الملخص
يقوم التفسير الأدبي للقرآن على عدة مكونات، منها الاهتمام بطرح ودراسة القراءات القرآنية المختلفة. وعلى هذا الأساس، فإن تفسير الكشاف للزمخشري -بوصفه أحد التفاسير الأدبية للقرآن- قد أولى اهتمامًا كبيرًا بطرح ودراسة مختلف أنواع القراءات، واستفاد من هذه المساحة لبيان آرائه الاعتزالية. يتناول هذا البحث، بأسلوب وصفي تحليلي، مسألة القراءات في تفسير الكشاف، وقد خلص إلى أن الزمخشري اتخذ مناهج مختلفة تجاه القراءات، وهي: «استخدام اختلاف القراءات لإثراء التفسير»، و«شرح الفروق اللغوية بين قراءات الآية المختلفة»، و«توظيف القراءة في ترجيح وجوه تفسير الآية»، و«ترجيح القراءات وتقييمها». ولتقييم القراءات واختيارها، استخدم معايير مثل «نضج المعنى»، و«التناسب المعنوي»، و«قوة المعنى وجمال اللفظ»، و«قواعد علم النحو». ومع ذلك، فإن أصل مسألة الطرح الواسع للقراءات المختلفة لآية واحدة يواجه إشكاليات مثل إضفاء المصداقية على القراءات غير المعتبرة، وزعزعة النص، والتحريف المعنوي للقرآن، وحيرة المخاطب، ويُعد نقطة سلبية في تفسير القرآن. ومن هنا، يجب أن تكون الخطوة الأولى للمفسر لفهم مضامين الآيات هي التحقيق في القراءة الصحيحة للآيات لتكون أساسًا للتفسير.
مقدمة
لقد كانت قراءة القرآن مواكبة لنزوله، وهي أول عامل في نشره ونقله إلى المخاطبين الآخرين والأجيال اللاحقة. لم يكن هناك اختلاف بين قراء القرآن حتى زمن حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولكن بعد وفاته، وتزامناً مع اتساع دائرة التعليم والتعلم الشفهي للقرآن وعوامل أخرى مثل خلو الخط العربي من النقاط، واجتهاد القراء، وغيرها، ظهرت تدريجياً خلافات بين القراء، مما أدى إلى قراءة بعض الآيات بأشكال مختلفة. وقد تسرب هذا الاختلاف في القراءات لاحقاً إلى تفاسير القرآن وأصبح موضوعاً للبحث والدراسة. ولكن من بين هذه التفاسير، أولت التفاسير الأدبية1 للقرآن اهتماماً كبيراً بطرح ودراسة القراءات المختلفة منذ القدم وحتى الآن، وتناولت هذه المسألة بشكل موسع، ومنها: التفسير الكبير، المحرر الوجيز، تفسير القرطبي، مجمع البيان، التبيان، البحر المحيط، أنوار التنزيل، وغيرها. ومن بين التفاسير الأدبية، استفاد تفسير الكشاف للزمخشري – بوصفه أكبر وأهم تفسير بلاغي للقرآن – استفادة كبيرة من القراءات.
وقد أُنجزت في السابق دراسات كثيرة حول مسألة القراءات وتناولتها من وجهات نظر مختلفة؛ فمقالات مثل «اختلاف القراءات ونقش آن در تفسير» (اختلاف القراءات ودوره في التفسير) لـ«عباس همامي» (پژوهش دینی، العدد 7، خريف 83) و«بررسی ترجیح قرائات در تفسیر مجمع البیان» (دراسة ترجيح القراءات في تفسير مجمع البيان) لـ«مهدوي راد وحاجي أكبري» (مطالعات قرائت قرآن، العدد 8، ربيع وصيف 96) من بين الأعمال التي لها صلة ضئيلة جداً بالبحث الحالي. كما أن رسالة الماجستير لـ«غوكهان تاغال» بعنوان «بررسی تطبیقی رویکرد و مبانی تفسیر صافی و کشاف در زمینه قرائات» (دراسة مقارنة لمنهج ومباني تفسير الصافي والكشاف في مجال القراءات)، التي نوقشت في عام 1397 في «جامعة المصطفى»، تتناول دراسة مقارنة لآراء الزمخشري والفيض الكاشاني في هذا الصدد، ولكن الباحث – الذي لم يطلع على أصل الرسالة المذكورة – في هذا البحث، وبمنهج وصفي-تحليلي، وبالتركيز على مسألة القراءات كأحد مكونات التفسير الأدبي، يقتصر على دراستها في تفسير الكشاف وبيان كيفية استفادة هذا المفسر من مسألة القراءات.
