مؤشرات وآثار التلاوة المتمحورة حول المعنى من منظور التعاليم الإسلامية

الملخص

يُعدُّ فن تلاوة القرآن الكريم من أهم الفنون الإسلامية التي تحظى بقبول واسع في مختلف البلدان الإسلامية. ومن العوامل المهمة للارتقاء بالتلاوة وبلوغ حقها، ومن أبرز آدابها المعنوية، مسألة التمحور حول المعنى. التلاوة المتمحورة حول المعنى هي تلك التي تُنظَّم وتُؤدَّى بناءً على مسار معنى الآيات ومفهومها. في هذا البحث، الذي أُجري بالمنهج الوصفي التحليلي، تم تبيين مكانة التمحور حول المعنى، ودراسة مؤشراتها البارزة، مثل التأثير والخشوع وحضور القلب، وكذلك الآثار المترتبة عليها، كتقديس أهداف التلاوة، وإحياء المكانة الحقيقية للقارئ وإقراء القرآن الكريم في المجتمع، وخلق أجواء من التفكر والتعقل والتدبر في المحافل. وبناءً على هذا التحقيق، ليست كل تلاوة مطلوبة في منظور الآيات والروايات الكريمة، بل إن التوجه المتمحور حول المعنى في التلاوة هو أساس التلاوة المطلوبة. ومن هنا، فإن اهتمام المؤسسات القرآنية، وبالتالي القراء وحفاظ القرآن الكريم، بالتلاوة المتمحورة حول المعنى، يعدُّ أمراً ضرورياً ينتهي إلى الأنس بالقرآن في المجتمع على المستويين العام والخاص.

المقدمة

لطالما كانت تلاوة القرآن الكريم، بوصفها عبادة مقدسة، محط اهتمام القرآن وروايات أهل البيت (ع). فتلاوة القرآن ليست ضرورية للمسلمين العاديين فحسب، بل للخاصة والمقربين من الحضرة الإلهية أيضاً. كان النبي الأكرم (ص)، كغيره من المسلمين، يقرأ القرآن في صلاته، ويتلوه لتبليغ الدين (البقرة/١٥١ وآل عمران/١٦٤). وفي غير هاتين الحالتين، كان يتلو القرآن لنفسه أو للآخرين (النمل/٩١-٩٢). وكما كان (ص) يولي أهمية لكتابة الوحي، فقد أولى اهتماماً بالغاً لتلاوة القرآن. كان العديد من كبار رجالات صدر الإسلام، ومنهم النبي الأكرم (ص)، يتلون القرآن بصوت جميل ولحن عذب، حتى إن المشركين وأعداء النبي كانوا ينجذبون لتلاوته. كما انشغل مولى المتقين (ع) بكتابة القرآن وتلاوته. إن التلاوة الحقيقية للقرآن تعني تصوير الآيات. وكما أشار صاحب كتاب «فن قراءات القرآن الكريم» إلى هذا الموضوع بقوله: «التلاوة المؤثرة يجب أن تمزج القارئ والمستمع فكرياً وعاطفياً وروحياً بمعنى الوحي؛ لأن كل لحظة من التلاوة يمكن أن تصور مشاهد من الوحي.» (نلسون، فن قراءة القرآن، ١٣٩٠: ١٥).

إن اهتمام المسلمين بتلاوة القرآن أدى تدريجياً إلى تحولها إلى فن فريد، يختلف اختلافاً عميقاً عن سائر الفنون الصوتية الدينية. فنٌّ يبذل فنانوه جهدهم في أدائه بعشق فياض وحرقة كاملة، ليسوا هم فقط من يغرقون في أنوار الآيات الإلهية، بل يهدون للمستمعين الحاضرين والغائبين محبة لا توصف تجاه القرآن الكريم.

