الملخص
من بين الآثار القيّمة التي خلّفها الإمام الصادق (ع)، توجد رسالة مفتوحة موجّهة إلى الأصحاب في كلّ العصور، أولاها الإمام اهتماماً خاصاً. فبحسب نصّ الرواية، أمر أصحابه بأن يتدارسوها فيما بينهم ويعملوا بمضمونها. في هذا البحث، تمّت معالجة هذه الرسالة باستخدام منهج “تحليل المضمون”. وهو منهج منظّم يوجّه الباحث نحو استنباط الأنماط العملية والوصول إليها. في هذا البحث، تمّ تحليل مقولة “معرفة أهل الباطل” في الرسالة المذكورة استناداً إلى تحليل المضمون الموضوعي بشكل كمّي وكيفي. ووفقاً لنتائج التحليل الكمّي، فإن مقولة “معرفة أهل الباطل” تعدّ من أكثر المقولات تكراراً في هذه الرسالة، مما يدلّ على تأكيد الإمام لأصحابه على ضرورة معرفة هذه الفئة. كما تبيّن نتائج التحليل الكيفي أن خصائص أهل الباطل من الأبعاد العقدية والأخلاقية ومخالفتهم للأحكام الإلهية قد تم شرحها في هذه الرسالة. ويُعدّ بيان أسباب انحراف أهل الباطل وأهدافهم وأساليبهم للوصول إلى تلك الأهداف من الموضوعات الأخرى التي حظيت بالاهتمام في هذه الرسالة. كذلك، تم تقديم حادثة سقيفة بني ساعدة كمصداق للانحراف عن مسار الحق.
1. طرح المسألة
نتيجةً لانتقال الحكم من بني أمية إلى بني العباس في زمن الإمام الصادق (ع)، توفرت ظروف مواتية لأنشطة هذا الإمام العظيم. في هذه الظروف، أولى الإمام اهتماماً خاصاً بتربية أصحابه، لدرجة أن أسماء أربعة آلاف تلميذ له قد سُجّلت في الكتب (المفيد، 1384ش، 2: 180). وقد أشار الإمام الصادق (ع) في حديث له إلى وصية الإمام الباقر (ع) في مجال تربية الأصحاب قائلاً: «لَمَّا حَضَرَتْ أَبِي عَلَيْهِ السَّلَامُ الْوَفَاةُ، قَالَ: يَا جَعْفَرُ، أُوصِيكَ بِأَصْحَابِي خَيْراً، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ وَالله لَأَدَعَنَّهُمْ وَالرَّجُلُ مِنْهُمْ يَكُونُ فِي الْمِصْرِ، فَلَا يَسْأَلُ أَحَداً» (الكليني، 1429ق، 2: 58).
من بين الآثار القيمة التي خلفها هذا الإمام العظيم، توجد رسالة مفتوحة موجهة إلى الأصحاب في كل العصور، كتب فيها الإمام توجيهات لأتباعه. هذه الرسالة مفصلة نسبياً، وقد كتبها الإمام (ع) لأصحابه، حسب نقل الكليني، وأمرهم بقراءتها والمداومة عليها. كما أوصى الإمام أصحابه بشأن الرسالة بأن يعلّموها لبعضهم البعض، ويتدبروا ويتفكروا فيها، ويحافظوا عليها، ويجددوا العهد بها، ويعملوا بمضامينها. وكان الأصحاب، طاعةً لأمر الإمام، يضعون الرسالة في مساجد بيوتهم، وبعد الفراغ من الصلاة يتفكرون فيها ليعملوا بأمر الإمام ولا ينسوا مضامينها بذلك (الكليني، 1429ق، 15: 7-8).
وردت الرسالة المذكورة في بداية قسم الروضة من كتاب الكافي (الكليني، 1429ق، 15: 7). كما ورد نص الرسالة بشكل مختصر في تحف العقول (ابن شعبة الحراني، 1404ق، 313-315)، ووسائل الشيعة (الحر العاملي، 1409ق، 16: 207؛ 27: 37-38)، وجزء من الرسالة في الفصول المهمة في أصول الأئمة (تكملة الوسائل) (الحر العاملي، 1418ق، 1: 551)، وفي مجلدات متعددة من مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل (النوري، 1408ق، 5: 257؛ 7: 34؛ 9: 14 و 104؛ 11: 337 و 367؛ 12: 233 و 325)، وسفينة البحار (القمي، 1414ق، 3: 352-353)، وجامع أحاديث الشيعة (البروجردي، 1386ش، 23: 730).
في بعض المصادر، ورد شرح الرسالة بنظرة تفسيرية؛ على سبيل المثال: شرح المازندراني على الكافي، حيث ورد فيه متن وشرح الرسالة بالكامل (المازندراني، 1382ق، 11: 141). وفي بضاعة المزجاة أيضاً، وردت الرسالة كاملة، وشرح المؤلف كلماتها ومضمونها (ابن قاري الياغدي، 1429ق، 1: 61). وفي الوافي، ورد متن وشرح الرسالة كاملاً.1 (الفيض الكاشاني، 1406ق، 26: 97). وقد قام السيد علاء الدين محمد الكلستانه الأصفهاني بشرح وتفسير الرسالة بشكل موسع في كتاب مستقل بعنوان «منهج اليقين»، واستشهد بالعديد من الروايات. كما وردت الرسالة كاملة في كتاب مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، بالإضافة إلى شرح المؤلف لها (المجلسي، 1404ق، 25: 5). حتى الآن، لم يتم دراسة الرسالة المذكورة بمنهج تحليل المضمون.
