مكانة روايات سبب النزول ووظائفها ومعايير نقدها في تفسير أطيب البيان

المستخلص

من العلوم الضرورية لتفسير القرآن الكريم العلم بأسباب نزول الآيات. وقد أولى المفسرون وعلماء القرآن اهتماماً بأسباب النزول والدور الذي تؤديه في فهم القرآن، واستفادوا منها بأشكال متنوعة. يمكن لروايات سبب النزول أن تؤدي وظائف متعددة، مثل تعيين معنى المفردة، وتحديد زمن نزول الآيات والسور، وتبيين آيات الأحكام، وإيضاح المبهمات والمتشابهات، وتفصيل الجزئيات المتعلقة بقصص القرآن، خاصة الآيات المرتبطة بأحداث زمن النبي (ص). تتناول هذه المقالة، بمنهج وصفي-تحليلي، دراسة مكانة روايات أسباب النزول ووظائفها ومعايير نقدها في تفسير “أطيب البيان”، الذي يُعد من التفاسير الشيعية المعاصرة. بعد دراسة التفسير بشكل كامل، تم في البداية عرض معلومات شاملة وكلية حول مكانة روايات سبب النزول ومقدار الاستفادة منها وكيفية نقلها، ومن ثم تم بيان وظائف تلك الروايات في التفسير. ويشكل بيان معايير نقد وتحليل روايات سبب النزول من وجهة نظر السيد عبد الحسين الطيب، مع تحليل نقدي لتلك المعايير، الجزء الأخير من هذه المقالة. تكشف نتائج البحث أن مفسّر “أطيب البيان” يتبنى رؤية نقدية كاملة تجاه روايات سبب النزول، ويعتمد على معايير لنقد الروايات وتحليلها وحل التعارض بين المتعارضات منها.

۱. طرح المسألة

في القرن الرابع عشر الهجري، برزت في العالم الإسلامي نهضة إصلاحية تمخضت عن العودة إلى القرآن والسنة الحقيقية وإعادة فتح باب الاجتهاد. هذه النهضة أو الحركة التي انطلقت من مصر ثم امتدت إلى إيران وسوريا ولبنان وشمال أفريقيا وتركيا وأفغانستان والهند، كانت إلى حد ما رد فعل على الهجوم الاستعماري السياسي والاقتصادي والثقافي الغربي، وتُعتبر بمثابة نهضة في العالم الإسلامي (مطهري، ۱۳۷۲ش: ۱۲). كان من رواد هذه النهضة وقادتها شخصيات بارزة مثل السيد جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وإقبال لاهوري، وسيد قطب، والسير سيد أحمد خان، ورشيد رضا، وغيرهم، الذين رأوا في القرآن والسنة الحقيقية للنبي الأكرم (ص) سبيل نجاة البشرية والمسلمين من التخلف، وبعبارة أخرى، اعتبروها ركن الإسلام في جميع أبعاده الفردية والاجتماعية. إلا أنهم كانوا يعتقدون بضرورة نقد السنة بدقة (خرمشاهي، ۱۳۶۴ش: ۱۸). هذا التوجه النقدي تجاه الروايات ألقى بظلاله على تفسير القرآن أيضاً، وأسفر عن اهتمام متزايد بالعقل والمدركات العقلية، وفتح باب الاجتهاد، وانتشار منهج تفسير القرآن بالقرآن، وتضاؤل دور الروايات في التفسير (الذهبي، بي تا، ۲: ۵۶۷-۵۷۵)، لدرجة أن بعض المفسرين مثل السير سيد أحمد خان قد غلوا في الاتجاه العقلي، فقاموا بحل جميع التعارضات لصالح العلم والعقل وعلى حساب الدين والوحي، وسلكوا نفس المسار الذي سلكه المفكرون المتدينون في الغرب (معرفت، ۱۳۷۹ش، ۲: ۵۱۲).

لم يكن هذا التحول في تفاسير القرن الرابع عشر في العالم السني بمنأى عن التأثير على تفاسير الشيعة أيضاً. فمن خلال دراسة تفاسير مثل “الميزان” و”پرتوى از قرآن” و”الكاشف” و”من وحي القرآن” و”أطيب البيان” ومعظم تفاسير هذه الفترة، يمكن ملاحظة هذا التأثير بوضوح.

في هذا السياق، لم يغفل السيد عبد الحسين الطيب، مع استفادته الواسعة من العقل ومنهج تفسير القرآن بالقرآن واهتمامه بالاجتهاد في التفسير، عن الدور الفريد للروايات في فهم آيات القرآن. وقد استفاد في مختلف مواضع تفسيره “أطيب البيان” من جميع أنواع الروايات التفسيرية، ومنها روايات سبب النزول، في مناسبات شتى وبشكل وافر. ولهذا السبب، اكتسبت هذه الروايات في تفسير “أطيب البيان” وظائف متنوعة. ولكن، بما أن هذه الروايات تعاني من ضعف وسقم في بعض المواضع من حيث السند والمتن، فقد تبنى المفسر منهجاً نقدياً بالكامل تجاه روايات سبب النزول، ولم يكتفِ بنقلها تحت الآيات، بل عمد إلى تحليل ونقد روايات سبب النزول، وخاصة النقد المتني، بناءً على معايير سيتم تفصيلها لاحقاً. إن دراسة وظائف روايات سبب النزول وبيان معايير نقدها تشكل هدف هذه المقالة.

۲. سابقات البحث

فيما يتعلق بسابقات البحث، يمكن القول إنه قد كُتبت حول عموميات تفسير “أطيب البيان” رسائل جامعية ومقالات، منها: رسالة “بررسی قواعد تفسیری در تفسیر اطیب البیان” (۱۳۹۲ش)، لمحمد عظيم زاده، كلية علوم القرآن بقم؛ ومقالات مثل “سیری در تفسیر اطیب البیان” (۱۳۸۷)، لحسن رهبر، مجلة “پژوهش های قرآنی”، العدد ۵۳؛ “چشم اندازی بر تفسیر اطیب البیان” (۱۳۷۷)، لأيوب هاشمي، مجلة “فرهنگ اصفهان”، العددان ۷ و ۸؛ “شرح حال و معرفی تفسیر آیت الله سیدعبدالحسین طیب” (۱۳۷۶)، لأيوب هاشمي، مجلة “بینات”، العدد ۱۶؛ “روش شناسی تفسیر اطیب البیان” (۱۳۹۲): لمحمدرضا حاجي اسماعيلي وأيوب هاشمي، مجلة “تفسیر و زبان قرآن”، العدد ۱. ولكن لم يُبذل في أي من هذه الأعمال جهد يذكر حول دور الروايات في هذا التفسير، وخاصة مكانة ووظائف روايات سبب النزول ومباني نقدها في “أطيب البيان”. ويأتي هذا على وجه الخصوص مع الأخذ في الاعتبار أن المفسر يعتقد بضرورة أن تكون الروايات التفسيرية، ومنها روايات سبب النزول، صادرة عن المعصوم (ع)، وأنه لا يعتمد على أحاديث غير المعصومين (ع). من هذا المنطلق، يمكن أن تكون هذه المقالة جديدة.

۳. التعريف بالسيد عبد الحسين الطيب وتفسيره أطيب البيان

ولد السيد عبد الحسين الطيب في أصفهان عام ۱۳۱۲ هـ. وبعد فترة، انتقل إلى قم لمتابعة دراسته، ثم رحل إلى النجف الأشرف. بعد إتمام دراسته، عاد إلى أصفهان، حيث انشغل لأكثر من خمسين عاماً بتفسير القرآن وهداية الناس (أيازي، ۱۳۸۶ش: ۱۴۴؛ الطيب، ۱۳۶۸ش، ۳۳: ۳۱). وإضافة إلى اجتهاده في الفقه والأصول، يُعد أيضاً من المتكلمين المعاصرين، وقد استفاد من علماء مثل العلامة البلاغي صاحب تفسير “آلاء الرحمن”. عاش الطيب في زمان وظروف بذل فيها المبشرون المسيحيون في إيران، وخاصة في أصفهان، كل جهودهم للتبشير بدينهم وعقيدتهم. في مثل هذه الظروف، شمّر هو الآخر عن ساعد الجد للدفاع عن العقائد والقيم الإسلامية والتشيع، وبالإضافة إلى تأليف أعمال مثل “كلم الطيب” و”العمل الصالح” في علم الكلام والدفاع عن عقائد الشيعة، شرع في تأليف تفسير للقرآن بالاستناد إلى الروايات المروية عن المعصومين (ع). وحول سبب تسمية التفسير بـ”أطيب البيان”، يقول: “بما أنني استعنت في تفسير آيات القرآن بأحاديث أهل البيت وبيانات آل النبوة ومعادن العلم والحكمة الإلهية، وحقاً إن بياناتهم هي أفضل وأطهر البيانات في تفسير القرآن، وهذا الثوب لا يليق إلا بقاماتهم، لذا سميت هذا الكتاب أطيب البيان في تفسير القرآن” (۱: ۳).