وقد شهدت التلاوة التخصصية للقرآن الكريم في بلادنا الإسلامية، خاصة بعد انتصار الثورة الإسلامية، بروزاً أكبر، وشهدت إيران الإسلامية ظهور العديد من النخب في هذا المجال. إن صوت القرآن، أو بعبارة أخرى، صوت الله المتعال في التلاوة والإقراء الواضح والنقي للقرآن، هو الذي يتجلى ويضع قارئ القرآن أمام واجبه ورسالته. في فترات من تاريخ التلاوة في بعض الدول الإسلامية، تمكنت مجموعة من القراء المتميزين من أداء هذه الرسالة بشكل نسبي، وكان حضورهم في المحافل وتلاوتهم للعامة مقترناً بنجاحات جيدة. لقد استطاعوا أن يوصلوا عدداً كبيراً من ألفاظ القرآن وعباراته إلى أسماع جماهير غفيرة في بلادهم وخارجها.

دراسة المفهوم

١. التلاوة

«التلاوة»، من جذر (تلو)، تعني في اللغة المتابعة (الفراهيدي، العين، ١٤٠٩ ق: ٨/١٣٤). وبحسب ابن فارس، فإن لهذا الجذر معنى واحداً وهو الإتباع، ولأن آيات القرآن تتالى عند قراءتها، سُميت تلاوة (ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ١٤٠٤ ق: ١/٣٥١). وقد ورد لفظ التلاوة مرة واحدة فقط في القرآن: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ…﴾ (البقرة/١٢١). ولكن هذه الكلمة مع مشتقاتها وردت ٦١ مرة في ٥١ آية من القرآن الكريم. وبحسب الراغب الأصفهاني، تُستخدم مشتقاتها غالباً لقراءة ما يلزم اتباع مضامينه. «التلاوة تختص باتباع كتب الله المنزلة» (راغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ١٤١٢ ق: ١٦٧).

تُستخدم كلمة «تلاوة» فقط فيما يتعلق بالكتب السماوية، خاصة القرآن الكريم، وتكون مصحوبة بالاحترام والتكريم، ويلزم بعدها العمل بمضامينها (نفس المصدر: ٦٦)؛ أما «القراءة»، فتُستخدم لقراءة أي مكتوب (العسكري، الفروق في اللغة، ١٤٠٠ ق: ١٨). كما تُستخدم «القراءة» لقراءة كلمة واحدة، بينما تُستخدم «التلاوة» لكلمتين فأكثر (نفس المصدر: ١٨). وبناءً على المعاني المذكورة، يمكن استنتاج أن كل تلاوة هي قراءة، ولكن ليست كل قراءة بالضرورة تلاوة. ومن جهة أخرى، تُستخدم التلاوة عادةً حيثما يترتب على المقروء وجوب الاتباع والطاعة.

بعض الاستخدامات القرآنية لكلمة «تلاوة» هي: الإتباع والمجيء بعد شيء ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ (الشمس/٢)؛ متابعة الألفاظ والمعاني ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (آل عمران/١١٣)؛ القراءة على الآخرين ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ…﴾ (المائدة/٢٧)؛ قراءة الآيات ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ…﴾ (العنكبوت/٤٥).

يمكن تلخيص خصائص التلاوة كإحدى مراحل الأنس بالقرآن على النحو التالي: ١. المرافقة والتبعية: فسر النبي الأكرم (ص) عبارة «يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ» بـ«يتبعونه حق اتباعه» (السيوطي، الدر المنثور في تفسير المأثور، ١٤٠٤ ق: ١/٢٧٢)؛ ٢. التأثر: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال/٢)؛ ٣. سبب تقوية الإيمان: ﴿…يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ…﴾ (البقرة/١٢١).

التلاوة في الاصطلاح الشائع بين أهل هذا الفن، تعادل تقريباً القراءة، وتُطلق على نوع من قراءة آيات القرآن الكريم يتميز بخصائص معينة من حيث قواعد وأحكام التجويد، والوقف والابتداء، وكذلك أسلوب استخدام الأصوات والألحان المرتبطة به. ويمكن اعتبار القراء المصريين رواد تلاوة القرآن في العالم. وكما قيل: «إن السنة الخاصة بالتلاوة المصرية تتمتع بشعبية منقطعة النظير، ومكانة وقوة خاصة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وهذا الأسلوب، بالاعتماد على هذه الخلفية، هو قدوة فن تلاوة القرآن الكريم» (نلسون، فن قراءة القرآن، ١٣٩٠: ٢٦).