إن وجود نص من جانب إمام معصوم (ع)، ومخاطبة جميع الأصحاب، وذكر أهمية الاهتمام به في متن الرسالة، هي من النقاط التي تجعل البحث الأعمق فيه ضرورياً. إحدى المقولات التي أولاها الإمام الصادق (ع) اهتماماً في رسالته إلى الأصحاب هي مقولة “معرفة أهل الباطل”؛ فضرورة معرفة أهل الباطل تكمن في أنه بدون معرفة هذه الفئة، لا يمكن مواجهتهم. ورغم أن هذه المعرفة ضرورية دائماً، إلا أنها كانت ذات أهمية مضاعفة في عصر الإمام الصادق (ع) الذي كان عصراً فريداً من حيث النهضات والثورات الفكرية والسياسية؛ فبحسب قول الباحثين، في زمن الإمام الصادق (ع)، ومع مرور قرن ونصف تقريباً على ظهور الإسلام وبسبب الفتوحات الإسلامية، دخل مسلمون جدد من قوميات مختلفة إلى عالم الإسلام. وكان للزنادقة الذين ينكرون الله والدين والنبي حرية العمل لأسباب سياسية؛ وظهر تيار التصوف، ونشأ فقهاء يستنبطون الفقه على أساس الرأي والقياس. هذه التيارات، إلى جانب الانحرافات والبدع التي أحدثها الأمويون في الدين، وكذلك فتح باب الترجمة في زمن بني أمية وتعرّف المسلمين على عقائد كانت تهدد الإسلام في معظمها (مطهري، 1378ش، 65)، زادت من ضرورة معرفة أهل الباطل. في البحث الحالي، تم تناول مقولة “معرفة أهل الباطل” في الرسالة المذكورة بمنهج التحليل المضموني. وبناءً على ذلك، سيتم السعي لتبيين هذه المسألة: كيف يُرسم نموذج معرفة أهل الباطل في رسالة الإمام الصادق (ع) إلى الأصحاب؟
يستفيد البحث الحالي من تقنية تحليل المضمون الموضوعي. تحليل المضمون هو أحد فروع تحليل المحتوى. تحليل المحتوى هو من تقنيات البحث التي يتم من خلالها تحديد وإبراز المحاور أو الخطوط الرئيسية للمحتوى. يتضمن إجراء تحليل مضموني إيجاد “النوى المعنوية” التي تشكل الارتباط، وسيكون وجودها وتكرارها معبراً عن المعنى للهدف المختار للتحليل (باردن، 1374ش، 120). ينقسم تحليل المحتوى إلى نوعين: كمي وكيفي. تُصمم طرق البحث الكمي عموماً للإجابة على أسئلة مثل: كم؟ ما مقدار؟ أو ماذا؟ بينما في البحث الكيفي نتعامل أكثر مع أسئلة لماذا وكيف (فيضي، 1394ش، 21). بشكل عام، تحليل المحتوى الكمي والكيفي كلاهما وسيلتان للوصول إلى الاستنباط.
تدور المراحل المختلفة لتحليل المحتوى حول ثلاثة أقطاب تتبع بعضها البعض زمنياً: 1- التحليل الأولي 2- الحصول على المواد الأولية للبحث 3- دراسة النتائج والاستنباط والتفسير (باردن، 1374ش، 107). في تحليل مضمون الرسالة المذكورة، تم استخدام تقنية تحليل المضمون الموضوعي بناءً على وحدة الجملة، بشكل كمي وكيفي. بما أن وحدة التقطيع في البحث الحالي هي الجملة؛ فإن الخطوة الأولى في التحليل هي تفكيك النص إلى جمل. تُدرج الجمل المقطّعة في جدول تحليل المحتوى. ثم تُستخرج المفاهيم من كل جملة في شكل عبارات كمضمون، وتوضع مقابل تلك الجملة. يتطلب الوصول إلى المضامين دراسة عميقة ودقيقة للنص وتأملاً شاملاً فيه. في الخطوة التالية، يتم تحليل المحتوى الكمي بناءً على المعلومات المستخرجة من جداول تحليل المحتوى. النتائج المستخلصة من تحليل المحتوى الكمي، مصحوبة بالملاحظات النظرية للكاتب والدراسات المكتبية، تشكل أساس ومواد المرحلة الأولية للتحليل الكيفي.
2. دراسة سند رسالة الإمام الصادق (ع) إلى الأصحاب
نقل الكليني هذه الرسالة بسندين:
السند الأول: طريق إسماعيل بن جابر، والسند الثاني: طريق قاسم بن ربيع الصحاف. رواية إسماعيل بن جابر تحتوي على إضافات على رواية قاسم بن ربيع، وقد أدرجها الكليني بعد نهاية رواية قاسم.
