شرح حال الشيخ البهائي في مشكاة العقول 

الملخص: أورد المير محمد مؤمن الجزائري الشيرازي (١٠٧٤ – ١١٣٠ هـ) – في كتابه “مشكاة العقول” الذي لم يُطبع حتى الآن – ترجمة للشيخ بهاء الدين العاملي الذي كان معاصراً له. وقد أشار المؤلف في هذه الترجمة إلى بعض النقاط التي تفرد بها عن بقية مصادر ترجمة الشيخ البهائي. 

 

 

دوّن العلامة المير محمد مؤمن الجزائري الشيرازي (١٠٧٤ – ١١٣٠ هـ) ترجمة لحياة الشيخ البهائي في كتابه “مشكاة العقول”، والتي تعدّ من أوائل التراجم التي كُتبت عن الشيخ. وكان الشيخ البهائي قد ألّف رسالة في لغز كتابه “زبدة الأصول”، فصنّف العلامة محمد مؤمن الجزائري الشيرازي شرحاً على هذه الرسالة، وسمّاه “مشكاة العقول في شرح زبدة الأصول”. وقد عرّف المير محمد مؤمن بهذا الكتاب في ترجمته الذاتية التي دوّنها في “طيف الخيال” ضمن المقامَة العاشرة، حيث قال: “شرحاً للغز زبدة الأصول سماه بمشكاة العقول، وهو لغز مشكل من أدق الألغاز، بل هو رمز بلغ حد الإعجاز في الإيجاز، قد أوفى فيها إلى مشكلات مسائل العلوم، وحل ما لا ينحل من المعضلات لذوي الفهوم”. ويُعدّ هذا العالم – الذي كان له باع طويل في الفقه والطب والشعر – من تلامذة العلامة المجلسي، والشيخ الحر العاملي، وبهاء الدين الفاضل الهندي. وقد دوّن ترجمته الذاتية في آثاره مثل “زهرة الحياة الدنيا” و”خزانة الخيال وطيف الخيال”. 

ملاحظات حول كتاب مشكاة العقول 

إن كتاب “مشكاة العقول في شرح لغز زبدة الأصول” لم يُعثر عليه كاملاً حتى الآن، والنص الذي بين أيدينا هو مجرد صفحات متبقية منه محفوظة في المكتبة الوطنية الإيرانية برقم ٦٢١٩٣/٤. 

كما دوّن المير محمد مؤمن الجزائري الشيرازي ترجمة لحياة الشيخ البهائي في كتابه “خزانة الخيال” أيضاً، وعلى حدّ تعبير صاحب “روضات الجنات”، فإن ما كتبه في هذا الشأن لم يكن معلوماً عند غيره، وأنه لم يغفل شيئاً في حق الشيخ البهائي. ومما يدل على متانة كتابه وقيمته، أن اسكندر بيك منشي (٩٦٨ – ١٠٤٣ هـ) قد قام قبله بترجمة مقتطفات من هذا النص إلى الفارسية وأوردها في كتابه “عالم آرای عباسي”. وقد ذكر العلامة الجزائري الشيرازي في ترجمته الذاتية أنه ألّف “مشكاة العقول” قبل بلوغه سن الرشد. 

ذكر الشيخ العالم الشيخ محمد مؤمن الجزائري تلميذ العلامة الخوانساري في مشكاة العقول نبذاً من أحوال شيخنا البهائي – رحمه الله تعالى – وهذه عبارته: 

لا بأس بأن نذكر نبذاً من أحواله المحمودة وما وقفنا عليه من مصنفاته الشريفة وذكر نسبه الشريف وشيئاً من أحوال والده الماجد؛ فنقول: إنه خلف الشيخ العالم الأوحد حسين بن الشيخ عبد الصمد العاملي الهمداني، ونسبه الشريف ينتهي إلى الحارث الهمداني الذي كان من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وخواصه، وهو المخاطب بالأبيات المشهورة للسيد الحميري (١٠٥ – ١٧٣ هـ) التي نظم فيها مضمون حديث أمير المؤمنين (عليه السلام): «أبشرك يا حارث لتعرفني عند الممات وعند الصراط وعند الحوض وعند المقاسمة»، والتي مطلعها: يا حارِ هَمْدانَ مَنْ يَمُتْ يَرَنِي … مِنْ مُؤمِنٍ أو مُنافِقٍ قُبُلا 

و”هَمْدان” بسكون الميم قبيلة من اليمن، كذا أفاده – رحمه الله – في حواشي الأربعين التي ألفها في الحديث عند استاذه وتلمذه على والده، كذا في صدر الحديث الأول. وكان أبوه من مشايخ جبل عامل، ماهراً في العلوم سيما التفسير والحديث والعربية، فكان في أيام الشباب في صحبة الشهيد الثاني وكان مساهماً معه في العلوم، ولما استشهد الشيخ بسيف ظالم من أهل الروم، خرج إلى بلاد العجم، وحصل له عند السلطان المعظم والخاقان المكرم المعاصر له من السلاطين الصفوية أنار الله برهانهم، منزلة عظيمة وصار شيخ الإسلام بممالك خراسان عموماً وبلدة هراة خصوصاً، حتى نوى في آخر عمره حج بيت الله الحرام والمعاودة إلى زيارة حرم الله، فتهيأ للسرى وشد الرحال إلى أم القرى، حتى وفقه الله لأداء مناسك الحج وإقامة الوظائف كالعجّ والثجّ (العج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: إراقة دم الهدي)، ثم خرج إلى زيارة المصطفى وأُخرج من عداد من حج وصفا، ثم خرج من المدينة وهجر، وأناخ راحلته ببلاد هجر، فارتحل فيها عن الغنى واكتحل بمرود الفنا وأجاب الداعي إلى الفوت {وكل نفس ذائقة الموت}. 