٢. التلاوة المتمحورة حول المعنى

شاع مصطلح «التلاوة المتمحورة حول المعنى» في العقد الأخير بين القراء والأساتذة بسبب الشعور بضرورة الاهتمام الخاص بمعنى ومحتوى الآيات أثناء التلاوة. وفي تعريف هذه التلاوة قيل إنها التلاوة التي تكون مصحوبة بمراعاة أركان التلاوة من تجويد وصوت ولحن ووقف وابتداء، وفي الوقت نفسه، يولي القارئ اهتماماً كبيراً بمفاهيم الآيات وتصويرها (عارف حسيني، خصائص التلاوة المتقنة، ۱۳۹۲: ۱۳۲). من هذا المنطلق، فإن التلاوة المتمحورة حول المعنى هي التي تُنظَّم وتُؤدَّى بناءً على مسار معنى الآيات ومفهومها. ومن البديهي أن التلاوة والقراءة تحققان أقصى درجات التأثير عندما تتمان مع العناية بالمعنى والتدبر فيه. فالقراءة دون تفكر في معاني القرآن وفهم الحد الأدنى من معاني ألفاظه لن تكون مجدية.

إن الروايات والأحاديث الكثيرة التي وردت في أهمية وفضيلة قراءة وتلاوة القرآن، تشير قطعاً إلى القراءة المصحوبة بفهم معاني ما يُقرأ. وفي هذا الصدد، نُقل عن الإمام السجاد (ع) قوله: «آياتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ كُلَّمَا فُتِحَتْ خَزِينَةٌ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْظُرَ فِيهَا» (الحر العاملي، هداية الأمة إلى أحكام الأئمة، ١٤١٤ ق: ٣/٧٢)؛ أي أن آيات القرآن كنوز، كلما فُتح كنز منها، ينبغي لك أن تنظر فيه بدقة.

إن الجوهر الأساسي والمادة الخام لتلاوة القرآن هي تعريف المخاطبين وتوجيههم نحو مفاهيم القرآن ومعانيه والأنس بمعانيه السامية. في التلاوة المتمحورة حول المعنى، يتلقى المستمع رزقه المعنوي كما في مجلس وعظ، وربما أكثر من ذلك، من خلال إقامة صلة مناسبة بآيات القرآن الكريم وإدراك معارفه السامية بواسطة فن القارئ. لذا، فإن هذه التلاوة تؤدي إلى الأنس بالقرآن في المجتمع على المستويين العام والخاص، أنسٌ يترك أثراً بالغاً في ثقافة الناس وأسلوب حياتهم. أساساً، في أي مجال، يتغير مدى التأثير في نقل المعنى والمفهوم والبيانات العلمية بالتوازي مع الاتصال بالموضوع والدخول فيه والتوحد معه. فكما لو أن معلماً في الصف شرح موضوعاً يؤمن به، فسيكون له دور مؤثر بالتأكيد في نفوس طلابه. من هنا يمكن القول: إن التأثير في التلاوة المتمحورة حول المعنى منوط بعاملين أساسيين: الإيمان الداخلي للقارئ الذي تؤثر فيه عوامل معنوية كثيرة، ومدى إتقان القارئ لمتطلبات وفنون إلقاء معاني الآيات المتعلقة بالمهارات الصوتية واللحنية للتلاوة.

مؤشرات التلاوة المتمحورة حول المعنى

١. التأثير

من خصائص القرآن الكريم تأثيره على مستمعيه. وقد ذكر القرآن الكريم هذه الخاصية المهمة بقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ…﴾ (الزمر/٢٣). وفي تتمة الآية، يصف هذه الخاصية بأنها مظهر من مظاهر هدايته: ﴿ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي أن هذه الحالة من انقباض الجلد عند سماع القرآن، ثم سكون الجلود والقلوب عند ذكر الله، هي هداية من الله. وهذا تعريف آخر للهداية من خلال لازمها (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ١٣٧٤: ١٧/٣٨٩).