السند الأول، طريق إسماعيل بن جابر: «محمد بن يعقوب الكليني، قال: حدثني علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال، عن حفص المؤذن، عن أبي عبدالله (ع) وعن محمد بن اسماعيل بن بزيع، عن محمد بن سنان، عن اسماعيل بن جابر، عن أبي عبدالله (ع)» (الكليني، 1429ق، 15: 7).
يوجد في السند المذكور “تحويل”. التحويل مصطلح حديثي يعني الانتقال من سند إلى سند آخر (القاسمي، 1427ق، 217-218)، بمعنى أن بعض الروايات لها عدة أسانيد، وقسم أو أقسام من هذه الأسانيد مشتركة؛ فيقوم المؤلف ببيان القسم المشترك من الأسانيد بحرف عطف لتوضيح تعدد الأسانيد، ويُطلق على هذه الطريقة اسم التحويل. لذا، فإن هذا السند قابل للتفكيك إلى سندين أو طريقين.
الطريق الأول: «محمد بن يعقوب الكليني قال حدثني علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن فضال عن حفص المؤذن عن أبي عبدالله (ع)».
الطريق الثاني: «محمد بن يعقوب الكليني قال حدثني علي بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن محمد بن سنان عن اسماعیل بن جابر عن أبي عبدالله (ع)».
في الطريق الأول، محمد بن يعقوب الكليني في كتب الرجال ثقة وإمامي (النجاشي، 1407ق، 378؛ الطوسي، 1381ق، 439؛ الطوسي، بي تا، 395؛ الحلي، 1411ق، 145). علي بن إبراهيم أيضاً وُصف بالثقة والإمامي (النجاشي، 1407ق، 260؛ الحلي، 1411ق، 100). أما والد علي بن إبراهيم، أي إبراهيم بن هاشم القمي، فقد وردت في كتب الرجال توصيفات: إمامي، ثقة جليل على التحقيق (النجاشي، 1407ق، 16؛ الطوسي، بي تا، 12؛ الحلي، 1411ق، 5). وفيما يتعلق بابن فضال، وردت توصيفات مختلفة في كتب الرجال؛ ففي رجال الكشي ذُكر مرة أنه من أصحاب الإجماع (الكشي، 1348ش، 556) ومرة أخرى أنه فطحي (الكشي، 1348ش، 565)، وقد وصفه البعض بأنه من الأصحاب الأجلاء (النجاشي، 1407ق، 120) والبعض الآخر وصفه بالثقة (الطوسي، 1381ق، 354). أما حفص المؤذن، فلم يرد له توصيف في الكتب الرجالية الثمانية، ويعتبره آية الله الخوئي مجهولاً (الموسوي الخوئي، 1369ش، 7: 239).
في الطريق الثاني، محمد بن إسماعيل بن بزيع ثقة جليل (النجاشي، 1407ق، 331؛ الحلي، 1411ق، 140)، ثقة صحيح (الطوسي، 1381ق، 364). ومحمد بن سنان إمامي صحيح المذهب ظاهراً (الكشي، 1348ش، 508 و 582). وإسماعيل بن جابر أيضاً وُصف بالثقة الممدوح (الطوسي، 1381ق، 124؛ الحلي، 1411ق، 8)؛ بالتالي، فإن الرواة في هذا الطريق موصوفون بالوثاقة أو بكونهم إمامية المذهب.2
السند الثاني: «محمد بن يعقوب الكليني قال وحدثني الحسن بن محمد عن جعفر بن محمد بن مالك الكوفي عن القاسم بن الربيع الصحاف عن اسماعيل بن مخلد السراج عن أبي عبدالله (ع)» (كليني، 1429ق، 15: 8).
في هذا السند، الحسن بن محمد، الذي يُذكر في كتب الرجال باسم حسين بن محمد الملقب بالأشعري القمي، وُصف بالثقة (النجاشي، 1407ق، 66؛ الحلي، 1411ق، 52). الأقوال الرجالية بشأن جعفر بن محمد بن مالك مختلفة؛ فالبعض يعتبره متروك الحديث (ابن الغضائري، 1364ق، 48؛ النجاشي، 1407ق، 122) والبعض الآخر يعتبره ثقة (الطوسي، 1381ق، 418). قاسم بن ربيع الصحاف وُصف بالضعيف (ابن الغضائري، 1364ق، 86؛ الحلي، 1411ق، 248). لا توجد معلومات عن إسماعيل بن مخلد السراج في الكتب الرجالية الثمانية، ويبدو أن آية الله الخوئي يعتبره هو نفسه إسماعيل السراج الذي روى عن يونس بن يعقوب وعلي بن مهزيار (موسوي الخوئي، 1369ش، 3: 205).
يقول الملا صالح المازندراني، ضمن تناوله لشرح الرسالة متناً وسنداً: عند المتأخرين، جميع طرق الحديث ضعيفة؛ لكن آثار الصحة تظهر من مضمون ومحتوى الرسالة، ويؤيدها العقل والنقل (المازندراني، 1382ق، 11: 141). ابن قاري الياغدي، مع أنه يعتبر الطريق الثاني للرواية معتبراً عند البعض، إلا أنه يرى أسانيد الرواية ضعيفة ومجهولة، لكنه يعتقد أن آثار الصحة واضحة من سياق الرسالة، وأن مضامينها وحكمها يؤيدها العقل والنقل (ابن قاري الياغدي، 1429ق، 1: 74). العلامة المجلسي أيضاً يضعف الطريق الثاني لوجود ابن سنان الذي هو ضعيف عند القوم؛ لكنه هو نفسه يعتبر هذا الطريق معتبراً، بينما يعتبر سائر الأسانيد ضعيفة ومجهولة (المجلسي، 1404، 25: 5-6).