وأما الشيخ الأوحد الرباني بهاء الحق والملة والدين، لا زالت سحائب الرضوان على ضريحه متقاطرة وشآبيب الغفران على مرقده متواترة، فكان جبل عامل مسقط رأسه، وخرج منه مع والده الشريف في صغر سنه إلى العجم، والقول بأن مولده بلدة هراة ضعيف، نعم نشأ فيها وكان شديد التعصب لها كثير التحبب إليها حتى أنشأ في مديحها مائة بيت مذكورة في الكشكول. ثم إنه أخذ التفسير والحديث والعربية وأمثالها عن والده الماجد، وأخذ الحكمة والكلام عن الفاضل الأوحدي مولانا عبد الله اليزدي، والرياضي عمن روى رياض الرياضي بسحائب فكره ونور سماء العلوم بدقائق نظره، الشيخ المرتاض مولانا علي الشهير بالمذهب، وأيضاً عن أفضل زمانه مولانا أفضل، وأدلى دلوه في كل حوض علم، فبان أن من جال نال ومن استزاد استفاد ومن ملّ الراحة ملأ الراحة. ثم إنه أخذ الطب عن الحكيم عماد الدين محمود. والحاصل أنه خاض كل لجّ وجاز كل فجّ وانتجع كل روض وتصيّد شوارد الملح وتورّد موارد المرح، وفجر من ينابيع الأدب ما استحق أن يكتب بالذهب ويرقم بالنور على حدود خدود الحور، وكم جمع شمل البلاغة وروى أرض الفصاحة ببدائع نثره وروائع نظمه، فكم له من أشعار عربية أو عجمية ترى طيور الطرائف ساجعة على أغصانها بألحانها وبدور الصنائع تلوح من شمائلها وعن أيمانها. وقد اجتمع له – قدس سره – السعادة الأخروية ورئاسة الدنيوية، حيث حصل له منزلة عظيمة عند السلطان شاه عباس الصفوي (٩٩٦-١٠٣٨ هـ) من السلاطين الصفوية، وكان شيخ الإسلام للمسلمين. 

ثم أراد حج بيت الله الحرام فحج، ثم صار إلى مدينة الرسول، ثم أخذ في السياحة إلى مصر والشام وما والاها ليصحب أناساً يتعاطى منهم كأس الإشراق ويتفتش منهم عن الضوال من الجياد والعتاق، حتى أشرب من رحيق المرام وناول كؤوس التحقيق من تلك الأنام، فهاجه تذكار الأحبة والوطن، والحنين إلى مساهمي العطن، فرجع إلى الحجاز، وفي هذا السفر أنشأ ما اشتهر بـ “نان حلوا”. 

إنه كان يدرس في آخر عمره في المسجد الجامع “ألفية” الشيخ الشهيد المكي، ويهز ذلك المجلس جم غفير من أعاظم العلماء، حتى مرض في رابع عشر شوال سنة ١٠٢٩ هـ (والتاريخ المذكور في أصل المخطوطة “٩٢٩” ناشئ من اضطراب الناسخ، والصحيح إما ١٠٢٩ أو ١٠٣٠ هـ)، ولبى الداعي في اليوم الثاني عشر من ذلك الشهر، فغسل وكفن وأودع في البقعة الشريفة المنسوبة إلى الإمام الساجدين وقبلة العارفين الإمام زين العابدين، ثم نقل منه حسب الوصية إلى المشهد المقدس الرضوي على مشرفه التحية والسلام، ودفن في موضع كان مَدرَسَه أيام إقامته في المشهد، وهو الآن معروف. 

وأما مصنفاته الشريفة التي وقفنا عليها: 

فهي: 