دراسة المفهوم
القراءة
القراءة في اللغة تعني «جمع الحروف والكلمات عند التلاوة» (الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، 1412: 1/ 668). وفي اصطلاح علوم القرآن، وردت تعريفات مختلفة لها، لكن التعريف المعتمد في هذا البحث هو «كيفية أداء كلمات القرآن والاختلافات المتعلقة بها» (انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1410: 1/ 465؛ الزرقاني، مناهل العرفان، 1385: 465). وقد طرح هذا التعريف سابقاً ابن الجزري، حيث عرّف القراءة بأنها «علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزواً لناقله».2 (ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1420: 1/ 9). وبما أن القراءة تتعلق بكيفية أداء الألفاظ، والاختلافات الموجودة فيها تؤدي دوراً أساسياً في معانيها، وتفيد الكلمة معاني مختلفة بناءً على الحروف والأشكال المتنوعة والمواضع المختلفة التي ترد فيها في الجمل، فإن تأثير كيفية القراءة في معنى الكلمات ومضمون العبارات مسألة واضحة (انظر: بابائي، عزيزي كيا وروحاني راد، روش شناسی تفسير قرآن، 1379: 64)، ومن هنا تكمن أهميتها الكبيرة.
إن الاختلاف في كيفية أداء كلمات القرآن كثير جداً، لدرجة أن بعض المحققين أوصلوا عددها إلى 10243 حالة (انظر: أحمد مختار، معجم القراءات القرآنية، 1422: 11).3 واختلاف القراءات ليس بمسألة جديدة، فالتتبع في كتب التاريخ والرواية يدل على أن هذه المسألة تعود إلى عصر النبي (صلى الله عليه وآله) (انظر: المجلسي، بحار الأنوار، 1404: 31/ 207-208). ولكن بعد وفاته، ازدادت لأسباب مختلفة، وبلغت حداً جعل آية ﴿عَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ (المائدة/ 60) تُقرأ بـ 24 وجهاً (السمين الحلبي، الدر المصون في علوم كتاب المكنون، د.ت: 4/ 327-339). وتشمل هذه الاختلافات أموراً مثل: الاختلاف في حركات الإعراب والبناء، التقديم والتأخير، الزيادة والنقصان، التغيير في الحروف، المد والقصر، التخفيف والتشديد، الترقيق والتفخيم، الإخفاء والإظهار، فك الإدغام وغيرها (انظر: پارچه باف دولتي، حجتي وايازي، تحليل وبررسي تقسيمبنديهاي ارائه شده در قرائات، 1391: 3-7). وقد صنفها آخرون ضمن فئات «الاختلاف اللغوي»، و«الاختلاف الصوتي»، و«الاختلاف النحوي»، و«الاختلاف الصرفي»، و«اختلاف الذكر والحذف»، و«التقديم والتأخير» (بيلي، الاختلاف بين القرائات، د.ت: 11).
حجم القراءات وأنواعها في الكشاف
وردت في كتب علوم القرآن تصنيفات مختلفة للقراءات وذُكرت لها أنواع متفاوتة. فقد قسمها السيوطي – نقلاً عن ابن الجزري – إلى ستة أنواع: «متواتر»، «مشهور»، «آحاد»، «شاذ»، «موضوع»، و«مدرج»، وفي تصنيف آخر – نقلاً عن البلقيني – قسمها إلى ثلاثة أنواع: «متواتر»، «آحاد»، و«شاذ» (انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1380: 1/ 253 و 259). كما أن تقسيم القراءات إلى «صحيح»، «شاذ»، «متواتر»، و«آحاد» هو تصنيف آخر في هذا المجال (الزرقاني، مناهل العرفان، 1385: 468)، وفي تصنيف رابع، قُسمت إلى فئتين: «صحيح» و«شاذ» (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1380: 1/ 253).
وكما أن هناك اختلافاً في وجهات النظر حول تصنيف أنواع القراءات،4 فإن هناك اختلافاً في تعريفها أيضاً.5 ومع ذلك، يمكن العثور على أنواع مختلفة من القراءات في التفاسير الأدبية وفقاً للتعاريف المختلفة.6 وفي تفسير الكشاف أيضاً، حجم أنواع القراءات المختلفة كبير جداً. ذكر القراءات المشهورة والمتواترة والصحيحة لا يحتاج إلى شاهد، لأن جميع التفاسير تعتمد على هذه الأنواع من القراءات، لكن أنواعاً مثل القراءة الشاذة، والموضوعة،7 والمدرجة8 تحتاج إلى شاهد. وتعتبر القراءة المدرجة مقومة للتفسير، وسيتم تناولها في بحث «أساليب مواجهة الزمخشري للقراءات».