يتميز نثر هذا العمل بالبساطة والإتقان والدقة (عقيقي بخشايشي، ۱۳۸۷ش، ۱۰۴۸)؛ ولا يولي اهتماماً كبيراً لأقوال المفسرين السابقين، ولكنه يستفيد من الروايات بكثرة (أيازي، ۱۳۸۱ش، ۱۷۵). يصر السيد عبد الحسين الطيب في استخدامه للروايات التفسيرية على أحاديث المعصومين (ع)، ويمكن القول بجزم إن هذا التفسير، بالإضافة إلى كونه تفسيراً للقرآن بالقرآن، هو تفسير يعتمد على أخبار وأحاديث أهل البيت (ع) أيضاً. من وجهة نظر الطيب، يجب في تفسير القرآن الرجوع إلى كلام النبي الأكرم (ص) ومبيني القرآن، أما الرجوع إلى مفسري العامة مثل عكرمة ومجاهد وعطاء والحسن البصري والضحاك بن مزاحم وقتادة ومقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان والفخر الرازي وأمثالهم، فليس صحيحاً ولا اعتبار ولا اعتماد لكلامهم (۱: ۲۳). من هنا، نادراً ما استعان المفسر بالروايات غير الشيعية (۴: ۱۹۶).[1] من وجهة نظر مفسر “أطيب البيان”، فإن القراءة المعتبرة والمتواترة للقرآن هي قراءة عاصم، وقد أشار مراراً إلى عدم اعتبار القراءات السبع في تفسيره (۱: ۲۸، ۳۱؛ ۲: ۵۶؛ ۳: ۳۹۰).

من النقاط الجديرة بالاهتمام في تفسير “أطيب البيان” عدم اكتراث المفسر بتناسب الآيات والسور، وقد راعى هذا المبدأ في التفسير أيضاً، حيث إنه عادة ما يورد الترجمة والتفسير آية بآية وبشكل منفصل، إلا في حالات استثنائية يكون فيها ارتباط عدة آيات ببعضها مقبولاً لديه تماماً. والسبب في ذلك من وجهة نظر المفسر هو أن الترتيب الحالي لآيات القرآن لا يتوافق مع ترتيب النزول. وهو يقول في هذا الصدد: “من المسلم به أن ترتيب نزول القرآن لم يكن بهذا الترتيب الحالي، وكم من سور قرآنية نزلت في أول البعثة وضُبطت في أواخر القرآن، والعكس صحيح، وكم من آيات شريفة أُدرجت في سورة وهي من سورة أخرى، وكم من أجزاء آية كانت جزءاً من آية أخرى، مثل «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» وآية «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ» وغيرها، وكم من آيات سابقة أُخّرت وآيات لاحقة قُدّمت، مثل آية «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» التي قُدمت على «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ»؛ لذا لا ينبغي مراعاة النظم” (۴: ۹). النقطة الأخيرة هي أن تفسير “أطيب البيان” يتميز بتوجه كلامي شيعي، وهذا التوجه هو الذي أثر في نقد وتحليل روايات سبب النزول – كما سيأتي بيانه في سياق البحث. وقد توفي رحمه الله عن عمر يناهز ۱۰۱ عاماً في عام ۱۳۷۰ هـ.ش ودُفن في مسجد الكازروني بأصفهان.

۴. مكانة روايات سبب النزول في تفسير أطيب البيان

من أهم أدوات تفسير القرآن الاهتمام بالقرائن التاريخية لزمن نزول الآيات وموقعه وظروفه، وهو ما يُعرف بـ”سبب النزول”. وتكمن أهمية معرفة هذه الروايات في أنه، بحسب اعتقاد علماء علوم القرآن مثل الواحدي النيسابوري، لا يمكن معرفة مراد ومقصد بعض الآيات الإلهية دون الاطلاع على سبب نزولها (الواحدي، ۱۴۱۱ق، ۱۰). على سبيل المثال، في آية «فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» (البقرة: ۱۱۵)، دون الانتباه إلى أسباب النزول، يوحي ظاهر الآية بأن التوجه إلى القبلة ليس واجباً على المصلي، ويمكنه أن يقف ويصلي في كل الحالات والظروف متجهاً إلى أي جهة. في حين أن هذا الحكم يخالف إجماع المسلمين، لأن التوجه إلى القبلة شرط لصحة الصلاة؛ ولكن بملاحظة سبب النزول، ندرك أن حكم الجواز في الآية الشريفة إما خاص بمن يصلي النافلة راكباً على دابته، أو بمن لا يعرف اتجاه القبلة، أو بمن صلى بالخطأ إلى غير القبلة. وهذا المعنى لا يُعلم إلا بالانتباه إلى سبب النزول (العروسي الحويزي، ۱۴۱۵ق، ۱: ۱۱۸).

أما عن عدد روايات سبب النزول، فلا يوجد اتفاق بين العلماء. تشير دراسات العلماء إلى أن مجموع روايات أسباب النزول يصل إلى حوالي ۹۰۰ رواية، نُقلت في ذيل حوالي ۶۰۰ آية، وأكثر من نصفها عن الصحابة، ومن بينهم نُقلت أكثر من ۳۰۰ رواية عن ابن عباس، وتليه في الكثرة جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعائشة، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأبو هريرة (دشتي، ۱۳۸۲ش، ۲: ۶۶۴). وبالطبع، يختلف استخدام كل مفسر لهذا النوع من الروايات. على سبيل المثال، ذكر الشيخ الطوسي في تفسير التبيان شأن نزول حوالي ۴۳۶ آية (المحقق، ۱۳۶۴ش، مقدمة)، ورشيد رضا في المنار ۱۷۷ مورداً، والألوسي في روح المعاني ۶۷۳ مورداً، والطبرسي في مجمع البيان ۲۵۹ مورداً، والعلامة الطباطبائي في الميزان ۲۷۳ مورداً (حسيني، ۱۳۷۴ش، ۲۴۳). كما يلاحظ، فقد استفاد المفسرون من روايات أسباب النزول، ولكن يجب الأخذ في الاعتبار أن كل ما ذُكر في كتب التفسير تحت الآيات كسبب أو شأن للنزول، أو ما جُمع في كتب أسباب النزول، ليس موثوقاً به؛ لذا، من الضروري أولاً التحقيق في الروايات المتعلقة من حيث صدور المتن ودلالته وسلامته من المعارض، وبعد إثبات صحتها، يمكن الاستعانة بها في التفسير.

على أي حال، ما يهم هو أنه لا يوجد مفسر يستغني عن هذه الفئة من الأخبار، ولم ولن يكون. وهذه النقطة، على الرغم من الضعف في كثير من روايات سبب النزول، لا يمكن لأحد أن ينكر وجود روايات معتبرة تماماً وذات قيمة بينها.

لقد استفاد السيد عبد الحسين الطيب في تفسير “أطيب البيان” في أكثر من مئة وأربع وتسعين آية من روايات أسباب النزول لأهداف مختلفة. هذا القدر من الاستفادة من روايات سبب النزول قد يشير إلى أنه لم يبد رغبة كبيرة في هذه الفئة من الروايات مقارنة بالمفسرين الآخرين. قد يكون السبب في ذلك هو أن المفسر يؤكد قدر الإمكان على روايات سبب النزول المنقولة عن المعصوم (ع) ولا ينقل روايات غير المعصوم (ع) إلا في حالات الضرورة. والأمر الآخر الذي يدل على النظرة السلبية تقريباً للطيب تجاه روايات سبب النزول هو أن المفسر في كثير من الحالات يمتنع عن نقل القصة أو رواية أسباب النزول كاملة، ويكتفي بنقلها بإشارة موجزة ثم يقوم بنقدها وتحليلها. بالطبع، يختلف هذا الأمر في باب المباحث الاعتقادية، فمثلاً، ينقل روايات أسباب النزول المتعلقة بفضائل أهل البيت (ع) بالتفصيل (۳: ۲۲۸، ۴: ۱۱۵، ۴: ۴۰۴، ۶: ۲۹۶، ۱۳: ۳۱۴).

في تفسير “أطيب البيان”، لم يُخصص فصل محدد تحت عنوان “سبب النزول”، والمؤلف ينقل روايات هذا المجال في مواضع مختلفة. في بعض الحالات، يذكر رواية سبب النزول مباشرة بعد ذكر الآية وترجمتها (۲: ۱۳۶، ۳۸۷، ۴۱۷؛ ۳: ۶۲). وأحياناً يشير إلى سبب النزول في أثناء التفسير (۲: ۲۶۴، ۳۵۵؛ ۳: ۱۲۲).

