11: 52؛ وراجع: المجلسي، 1403هـ، 54: 39). ولابن منظور رأي مشابه لرأي ابن أبي الحديد (راجع: ابن منظور، 1414هـ، 6: 261).

وهو في بيان معنى «الأخضر» ينقل عن الكيدري، وفي بيان معنى «المثعنجر» ينقل عن الفيروزآبادي والجزري قائلاً: «قال قطب الدين الكيدري إن أخضر يعني الماء الذي يصفه العرب بالخضرة (راجع: البيهقي الكيدري، 1375هـ.ش، 2: 196). وقال الفيروزآبادي: «مثعنجر» بصيغة اسم الفاعل يعني الماء أو الدمع الجاري، و«مثعنجر» بفتح الجيم وبصيغة اسم المفعول يعني وسط البحر الذي لا يشبه سطح البحر (راجع: الفيروزآبادي، بدون تاريخ، 1: 382). وقال ابن الأثير الجزري في ذكر حديث علي (عليه السلام) «يحملها الأخضر المثعنجر»: «مثعنجر» هو مكان في البحر أعمق وأغزر ماءً، والميم والنون فيه زائدتان، ورواية ابن عباس بهذا المعنى هي: «عِلْمِي بِالْقُرْآنِ فِي عِلْمٍ عَلِيٍّ كَالْقَرَارَةِ فِي الْمُثْعَنْجِرِ» (راجع: ابن الأثير الجزري، 1367هـ.ش، 1: 212؛ المجلسي، 1403هـ، 54: 40).

يظهر الاستناد إلى آيات القرآن كأصل مهم في فقه الحديث في جميع أنحاء كتاب السماء والعالم. فالبدء في أبواب السماء والعالم بالآيات الإلهية يعكس رؤية العلامة المجلسي القائمة على مرجعية القرآن الكريم في كشف صدور وحجية الأحاديث وكذلك فهمها الصحيح. على سبيل المثال، ذكر في أصل كلمة «ففتقناها» في الخطبة السابقة ما يلي: «وقول الإمام علي (عليه السلام) “فَتَقَهَا” إشارة إلى قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (الأنبياء: 30)» (المجلسي، 1403هـ، 54: 43).

مثال آخر في هذا السياق هو الإشارة إلى الأساس القرآني لرواية نقلها ابن قداح عن علي (عليه السلام): «قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) صِيَاحُ الدِّيكِ صَلَاتُهُ وَضَرْبُهُ بِجَنَاحِهِ رُكُوعُهُ وَسُجُودُهُ» (المصدر نفسه، 62: 5). ويرى المجلسي أن هذا الكلام للإمام علي (عليه السلام) مستوحى من الآية التالية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ (النور: 41).

3-3. الاهتمام بالمعاني التركيبية والمفردات المركبة

في علم المفردات، لا يكفي الانتباه إلى المعاني الحقيقية لكل كلمة على حدة؛ إذ إن عدة كلمات متجاورة قد تؤدي معنى لا يُستفاد من مجموع معانيها المفردة (ميرجليلي، 1390هـ.ش، 71). وقد استخدم المعصومون (عليهم السلام) في كلامهم مفردات مركبة مثل المجاز والكناية والاستعارة. وقد ميّز المجلسي في الحالات التي كان فيها مراد المتكلم من الرواية معنى غير المعنى الحقيقي.

1-3-3. المجاز والاستعارة

«المجاز» هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي (التفتازاني، 1381هـ.ش، 243). يثير المجاز في الكلام الفكر والتأمل، ويضفي على الكلام جمالاً وجاذبية، لدرجة أن البلغاء قالوا: «المجاز أبلغ من الحقيقة» (السيوطي، بدون تاريخ، 3: 120).

«الاستعارة» في اللغة مصدر من باب الاستفعال، أي طلب استعارة لفظ مكان لفظ آخر، حيث يستخدم الشاعر في الاستعارة كلمة بدلاً من كلمة أخرى لعلاقة المشابهة. ومن أنواع الاستعارة، الاستعارة التمثيلية والاستعارة المرشحة؛ فالاستعارة التمثيلية هي جملة تُستعمل في غير معناها الأصلي لعلاقة المشابهة، ووجه الشبه فيها صورة منتزعة من أمور متعددة. وإذا جاء بعد الاستعارة صفات أو تفريع كلامي متوافق مع «المستعار منه»، واتجه المتكلم نحو «المستعار منه»، فهي «مرشحة» (الهاشمي، 1381هـ.ش، 343؛ طاهرخاني، 1383هـ.ش، 45).