إن حجم القراءة «الموضوعة» في تفسير الكشاف قليل، ومن شواهدها يمكن الإشارة إلى الاختلاف في قراءة كلمة «الله» – بقراءة الرفع – و«العلماء» – بقراءة النصب – في آية ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر/ 28). حيث يوضح الزمخشري في توجيهها قائلاً: «فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ «إنما يخشى اللهُ من عباده العلماءُ» وهي قراءة منسوبة إلى عمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة؟ قلت: الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى: إنما يكرمهم الله ويعظمهم» (الزمخشري، الكشاف، 1389: 3/ 830).
أما القراءة «الشاذة» – بناءً على التعاريف المختلفة لها – فقد استُشهد بها كثيراً في تفسير الكشاف، ومن شواهدها قراءة «ابن السميفع» لآية ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (يونس/ 92)، حيث قرأ حرف «الجيم» في كلمة «نُنَجِّيكَ» غير معجمة (=حاء) وحرف «اللام» في كلمة «خَلْفَكَ» مفتوحاً (الزمخشري، الكشاف، 1407: 2/ 368). ومثال آخر، آية ﴿جَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (ق/ 19)، التي قرأها أبو بكر وابن مسعود على شكل «جاءت سكرة الحق بالموت» (نفسه، 4/ 386). والمثال الثالث يتعلق بكلمة «تَسْتَأْنِسُوا» في آية ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ (النور/ 27)، والتي أوردها الزمخشري في قراءة شاذة عن «أُبيّ» بصورة «تستأذنوا» (انظر: نفسه، 3/ 227). ومن الأمثلة الأخرى على هذا النوع من القراءات: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾ (النساء/ 164) (نفسه، 1/ 591)؛ ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ (البقرة/ 260) (نفسه، 1/ 310)؛ ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ (البقرة/ 184) – التي قُرئت على باب تفعيل من مادة «طوق» (نفسه، 1/ 226)؛ ﴿الشَّجَرَةَ﴾ (البقرة/ 35) التي قُرئت بصورة «الشيرة» (نفسه، 127) وغيرها.
مصادر القراءات في الكشاف
المصاحف التي استند إليها الزمخشري في بيان القراءات هي: مصحف أُبيّ (نفسه، 4/ 713؛ 3/ 56؛ 2/ 587 وغيرها)؛ مصحف ابن مسعود (نفسه، ج 4/ 6272؛ 3/ 62 وغيرها)؛ مصحف عبد الله (نفسه، 4/ 713، 490، 415؛ 3/ 14؛ 2/ 508 وغيرها)؛ مصحف عثمان (نفسه، 2/ 587)؛ مصاحف أهل المدينة والشام (نفسه، 4/ 480، 4/ 445)؛ مصاحف أهل مكة (نفسه، 4/ 323)؛ مصاحف أهل العراق (نفسه، 4/ 225)؛ مصاحف أهل الحجاز (نفسه، 4/ 161)؛ مصاحف أهل الحرمين (نفسه، 4/ 15)؛ مصاحف أهل الكوفة (نفسه، 4/ 15) ومصاحف أهل البصرة (نفسه، 3/ 200). وأحياناً يستخدم تعبير «بعض المصاحف» (نفسه، 4/ 586؛ 3/ 56، 10؛ 2/ 668 وغيرها).
منشأ طرح القراءات المختلفة في الكشاف
المنشأ يعني مصدر ظهور شيء ما، وفي بحثنا هذا، يمكن أن يكون هذا المنشأ هو الفكر الكلامي للمفسر أو منهجه في التفسير؛ وعليه، يُعرض في نوعين: المنشأ الفكري والمنهجي.
1. المنشأ الفكري
غالباً ما يطرح المتكلمون المعتزلة المباحث الأدبية. وأهل الاعتزال أحياناً يتركون القراءة المتواترة ويلجؤون إلى القراءات الشاذة، وعلى هذا الأساس يتعاملون مع القراءات بشكل مختلف عن أهل السنة. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى آية ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء/ 164) حيث قرأ بعض المعتزلة، اعتقاداً منهم بتنزيه الله، لفظ الجلالة «الله» بالنصب (أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1420: 4/ 139). أو آية ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (البقرة/ 54) التي قرؤوها – نقلاً عن قتادة – بصيغة «فأقيلوا» بتصور أن صدور إذن بقتل النفس من الله غير جائز (الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، 1415: 1/ 262) وشواهد أخرى يمكن الإشارة إليها (انظر: معارف، درآمدي بر تاريخ قرآن، 1383: 198).