من وجهة نظر مؤلف “أطيب البيان”، لا يمكن لأسباب النزول أن تخصص مفهوم ومضمون آية أو سورة من القرآن لمورد النزول، بل إن مفهوم الآيات عام وشامل. يمكن اعتبار الاعتقاد بهذا الأمر من بين العوامل الأخرى التي تقلل من أهمية روايات أسباب النزول في رأيه، لأنه في هذه الحالة، يكون لمعنى ومفهوم الآية فائدة دون سبب النزول، ولا حاجة لسبب النزول. يذكر السيد الطيب، في ذيل حالات كثيرة نسبياً من روايات سبب النزول، بعد نقلها، أن الآية عامة. جملة: “الآية عامة وإن كان شأن نزولها في مورد خاص” تكررت مراراً في تفسير “أطيب البيان”.[2] على سبيل المثال، في الآية ۵۴ من سورة البقرة: «وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ»، يقول: “شأن نزول الآية وإن كان في شهداء بدر، إلا أن المورد لا يخصص، ويشمل عموم القتلى في سبيل الله مثل الأئمة الطاهرين وأصحابهم والعلماء والمؤمنين” (۲: ۲۵۱). وكذلك بشأن الآية ۱۴۹ من آل عمران: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ»، بعد نقل سبب نزول عن الإمام علي (ع)، يقول في الختام: “على فرض أن شأن نزول الآية هذا، لا يمكن تخصيص المورد، بل الخطاب عام ويشمل جميع الأفراد مثله” (۳: ۳۸۶).

ولكن يجب الانتباه إلى هذه النقطة، وهي أنه في بعض الحالات توجد قرائن توضح أن من اللفظ العام للآية أُريد معنى خاص، ولا يمكن تعميمها على حالات أخرى (حجتي، ۱۳۷۷ش، ۱۰۳). وقد أولى مفسر “أطيب البيان” اهتماماً كاملاً بهذا الأمر ويعتقد أنه في مثل هذه الحالات لا يمكن تعميم معنى الآية. على سبيل المثال، بشأن آية المباهلة (آل عمران: ۶۱)، يصرح بأن الآية ليست عامة ويكتب: “هذه الآية في قضية شخصية وتتعلق بأفراد خاصين ولا يتعدى معناها المورد” (۳: ۲۲۸). مثال آخر هو الآيات ۵ إلى ۲۲ من سورة الإنسان، حيث يرى الطيب أن سبب نزول هذه الآيات هو الإمام علي والسيدة فاطمة والحسنين (ع)، وأن معنى الآيات ليس عاماً بل يختص بهؤلاء الخمسة (۱۲: ۴۵۶؛ لأمثلة أخرى، انظر: ۱۳: ۳۱۴، ۳۴۸، ۳۸۸، ۱۴: ۱۳۹).[3]

كما أشير سابقاً، يؤكد صاحب تفسير “أطيب البيان” تأكيداً كبيراً على نقل الروايات المعتبرة الواردة عن المعصوم (ع) ولا يبدي رغبة في قبول روايات أهل السنة. أحياناً، من بين عدة روايات لسبب النزول، يفضل الرواية الصادرة عن المعصوم (ع) (۱۲: ۲۲۴)، وإذا لم يجد رواية عن المعصوم (ع) في بعض الحالات، فإنه ينظر إلى منقولات الصحابة بحالة من التردد؛ على سبيل المثال، في ذيل الآية ۲۳ من آل عمران يقول: “هذه الآية الشريفة مورد نزولها غير معلوم، وكلمات المفسرين ليست دليلاً، ولا خبر لدينا عن المعصومين (ع) في هذا الشأن”. ثم ينقل ثلاثة آراء حول سبب نزول الآية، وبعد ذلك يستبعد القول الثالث بشدة ويقدم عدة أدلة على رده. وفيما يتعلق بالقولين الأولين، يعتقد أيضاً أنهما يفتقران إلى دليل ويعتبرهما تفسيراً بالرأي (۳: ۱۵۱). بالطبع، في حالات نادرة حيث لا يوجد تعارض بين الرواية وآيات القرآن، يقبل شأن النزول المطروح في تفاسير العامة ويبني تفسير الآية عليه (۴: ۱۹۶).

بناءً على ذلك، تحتل روايات سبب النزول في تفسير “أطيب البيان”، وخاصة الروايات المنقولة عن العامة، مكانة سلبية نسبياً، ويحاول المؤلف ألا يفسر القرآن بناءً عليها وحدها وبالاعتماد على روايات سبب النزول. ومع ذلك، استخدم السيد عبد الحسين الطيب في تفسيره روايات سبب النزول المعتمدة لديه في مناسبات مختلفة، مثل: بيان مدلول الآية، وبيان المصداق، وتوضيح مبهمات بعض الآيات، وتبيين وتفصيل جزئيات آيات الأحكام، وبيان الوقائع التاريخية، وتأييد وجهات نظره التفسيرية، وهي من بين حالات استفادة المؤلف من روايات سبب النزول. وفي هذا السياق، يرفض عدداً كبيراً نسبياً من الروايات بعد تحليلها ونقدها ومقارنتها بالمعايير التي سيتم ذكرها في الجزء الأخير من المقالة. فيما يلي، سيتم التطرق بالتفصيل إلى حالات استخدام روايات سبب النزول في هذا التفسير وكيفية تعامل المفسر معها، وكيفية نقدها ودراستها.

۵. وظائف روايات سبب النزول في تفسير أطيب البيان

كما مرّ سابقًا، على الرغم من تشدد المفسر في الاستفادة من روايات سبب النزول؛ فإن لهذه الفئة من الروايات أدوارًا ووظائف متنوعة في تفسير “أطيب البيان”، والتي سيتم بيانها فيما يلي:

۱-۵. تفسير الآيات على أساس روايات سبب النزول

أحيانًا يعتمد مفسرو القرآن في تفسير آية على رواية سبب النزول، ويستعينون بتلك الرواية لتفسير الآية المعنية؛ بمعنى أن سبب النزول هو القرينة الوحيدة أو إحدى القرائن الرئيسية للوصول إلى مدلول الآية. مفسر “أطيب البيان” أيضًا، كغيره من المفسرين، يلجأ في بعض الحالات إلى تفسير آيات القرآن بالاعتماد على روايات سبب النزول. على سبيل المثال، في تفسير آية «فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومَانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَ مَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذا لَمِنَ الظَّالِمِينَ» (المائدة: ۱۰۷)، يعتقد المفسر أن هذه الآية من آيات القرآن المشكلة، ثم يستند لتبيين الآية إلى رواية سبب النزول المنقولة في كتاب “الكافي”. وبعد نقل الرواية بالتفصيل، يقول: “بهذه الرواية يتضح معنى الآية”. كما يُرى، في هذه الآية، شرح المفسر وبيّن الآية بناءً على الرواية (۴: ۴۹۰، وكذلك انظر: ۶: ۱۰۰، ۸: ۲۸۸، ۱۴: ۸۵).

مثال آخر يمكن ملاحظته في ذيل آية «وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَ إِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً» (الإسراء: ۷۳). بعد أن نقل الطيب عدة آراء حول سبب نزول الآية – التي مفادها أن المشركين كادوا أن يخدعوا النبي (ص) ليفتروا على الله – يستند إلى روايات عن المعصومين (ع) حول سبب نزول الآية، بالإضافة إلى نقد ورد الآراء الأخرى؛ ويمضي في التفسير بناءً على تلك الرواية. وهو نفسه يقول في هذا الصدد: “أما ما يبدو للعيان، وبناءً على الأخبار التي لدينا عن حضرة الباقر وحضرة الكاظم (ع) عن أبيه الجليل، فهي تتعلق بأمير المؤمنين (ع). لأن الرسول (ص) كان يعلم أن بعض المسلمين، وخاصة المنافقين، يكنون العداء لعلي (ع) لأنهم قتلوا آباءهم وإخوانهم وأقاربهم في الحروب، والآن جاء الأمر الإلهي بتعريفه وتنصيبه خليفة. فالنبي (ص) توقف قليلاً حتى لا يرتد هؤلاء عن الإسلام. فأنزل الله هذه الآية ليعلموا أن حضرته لا يقصر في أوامر الله، وهذا التوقف من حضرته لم يكن مخالفة للأمر الإلهي، لأن الوقت كان متسعاً حتى حلول يوم غدير خم” (۸: ۲۸۹). إذن، كما يُلاحظ، قام المفسر بتفسير الآية بناءً على رواية المعصوم (ع).