من الفنون الأدبية والمجازات الشائعة في اللغات، ومنها اللغة العربية التي استخدمها المعصومون (عليهم السلام) أيضاً، أنهم كانوا أحياناً لعرض الحقيقة، يروون قصصاً على لسان الحيوانات أو الأشياء. وقد استخدم أولئك السادة هذا الفن الأدبي في كلامهم بأفضل وأجمل صورة. وقد قبل المجلسي استخدام هذا النوع من المجاز في النصوص الحديثية. على سبيل المثال، في الحديث التالي، اعتبر بيانات الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) على سبيل الاستعارة التمثيلية: «قَالَ النَّبِيُّ (ص): مَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَلْقاً إِلَّا وَقَدْ أَمَّرَ عَلَيْهِ آخَرَ يَغْلِبُهُ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْبِحَارَ السُّفْلَى فَخَرَتْ وَزَخَرَتْ وَقَالَتْ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْأَرْضَ فَسَطَحَهَا عَلَى ظَهْرِهَا فَذَلَّتْ ثُمَّ إِنَّ الْأَرْضَ فَخَرَتْ وَقَالَتْ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَأَثْبَتَهَا عَلَى ظَهْرِهَا أَوْتَاداً مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِمَا عَلَيْهَا فَذَلَّتِ الْأَرْضُ وَاسْتَقَرَّتْ…» (الكليني، 1407هـ، 8: 148؛ المجلسي، 1403هـ، 54: 100).

ثم بيّن المجلسي مقصود كلام الرسول (صلى الله عليه وآله) على النحو التالي: «هذه البيانات جاءت على سبيل الاستعارة التمثيلية، والمقصود أن كل الأشياء – سوى الحق تعالى – مقهورة ومغلوبة لغيرها، والله سبحانه هو القاهر الغالب على ما سواه، وأن الله سبحانه بحكمته في هذه الدنيا يدفع ضرر شيء بشيء آخر لتتحقق الحياة للناس» (المجلسي، المصدر نفسه).

وقد عرّف مؤلف البحار في تتمة الرواية المذكورة حالة أخرى من الاستعارة؛ حيث قدّم العبارة التالية كأفضل الاستعارات: «إِنَّ الرِّيحَ… لَوَّحَتْ أَذْيَالَهَا أَيْ رَفَعَتْهَا وَحَرَّكَتْهَا تَبَخْتُراً وَتَكَبُّراً وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الِاسْتِعَارَاتِ» (المصدر نفسه)؛ أي أن الريح رفعت أذيالها وحركتها تبختراً وتكبراً، وهذا من أفضل الاستعارات. وهنا أيضاً، شُبّهت الريح بإنسان له ذيل وثوب، وهو من باب التكبر والخيلاء يحرّك ذيل ثوبه ويرفعه. وفي هذا الحديث توجد «استعارة مرشحة». وتُشاهد حالات كثيرة من تشخيص استخدام المجاز في كتاب السماء والعالم (المصدر نفسه، 55: 98؛ 60: 27).

2-3-3. الكناية

الكناية في اللغة تعني «ترك التصريح»، وفي الاصطلاح هي «إيراد لفظ يُقصد به لازم معناه مع جواز إرادة ذلك المعنى» (السكاكي، 1937م، 170). وبعبارة أخرى، «الكناية» هي إيراد ملازم معنى أو أحد ملازماته بدلاً من المعنى نفسه (الجرجاني، 1368هـ.ش، 52)؛ وبتعبير آخر، الكناية هي أن يعبّر المتكلم عن معنى قبيح بلفظ جميل، وعن معنى نجس بلفظ طاهر، وعن معنى غير لائق بعبارة لائقة؛ وهذا في حال أراد المتكلم أن ينزّه كلامه عن العيب (المصري، 1368هـ.ش، 152). يعتقد العلامة المجلسي بوجود الكناية في كلام المعصومين (عليهم السلام). على سبيل المثال، في ذيل الخطبة السابقة للإمام علي (عليه السلام) بخصوص عبارة «قَامَتْ عَلَى حَدِّهِ» (المجلسي، 1403هـ، 54: 38)، يكتب: «قيامها على حده؛ كناية عن استقرار كل من السماوات في مكانها بحجم وشكل وهيئة وطبيعة محددة وعدم خروجها عن هذا الحد» (المصدر نفسه: 40).