إن وجود سند لهذه الرواية وُصف رواته بالوثاقة أو بكونهم إمامية المذهب، واعتبار هذا السند معتبراً عند بعض العلماء، ووضوح آثار الصحة من مضمون ومحتوى الرسالة، وتأييد هذا المحتوى بالعقل والنقل، ووجود الرسالة في كتب معتبرة، وتناول كبار العلماء شرح الرسالة في مجموعات روائية معتبرة وأحياناً بشكل مستقل ومفصل، كل ذلك من أسباب اختيار هذا المحتوى.
4. تحليل مضمون رسالة الإمام الصادق (ع) إلى الأصحاب
في هذه الرسالة، يُذكر أولئك الذين يحكمون بالظلم والمكر ورأي الناس، وخلافاً لحكم الله وأمره وإمامه، ويعملون وفق الهوى والرأي والقياس، ويؤذون أهل الحق ويعادونهم؛ ويُشار إليهم بعناوين أهل الباطل، أعداء الله، الأشقياء، شياطين الإنس، أئمة الضلالة، المنافق، الكافر. الموضوعات المرتبطة بتعريف هذه الفئة من الأفراد، مثل خصائص وهدف أهل الباطل، وأسلوبهم وطريقتهم، وتقديم مصداق لهذه المجموعة من الأفراد، تقع ضمن مقولة «معرفة أهل الباطل».
1-4. خصائص أهل الباطل
بناءً على نتائج تحليل المحتوى الكمي، فإن نسبة تكرار الموضوعات الرئيسية المتعلقة بخصائص أهل الباطل تبلغ 77.50%. بالنظر إلى المضامين الفرعية المستخرجة من جدول التحليل الكمي، تناول الإمام الصادق (ع) من الأبعاد العقدية والأخلاقية، وكذلك موقف أهل الباطل تجاه الأحكام الإلهية، لدراسة خصائص هذه الفئة من الأفراد. يبين الجدول التالي تصنيف الموضوعات الفرعية المتعلقة بخصائص أهل الباطل، ويوضح الرسم البياني نسبة تكرار كل من هذه الحالات. وبناءً على ذلك، حظي بيان الخصائص الأخلاقية لأهل الباطل باهتمام أكبر من قبل الإمام.
1-1-4. الخصائص العقدية لأهل الباطل
أهل الباطل من الناحية العقدية في شك وإنكار وتكذيب (C45)، وهم معرضون عن عقائد أهل الحق (B57). لذلك، فإن أحد أسباب اختلاف أهل الباطل مع أهل الحق هو التضاد العقدي بين المجموعتين؛ لذا، كما يبين الإمام الصادق (ع) في الرسالة، فإن موضوع عداوتهم هو أصول الدين وعقيدة ومذهب أهل الحق (B36، B58).
وقد أشار الله تعالى في آيات عديدة إلى الشك والتردد العقدي لأهل الباطل.3 على سبيل المثال، يقول: «وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ» (التوبة: 125). وفي تفسير هذه الآية، رُوي عن الإمام الصادق (ع) أن المعنى هو أن شكهم يزداد (العياشي، 1380ق، 2: 118). وفي آية أخرى ورد: «بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ» (الدخان: 9). يعتبر العلامة الطباطبائي في هذه الآية «بل» للإعراض عن مطلب محذوف، وبناءً على السياق يقول: تقدير المطلب المحذوف هو أن هؤلاء الأفراد لا يصلون إلى اليقين والإيمان برسالة الرسول وأوصاف الكتاب الذي نزل عليه، بل يظلون في شك وريب (الطباطبائي، 1397ق، 18: 145).
أهل الباطل معرضون عن عقائد أهل الحق (B57). الإعراض عن الحق يسبب الوقوع في الضلالة؛ لأن الإنسان إما على مسار الحق أو على مسار الباطل، ولا يوجد طريق ثالث بينهما: «ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ» (يونس: 32). ورد في تفسير هذه الآية أن عبارة «فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ» تقديرها كالتالي: «فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ الَّذِي مَعَهُ الْهُدَى إِلَّا الْبَاطِلُ الَّذِي مَعَهُ الضَّلَالُ». فبعد الحق الذي يصاحبه الهدى، لا يوجد سوى الباطل الذي يصاحبه الضلال، والذين يعرضون عن الحق إلى أي وجه يتجهون، مع أن الهدى كله في جانب الحق، وفي الضلال لا يوجد سوى الباطل (الطباطبائي، 1397ق، 10: 52).