والزمخشري أيضاً – بوصفه أحد كبار المتكلمين والمفسرين المعتزلة – يستفيد من مساحة اختلاف القراءات ليوجه الآية نحو مذهبه الاعتزالي. ومن الشواهد التي تؤيد هذا القول، ما يلي:
الإسلام كعقيدة عدل وتوحيد
يذكر الزمخشري في تفسير آيات ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران/ 18-19) ما يلي: «فإن قلت: فما فائدة هذا التوكيد؟ قلت: فائدته أن قوله: «لا إله إلا هو» توحيد، و«قائماً بالقسط» تعديل. فلما أردفه بقوله: «إن الدين عند الله الإسلام» فقد أبان أن الإسلام هو التوحيد والعدل، وما وراءه فليس من الدين في شيء، ونبّه على أنّ من اعتقد التشبيه أو الجبر أو الرؤية، فهو بمعزل عن دين الله الذي هو الإسلام».
ثم يستطرد فيقول: «ولا يتمالك هذا الكلام السديد من ذم أهله، ومن قرأ بفتح «أنّ» الثانية جعلها بدلاً من الأولى، فكأنه قيل: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، فكان بدلاً مطابقاً للمبدل منه في المعنى، وبياناً صريحاً واضحاً بأن دين الله هو العدل والتوحيد. وقرأ بعضهم بكسر الأولى وفتح الثانية على إيقاع الفعل عليها، وفصل بينهما بالجملة المعترضة تأكيداً. وهذا أيضاً شهادة أخرى بأن دين الإسلام هو العدل والتوحيد، وأن كل قراءات القراء المختلفة تؤيد هذا الفهم» (الزمخشري، الكشاف، 1389: 1/ 420).
نفي شفاعة العصاة
شاهد آخر هو آية ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (البقرة/ 48)، حيث يقول في تفسيرها: «قرأ قتادة «لا يُقبل منها شفاعة» بالبناء للمعلوم، وفي هذه القراءة يكون «الله» هو الفاعل و«شفاعة» منصوبة… فإن قلت: هل في الآية دلالة على عدم قبول الشفاعة للمذنبين؟ قلت: نعم، لأنه بدأ ببيان أن لا أحد يكفي عن الآخر في أي من التكاليف، سواء كان فعلاً أم تركاً؛ ثم يضيف أن شفاعة أي شافع لا تُقبل في حقه، فيُعلم من ذلك أن الشفاعة للمذنبين غير مقبولة» (نفسه، 1/ 170).
2. المنشأ المنهجي
تقوم التفاسير الأدبية للقرآن على أصول نظرية (مباني) وعملية كثيرة، ومن هذه الأصول الاهتمام بطرح ودراسة القراءات المختلفة للقرآن (أسعدي وزملاؤه، آسيب شناسي جريانهاي تفسيري، 1392: 2/ 264). فالتفسير الأدبي هو تفسير مبني على علوم الأدب (نفسه، 2/ 222)، وتعتبر القراءات أساساً من علوم الأدب (انظر: حكيمي، ادبيات وتعهّد در اسلام، 1358: 42 و 43). ويمكن ملاحظة مثال على الاهتمام الواسع بالقراءات في التفاسير الأدبية في تفسير ابن عطية وأبي حيان، حيث نقلا ما يقرب من 17 قراءة (ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، 1422: 2/ 400-401؛ أبو حيان، البحر المحيط، 1420هـ: 5/ 51-53). ويمكن مشاهدة أمثلة أخرى في الآية الأولى من سورة التوبة (ابن عطية، نفسه: 365)، والآية 87 من سورة هود (نفسه، 6/ 196)، والآية 48 من سورة الكهف (نفسه، 520؛ أبو حيان، البحر المحيط، 1420، 7/ 186 وما بعده)؛ والآيتين 53 و 54 من سورة الأعراف (ابن عطية، نفسه، 2/ 408؛ أبو حيان، نفسه، 5/ 63) وغيرها. وبما أن الكشاف يُعد أيضاً من التفاسير الأدبية (معرفت، تفسير ومفسران، 1379: 2/ 309؛ رضائي أصفهاني، درسنامه روشها وگرايشهاي تفسيري، 1382: 451)، فإن المنشأ الآخر لطرح القراءات المختلفة في هذا التفسير يعود إلى المبدأ العملي المذكور، وهو الاهتمام بطرح اختلاف القراءات، سواء كانت مشهورة أو شاذة وغيرها (انظر: خرمشاهي، دانشنامه، 1381: 1/ 644؛ أسعدي وزملاؤه، 1392: 2/ 264-268). إن الطرح الواسع لاختلاف القراءات في تفسير الكشاف له شواهد كثيرة، ذُكر بعضها في بحث «حجم القراءات»، وسيُذكر بعضها الآخر لاحقاً، ويمكن الرجوع أيضاً إلى أمثلة كثيرة أخرى في هذا الصدد (انظر: الزمخشري، الكشاف، 1407: 1/ 226 و 127 و 467؛ وج 4، في سور البلد، الهمزة، الماعون، العصر، التكاثر وغيرها).