كذلك؛ حمل العلامة الرواية التالية عن الإمام الصادق (عليه السلام) على الاستعارة أو الكناية: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَا مُحَمَّدُ إِنِّي خَلَقْتُكَ وَعَلِيّاً نُوراً يَعْنِي رُوحاً بِلَا بَدَنٍ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَ سَمَاوَاتِي وَأَرْضِي وَعَرْشِي وَبَحْرِي فَلَمْ تَزَلْ تُهَلِّلُنِي وَتُمَجِّدُنِي ثُمَّ جَمَعْتُ رُوحَيْكُمَا فَجَعَلْتُهُمَا وَاحِدَةً فَكَانَتْ تُمَجِّدُنِي وَتُقَدِّسُنِي وَتُهَلِّلُنِي ثُمَّ قَسَمْتُهَا ثِنْتَيْنِ وَقَسَمْتُ الثِّنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ فَصَارَتْ أَرْبَعَةً مُحَمَّدٌ وَاحِدٌ وَعَلِيٌّ وَاحِدٌ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ثِنْتَانِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ فَاطِمَةَ مِنْ نُورٍ ابْتَدَأَهَا رُوحاً بِلَا بَدَنٍ ثُمَّ مَسَحَنَا بِيَمِينِهِ فَأَفْضَى نُورَهُ فِينَا» (الكليني، 1407هـ، 1: 440).

اعتبر المؤلف، فيما يتعلق بالأسلوب البلاغي المستخدم في عبارة «مَسَحَنَا بِيَمِينِهِ»، إطلاق المسح واليمين من باب الاستعارة عن إظهار اللطف والمحبة، وكتب: «إطلاق المسح واليمين في حق الله كلاهما هنا استعارة، لأن من يظهر اللطف لغيره يمسح عليه بيده اليمنى، أو أن اليمين كناية عن الرحمة» (المجلسي، 1403هـ، 54: 195). إن فهم العلامة المجلسي لهذه الجملة من الحديث صحيح؛ لأن الله ليس جسماً ليكون له يد يمنى ومسح بهذه اليد. إذن، جملة «مَسَحَنَا بِيَمِينِهِ» إما أن تكون بمعنى مجازي لإظهار اللطف الإلهي بأهل البيت، وإما كناية عن رحمة الله بهم.

وتأييداً لرأي هذا المحدث، بيّن محمد صالح المازندراني أيضاً في شرح الكافي، الأسلوب البلاغي المستخدم في المصطلح المذكور على سبيل المجاز والاستعارة والتمثيل (المازندراني، 1382هـ.ش، 7: 139).

3-3-3. معرفة رسالة الأمثال الواردة في الأحاديث

في ثقافة كل أمة توجد أمثال تحمل معانٍ غزيرة بألفاظ محدودة (ميرجليلي، 1394هـ.ش، 137). ويستفيد الخطباء والأدباء استفادة جيدة من فن «ضرب المثل» لفصاحة كلامهم وبلاغته. ولهذا الفن فوائد جمة، منها: الإيجاز في اللفظ، إيصال المعاني بشكل صحيح، الموعظة، النصح، التحفيز والتشويق، المنع، أخذ العبرة، توضيح المعاني الخفية، وكشف الحقائق (الزرعي، 1427هـ، 141؛ الزمخشري، 1407هـ، 1: 195؛ البلاغي، 1414هـ، 1: 167).

وفي روايات المعصومين (عليهم السلام) أيضاً، تُشاهد أمثال كثيرة. وإذا لم يُراعَ في فهم الحديث استخلاص الرسالة الأساسية للمثل بدقة، فلن يكون مراد المعصوم (عليه السلام) مفهوماً لكثير من الناس – خاصة من الأمم غير العربية. وقد أدرك العلامة المجلسي هذه النقطة جيداً واعتبرها في شرح روايات كتاب السماء والعالم. على سبيل المثال، في ذيل كلام النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): «ثُمَّ إِنَّ الْمَوْتَ فَخَرَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا تَفْخَرْ فَإِنِّي ذَابِحُكَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ ثُمَّ لَا أُحْيِيكَ أَبَداً فَتُرْجَى وَتُخَافُ» (المجلسي، 1403هـ، 54: 99)، اعتبر تعبير «ذبح الموت» من باب ضرب المثل، وأوضح قائلاً: «لعل المقصود بـ«ذبح الموت» هو قطع رأس شيء باسمه ليفهم كلا الفريقين أن الموت قد رُفع عنهم بشكل ملموس، هذا إن لم نقل إن الأعراض تتجسد في النشأة الأخرى» (المصدر نفسه: 100).