2-1-4. الخصائص الأخلاقية لأهل الباطل
من خصائص أهل الباطل أنهم غير راضين عن معاشرة أهل الحق؛ بحيث يكون هذا الاستياء واضحاً وجلياً في وجوههم عند معاشرة أهل الحق (B15)، وذلك بسبب شدة غضبهم وبغضهم لأهل الحق (B18). هذا الاستياء شديد لدرجة أنه على الرغم من نفاق أهل الباطل (B19)، فإنه لا يمكن إخفاؤه ويظهر جلياً؛ كما يقول الله تعالى: «بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ» (آل عمران: 118). هذه الجملة تعبر عن عداوة شديدة جداً، لا توصف، متنوعة ومختلفة الأشكال؛ ففي تفسير الآية، قيل إن عداوتهم شديدة لدرجة أنها تركت أثراً في لهجة كلامهم، وقد أبهمت الآية ما يخفونه في قلوبهم، دون أن تبين ما هو، لتقول: «وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ» لتؤكد أن ما في صدورهم لا يوصف؛ لأنه متنوع ومختلف، وعظيم لدرجة لا يمكن وصفه (الطباطبائي، 1397ق، 3: 426).
أهل الباطل أيضاً لا يلتزمون بمراعاة الأصول الأخلاقية (B29، B30). فهم يظلمون ويؤذون أهل الحق (B9، B14، C103، C109، C121). ويشير الإمام الصادق (ع) إلى بعض أنواع الأذى التي تلحق بأهل الحق منهم، ومنها: الازدراء، والحقد، والعداوة، والتآمر (B59، C101، C102، C111، C112). لذا، فإن أهل الباطل يعانون من الرذائل الأخلاقية، ويرتكبون الأفعال الشنيعة من الناحية العملية.
3-1-4. موقف أهل الباطل تجاه الأحكام الإلهية
الأحكام الإلهية وما شرعه الله تعالى من حلال وحرام هي قوانين تشمل جميع أفعال الإنسان، من فردية واجتماعية وعبادية واقتصادية وغيرها؛ فهي تحدد نظام حياة الإنسان، والعمل بها يضمن سعادته. في الواقع، القوانين الشرعية هي لقيادة الفطرة، والحدود والشروط التي تحددها تمنع انحراف الفطرة (مكارم الشيرازي، 1353ش، 16: 418)، وبهذه الطريقة تبقى الفطرة في مأمن من عوارض الانحراف وتزدهر. أهل الباطل، دون الاهتمام بتوافق الأحكام الإلهية مع فطرة الإنسان وهدف هذه الأحكام المتمثل في إيصال البشر إلى السعادة، وبسبب اتباع الهوى والشيطان وغيرها، يخالفون هذه الأحكام ويعكسونها. وفي هذا الصدد، يقول الإمام (ع) إن هذه الفئة من الناس يعتبرون ما أحله الله حراماً وما حرمه حلالاً (B147، B148).
2-4. عوامل انحراف أهل الباطل
بالإضافة إلى خصائص التزعزع العقدي، وعدم الالتزام بالأصول الأخلاقية، وعكس الأحكام الإلهية التي يمكن استخدامها كعلامات لأهل الباطل من أجل معرفتهم؛ يشير الإمام الصادق (ع) إلى خصائص أخرى لهذه الفئة يمكن اعتبارها سبباً ومنبعاً لانحراف أهل الباطل؛ وهي خصائص وعوامل تدفعهم نحو الانحراف عن مسار الحق ومخالفة الأوامر الإلهية. في ما يلي، سيتم دراسة هذه الأسس.
أهل الباطل ليسوا من أهل الدقة في الدين (C42)، وهذه المسألة تسبب انحرافهم عن طريق الحق؛ ولهذا السبب، أولى الإمام الصادق (ع) أهمية كبيرة للتفقه وفهم الدين، وأوصى الجميع بالفهم الدقيق للدين، قائلاً: «تَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ مِنْكُمْ فَهُوَ أَعْرَابِيٌّ» (البرقي، 1371ق، 1: 229).4 في تفسير هذا الحديث، قيل إن «التفقه في الدين» يعني الفهم العميق والدقيق والمتأمل في الدين، وهذا الأمر لا يتأتى إلا بفهم دقيق للبرنامج الديني. البرنامج الديني في المرحلة الأولى يتكون من العقائد والمعارف الإسلامية، وفي المرحلة الثانية ما يتعلق بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق، وفي المرحلة الثالثة الأحكام والمقررات الشرعية؛ فهم هذه المراحل والعمل بها هو البصيرة أو التفقه في الدين. كما أن كلمة «أعرابي» منسوبة إلى «أعراب» وتعني عرب البادية الذين لا يعرفون الأحكام الشرعية، وفي هذا الحديث، وُصف الذين ليسوا من أهل التفقه في الدين بالجهل والغباء مثلهم (الأميني، 1393ش، 71-72). هؤلاء هم الذين ذمهم القرآن أيضاً من حيث الكفر والنفاق، وقال الله تعالى عنهم: «الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ» (التوبة: 97).
أهل الباطل أيضاً لا يميلون إلى طلب العلم من الأئمة والاستفادة من علمهم (B137، B140)، ويديرون أمورهم بدون مرشد وهادٍ إلهي. فهم يتصرفون وفق أهواء أنفسهم (B148)، ونتيجة لذلك يتسلل الشيطان إليهم ويتولى هدايتهم (B144)، لذا يخالفون الأوامر الإلهية (B147). بالإضافة إلى ذلك، تقع هذه المجموعة في خطأ في التمييز، ويعتبرون أهل الإيمان عند الله وفي علم القرآن كفاراً، ويعتبرون أهل الضلالة عند الله وفي علم القرآن مؤمنين (R91، R92).