  • كتاب العروة الوثقى في التفسير. 
  • شرح كبير على تفسير البيضاوي وعلى ما ذكره في حاشيته عليه. 
  • الحبل المتين في الجمع بين الأحاديث. 
  • مشرق الشمسين في تفسير آيات الأحكام. 
  • حاشية التفسير على البيضاوي. 
  • حاشية القواعد الشهيدية. 
  • حدائق الصالحين في شرح الصحيفة الكاملة. 
  • عين الحياة في تفسير الآيات. 
  • الأربعين. 
  • شرح شرح الجغميني في الهيئة. 
  • حاشية شرح المختصر العضدي. 
  • حاشية على خلاصة الرجال. 
  • حاشية الكشاف. 
  • رسالة وجيزة في حاشية المطول. 
  • حاشية حاشية الخطائي. 
  • تشريح الأفلاك في الهيئة. 
  • خلاصة الحساب. 
  • رسالة في الأسطرلاب تسمى بالصفيحة. 
  • الإثنا عشريات. 
  • زبدة الأصول. 
  • مفتاح الفلاح. 
  • توضيح المقاصد في وقائع أيام السنة. 
  • الكشكول. 
  • المخلاة. (يقول مؤلف رسالة “غرقاب” في تراجم رجال القرن الحادي عشر وما بعده: “وأما مصنفاته فأشهر من أن تذكر وكلها موجودة في هذا العصر سوى المخلاة”. والكتاب المسمى بمخلاة الشيخ البهائي المطبوع مراراً في مصر وبيروت والمترجم للفارسية ليس من تأليف الشيخ البهائي). 
  • الجامع العباسي، وهو آخر مصنفاته. (قضى نحبه ولم يتمه بعد، فتممه ولده الخلف، وقيل غيره، حيث أتمه عدد من تلامذة الشيخ كل على حدة، منهم السيد نظام العابدين الحسيني ابن أخت الشيخ البهائي، ونظام الدين الساوجي، ومحمد بن خاتون العاملي وغيرهم). 

وبالجملة، مصنفاته المنيفة كثيرة، ولم يكن في التأليف ذكرى إلا ما سطّرته، ورب تأليف لم أقف عليه. ولعمري إنها قد ملكت الأرض بآفاقها وأنارت الممالك بإشراقها، عظم الله أجر مؤلفها وأجزل تشريف موضعها. وقد تصدى بعضهم لتاريخ وفاته – رحمه الله – في العربية: «الشيخ فاز» (١٠٢٩)، وفي الفارسية: «افسوس ز مقتداى دوران». 

كتبت بيدي القصيرة مع الوساوس الكثيرة في مدة يسيرة ببلدة گجرات، تاريخ العشر الأواخر من شهر جمادى الأولى سنة ألف ومائة وسبع وعشرين. العبد الجاني الخاطئ الغريب المحتاج إلى ربه الغني محمد أشرف، جاوز الله عن خطاياه وبلغه إلى مولده ومأواه، بحق محمد وآله المعصومين. 

 

المصادر والمراجع:

  • الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج ۱۲، ص ۷۳.
  • خزانة الخيال وطيف الخيال (المقامة العاشرة المسماة بالشيرازية).
  • كاشفة الحال في ترجمة مؤلف خزانة الخيال.
  • الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج ۱، ص ۵۹.
  • نجوم السماء في تراجم العلماء، ص ۲۰۰.
  • مرآة الكتب، ج ۵، ص ۳۳۴-۳۴۵ و ۴۱۸.
  • طيف الخيال، المقامة العاشرة.
  • روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات، ج ۷، ص ۶۳.
  • تاريخ عالم آرای عباسي، اسكندر بيك تركمان، تحقيق ایرج افشار، طهران، امیر کبیر، ۱۳۸۷ هـ.ش، ج ۱، ص ۱۵۵ – ۱۵۷.
  • بحار الأنوار، ج ۶۵، ص ۱۲۱.
  • حديقة الشعراء، سيد احمد ديوان بيگي، تصحيح الدكتور عبدالحسین نوایی، طهران، زرین، ۱۳۶۴ هـ.ش، ج ۱، ص ۴۱۶.
  • تذكره مرآت الفصاحة، شیخ مفید داور شیرازی، نوید شیراز، ۱۳۷۱ هـ.ش، ص ۱۵۲ – ۱۵۳.
  • كشكول الشيخ البهائي، قم، مكتبة الحيدرية، ۱۴۲۷ ق / ۱۳۸۵ هـ.ش.، ص ۲۹۵ – ۳۰۱.
  • رياض العلماء وحياض الفضلاء، ج ۳، ص ۲۳۰ – ۲۳۱.
  • حماسه غدیر، ص ۲۸۵.
  • زهر الربيع، السيد نعمت الله الجزائري، ص ۱۵۲.
  • تاريخ عالم آرای عباسی، تصحیح ایرج افشار، طهران، امیر کبیر، ۱۳۸۷ هـ.ش، النصف الثاني من المجلد الثاني، ص ۹۶۷.
  • تاريخ عالم آرای عباسی، محمد طاهر وحید قزوینی، طهران، پژوهشگاه علوم انسانی و مطالعات فرهنگی، ۱۳۸۳ هـ.ش، ص ۲۰۳.
  • وقايع السنين والأعوام، العلامة الخاتون آبادي، طهران، اسلامیه، ۱۳۵۲ هـ.ش، ص ۵۰۴.
  • طبقات أعلام الشيعة، الروضة النضرة في علماء المائة الحادية عشرة، قم، اسماعيليان، د.ت، ۱۴۱۸ق، ص ۸۵-۸۶.
  • نابغة الفقه والحديث، السيد محمد الجزائري، قم، مجمع الفكر الإسلامي، ۱۴۱۸ ق، ص ۱۱۴.
Scroll to Top