بالطبع، من الضروري التذكير بأن المفسر قد وقع في خطأ على ما يبدو؛ أولاً، لأن عامة المفسرين يعتقدون أن سورة الإسراء مكية (الطباطبائي، ۱۳۷۴ش، ۱۳: ۲۴۶). ثانياً، أن المفسرين مثل الطبرسي الذين يعتبرون السورة كلها مكية باستثناء خمس آيات؛ لم يعتبروا هذه الآية من ضمنها (الطبرسي، ۱۳۶۰ش، ۶: ۶۰۷). ثالثاً، أن الرواية الوحيدة التي تفيد بأن هذه الآية مدنية منقولة عن قتادة، في حين أن المفسر في بداية تفسيره اعتبر رواياته غير موثوقة (۱: ۲۳). رابعاً، بالإضافة إلى ضعف السند لوجود أشخاص مثل السياري وغيره في سلسلة السند (الزركشي، ۱۴۱۰ق، ۳: ۵۶۱)، فإن هذه الرواية لا تُعد من روايات سبب النزول، بل على فرض صحتها، قد تكون بياناً لتأويل الآيات.

ينقل السيد عبد الحسين الطيب في بعض المواضع، تحت بعض الآيات، عدة روايات لسبب النزول ويقوم بتحليلها ونقدها ودراستها؛ ولكنه في النهاية لا يرجح أيًا منها، بل يحتمل أن تكون جميع الروايات سببًا لنزول الآية. على سبيل المثال، تحت الآية الشريفة ۱۵ من سورة الحج: «مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ»، يطرح المفسر رأيين حول مرجع الضمير في “لَنْ يَنْصُرَهُ”. في الرأي الأول، يعود الضمير إلى رسول الله، وفي الرأي الثاني، يعود الضمير إلى “مَنْ”، والمقصود به كل من يشك في نصرة الله وعونه. وينقل المفسر لكل من رأييه رواية سبب نزول، وفي النهاية لا يرجح أحدهما على الآخر، وكأنه يقبل كليهما (۹: ۲۷۶؛ لأمثلة أخرى، انظر: ۴: ۱۲۱، ۶: ۲۹، ۶: ۱۴۷، ۱۳: ۲۲۸).

۲-۵. بيان جزئيات الوقائع والأحداث التاريخية في زمن النبي (ص)

في القرآن الكريم، توجد آيات كثيرة حول حروب وغزوات النبي (ص) مع المشركين واليهود، مثل بدر وأحد وحنين والحديبية وتبوك وفتح مكة وغيرها، وقد تناول الله في بعض المواضع بيان جزئيات أحداث هذه الحروب؛ مثل المدد الغيبي من الله في حرب بدر وإرسال الملائكة لنصرة النبي (ص) والمسلمين، والضعف والخوف واليأس الذي استولى على بعض أصحاب رسول الله (ص) في الحرب، وخطط المنافقين لإضعاف المؤمنين في حربي أحد وتبوك، وغيرها؛ ولكن مع كل هذا، فإن بعض تفاصيل الحروب لا تتضح إلا بالروايات والأخبار. ولهذا السبب، يستعين معظم المفسرين، ومنهم السيد عبد الحسين الطيب، في هذه الحالات بروايات سبب النزول؛ لأنه في بعض الأحيان، يكون فهم بعض التفاصيل دون الرجوع إلى الروايات شبه مستحيل، ويُخشى أن تبقى نقاط غامضة أو مبهمة كثيرة.

على سبيل المثال، في الآيات ۶۴ إلى ۶۶ من سورة التوبة: «يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ * وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَ آياتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ»؛ ما الذي حدث حتى يهدد الله هؤلاء المنافقين بهذا الشكل؟ أو ما الذي أخفاه المنافقون وكشفه الله؟ وأمور من هذا القبيل، التي من المستبعد في الآيات نفسها أن يُفهم معناها ومفهومها دون الأخذ في الاعتبار الروايات. يعمد المفسر بالاعتماد على روايات سبب نزول هذه الآيات إلى بيان تفاصيل الحادثة وأسماء وصفات المنافقين (۶: ۲۵۵).

مثال آخر، في ذيل الآية الأولى من سورة المعارج: «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ»؛ في تحديد السائل وبيان تفاصيل الواقعة ونوع العذاب. يستند مفسر “أطيب البيان”، بعد نقل آراء المفسرين وردها، إلى حديث حول سبب نزول الآية عن الإمام الصادق (ع)، جاء فيه أنه بعد واقعة غدير، جاء شخص يدعى نعمان بن حارث الفهري إلى رسول الله وعرض عليه: أمرتنا بالتوحيد والجهاد والحج والصوم والصلاة والزكاة فأطعنا، ولم ترضَ حتى جعلت هذا الشاب (الإمام علي) خليفة لك من بعدك. هل هذا الأمر منك أم من الله؟ فيجيب النبي (ص): أقسم بالله الذي لا إله إلا هو، هذا أمر الله. فقال حارث بن نعمان: «اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ» (الأنفال: ۳۲). يا الله، إن كان هذا الأمر من عندك فأنزل علينا مطراً من حجارة. بعد هذا الكلام، نزل حجر من السماء فقتله، ثم نزلت آية «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ» (۱۳: ۱۸۱).

۳-۵. بيان المصاديق للمفاهيم القرآنية ورفع الإبهام عنها

يمكن تقسيم آيات القرآن الكريم من حيث شمولية معانيها للمصاديق إلى قسمين: القسم الأول، آيات لا تنطبق معانيها إلا على حالات خاصة ولا تشمل حالات أخرى. والقسم الآخر، آيات عامة ودائرة شمولها واسعة وتنطبق على أفراد وحالات كثيرة. من وظائف روايات أسباب النزول بيان المصداق أو المصاديق الخاصة لبعض الآيات، وهذا بحد ذاته محاولة لتفسير ورفع الإبهام عن آيات القرآن. مثلاً، في الآية ۱۷ من سورة الأحقاف «وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما»، يرى أكثر المفسرين الشيعة المشهورين أن مصداق هذه الآية هو عبد الرحمن بن أبي بكر، وأنها نزلت في شأنه. ولكن مع ذلك، فإن الآية عامة وتشمل كل فرد يعامل والديه بسوء (الطبرسي، ۱۳۶۰ش، ۲۲: ۴۰۲).

يقول العلامة الطباطبائي في هذا الصدد: “بالنظر إلى أن القرآن الكريم كتاب عالمي ودائم، فهو يجري في الغائب كما يجري في الحاضر، وينطبق على المستقبل والماضي كما ينطبق على الحاضر؛ مثلاً، الآيات التي تفرض تكاليف على مؤمني زمن النزول في ظروف خاصة، فإن المؤمنين الذين يأتون بعد عصر النزول ويعيشون نفس الظروف، عليهم نفس التكاليف دون زيادة أو نقصان” (الطباطبائي، ۱۳۵۳: ۶۸). وفي هذا الصدد، نُقل حديث عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: “لو كانت الآية إذا نزلت في قوم ثم مات أولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء، ولكن القرآن يجري أوله على آخره ما دامت السماوات والأرض”.[4]

يستخدم عبد الحسين الطيب أيضاً، كمعظم المفسرين، في مواضع من تفسير “أطيب البيان” روايات سبب النزول لبيان مصداق الآيات. على سبيل المثال، في ذيل الآية ۲۰۷ من سورة البقرة «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ»، يورد صاحب تفسير “أطيب البيان” عشرين رواية حول سبب نزول الآية. وفقاً لهذه الروايات، تتعلق هذه الآية بـ”ليلة المبيت”، والشخص الذي نام في فراش النبي (ص) هو الإمام علي (ع) (۲: ۳۸۷). من المعلوم أن هذه الروايات لا تتعلق بتفسير الآيات؛ بل تبين مصداقاً من مصاديق الآية. والمفسر نفسه واعٍ بهذه المسألة؛ لذا يقول: “مقتضى عموم الآية هو أن كل من استشهد في سبيل الجهاد أو الدفاع أو غيرها من الموارد المشروعة، أو تعرض للشهادة، يكون مشمولاً بهذه الآية” (۲: ۳۸۷).

مثال آخر، في ذيل الآية «وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» (الزخرف: ۳۱)، يرى الطيب، وفقاً لروايات المعصومين (ع)، أن مصداق “رجل” في الآية هو “عروة بن مسعود”، بينما وفقاً لروايات أهل السنة، فإن بعض تجار وأثرياء مدينتي مكة والطائف هم مصداق الآية، وهم: عتبة بن أبي ربيعة والوليد بن المغيرة من مكة، وابن عبد ياليل وحبيب بن عمر الثقفي من الطائف. وبالطبع، يرفض المؤلف هؤلاء الأفراد ويعتقد أن الثروة والسلطة ليست شرطاً للرسالة، لأنه لو كان كذلك لكان نمرود وشداد وفرعون أفضل من إبراهيم وهود وصالح وموسى (۱۲: ۲۴).