ويقول تعالى أيضاً: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ…﴾ (المائدة/٨٣). وقد أظهرت هذه الخاصية، في العصر الحاضر، في الأبحاث الميدانية حول سماع القرآن وتأثيره في القلوب وآثاره النفسية والروحية، حتى في تخفيف الآلام.

إن التلاوة المثالية للقرآن يجب أن تمزج القارئ والمستمع فكرياً وعاطفياً وروحياً بمعنى الوحي؛ لأن كل لحظة من التلاوة هي تجسيد لتلك اللحظة من الوحي. لذا، فإن من يشارك بإخلاص في القراءة، غالباً، بل وينبغي، مع مراعاة عظمة وجمال حدث التلاوة، أن يتغير ويخشع أمام هيبة الرب وقوته المطلقة ويبكي.

يمكن للتلاوة المتمحورة حول المعنى أن تلعب دوراً هاماً في زيادة تأثير الآيات على المستمعين. إن مراعاة جميع متطلبات التمحور حول المعنى في التلاوة تجعل التأثير أحد أبرز مؤشرات هذا المنهج التلاوي. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا التأثير يكون دائماً وفعالاً. ويمكن عزو سبب هذا الدوام إلى مزج ودمج المعارف السامية للوحي مع فن القارئ في التلاوة، مما يخلق أثراً منقطع النظير. هذا في حين أن تأثير التلاوة التي يقتصر الاهتمام فيها على جمال الصوت واللحن فقط يكون لحظياً ومقتصراً على مجلس التلاوة نفسه.

على القارئ، بطريقة ما، أن يراعي العدالة في عمليات التلاوة، حتى يحتفظ المستمع بعد انتهاء التلاوة ببضع آيات منها في ذهنه على الأقل. فإذا كان المستمع بعد سماع الآيات لا يتذكر سوى النغمات، فهذا يدل على أن الآيات نفسها لم يكن لها دور في هذه التلاوة، بل وُظفت لخدمة النغمات. والأمر كذلك بالنسبة للصوت. التلاوة المتقنة هي التي يتجلى بعدها جمال الصوت والآيات معاً في ذهن المستمع، وإذا تحقق ذلك، يكون مصداقاً لقول قائد الثورة المعظم: «آية واحدة تقرؤونها بشكل جيد، قد تكون أحياناً أكثر قيمة من ساعة كاملة من محاضرة شخص ما حول تلك الآية، أي أن هذه التلاوة تحدث ثورة حقيقية في الروح» (موقع khamenei.ir، تصريحات في جلسة وداع الشيخ راغب مصطفى غلوش والشيخ محمد بسيوني، ١٣٦٨/١٢/١١).

إن تحقق أو عدم تحقق مسألة التأثير هو أحد طرق تمييز التلاوة المتمحورة حول المعنى عن غيرها. ففي تاريخ الإسلام، كان هناك الكثير من الرجال والنساء الذين انقلبت حياتهم بسماع آية واحدة، ووجدوا مسار حياتهم، واستطاعوا بفهم عميق للآية أن يقطعوا طريق مئة عام في ليلة واحدة. كما حدث مع الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله (ص) وطلب منه أن يتلو عليه القرآن، فلما تُليت عليه آيات من سورة الزلزال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزال/٧-٨)، قام الرجل فجأة وغادر. فقال النبي (ص): «تكفيه هذه الآية، رجع فقيهاً» (العروسي الحويزي، تفسير نور الثقلين، ١٤١٥ ق: ٥/٦٥٠). من هنا، إذا كان الإنسان مستعداً، فإن فهم آية واحدة يمكن أن يحدث فيه انقلاباً يوصله إلى إدراك عالٍ للقرآن.