أهل الباطل، بسبب هذه الخصائص والانحرافات، يتعرضون للعقاب الإلهي. أحد عقوبات المذنبين والضالين هو أن الله يمهلهم ليواصلوا حياتهم كيفما شاءوا، ويتركهم في ضلالهم وغوايتهم، حتى ينحرفوا عن الحق تماماً بسبب انشغالهم بالدنيا، ويتيهوا في طغيانهم (الطبرسي، 1379ق، 3: 526؛ الطباطبائي، 1397ق، 14: 108). كما يقول الله تعالى: «ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» (الحجر: 3). بالتالي، فإن تخلي الله عن عبده هو أحد أسباب انحراف أهل الباطل؛ وهو سبب يشير إليه الإمام الصادق (ع) أيضاً في الرسالة (C143) ويقول إنه نتيجة لهذا الأمر، يصاب أهل الباطل بـ«ضيق الصدر»؛ فلا يصغون إلى كلام الحق ولا يعملون به، وهذا الرفض للحق يصل إلى درجة أنهم قد يتحدثون بالحق ولكن لا يعتقدون به ولا يعملون به (C144، C145، C146، C151). بناءً على ذلك، فإن أسباب انحراف أهل الباطل هي: الابتعاد عن الأئمة وبالتالي التشخيص الخاطئ، ورفض الحق، وضيق الصدر، وعدم الاهتمام بالدين ومخالفة الأوامر الإلهية، واتباع الهوى، وتسلل الشيطان إليهم، وبالتالي التخلي عنهم من قبل الله.
3-4. أهداف أهل الباطل
بناءً على نتائج التحليل الكمي، ووفقاً للرسم البياني رقم 2، فإن نسبة تكرار الموضوعات الرئيسية المتعلقة بالأهداف في مقولة معرفة أهل الباطل تبلغ 12.5%. بالنظر إلى المضامين الفرعية المستخرجة من جدول التحليل الكمي، أشار الإمام الصادق (ع) إلى أهداف إبعاد أهل الحق عن الدين، وتضليلهم، وإفنائهم.
1-3-4. إبعاد أهل الحق عن الدين
أهل الباطل، إن استطاعوا، يرغبون في صرف أهل الحق عن التدبر في دين الله (C41) وصدهم عن طريق الحق (C53)، حتى يُبتلى أهل الحق مثلهم بالشك والإنكار والتكذيب (C44) ويصبحوا كفاراً (CQ46). كما يقول الله تعالى: «وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً» (النساء: 89). ويقول أيضاً: «إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ» (الممتحنة: 2).
هؤلاء لا يذعنون لحكم الله والرسول فحسب، بل يسعون لمنع الآخرين من الانضمام إلى رسول الله (ص) وحكمه: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا» (النساء: 61). «صد عنه» بمعنى الإعراض، وجملة «إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ» بمنزلة قول: «إلى حكم الله وإلى من يحكم به»، والآية فيها لحن أسف، وهذا إظهار للأسف من فعل أناس يعتقدون أنهم يؤمنون بما أنزل الله ولا يجاهرون بالإعراض عن كتاب الله ويتظاهرون بالإيمان بما أنزل الله، وفي نفس الوقت يعرضون عن رسوله. لذا يتضح من هنا أن التفريق بين الله ورسوله، والتسليم لحكم الله والتوقف عند حكم الرسول، هو نفاق بلا شك (الطباطبائي، 1397ق، 4: 429).
2-3-4. إضلال أهل الحق
أهل الباطل هم أئمة يدعون إلى النار (B104). يشير الإمام في هذا السياق تلميحاً إلى الآية 41 من سورة القصص، حيث يقول الله تعالى: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ» (القصص: 41). يفسر العلامة الطباطبائي كلمة النار في هذه الآية بالأعمال الموجبة للنار، والتي سُميت ناراً على سبيل المجاز ومن باب إطلاق المسبب وإرادة السبب، والدعوة إلى النار تعني الدعوة إلى الأعمال الموجبة للنار. كما يفسر الإمامة في الدعوة إلى النار بكونهم سابقين في الكفر والمعصية، وبالتالي يقتدي بهم الآخرون (الطباطبائي، 1397ق، 16: 37).
3-3-4. إفناء أهل الحق
الحق والباطل دائماً في مواجهة؛ لذا فإن العداوة بينهما ستظل قائمة. يقول الله تعالى في القرآن مشيراً إلى هذا الأمر: «وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ» (الممتحنة: 4). لهذه العداوة آثار، أحدها هو السعي لإفناء كل منهما الآخر. وفي حالة أهل الحق، بسبب التزامهم بالأوامر الإلهية، فإنهم لا يخرجون عن دائرة الحق؛ أما أهل الباطل فليس لديهم مثل هذا النهج، ويستغلون كل وسيلة لإفناء الحق وأهله. لذا، كما يبين الإمام، يسعى أهل الباطل لإفناء أهل الحق (B38) ويعتزمون الهجوم عليهم (B17). استخدم الإمام لهذا الغرض كلمة «سطو»، والتي يمكن أن تكون إشارة إلى آية «يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا» (الحج: 72). ورد في معنى هذه الكلمة أن «يسطون» من مصدر «سطوة»، بمعنى الهجوم والأخذ بشدة (ابن منظور، 1414ق، 14: 383). وقد فسر الطبرسي السطوة بأنها إظهار حالة تسبب الخوف (الطبرسي، 1379ق، 4: 95). بالتالي، يمكن القول إن هدف أهل الباطل هو الهجوم على أهل الحق بشدة وغضب وإخافتهم.