۴-۵. تبيين مجملات وجزئيات آيات الأحكام

وفقاً لرأي أكثر الفقهاء والمفسرين، هناك حوالي خمسمئة آية في القرآن الكريم تتعلق بالأحكام الفقهية، تُعرف بآيات الأحكام.[5] وبالطبع، هذا الرقم محل خلاف؛ فالفاضل المقداد السيوري عدها ۴۴۶ آية (السيوري، ۱۴۱۹ق، ۱: ۵)، بينما يرى محمد هادي معرفت أن عدد هذه الآيات يزيد عن ۲۰۰۰ آية (معرفت، ۱۴۱۵ق، ۲: ۲۲۹).

بما أن الكثير من الأحكام في القرآن وردت بشكل مجمل، فإن من أهم وظائف الروايات تبيين وتفصيل هذه المجملات. وقد كان مفسرو القرآن دائماً على دراية بأهمية ومكانة هذه الفئة من الروايات في التفسير، وسعوا في ذيل هذه الآيات، بالاستعانة بالروايات، إلى استنباطها أو تفصيلها. ولم يغفل مؤلف “أطيب البيان” أيضاً في تفسيره عن دور هذه الروايات في آيات الأحكام، واستخدم الروايات في كثير من المواضع. وجزء من هذه الروايات يتعلق بروايات سبب النزول، والتي سيتم بيان بعض الأمثلة عليها فيما يلي.

يستفيد المؤلف في بعض المواضع من روايات سبب النزول لتأييد آرائه الفقهية ووجهات نظره. مثلاً، في ذيل الآية ۱۰۶ من سورة النحل «مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ»، بعد البحث في مسألة المرتد وأنواعه وأحكامه الفقهية المتعلقة به، يشير لتأييد فهمه للآية إلى سبب نزولها وقصة عمار ووالده ووالدته ووقوعهم في أيدي المشركين (۸: ۱۹۳).

مثال آخر هو الآية ۱۵۸ من سورة البقرة: «إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما». هنا، يستعين المفسر لتبيين حكم السعي بين الصفا والمروة، وما إذا كان حكم الآية يفيد الاستحباب أم الوجوب، بروايات سبب النزول التي وردت في ذيل هذه الآية، وعلى خلاف ظاهر الآية، يحكم بوجوبها (۲: ۲۶۴؛ لأمثلة أخرى، انظر: ۲: ۳۴۵، ۲۳۶؛ ۶: ۲۸۴). من الجدير بالذكر أنه بالإضافة إلى ما قيل، فإن روايات سبب النزول، حسب الحالة، ونادراً، لها وظائف أخرى، ولكن معظم وظائفها تندرج في هذه الأقسام المذكورة، وهو أمر لا يمكن معرفته دون تدقيق وتحليل دقيق لاستخدامات سبب النزول.

۶. مناهج نقد روايات سبب النزول ودراستها وتحليلها فقهياً في أطيب البيان

كل حديث قابل للنقد والدراسة من جهتين: أ. النقد السندي، وفيه يُبحث عن كيفية اتصال الحديث بالمعصوم (ع) من حيث أحوال الرواة وكيفية السند وغيره (شانه چي، ۱۳۸۸ش، ۱۹). ب. النقد الدرايي أو المتني، وفيه يُبحث عن معاني ومفاهيم الألفاظ الواردة في الأحاديث (نفس المصدر، ۲۰). كثير من المفسرين النقاد المعاصرين يستفيدون من كلا المنهجين لنقد ودراسة الروايات التفسيرية. وقد أولى السيد عبد الحسين الطيب أيضاً في ذيل عدد من الروايات اهتماماً بهذا الأمر الهام، ويتناول نقد ودراسة الروايات. وقد قيل سابقاً إن موقف مفسر “أطيب البيان” من روايات العامة نقدي بالكامل، وعادة ما يعطي الأولوية لنقل الرواية عن أهل البيت (ع)، وقد أقر هو نفسه في بداية التفسير بهذا الموضوع (۱: ۲۳). بالطبع، هذا لا يعني قبول روايات الشيعة دون قيد أو شرط، ففي كثير من الحالات، يقوم بنقدها ودراستها، وأحياناً يردها (۷: ۱۶۲، ۲۹۸). نقطة أخيرة هي أن المفسر ينقل الروايات التفسيرية والأحاديث المتعلقة بسبب النزول في الغالب من تفاسير مثل “مجمع البيان” للطبرسي، و”البرهان” للسيد هاشم البحراني، و”الكافي” للكليني.

۱-۶. منهج نقد سند روايات سبب النزول في أطيب البيان

صاحب “أطيب البيان”، بالإضافة إلى أنه في معظم الحالات لا يشير إلى مصدر الرواية، نادراً ما يذكر أسماء جميع رواة السند (۴: ۲۹۷، ۶: ۲۵۵)، بل يكتفي بذكر اسم الراوي الأول فقط. وبالطبع، في بعض الحالات، دون أن ينقل رواية، يحيل القارئ إلى الكتب التي نُقلت فيها الروايات المتعلقة (۳: ۲۲۸، ۴۰۱:۴، ۴: ۱۱۵). ورغم أن المؤلف لم يبد اهتماماً كبيراً باستخدام مصطلحات علم الحديث، ونادراً ما استخدم مصطلحات مثل؛ صحيح، حسن، ضعيف، متعارض، مرسل، عدم وجود سند متصل، متواتر، وما شابه ذلك، إلا أنه أحياناً يشير بشكل عام إلى صحة أو ضعف السند (۲: ۱۱۶، ۱۲۵؛ ۳: ۱۵۱؛ ۴: ۲۳۹، ۳۱۷؛ ۶: ۱۵، ۲۸؛ ۱۲: ۴۴، ۱۳: ۱۸۲).

على سبيل المثال، بشأن آية «قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ» (البقرة: ۹۷)، يشير أولاً إلى روايات سبب النزول التي أوردها المفسرون المختلفون في تفاسيرهم، ثم يقول: “بما أن أياً منها ليس له سند متصل، فهي غير معتبرة، لذا نمتنع عن نقلها” (۲: ۱۱۶؛ لأمثلة أخرى، انظر: ۲: ۱۲۵؛ ۶: ۲۸؛ ۱۳: ۱۸۳؛ ۲: ۱۷۳؛ ۳: ۱۵۱؛ ۶: ۱۵، ۱۴: ۲۵۱). يهتم مفسر “أطيب البيان” بطرق الروايات المختلفة أيضاً، وفي بعض الحالات يذكر هذه الطرق المختلفة بالتفصيل، وفي حالات أخرى، بسبب كثرة الطرق، يحيل إلى كتب أخرى مثل تفسير العياشي وغاية المرام (۳: ۲۲۸، ۴: ۴۰۱، ۱۱۵، ۸: ۲۰۶). كما أن المفسر في بعض الحالات يهتم بأحوال كل راوٍ على حدة. على سبيل المثال، في ذيل الآية ۳۳ من سورة المائدة، حول حكم المحارب وحده، ينقل أولاً روايات ثم يعلن أن هذه الروايات، بسبب وجود أفراد مثل عبد الله وعبيدة ومحمد بن سلمان، ليست خالية من الإشكال (۳: ۳۵۳). بناءً على ذلك، يظهر البحث في الدراسات السندية للروايات في تفسير “أطيب البيان” أن نقد السند في هذا التفسير يحتل مكانة أدنى مقارنة بنقد متن الأحاديث.

۲-۶. منهج نقد متن روايات سبب النزول في أطيب البيان

المنهج الثاني في دراسة ونقد الروايات، والذي يسمى “النقد الداخلي أو المتني”، يهتم بدراسة وتحليل محتوى متن الحديث، دون الأخذ في الاعتبار سلسلة الأسانيد والرواة، لأن هناك عدداً من الروايات التي، على الرغم من صحة سندها، ليست موثوقة من حيث المتن ولا تعبر عن سنة المعصوم (ع) (معماري، ۱۳۸۶ش، ۱۶۹). وقد أولى السيد عبد الحسين الطيب أيضاً في تفسيره اهتماماً كبيراً بهذا المعيار لنقد الروايات التفسيرية، واستفاد من معايير متعددة لنقد متن الروايات، والتي نشير إليها.