تقول السيدة نلسون، في هذا الصدد، من مشاهداتها: «عندما تبدأ قراءة الآيات ذات المعنى السامي، يلتفت المستمعون إلى القارئ. فجأة، تجذب قوة هذه العبارات العواطف المتناثرة للجمع، وتدفعها إلى الأمام كموجة عظيمة. بعد قراءة عبارة، يجلس الحاضرون والمستمعون بهدوء على الأرض، ومع تصاعد العبارة التالية، ينهضون من أماكنهم. تستمر التلاوة وتبلغ ذروتها. رجل يخفي وجهه بين يديه، وآخر يبكي بهدوء، وبعض المستمعين يتخذون هيئة متألمة، بينما يشارك آخرون في الفواصل بين العبارات بهتافات الإعجاب بالقارئ. ويمر الوقت دون أن يُشعر به.» (نلسون، فن قراءة القرآن، ١٣٩٠: ٢٦). وفي موضع آخر، تقول عن تأثير التلاوة في إسلام غير مسلم: «أمريكي تأثر بشدة بسماع قراءة الشيخ رفعت لمدة خمس دقائق من الراديو، حتى ذهب إلى مصر، وتعلم، وأسلم.» (نفس المصدر: ٢٠٦).

إن تأثير الصوت واللحن كأداة توجه المخاطب إلى المعنى، قد استُخدم مراراً عبر التاريخ. حتى المؤمنون بالمذهب المادي ومنكرو أصل التوحيد والنبوة، تأثروا بسماع صوت القرآن الجميل. في الواقع، بدأ هذا التأثير نتيجة عمل فني ومن إحساسهم، ولكنه أدى إلى تأثير معرفي، لدرجة أنه في بلد أفريقي واحد، بعد سماع تلاوة أحد قراء الطراز الأول المصريين، أسلم أكثر من تسعين شخصاً من غير المسلمين (شاه ميوه أصفهاني، فن التلاوة، ١٣٨٩: ١٤٨). إن تيار هذه الروحانية والتأثير لدى بعض القراء المصريين القدامى قوي وعميق لدرجة أنه حتى بعد مرور سنوات على وفاتهم، لا يزال سماع تلاواتهم يؤثر في أرواح وقلوب المستمعين.

٢. الحس المناسب

إن صوت القارئ ولحنه وأسلوب تلاوته مستمد من حسه وبواطنه، مما له دور مهم جداً في التلاوة. فالحس هو الذي يحدد أجواء التلاوة، ومن بين النغمات المخزنة في الذاكرة اللحنية، يختار بعضها وفقاً للظروف الداخلية والخارجية. الحس هو نتاج الشخصية، والروح، والمعرفة، والإبداع، والخواطر، وجميع المسائل الداخلية للشخص وعلاقته بالعالم الخارجي، مما ينتج عنه نغمة وترنيمة داخلية. بشكل عام، في أداء الأعمال الحسية والعلائقية والفنية مثل تلاوة القرآن، كلما انشغل العقل مباشرة، حل محل الحس والصلة. في تلاوة القرآن أيضاً، التفكير بين أداء الألحان وشغل الذهن يمنع نقل المفهوم ورسالة النغمة، وبالتالي يمنع إيصال رسالة الآية. إن معرفة الآية حتى على مستوى الترجمة، ومعرفة سبب النزول، وفهم أجواء الآية، يخلق لا شعورياً لدى القارئ الحس والحال المناسبين لنقل المفاهيم.

٣. اللحن البياني المتناسب مع الآيات

أشار الدكتور إبراهيم أنيس في كتابه «الأصوات اللغوية» إلى التنغيم (اللحن البياني) إشارة مختصرة. وبعده، أجرى تلاميذه أبحاثاً واسعة في هذا المجال. وبالطبع، أشار النحاة الكبار مثل ابن جني، وابن يعيش، والرماني، والزركشي وغيرهم قبل قرون إلى هذا الموضوع إشارات مباشرة وغير مباشرة. التنغيم عند إبراهيم أنيس هو موسيقى الكلام. يقول: «الإنسان عند التحدث بلغته الأم، في أداء جميع الأصوات، لا يتبع نبرة واحدة. فالتسلسل الذي يلاحظ في ارتفاع وانخفاض الصوت، يتبع نظاماً خاصاً يختلف في كل لغة، وكل من يريد تعلم لغة، يجب أن يتعلم ذلك النظام أيضاً. وإلا فإن التحدث بتلك اللغة يفقد أسلوبه ويبتعد عن نطقه الخاص.» (أنيس، علم أصوات اللغة العربية، ١٣٨٤: ١٦٠).