4-4. أسلوب ومنهج أهل الباطل
يشير الإمام إلى طريقة أهل الباطل للوصول إلى أهدافهم، فيقول إن أسلوبهم هو استخدام الحيلة والمكر والخداع والوسوسة (C40، C51، C52). وهو أسلوب أُشير إليه في آيات عديدة،5 وأهل الباطل، حسب تعبير القرآن، ينشغلون به ليلاً ونهاراً لدفع أهدافهم: «وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا» (سبأ: 33). بينما لا يعلمون أنهم لا يمكرون إلا بأنفسهم: «يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ» (البقرة: 9). لأنهم عندما يظهرون غير ما في قلوبهم، وإن كانوا قد خدعوا المؤمنين ظاهرياً، فهم في الواقع يخدعون أنفسهم وسيسقطون في عذاب شديد (الطبرسي، 1379ق، 1: 47). بالإضافة إلى أن مكرهم وخداعهم سيبور: «وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ» (فاطر: 10).
5-4. أهل سقيفة بني ساعدة مصداق لأهل الباطل
إن الاهتمام بالتاريخ والاستفادة من دروسه وعبره هو من أهم ضمانات رقي الإنسان وتقدمه؛ لأنه بهذه الوسيلة يمكن منع تكرار الأخطاء التي قد تعيق أو توقف الحركة إلى الأمام. ومن هنا، فإن واقعة الغدير وحادثة سقيفة بني ساعدة في نظر الإمام الصادق (ع) ليست مجرد واقعة تاريخية مضت وانحصرت في زمانها دون أثر؛ بل هي حية ويمكن أن تجري في كل زمان وتكون عبرة لكل عصر. وكما عبر الشهيد مطهري، فإن التاريخ هو في الواقع مجتمع إنساني في حالة حركة وجريان يمكن اعتباره مصدراً للمعرفة (مطهري، 1376ش، 383). لذا، يتناول الإمام واقعة غدير خم وحادثة سقيفة بني ساعدة (R95-R102) لتبيين كيفية عمل عوامل مثل عدم قبول الولاية، ورفض الحق، ومخالفة الأوامر الإلهية، واتباع الهوى، وتسلل الشيطان وغيرها على انحراف الأفراد عن مسار الحق. في هذا السياق، يقول الإمام إن الناس بعد وفاة النبي (ص) وبعد العهد الذي قطعوه معه، عملوا بآرائهم الخاصة (R96)، في حين لم يكن يجوز لهم ذلك (R97، R99، R102). والذين يتصرفون هكذا هم أجرأ الناس على الله وأكثرهم ضلالاً (B154-B155). هذه الإشارة تتعلق بعوامل رفض الحق، وعدم قبول الولاية، واتباع الهوى، التي تم تناولها ضمن عوامل انحراف أهل الباطل.
وكما يبين الإمام (ع) أن أصل ثمرة اتباع الهوى هو مخالفة الأوامر الإلهية (B148، B152)؛ في هذا المصداق أيضاً، تحققت النتيجة نفسها، وما فعله الناس بعد وفاة النبي (ص) كان عداوة ومخالفة لله ورسوله (ص) (B150). بينما الطاعة والاتباع لله هو حق الله على الناس (B157)، وحق الله لا يتغير في حياة وممات حضرة محمد (ص) (B158، B160، BQ162، B165).
في مجال ضرورة الطاعة الإلهية في حياة وممات حضرة محمد (ص) ومخالفة الأمر الإلهي الذي وقع في حادثة السقيفة، استشهد الإمام بآية: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» (آل عمران: 144). ورد في تفسير هذه الآية أن محمداً (ص) كسائر الرسل لا يملك سوى منصب الرسالة من قبل الله، وأمر العالم بيد الله وحده؛ والدين هو دين الله ويبقى ببقاء الله. إذن، إيمان المسلمين ليس مرتبطاً بحياة النبي (ص) حتى إذا فارق الدنيا بالموت أو القتل، يُترك القيام بدين الله ويفقد الناس هدايتهم ويقعون في الضلال (الطباطبائي، 1397ق، 4: 37).
ولتوضيح ترك الطاعة الإلهية الذي حدث في حادثة سقيفة بني ساعدة، يلجأ الإمام الصادق (ع)، بالإضافة إلى الاستشهاد بالقرآن، إلى الاستدلال العقلي أيضاً (B161). فهو بسؤاله عما إذا كان اتباع القول والرأي والقياس جائزاً في زمن النبي (ص)، يخاطب عقول الناس، وفي مقام الاستنتاج يقول: لو اعتقد أحد أن اتباع الرأي والقياس كان جائزاً في زمن النبي (ص) فهو كاذب وضال، وإن لم يجز ذلك فهو من الذين يعتقدون أن طاعة الله واجبة في حياة وممات النبي (ص)، وبهذا (إذا قبل حادثة السقيفة) يكون قد أقر على نفسه بما يعتقد (R99).