4-3. نقد الحديث

أولى أصحاب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الكرام اهتماماً خاصاً منذ صدر الإسلام بجمع وتدوين وضبط أقوالهم (الجلالي، 1418هـ، 563-566)؛ ولكن للأسف، اختلط هذا التراث القيم بشوائب بسبب مجموعة من العوامل التي حدثت في تاريخ الحديث، ودخل عدد من الروايات الضعيفة أو الأخبار الموضوعة في هذه الكنوز الثمينة (المجلسي، 1403هـ، 2: 250؛ الكشي، 1409هـ، 224).

وفي هذا السياق، سعى المحدثون والعلماء المسلمون باستمرار إلى نقد الروايات بمعايير سندية وأحياناً متنية، وإزالة جزء من هذه الشوائب. ويُعد تدوين كتب الرجال وفقه الحديث من قبل العلماء المسلمين في هذا السياق. ويمكن اعتبار العلامة المجلسي، بحق، من أبرز المفكرين في هذا المجال؛ فهو لم يغفل عن روح النقد عند نقل الأحاديث. على سبيل المثال، في شرحه لكلمات آية ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (الأعراف: 54)، أشار إلى حديث عن ابن عباس مفاده أن مقدار «اليوم» في الآية المذكورة هو بمقدار أيام الآخرة، وكل يوم منها يعادل ألف سنة من سنوات الدنيا (ابن أبي حاتم، 1419هـ، 5: 1496).

وبعد نقل هذه الرواية، انتقدها المجلسي مستعيناً بالأدلة العقلية ورواية أخرى أضبط، قائلاً: «المشهور أن المقصود بالأيام هنا هو مقدار أيام الدنيا؛ وقد رُوي عن ابن عباس أن المقصود هو أيام الآخرة التي يعادل كل يوم منها ألف سنة مما تعدون. أقول: لا يمكن صرف الآية عن ظاهرها بهذا الخبر، لأن الله كان قادراً على خلق كل شيء في طرفة عين، ولكنه خلق العالم في ستة أيام تدريجياً ليكون عظة للملائكة الذين خلقهم من قبل، لأن الاعتبار في التدريج أبلغ – كما جاء في خبر – أو ليعلم أن هذه كلها صدرت عن خالق قادر مختار عليم بالمصالح والحكم؛ لأنه لو صدرت عن فاعل غير مختار لتحققت كلها في آن واحد. أو ليعلّم الناس التأنّي في الأمور وعدم العجلة، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لو شاء لخلقها في أقل من طرفة عين، ولكنه جعل الأناة والمداراة مثلاً لأمنائه وحجة على خلقه».1» (المجلسي، 1403هـ، 54: 6).

5-3. تكوين أسرة الحديث

المقصود بتكوين أسرة الحديث هو العثور على الروايات المتشابهة والمتحدة في المضمون والمتناولة لموضوع واحد. فبناءً على العقيدة الكلامية الشيعية، فإن جميع الأئمة نور واحد (ابن أبي زينب، 1397هـ، 95) وعلمهم ينبع من مصدر واحد؛ ولذلك فإن كلامهم يصدّق بعضه بعضاً ويتوافق (الكليني، 1407هـ، 2: 85)؛ لذا يجب النظر في مجموع كلامهم حول موضوع ما ثم شرح الرواية. وقد اهتم مؤلف السماء والعالم بهذه النقطة المهمة واتبع هذا المنهج في تأليف كتابه.

من أمثلة تكوين أسرة الحديث، الروايات التي أوردها المجلسي تحت عنوان أبواب الملائكة. فهو بعد عرض الآيات القرآنية المتعلقة بهذا الموضوع وبيان تفسيرها، ذكر 84 حديثاً حول الملائكة وأحوالهم. وفي النهاية، شرح بالتفصيل وجهة نظره النهائية حول حقيقة الملائكة وصفاتهم وشؤونهم وأطوارهم، مستنداً إلى آيات القرآن ومستشهداً بروايات هذه الأسرة الحديثية (المجلسي، 1403هـ، 56: 171-245).