في تعريف آخر قيل: «التنغيم هو تغيير في الأداء بارتفاع الصوت وانخفاضه في أثناء الكلام العادي للدلالة على المعاني المتنوعة في الجملة الواحدة.» (موسوي، علم الأصوات اللغوية، ١٤١٩ ق: ١٣٤). وقيل أيضاً: «حينما يكون مدى تنوع الارتفاع والانخفاض في سلسلة الكلام محصوراً في جملة، يُطلق عليه لحن الكلام».1 (ياوري، آلة الحنجرة، ١٣٩٦: ٣٢٤). ويرى البعض أيضاً أن تنوع ألحان الكلام2 هو بحث صوتي يدور حول ارتفاع الصوت وانخفاضه واستقامته، ويمكن أن يكون له دور نسبي في التعبير عن المعاني المقصودة (عكاشة، التحليل اللغوي، ٢٠٠١ م: ٤٩).

٤. إيجاد الخشوع وحضور القلب

بناءً على الآية ١٢١ من سورة البقرة، فإن إحدى خصائص التلاوة المطلوبة من منظور القرآن هي مراعاة أدب الخشوع في التلاوة. وعلى الرغم من عدم وجود عنوان «الخشوع» في المصادر الدينية، يمكن استنباطه من وصف المؤمنين بأنهم في صلاتهم خاشعون؛ لأن أحد العناصر الأساسية المكونة للصلاة هو تلاوة القرآن فيها، والخشوع في الصلاة يستلزم الخشوع في التلاوة أيضاً. وقد ورد في معنى الخشوع: خشع خشوعاً إذا خضع، وخشع في الصلاة ودعائه: أقبل بقلبه على ذلك (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن، ١٣٦٨: ٣/٦٠). من أهم خصائص التلاوة المتمحورة حول المعنى الخشوع والانتباه القلبي في التلاوة. وقد قال رسول الله (ص) فيمن هو أحسن الناس تلاوة للقرآن: «مَنْ إِذَا سَمِعْتَ قِرَاءَتَهُ رَأَيْتَ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ» (المجلسي، بحار الأنوار، ١٤٠٣ ق: ٩٠/٨٩).

آثار التلاوة المتمحورة حول المعنى

١. تقديس أهداف التلاوة

من المناسب أن يدقق قارئ القرآن في نيته من التلاوة ويتأمل: هل هدفه ونيته من المشاركة في محفل ما أو مسابقة أو تلاوة للقرآن هو التفوق على الآخرين واكتساب الوجاهة لدى الناس، أم أنه يضع فنه في خدمة آيات الوحي ليهيئ قلوب المستمعين لقبول آيات القرآن؟ إذا كان الهدف الأول هو دافعه، فمن الأفضل أن يكف عن التلاوة في المحافل العامة ويقرأ القرآن في خلوته حتى يتخلص من آفة الرياء وحب الظهور. وإذا كان الهدف الثاني هو دافعه، فيا لها من سعادة! ولكن يجب عليه في هذه المحاسبة والمراقبة أن يحذر من وساوس الشيطان، التي هي، بتعبير الإمام الصادق (ع)، «الشرك (أي الرياء) أخفى من دبيب النمل» (دستغيب، القلب السليم، ١٣٨٨: ١/٣٤٤). وتتضاعف هذه الضرورة لأن الشيطان يستطيع التسلل إلى تلاوة القرآن بسهولة أكبر من سائر العبادات؛ لأن تلاوة القرآن تكون مصحوبة بتقديم فن التلاوة وجاذبية الصوت واللحن. وهذه النقطة بالذات يمكن أن تكون مطية الشيطان لإضلال نية المتلو.