۱-۲-۶. نقد روايات سبب النزول بمنطوق القرآن (النص والظاهر)

في كثير من الحالات، يرد السيد عبد الحسين الطيب رواية سبب النزول بسبب مخالفتها لظاهر ونص القرآن. على سبيل المثال، نقل المفسرون آراء مختلفة حول المقصود بـ”طائفة” في الآية ۱۱۳ من سورة النساء: «لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ»؛ على سبيل المثال، في “مجمع البيان” المقصود بـ”طائفة” هم جماعة من المشركين قالوا للنبي (ص): “نؤمن بك بشرط ألا تتعرض لأصنامنا” (الطبرسي، ۱۳۶۰ش، ۶: ۴۴؛ الألوسي، ۱۴۱۵ق، ۳: ۱۳۸). وطبق العلامة الطباطبائي في “الميزان” سبب النزول على الذين دافعوا عن الخائن وأرادوا تبرئته (الطباطبائي، ۱۳۵۳ش، ۵: ۱۲۳). وصاحب تفسير “الكاشف” تبنى هذا الرأي أيضاً (مغنية، ۱۴۲۴ق، ۲: ۶۷۷). أما مفسر “أطيب البيان”، فبعد نقل الآراء حول هذا الموضوع، يردها جميعاً في النهاية ويعتقد أن كل هذا، بالإضافة إلى كونه تفسيراً بالرأي ولا اعتبار له، يخالف ظاهر وسياق الآية، لأن القضية شرطية، أي لو لم يكن تفضل الله عليك، لكانوا قد قصدوا ذلك، ولكنهم عندما رأوا أن الله فضحهم ونصر نبيه وأظهره، لم يفعلوا ذلك القصد (۴: ۲۰۳).

مثال آخر على الخلاف هو تحديد الأفراد المشار إليهم في الآية التالية، الذين يؤمنون ويكفرون عدة مرات، يقول الله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً» (النساء: ۱۳۷). يرى بعض المفسرين أن المشار إليه في الآية هم اليهود، وآخرون النصارى، وجماعة أخرى المنافقين (۴: ۲۳۸)؛ وهذا في حين أن جميع هذه الآراء، من وجهة نظر مفسر “أطيب البيان”، لا تفتقر إلى دليل فحسب، بل تخالف ظاهر القرآن. واليهود والنصارى بشكل عام يخرجون من مصداق الآية، لأن ظاهر الآية هو الإيمان بمحمد ودين الإسلام، ومن هذا المنطلق يمكن القول إن المنافقين أيضاً يخرجون لأنهم باطناً لم يؤمنوا، إلا أن نقول إن المراد هو الإيمان الظاهري. ثم يحدد هو نفسه المقصود بالآية بأنهم المرتدون، وبالنظر إلى الآية يبين أحكامهم (۴: ۲۳۹).

المثال الثالث يمكن ملاحظته في ذيل الآية ۷۳ من الإسراء «وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ». حول سبب نزول الآية، توجد روايات متنوعة وأحياناً متناقضة. من وجهة نظر مفسر “أطيب البيان”، المحتوى العام لهذه الروايات هو أن النبي الأكرم (ص) قصد الاعتماد على المشركين، في حين أن هذه الروايات، بالإضافة إلى أنها تخالف عصمة النبي (ص)، تخالف أيضاً ظاهر الآية الشريفة (۸: ۲۸۸). والعلامة الطباطبائي أيضاً، تماماً مثل عبد الحسين الطيب، يعتقد أن روايات سبب النزول التي ذُكرت في ذيل هذه الآية تخالف جميعها ظاهر الآية (الطباطبائي، ۱۳۷۴ش، ۱۳: ۲۴۵؛ لمزيد من المطالعة، انظر: ۵: ۴۰؛ ۶: ۱۰۱، ۱۰۴، ۲۵۱؛ ۱۲: ۱۴۰).

۲-۲-۶. نقد روايات سبب النزول بالمباني والضرورات الكلامية

من معايير نقد الروايات التفسيرية، ومنها روايات سبب النزول، بالإضافة إلى عدم مخالفتها لظاهر وسياق الآيات، عدم مخالفتها للضرورات الكلامية وعصمة النبي الإسلام (ص). تظهر دراسة تفسير “أطيب البيان” أن هذا المعيار، بعد معيار عدم مخالفة الرواية للقرآن، هو أهم معيار لنقد الرواية في هذا التفسير. على سبيل المثال، في ذيل الآية ۲۳ من سورة الكهف، نُقلت رواية حول سبب نزول الآية تفيد بأن اليهود سألوا رسول الله (ص) سؤالاً، فقال حضرته دون أن يقول “إن شاء الله” ويضيف الاستثناء المذكور إلى كلامه: “تعالوا غداً لأجيبكم”. ولهذا السبب، قطع الله الوحي عنه لمدة أربعين يوماً، حتى نزلت هذه الآية: «وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ». ينتقد السيد عبد الحسين الطيب رواية سبب النزول هذه ويعتبرها مخالفة لعصمة النبي (ص)، لأن النبي الأكرم (ص) كل عمل يعد به يربطه بمشيئة الله. وأيضاً، وفقاً للعديد من آيات القرآن، لا ينسى حضرته، لأن ذلك يخالف مقام العصمة. من وجهة نظر الطيب، مفهوم الآية من قبيل آية «لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ» التي لا تدل على أن النبي (ص) يشرك (۸: ۳۴۳).

مثال آخر هو الآية ۵۲ من سورة الحج «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ». يشير المفسر في ذيل الآية إلى وجود روايات نُقلت في بعض مصادر أهل السنة، وكلها تخالف المباني والضرورات الكلامية للتشيع وحتى الإسلام. ويمتنع المؤلف عن نقل متن هذه الأحاديث لضعفها وعدم الثقة بها، ويعتقد أن جميع روايات سبب النزول المتعلقة بهذه الآية تخالف مذهب التشيع، لأن المعصوم (ع) لا يسهو ولا ينسى ولا يخطئ (۹: ۳۱۹؛ لمزيد من المطالعة، انظر: ۹: ۳۲۰؛ ۱۳: ۳۸۸؛ ۱۴: ۸۵، ۱۴۵؛ ۲: ۳۵۴، ۱۲۵؛ ۴: ۱۹۴؛ ۱۲: ۲۴، ۱۹۶؛ ۸: ۳۴۷).

۳-۲-۶. نقد روايات سبب النزول بالمسلمات والحقائق التاريخية

من معايير نقد متن الحديث الانتباه إلى موافقته أو مخالفته للتاريخ القطعي. وقد استفاد مفسرو القرآن، ومنهم السيد عبد الحسين الطيب، من هذا المعيار. على سبيل المثال، في ذيل الآية «وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَ أَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ» (الأنفال: ۲۶)، يربط مفسر “أطيب البيان” سبب نزول الآية بعصر صدر الإسلام ووضع المسلمين قبل وبعد الهجرة، ويرد الروايات التي تربط سبب نزول الآية بقوم الأنصار أو المهاجرين قبل الإسلام لمخالفتها لنص القرآن والتاريخ. لأنه وفقاً للمعطيات التاريخية، لم يكن أي من المهاجرين والأنصار قبل الإسلام قلة مستضعفة، ولم يكن لديهم خوف من اليهود والنصارى، لأنهم كانوا على نفس الملة وكانوا جميعاً كفاراً ومشركين. وهذا في حين أن التاريخ يشهد بأن المسلمين في مكة كانوا يتعرضون للتعذيب من قبل المشركين بسبب ضعفهم وقلة عددهم، فهاجر بعضهم إلى الحبشة، وبعضهم إلى اليمن، ومجموعة إلى الطائف، وعدد منهم كانوا يتعرضون باستمرار للأذى من المشركين في شعب أبي طالب. أما الأنصار، فقد واجهوا الفقر والحاجة بعد هجرة الرسول (ص) (۶: ۱۰۲).

مثال آخر حول سبب نزول آية «وَ قالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَ قالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ» (البقرة: ۱۱۳). يعتقد مفسر “أطيب البيان” أن جماعة من اليهود والنصارى تجادلوا مع بعضهم، وكان اليهود ينكرون نبوة المسيح وينسبون ما لا يليق به وبأمه، لذا لم يعتبروا دينهم على حق. وأما قول النصارى عن اليهود فكان بأن مجيء المسيح نسخ شريعة موسى، ويجب على اليهود اتباع تعاليم المسيح (ع). ثم ينتقد السيد عبد الحسين الطيب روايات أوردها بعض المفسرين حول سبب نزول الآية المذكورة، ويعتبرها جميعاً مخالفة للتقارير التاريخية (۲: ۱۵۶؛ ۶: ۱۵۴). بالطبع، يجب الانتباه إلى أن معيار استفادة المفسر هو التاريخ القطعي أو على الأقل المطمئن به، وليس في الحالات التي يكون فيها التاريخ نفسه غامضاً. على سبيل المثال، في قصة الإسكندر ويأجوج ومأجوج، لا يعتد بالتاريخ لأنه يعتقد أن التاريخ قبل الإسكندر مظلم جداً ولا اعتبار لقول المؤرخين في هذا الشأن (۸: ۴۰۴).