بهذا الترتيب، تناول الإمام الصادق (ع) في رسالته، من أجل تعريف أهل الباطل، خصائصهم، والعوامل المؤدية إلى انحرافهم، وأهدافهم، وأسلوبهم ومنهجهم، وقدم مصداقاً لهذه المجموعة.
5. الاستنتاج
1- تظهر نتائج تحليل المحتوى الكمي أن «معرفة أهل الباطل» هي إحدى المقولات التي حظيت باهتمام الإمام الصادق (ع) في رسالته إلى الأصحاب؛ بحيث أن الموضوعات الرئيسية المتعلقة بهذه المقولة في رسالة الإمام لها أعلى نسبة تكرار. ويعرّف الإمام (ع) هذه الفئة من الأفراد بعناوين أهل الباطل، أعداء الله، الأشقياء، شياطين الإنس، أئمة الضلالة، المنافق، والكافر.
2- الموضوعات الرئيسية المذكورة في مقولة «معرفة أهل الباطل» هي: خصائص أهل الباطل، وأهدافهم، وأسلوبهم ومنهجهم، ومصداقهم، والتي من الناحية الكمية، حظي بيان خصائص أهل الباطل باهتمام أكبر من الإمام، وكان لتناول أسلوبهم ومنهجهم وبيان مصداق من هذه المجموعة أقل نسبة تكرار.
3- بناءً على نتائج التحليل الكيفي؛ تناول الإمام الصادق (ع) الخصائص العقدية لأهل الباطل مثل: التكذيب والإعراض عن عقائد أهل الحق والتزعزع العقدي، والخصائص الأخلاقية مثل: النفاق، والغضب والبغض الشديد تجاه أهل الحق، والازدراء، والعداوة، والتآمر، والحقد، والأذى، والموقف المخالف لأهل الباطل تجاه الأحكام الإلهية. وبناءً على نتائج التحليل الكمي، حظي بيان الخصائص الأخلاقية بأكبر نسبة تكرار مقارنة ببقية خصائص أهل الباطل.
4- بناءً على نتائج التحليل الكيفي؛ بيّن الإمام العوامل المؤدية إلى الانحراف في هؤلاء الأفراد؛ وهذه العوامل هي: الابتعاد عن الأئمة الأطهار (ع) وبالتالي التشخيص الخاطئ، ورفض الحق، وضيق الصدر، وعدم التفقه في الدين، ومخالفة الأوامر الإلهية، واتباع الهوى، وتسلل الشيطان فيهم، وبالتالي التخلي عنهم من قبل الله.
5- بناءً على نتائج التحليل الكيفي؛ يبين الإمام صادق (ع) أهداف أهل الباطل بأنها إبعاد أهل الحق عن الدين، وتضليلهم، وإفناؤهم. من الناحية الكمية؛ كان لإبعاد أهل الحق عن الدين ثم إفنائهم على التوالي أعلى نسبة تكرار. ويرى الإمام أن أسلوب هذه المجموعة للوصول إلى أهدافهم هو استخدام الحيلة والمكر والخداع والوسوسة.
6- بناءً على التحليل الكيفي الذي تم إجراؤه، يتناول الإمام واقعة غدير خم وحادثة سقيفة بني ساعدة لتبيين كيفية عمل عوامل مثل عدم قبول الولاية، ورفض الحق، ومخالفة الأوامر الإلهية، واتباع الهوى، وتسلل الشيطان وغيرها على انحراف الأفراد عن مسار الحق.
الهوامش
1. على الرغم من أن كلمات الرسالة في نسخة الوافي لا تختلف نقصاً أو زيادة عن نسخة الكليني، إلا أن ترتيب العبارات في نسخة الوافي يختلف عن نسخة الكليني.
2. توجد أقوال رجالية مختلفة بشأن محمد بن سنان. فقد وثّقه الشيخ المفيد (الحلي، 1411هـ، ص 251)، وفي بعض المواضع وُصف بالممدوح (الكشي، 1348ش، ص 502-504)، وفي مواضع أخرى اعتُبر ضعيفاً (ابن الغضائري، 1364ش، ص 92؛ النجاشي، 1407هـ، ص 328؛ الطوسي، 1381هـ، ص 364؛ الطوسي، دون تاريخ، ص 407). وبسبب هذا الاختلاف في الأقوال، توقّف العلامة الحلي في أمره (الحلي، 1411هـ، ص 251).
3. منها سورة هود: 62، 110؛ إبراهيم: 9؛ النمل: 66؛ سبأ: 21، 54؛ ص: 8.
4. أي: تفقهوا في الدين، فإن من لم يتفقه منكم فهو أعرابي.
5. منها آل عمران: 54؛ الأنعام: 123 و 124؛ الأنفال: 30؛ يوسف: 102؛ الرعد: 33 و 42؛ إبراهيم: 46؛ النحل: 26 و 45 و 127؛ النمل: 50 و 70.