٢. إحياء المكانة الحقيقية لفن القراءة والقراء

من المعاني المتعددة التي وردت في كتب اللغة لكلمة (قارئ) وجمعها (قراء)، يتضح أن القراءة في اللغة لا تقتصر على معنى التلفظ، بل تحمل بعداً معنوياً، وتقترن صفة القارئ بالزاهد والعابد. لا شك أن مفهوم «القراء» اختلف في القرون المختلفة. في صدر الإسلام، كان يُطلق لقب قارئ القرآن على المبلغين المتكاملين الذين كانوا في الحقيقة علماء بمختلف علوم القرآن وعاملين به. ولكن مع مرور الزمن، تضاءل المحتوى المعنوي لهذه الكلمة وكذلك نطاق واجبات قارئ القرآن.

٣. إيجاد فضاء للتفكر والتعقل والتدبر في المحافل

يصف القرآن الكريم نفسه بأنه قول فصل (الطارق/١٣)، وقول ثقيل (المزمل/٥)، وكلام ذو قيمة وعظمة (الواقعة/٧٧). وفي الحقيقة، هذا الأمر هو تجلٍ معنوي لعالم الوجود، لأن هذا الكتاب قد نزل من خالق الكون للإنسان، كصفوة الوجود وأشرف المخلوقات. لذا، فإن القرآن نفسه، كجزء من حقائق الوجود، قابل للتفكر والتعقل. ومن هذا المنطلق، أوصي بالتدبر والتفكر والتعقل فيه مراراً. إن الغرض الأساسي من نزول القرآن هو هداية البشر نحو الكمال والسعادة الحقيقية، وهذا الغرض لا يتحقق إلا بالعمل بتعاليم القرآن. والعمل بالقرآن غير ممكن إلا بعد فهمه؛ فما الذي يريد القرآن بيانه؟ والسبيل الوحيد للوصول إلى هذه الدرجة من الفهم هو التدبر والتفكر في آيات الله. وفي الحقيقة، فإن تلاوة القرآن هي مقدمة للوصول إلى هذا الهدف. وبالطبع، التلاوة التي تصور المعارف والمفاهيم القيمة للآيات. ليس من قبيل الصدفة أن القرآن الكريم لم يدعُ في مواضع كثيرة إلى التفكر والتذكر والتعقل فحسب، بل أعلن أن الهدف من إنزاله هو التفكر: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل/٤٤)، والتعقل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف/٢)، والتدبر: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (ص/٢٩). من هذا المنطلق، فإن المحافل القرآنية التي تُؤدى فيها التلاوة على أساس مسار مفاهيم الآيات، ويصغي فيها المستمع بكل كيانه لصوت الوحي ليكتسب رزقه ومعنوياته من سماع الآيات، توفر بيئة مناسبة لرفع الهجر عن القرآن الكريم.

٤. التنوع والإبداع اللحني في التلاوة

إن أسمى وأعلى مرتبة في كل فن هي الوصول إلى مرحلة تقديم أسلوب جديد ومستقل من قبل الفنان. وفي فن تلاوة القرآن أيضاً، من بين العدد الكبير من القراء المصريين، لم يصل إلى هذا المقام إلا أولئك الذين تمتعوا بالشروط اللازمة من الموهبة والمثابرة والجد. وعلى الرغم من أن عوامل مختلفة مثل: الإتقان الكافي لعلوم وفنون التلاوة، التمتع بالذوق والموهبة والعبقرية الموسيقية، الوعي والمعرفة بالتراث اللحني للأجيال السابقة من القراء، الإتقان العملي للنغمات والمقامات اللحنية، والتمتع بصوت مقبول ومناسب، مؤثرة في خلق أسلوب في تلاوة القرآن، إلا أنه يجب بلا شك اعتبار التوجه المتمحور حول المعنى في التلاوة أحد العوامل المهمة التي يمكن أن تؤدي إلى خلق مقامات لحنية جديدة، بل وحتى إيجاد أسلوب جديد في التلاوة.