6-3. معرفة سبب وفضاء صدور الروايات

صدرت أحاديث المعصومين (عليهم السلام) في ظروف زمانية ومكانية مختلفة وبدوافع وأهداف خاصة، ونشأت عن أسباب وعلل متنوعة. إلا أن عوامل مثل قلة كتابة الأحاديث، وعدم الدقة في نقل الروايات، والنقل الشفهي، ووضع الحديث وغيرها، لم تؤدِ فقط إلى حدوث اضطرابات في فهم الأحاديث، بل أدت أيضاً إلى حذف أو نسيان كثير من أسباب صدور الأحاديث. ولا يتحقق الفهم الحقيقي لمعاني الحديث إلا بالانتباه إلى القرائن المؤثرة في فهمه، ومنها سبب وفضاء صدوره. وقد كانت هذه النقطة محل اهتمام مفكري التفسير أيضاً، وفي هذا السياق قيل: «سيرة العقلاء في المحاورات هي أنهم يفهمون معنى ومقصد أي كلام بالنظر إلى الفضاء الذي صدر فيه. أي أنهم يعتبرون سبب وزمان ومكان صدور الكلام، وثقافة وذهنية الأفراد وقت صدوره قرينة متصلة بالكلام ويعدونها مؤثرة في تحديد معناه» (بابائي، 1386هـ.ش، 1: 106). ومن هذه الظروف، التقية التي سنبحثها لاحقاً.

1-6-3. الحمل على التقية

التقية في الاصطلاح الديني هي «ستر الاعتقاد الباطني وكتمانه عن المخالفين تجنباً للأضرار المادية والمعنوية» (الهاشمي، 1387هـ.ش، 363). كانت التقية وسيلة يحفظ بها المسلمون أنفسهم من الأخطار كلما كانوا في أقلية. وهي طريقة عقلانية توجد في جميع المجتمعات البشرية، حيث إن الجماعة التي ترى حريتها مسلوبة، تتظاهر بالمداراة مع الحكام لتحفظ قواها البشرية وغير البشرية. بالإضافة إلى ذلك، التقية حكم شرعي بيّنه أئمتنا المعصومون (عليهم السلام) لحفظ أرواح الشيعة من الظالمين والمستبدين من بني أمية وبني العباس (كوراني، 1379هـ.ش، 29).

وعلى الرغم من أن محققي أهل السنة حصروا التقية في الشيعة وأرادوا أن يصفوها بأنها عامل نفاق وضعف (أبو زهو، 1404هـ، 90)؛ إلا أن الحقيقة هي أن التقية أصل إسلامي يجب العمل به عند الضرورة، ومشروعيتها مستفادة من القرآن الكريم2، وسيرة النبي (صلى الله عليه وآله) (ابن كثير، 1396هـ، 3: 355)، وسيرة الأئمة (عليهم السلام).3

بالطبع، كان للتقية كدرع دفاعي استخدام أكبر في تاريخ الشيعة السياسي والفقهي، وهذا ناتج عن ظروف الخناق التي فرضها الخلفاء على المجتمع، مما جعل ضرورة التقية محسوسة للحفاظ على كيان الشيعة وآثارهم العلمية والمذهبية. ولذلك، أكد الأئمة الأطهار (عليهم السلام) أيضاً على استخدام أصل التقية4، وربما كان كل منهم يمارس التقية بطريقة تتناسب مع ظروف عصره.

من الأمور التي حظيت باهتمام كبير من العلامة المجلسي في المجلد 14 من بحار الأنوار، وجود ظروف التقية في بعض الروايات. وقد أشار العلامة إلى وجود التقية في كثير من الروايات، وبذلك حل كثيراً من التعارضات الموجودة فيها. على سبيل المثال، نُقل عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه كتب في جواب سؤال حول كون القرآن مخلوقاً أم غير مخلوق: «… إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُحْدَثٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ…» (الصدوق، 1398هـ، 227؛ المجلسي، 1403هـ، 54: 84)؛ «… القرآن كلام الله ومحدث وليس بمخلوق…».