من الجدير بالذكر أن الطيب قد استفاد من معايير أخرى مثل موافقة سبب النزول مع العقل، وموافقة سبب النزول مع السنة القطعية للنبي الأكرم (ص)، وبشكل فردي بعض المعايير الأخرى، التي يخرج تبيينها جميعاً عن نطاق هذه المقالة.

۳-۶. تعامل السيد الطيب مع الروايات المتعارضة

في كثير من الحالات، يوجد اختلاف وتعارض بين الروايات في تحديد السبب والحدث الذي أدى إلى نزول آية أو سورة. ويختلف تعامل كل مفسر في مواجهة هذه الروايات المتعارضة؛ فبعضهم، مثل كثير من التفاسير الروائية، يكتفي بنقل الروايات ولا يبدي أي رأي بشأنها. وبعض المفسرين الآخرين يتجنبون نقل الروايات المتعارضة بشكل عام. وبعضهم يحاولون حل التعارض بينها باستخدام المرجحات الموجودة. ينتمي عبد الحسين الطيب إلى المجموعة الأخيرة، التي في بعض الحالات، بناءً على معايير، تقوم بحل التعارض بين الأخبار. وهذه المعايير عموماً هي نفسها التي استفاد منها في نقد الروايات.

على سبيل المثال، الطيب، في الحالات التي يكون فيها أسباب نزول مختلفة منقولة تحت آية، يقبل الرواية التي تتوافق مع ظاهر وسياق الآية. مثلاً، المفسر في ذيل آية «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» (المائدة: ۱۱)، حول ما هي نعمة الله التي أنعم بها على المسلمين، ومن هم الذين حاولوا التعرض لحياة النبي (ص) والمسلمين، يروي روايات مختلفة ومتعارضة. ثم يقول: “بما أنه ليس لدينا دليل على هذه الأقوال، لا يمكننا التحدث عن صحتها أو سقمها، ولكن القول الأخير أكثر انسجاماً مع مضامين الآية الشريفة” (۴: ۳۱۷؛ لمزيد من المطالعة، انظر: ۲: ۶۵، ۱۳۴، ۲۲۶، ۸: ۲۹۱، ۶: ۹۳).

أحد المعايير التي يستخدمها المفسر عموماً في ترجيح المتعارضات هو ترجيح الرواية بسبب نسبتها إلى المعصوم (ع)، حتى لو لم يكن صدورها عنه قطعياً، أو لم تكن تلك الرواية محل استناد واهتمام المفسرين الآخرين من السنة وحتى الشيعة. مثلاً، في ذيل آية «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ» (الأحزاب: ۶)، ينقل أولاً رواية رواها جميع مفسري الشيعة والسنة. وفقاً لهذه الرواية، شأن نزولها يتعلق بالوليد بن عقبة، الذي أخبر النبي الأكرم (ص) كذباً بأن قبيلة بني خزيمة كفرت بعد إسلامها. لا يقبل السيد عبد الحسين الطيب هذه الرواية، لذا ينقل رواية عن المعصوم (ع) تفيد بأن سبب نزول هذه الآية هو إفك وبهتان عائشة تجاه مارية القبطية، وضريح ابن عم مارية (۱۲: ۲۲۴). في هذه الآية، يُعد مفسر “أطيب البيان” من بين المفسرين القلائل الذين لا يقبلون رواية سبب النزول حول الوليد بن عقبة. ولكن معظم مفسري أهل السنة وحتى الشيعة قبلوا هذه الرواية، أو على الأقل ذكر بعض مفسري الشيعة الرواية الثانية كسبب نزول ثان. ويعتقد العلامة الطباطبائي في هذا الصدد أن نزول الآية المذكورة في قصة الوليد بن عقبة مستفيض في الروايات الواردة من طرق أهل السنة وكذلك الروايات الواردة من طرق الشيعة (الطباطبائي، ۱۳۵۳ش، ۱۸: ۴۷۶). وقد أورد ابن عبد البر أيضاً في كتاب “الاستيعاب” عدة روايات بطرق مختلفة تفيد بأن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة (ابن عبد البر، ۱۴۱۲ق، ۴: ۱۵۵۳). خلاصة القول أن هذه الرواية وردت في معظم المصادر الحديثية والتفسيرية الشيعية والسنية، ولكن الرواية الثانية (إفك عائشة تجاه مارية القبطية) أُشير إليها بشكل أقل. وهنا، وعلى عكس عموم المفسرين، رجح مفسر “أطيب البيان” الرواية الثانية على الأولى لمجرد نقلها عن المعصوم.

في الختام، من الجدير بالذكر أن السيد عبد الحسين الطيب، في حالات نادرة، يغالي في الاستفادة من الروايات لإثبات وجهات نظره المذهبية، وأحياناً يختار رواية تتوافق مع وجهة نظره ومذهبه دون تقديم دليل قطعي ومقنع. مثلاً، حول سبب نزول سورة النبأ، خاصة آياتها الأولى – مع أنه يذكر أن المفسرين يعتبرون هذه الآية مكية وتتعلق بالمعاد والآخرة – إلا أنه يعتقد أن هذه السورة مدنية وتتعلق بمسألة الولاية وخلافة الإمام علي (ع)، ولتأييد رأيه يذكر روايات (۱۳: ۳۴۸). ولكن يبدو أن هذا الرأي غير صحيح؛ لأن المراد بـ”الخبر العظيم” هو خبر القيامة، الذي أولاه القرآن في السور المكية، وخاصة السور التي نزلت في أوائل البعثة، اهتماماً بالغاً بإثباته. وعموم مفسري الشيعة وأهل السنة أيضاً فسروا المقصود بـ”النبأ العظيم” بأنه يتعلق بالقيامة (الطبرسي، ۱۳۶۰ش، ۱۰: ۶۳۹؛ سيد قطب، ۱۴۱۲ق، ۶: ۵۰۳؛ الألوسي، ۱۴۱۵ق، ۱۵: ۲۰۲). ويعتقد العلامة الطباطبائي أن الروايات التي تعتبر المقصود بـ”النبأ العظيم” هو الإمام علي (ع)؛ هي من باب بيان بطن القرآن، لا تفسير لفظ الآية (الطباطبائي، ۱۳۵۳ش، ۲۰: ۱۶۳).

۷. الخلاصة والاستنتاج

مما قيل، يمكن الإشارة إلى النتائج التالية باختصار:

  1. روايات سبب النزول في تفسير “أطيب البيان”، على عكس كثير من التفاسير، لا تملك وظائف وأدواراً متنوعة. تتركز معظم وظائف الروايات في هذا التفسير في ثلاث حالات: تبيين مدلول الآيات وبيان المصداق وتوضيح مبهمات القرآن، تبيين وتفصيل آيات الأحكام، شرح وتفصيل جزئيات الأحداث التاريخية في صدر الإسلام. وتتركز معظم الوظائف في القسم الثالث.
  2. المفسر، قدر الإمكان، سعى إلى نقل الرواية عن المعصوم (ع)، وفي الحالات التي نُقلت فيها عدة روايات مختلفة حول آية، فإنه يتخذ الرواية المنسوبة إلى المعصوم (ع) معياراً، حتى لو لم يكن صدورها عنه قطعياً.
  3. مفسر “أطيب البيان” بشكل عام، مقارنة بباقي المفسرين، نقل عدداً أقل من روايات سبب النزول. وهو أيضاً، كعموم المفسرين، ينقل الروايات دون سند ويكتفي بذكر اسم الراوي، وبالطبع بشكل غير مفصل.
  4. مفسر “أطيب البيان” يتبنى نظرة نقدية تجاه روايات سبب النزول، وبناءً على معايير ومقاييس، ينقد ويدرس هذا النوع من الروايات. ومن أهمها: مطابقة الرواية مع منطوق القرآن (النص والظاهر)، مطابقة الرواية مع المسلمات والحقائق التاريخية، مطابقة الرواية مع المباني الاعتقادية والضرورات الكلامية الشيعية مثل عصمة المعصومين (ع).
  5. عدم تخصيص الآية بمورد سبب النزول وتعميم حكم الآية على الحالات المشابهة لمورد النزول بالتوجه إلى قاعدة “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”.
  6. الاهتمام بالروايات المتعارضة حول سبب نزول الآيات والسعي لحل التعارض بينها بناءً على معايير ومقاييس فقه الحديث.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.
الآلوسي، سيد محمود، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، بيروت، دار الكتب العلمية، ۱۴۱۵ق.
ابن عبدالبر، يوسف بن عبدالله، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، بيروت، دار الكتب العلمية، چاپ سوم، ۱۴۱۲ق.
ايازي، محمد علي، سير تطور تفاسير شيعه، قم، انتشارات کتاب مبين، چاپ سوم، ۱۳۸۱ش.
ــــــــــــــــــــــــ، المفسرون حياتهم و منهجهم، تهران، انتشارات وزارت ارشاد، ۱۳۸۶ش.
حاجي اسماعيلي، محمدرضا و هاشمي، ايوب، «روش شناسي تفسير اطيب البيان»، مجله پژوهشنامه تفسير و زبان قرآن، شماره اول، پاييز و زمستان ۱۳۹۱ش، صص ۶۷ – ۸۶.
حجتي، محمدباقر، اسباب نزول، تهران، دفتر نشر فرهنگ اسلامي، چاپ ششم، ۱۳۷۷ش.
حسيني، موسي، «گزارش آماري اسباب نزول»، مجله پژوهشهاي قرآني، بهار، شماره اول، ۱۳۷۴ش.
خرمشاهي، بهاءالدين، تفسير و تفاسير جديد، تهران، انتشارات كيهان، ۱۳۶۴ش.
دشتي، سيد محمود، دايرة المعارف قرآن كريم، قم، انتشارات بوستان كتاب، ۱۳۸۲ش.
ذهبي، محمد حسين، التفسير و المفسرون، بينا، بيروت، دار التراث احياء العربي، بي تا.
رهبر، حسن، «سيري در تفسير اطيب البيان»، مجله پژوهش هاي قرآني، دوره ۱۴، شماره ۵۳، بهار ۱۳۸۷، صص ۱۳۰ – ۱۶۱.
زركشي، محمد بن عبدالله، البرهان في علوم قرآن، بيروت، دار المعرفة، ۱۴۱۰ق.
سيوري، فاضل مقداد، كنزالعرفان في فقه علوم قرآن، تهران، مجمع جهاني تقريب مذاهب اسلامي، ۱۴۱۹ق.
شانه چي، كاظم، علم الحديث، قم، دفتر انتشارات اسلامي، چاپ سوم، ۱۳۸۸ش.
طباطبايي، سيد محمد حسين، قرآن در اسلام، تهران، دارالكتب اسلاميه، چاپ دوم، ۱۳۵۳ش.
ــــــــــــــــــــــــ، الميزان في تفسير القرآن، قم، دفتر انتشارات اسلامي، چاپ پنجم، ۱۳۷۴ش.
طبرسي، فضل بن حسين، مجمع البيان في تفسير قرآن، تهران، انتشارات ناصر خسرو، چاپ سوم، ۱۳۶۰ش.
طيب، سيد عبدالحسين، مجله حوزه، قم، حوزه علميه، شماره ۳۳، مرداد و شهريور ۱۳۶۸ش.
ــــــــــــــــــــــــ، اطيب البيان في تفسير القرآن، تهران، انتشارات اسلام، چاپ سوم، ۱۳۷۸ش.
عروسي حويزي، عبدعلي جمعه، تفسير نور الثقلين، قم، انتشارات اسماعيليان، چاپ چهارم، ۱۴۱۵ق.
عظيم زاده، محمد، پايان نامه «بررسي قواعد تفسيري در تفسير اطيب البيان»، قم، دانشكده علوم قرآني، ۱۳۹۲ش.
عقيقي بخشايشي، عبدالرحيم، طبقات مفسران شيعه، قم، نويد اسلام، چاپ چهارم، ۱۳۸۷ش.
عياشي، محمد بن مسعود، كتاب التفسير، تهران، چاپخانه علميه، ۱۳۸۰ش.
قطب، سيد، في ظلال القرآن، بيروت، دارالشروق، چاپ هفدهم، ۱۴۱۲ق.
محقق، محمدباقر، نمونۀ بينات در شأن نزول آيات، مشهد، انتشارات اسلامي، چاپ ششم، ۱۳۶۴ش.
مطهري، مرتضي، نهضت هاي اصلاحي در صدسال اخير، تهران، انتشارات صدرا، چاپ سوم، ۱۳۷۲ش.
معرفت، محمدهادي، تفسير و مفسرون، قم، موسسه فرهنگي التمهيد، ۱۳۷۹ش.
ــــــــــــــــــــــــ، التمهيد في علوم قرآن، قم، موسسه نشر اسلامي، چاپ دوم، ۱۴۱۵ق.
معماري، داود، مباني و روش هاي نقد متن حديث از ديدگاه انديشوران شيعه، قم، دفتر تبليغات اسلامي، چاپ دوم، ۱۳۸۶ش.
مغنيه، محمدجواد، الكاشف، تهران، دارالكتب الاسلاميه، ۱۴۲۴ق.
واحدي، علي بن احمد، اسباب نزول القرآن، بيروت، دارالكتب العلميه، ۱۴۱۱ق.
هاشمي، ايوب، «چشم اندازي بر تفسير اطيب البيان»، مجله فرهنگ اصفهان، شماره ۷ و ۸، صص ۴۲ – ۵۷، بهار و تابستان ۱۳۷۷.
ــــــــــــــــــــــــ، «شرح حال و معرفي تفسير آيت الله سيد عبدالحسين طيب»، مجله بينات، سال ۱۴، شماره ۱۶، ۱۳۷۶ش.

الهوامش

  1. بما أن المصدر المحوري في هذا البحث هو “أطيب البيان في تفسير القرآن”، فسيتم من الآن فصاعداً في الإحالات ذكر اسم عائلة المؤلف وسنة الطبع فقط.
  2. تجدر الإشارة إلى أن هذا العدد تم التوصل إليه من خلال دراسة التفسير بأكمله، ومن المحتمل أن يصل شخص آخر إلى عدد أكبر أو أقل.
  3. للاطلاع على أمثلة إضافية، انظر: ۱: ۴۸۳، ۲: ۱۹، ۱۵۷، ۳۰۴، ۳۵۴، ۴۰۴؛ ۳: ۲۷۴، ۳۴۵، ۳۸۶، ۴۵۱، ۴۶۳؛ ۴: ۶۷، ۳۹۱، ۵: ۳۰۶؛ ۶: ۲۱، ۸۸، ۱۰۰، ۱۰۴، ۱۱۷، ۳۰۹؛ ۷: ۳۸۷؛ ۸: ۲۴، ۴۷۸، ۹: ۲۸۲، ۳۳۹، ۴۶۷، ۵۴۶، ۶۳۸؛ ۱۰: ۲۵۰، ۱۲: ۵۹، ۱۴۴، ۱۶۳، ۱۸۴، ۲۲۷، ۲۲۸، ۴۸۶، ۵۱۴؛ ۱۳: ۲۶۹، ۳۰۵.
  4. للاطلاع على أمثلة إضافية، انظر: ۱: ۴۸۰؛ ۲: ۳۵۸، ۴۹۰؛ ۳: ۴۱۴، ۴: ۱۰۱، ۱۸۹، ۱۶۶، ۱۴۷، ۱۳۹، ۲۵۵، ۳۶۹، ۴۴۵، ۵: ۱۴۰، ۶: ۷۲، ۸۲، ۸۴، ۱۱۶، ۱۳۵، ۱۹۳، ۲۱۷، ۲۷۰، ۲۹۳، ۳۱۱؛ ۸: ۲۱۵، ۲۷۶، ۳۰۹، ۳۹۷، ۴۷۲، ۴۹۸، ۱۰: ۲۵۵، ۳۵۷، ۴۱۴، ۴۷۴، ۴۷۹، ۴۹۴، ۴۹۶، ۵۰۴؛ ۱۱: ۲۱۲، ۱۲: ۱۵۶، ۲۰۳، ۲۰۴، ۲۰۵، ۲۰۷، ۲۱۴، ۲۱۷، ۲۲۴، ۲۸۷، ۳۴۶، ۴۴۷، ۴۵۵، ۴۶۶، ۴۷۳، ۵۰۴، ۱۳: ۱۵، ۷۰؛ ۱۴: ۱۵۸، ۱۷۶.
  5. للاطلاع على أمثلة إضافية، انظر: ۱: ۱۶۶، ۱۴۸، ۲۲۶؛ ۳: ۶۲، ۴: ۱۳۰، ۱۳۳، ۶: ۲۸، ۴۷، ۱۸۵، ۱۹۵؛ ۷: ۲۶، ۳۵۳؛ ۸: ۲۴۸، ۴۹۵، ۱۰: ۳۹۰، ۴۷۵، ۴۹۱؛ ۱۱: ۵۲؛ ۱۲: ۲۴؛ ۱۳: ۷۳، ۱۶۷؛ ۱۴: ۲۴۲.

 

Scroll to Top