٥. تمهيد السبيل لنشر نمط الحياة القرآني

نظراً لأهمية تبليغ وترويج معارف القرآن والشريعة الإسلامية، فإن فهم ونقل المعنى في التلاوة أمر ضروري. إن تقديم تلاوة منطبقة على المعنى ومؤثرة في النفس يمكن أن يكون فعالاً بمقدار ساعات من التعليم والتبليغ، ويجذب القلوب المستعدة إلى القرآن والإسلام. بناءً على الآيات والروايات، القرآن هو حبل الله المتين والواسطة بين الله والخلق، وهو شفاء للأمراض الروحية والجسدية، بل هو الشافي لأعلى الأدواء أي الكفر والنفاق وعمى القلب والضلال. القرآن الكريم هو كتاب يهيئ أسباب رشد الإنسان وكماله في الدنيا، وفي القيامة يشفع لأتباعه عند الله ويوفر لهم أسباب دخول الجنة والتمتع بنعيمها الخالد. من الآثار التي ذكرها القرآن للتلاوة يمكن الإشارة إلى: إظهار الإيمان والإقرار بحقانية القرآن (القصص/٥٣)، الرجاء في الثواب الدائم (فاطر/٢٩)، التذكر (الدخان/٥٨)، تعليم معارف الله للناس (البقرة/١٢٩ و١٥١؛ الجمعة/٢)، إيجاد حجاب بين الكفار والمؤمنين (الإسراء/٤٥)، إيجاد الخشوع والخضوع (الإسراء/١٠٧ و١٠٩)، زيادة الإيمان والتوكل (الأنفال/٢)، والحيلولة دون الكفر والارتداد (آل عمران/١٠٠ و١٠١) وغيرها. إن تحقق هذه الآثار والتمتع ببركات الذكر سيتحقق عندما يتمسك المؤمنون بالقرآن الكريم ويتلون هذا الكتاب الهادي كما أمر الله في كتابه وأكد عليه المفسرون الحقيقيون للقرآن، أي أهل البيت (ع)، بآداب وشروط التلاوة. وإلا، فإن الرجوع إلى القرآن وتلاوة هذا الكتاب الإلهي لن يؤدي فقط إلى عدم رشد الإنسان وكماله في الدنيا والآخرة، بل قد يكون أحياناً سبباً في ابتعاد المتلو عن هذا الكتاب الإلهي وآثاره النافعة.

الخاتمة

أُجري هذا البحث بهدف دراسة مكانة التمحور حول المعنى في تلاوة القرآن الكريم. وبناءً على نتائج هذا المقال، يمكن القول: ١. إن التوجه المتمحور حول المعنى في تلاوة القرآن هو أساس التلاوة المطلوبة. ٢. لكي يقدم قارئ القرآن تلاوة متمحورة حول المعنى، فإنه يحتاج، بالإضافة إلى النية والهدف الصحيحين، إلى تعلم متطلبات مهمة مثل الإتقان لعلوم التجويد، والوقف والابتداء، واختلاف القراءات، والتفسير، وتعلم المهارات الصوتية والتنغيمية وإلقاء المعاني، وكذلك قوة التركيز والقدرة على التفاعل الحسي المناسب، والقدرة على التلاوة من الحفظ ومعرفة الجمهور. ٣. تتميز التلاوة المتمحورة حول المعنى بمؤشرات بارزة مثل التأثير، والحس واللحن البياني المتناسب مع الآيات، والخشوع وحضور القلب، والتغني المحمود بالقرآن الكريم. ٤. تترتب على هذه الثقافة التلاوية آثار قيمة، منها: تقديس أهداف التلاوة، وإحياء المكانة الحقيقية للقارئ وإقراء القرآن الكريم في المجتمع، وإيجاد فضاء للتفكر والتعقل والتدبر في المحافل، والتنوع والإبداع اللحني في التلاوة، والتمهيد لنشر نمط الحياة القرآني. ٥. من أجل الوصول إلى مجتمع يأنس بتعاليم القرآن ويعمل بها، من الضروري أن تحظى مسألة التمحور حول المعنى في التلاوة باهتمام خاص من قبل المؤسسات والمجتمع القرآني.

الهوامش

1. لحن الكلام أو التنغيم «intonation».

2. نغمات التنغيم (intonation tones).

Scroll to Top