ولرفع التعارض الموجود في كلام الإمام هذا، اعتبر الشيخ الصدوق كلمة «مخلوق» في هذا الحديث بمعنى «كذب»، وفسر الحديث على هذا النحو: «القرآن كلام الله وليس بكذب»، واستشهد بالآية التالية: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ (العنكبوت: 17)؛ أي «إنما تعبدون من دون الله أصناماً لا أثر لها، وتختلقون في تسميتها آلهة وشفعاء ومقربين كذباً» (الصدوق، 1398هـ، 225 و 229)؛ أما العلامة المجلسي، فنظراً لظروف صدور الرواية، فقد حملها على التقية، وصرح بأن هذا الأسلوب كان نوعاً من التقية أو الورع، لأن المخالفين كانوا يمنعون بشدة إطلاق لفظ «مخلوق» على القرآن (المجلسي، 1403هـ، 54: 85).

جدير بالذكر أن في المصادر الروائية أحاديث كثيرة تشير إلى حدوث القرآن وعدم أزليته (راجع: العياشي، 1380هـ.ش، 1: 7؛ الصدوق، 1398هـ، 223-227؛ ابن شهر آشوب، 1379هـ.ش، 4: 436)، وهي تؤيد رأي العلامة (المجلسي، 1403هـ، 5: 31).

7-3. الاهتمام بالمحكم والمتشابه

يتطلب الفهم الصحيح لكلام المعصومين (عليهم السلام) أدوات وعلوم وفنون خاصة، ولا يمكن الوصول إلى عمق معاني الروايات بمجرد ترجمتها. ومن هذه الفنون، معرفة المحكم والمتشابه وإرجاع المتشابهات إلى المحكمات. يقول الإمام علي (عليه السلام) في هذا الصدد: «إِنَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَنَهْيَهُ نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ مِثْلُ الْقُرْآنِ، وَخَاصٌّ وَعَامٌّ وَمُحْكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ» (الطبري، 1415هـ، 234؛ النوري، 1408هـ، 17: 341)، وقال الإمام الرضا (عليه السلام) في هذا الشأن: «إِنَّ فِي أَخْبَارِنَا مُحْكَماً كَمُحْكَمِ الْقُرْآنِ وَمُتَشَابِهاً كَمُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ فَرُدُّوا مُتَشَابِهَهَا إِلَى مُحْكَمِهَا وَلَا تَتَّبِعُوا مُتَشَابِهَهَا دُونَ مُحْكَمِهَا فَتَضِلُّوا» (الحر العاملي، 1403هـ، 27: 115؛ النوري، المصدر نفسه، 345).

بيّن المجلسي في شرح الرواية المذكورة عن الإمام الرضا (عليه السلام) وجهة نظره في تعريف المحكم والمتشابه، معتقداً أن الرواية المتشابهة هي التي تحتمل معاني متعددة، أما الرواية المحكمة فهي التي لها معنى واحد. ويجب على المحقق عند مواجهة رواية متشابهة ومعانٍ متعددة ومحتملة، أن يقبل المعنى الوارد في الروايات المحكمة (المجلسي، 1403هـ، 2: 185).

وقد ميّز المجلسي، عند بيانه لرأيه حول الأحاديث التي نقلها، بين العبارات المحكمة والمتشابهة. وفي الحديث التالي، ذكر مثالاً على ذلك: «عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنِ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ فَقَالَ إِنَّ لِلْعَرْشِ صِفَاتٍ كَثِيرَةً مُخْتَلِفَةً لَهُ فِي كُلِّ سَبَبٍ وَصُنْعٍ فِي الْقُرْآنِ صِفَةٌ عَلَى حِدَةٍ فَقَوْلُهُ ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾5 يَقُولُ الْمُلْكُ الْعَظِيمُ وَقَوْلُهُ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾6 يَقُولُ عَلَى الْمُلْكِ احْتَوَى…» (الصدوق، 1398هـ، 321). وبعد أن شرح المجلسي تفسيره واستنباطه لأوصاف العرش والكرسي بالتفصيل، اعتبرها من المتشابهات (المجلسي، 1403هـ، 55: 33).

8-3. الاستفادة من العلوم التجريبية في طرح المفاهيم والمعارف التخصصية

على الرغم من أن الشأن الخاص للمعصومين (عليهم السلام) هو الهداية نحو السعادة الحقيقية، إلا أنهم لم يتركوا البشر دون كلام في العلوم الدنيوية. فالأحاديث في فروع العلوم المختلفة مثل العرفان، والفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم الكون، وعلم الأحياء، والطب وغيرها مليئة بالكلام النقي، ولديها القدرة على أن تكون موضوع بحث علمي. ومن الطبيعي أنه لا يمكن نقل مفاهيم هذا النوع من المباحث التخصصية إلى القراء بمجرد ترجمة ألفاظ وعبارات الأحاديث.

وقد فسّر العلامة المجلسي بعض الأحاديث بناءً على معلوماته في العلوم التجريبية. على سبيل المثال، نقل أبو ذر قوله: «كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) عَلَى جَمَلٍ فَرَأَى الشَّمْسَ حِينَ غَابَتْ فَقَالَ أَتَدْرِي يَا أَبَا ذَرٍّ أَيْنَ تَغْرُبُ هَذِهِ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَامِئَةٍ» (المصدر نفسه، 55: 126). ظاهر هذا الحديث الذي يبيّن غروب الشمس في عين ماء، غير مقبول على الإطلاق، ولذلك فإن تفسير العلامة المجلسي للحديث المذكور جدير بالاهتمام. فهو، مستعيناً بعلم الكون، فسّر غروب الشمس في عين حارة عند الغروب خلافاً للمعنى الظاهر، وكتب: «بالدليل الثابت، الأرض كروية والسماء تحيط بها، ولا شك أن الشمس في السماء… بالإضافة إلى ذلك، الشمس أكبر من الأرض بعدة مرات، فكيف يعقل أن تدخل في عين ماء في الأرض؟» (المجلسي، 1403هـ، 55: 126).

4. النتيجة

بالإضافة إلى إحياء نسخ نفيسة وأحياناً فريدة من الحديث وتقديم تصنيف مبتكر وشامل للأحاديث، بذل العلامة محمد باقر المجلسي جهداً كبيراً في شرح وتفسير متون الحديث، وسعى جاهداً في توضيح المفردات وشرح الأحاديث المشكلة. أهم مباني العلامة المجلسي في شرح الروايات في كتاب «السماء والعالم» هي: إحراز صحة المتن، شرح مفهوم المفردات الواردة في الروايات بالاستعانة بآيات القرآن وآراء كبار اللغويين، الاهتمام بالمعاني التركيبية للمفردات المركبة كالمجاز والكناية والاستعارة وضرب المثل، نقد الحديث، الاستفادة من الآيات ذات الصلة، الاستفادة من الأحاديث المشهورة والمرتبطة وتكوين أسرة الحديث، معرفة سبب وفضاء صدور الروايات، الاهتمام بالمحكم والمتشابه، الاستفادة من العلوم التجريبية في طرح المفاهيم والمعارف التخصصية. وبناءً على ذلك، يمكن طرح منهج العلامة ومبانيه كنموذج لفهم أفضل لأقوال المعصومين (عليهم السلام). فقد اقترب، مستفيداً من مدخراته الغزيرة في المباحث التفسيرية والعلوم القرآنية والعلوم الحديثية والعلوم التجريبية وغيرها، خطوة بخطوة من مفهوم ومقصد الحديث، ووضع فهمه بسخاء في متناول الآخرين.

الهوامش

1. «خلق السماوات والأرض في ستة أيام ولو شاء لخلقها في أقل من لمح البصر ولكنه جعل الأناة والمداراة أمثالاً لأمنائه وإيجاباً للحجة على خلقه» (الطبرسي، 1403هـ، 1: 254؛ البحراني، 1374هـ.ش، 4: 526).

2. من ذلك في سورة آل عمران: 28، في جواز موالاة المسلمين لأهل الكتاب من حلفائهم تقيةً؛ وسورة النحل: 106، في جواز إظهار الشرك والكفر تقيةً؛ وسورة يس: 14، في بيان تقية أحد ممثلي المسيح (ع) في أنطاكية لحفظ النفس وتقوية الممثلين الآخرين؛ وسورة غافر: 28، في كتمان إيمان مؤمن آل فرعون؛ وسورة الصافات: 83-93، في بيان تظاهر النبي إبراهيم (ع) بالمرض بقصد تحطيم الأصنام، وغيرها من الموارد.

3. راجع: الكليني، 1407هـ، 1: 65؛ الطوسي، 1390هـ.ش، 1: 117؛ الحر العاملي، 1409هـ، 11: 459-512.

4. يقول الإمام الصادق (ع): «إِنَّ التَّقِيَّةَ دِينِي وَدِينُ آبَائِي…» (البرقي، 1371هـ.ش، 1: 255)؛ أي: «التقية ديني ودين آبائي».

5. النمل: 26؛ المؤمنون: 86.

6. طه: 5.

Scroll to Top