أساليب مواجهة الزمخشري لمسألة القراءات
يذكر الزمخشري – كما سبق – القراءات المختلفة للآية في تفسيره، لكنه يتخذ توجهات مختلفة في التعامل مع هذه القراءات، ويمكن بيان هذه التوجهات في الحالات التالية:
1. الإفادة من اختلاف القراءات لإثراء التفسير
أحد التوجهات التي يتخذها الزمخشري تجاه القراءات هو أنه يذكر القراءات المختلفة للآية دون أن يرجح بينها، بل يستفيد من هذه القراءات لبيان الاحتمالات المعنوية المختلفة للآية؛ وبتعبير أفضل، يوظف القراءات لخدمة التفسير وإثرائه؛ ومن الشواهد على هذا المعيار، الحالات التالية:
الشاهد الأول: كلمة «يَكْذِبُونَ» في آية ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة/ 10)، التي قُرئت بعدة صور؛ يقول الزمخشري في هذا الصدد: «قرأ بعض القراء «يُكَذِّبُونَ» من التكذيب، وهو نسبة الكذب إلى الغير أو نسبة الكذب وإنكاره، كما ورد في آيات عديدة مثل ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء/ 105)، و﴿كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ (الأنعام/ 66). بينما «الكذب» يعني القول الكاذب أو إنكاره. وهذا الفرق واضح في آية ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (النجم/ 11)؛ ففي هذه الآية، قُرئت «كَذَبَ» بالتخفيف والتثقيل (انظر: الخطيب، معجم القرائات، 1422: 9/ 179). فإن قُرئت بالتخفيف فمعناها: «ما كذب قلب (النبي) فيما رأى»، أما بالتثقيل فمعناها: «ما كذب قلب [النبي] ما رآه بعينه» (انظر: الفيومي، المصباح المنير، 1414: 2/ 528؛ المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، 1360: 10/ 36؛ القرشي، قاموس قرآن، 1371: 6/ 97).
الشاهد الثاني: كلمة «خُلُقُ» في آية ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (الشعراء/ 137-138)، حيث يقول الزمخشري: «في قراءة (خَلْقُ الأولين) – بالفتح – يكون معنى العبارة: ما جئت به هو اختلاق وافتراء من الأولين، كما كانوا يقولون: أساطير الأولين. أو أن «هذا الخلق الذي نحن عليه ليس إلا كخلق الأقوام الماضية، نعيش كما عاشوا ونموت كما ماتوا ولا بعث ولا حساب». أما في قراءة من قرأ «خُلُقُ» بضمتين أو ضمة واحدة، فمعناه: «هذا الدين الذي نحن عليه هو اختلاق وعادة الأولين، كانوا على هذا الدين ويعتقدونه ونحن نتبعهم، أو أن الموت والحياة تكرار لما كان يتكرر منذ القدم، أو أن هذا الكذب الذي جئت به كان عادة الأولين وكانوا يختلقونه ويكتبونه» (الزمخشري، الكشاف، 1389: 3/ 466).
الشاهد الثالث: كلمة «ليضل» في آية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (لقمان/ 6)، التي قُرئت بصورتي «يَضِلَّ» و«يُضِلَّ». تحليل الزمخشري هو: «فإن قلت: ما معنى القراءة بالفتح؟ قلت: له معنيان؛ أحدهما: ليثبت على ضلاله الذي كان عليه، فلا يرجع عنه ويزداد فيه ويمده؛ لأن الذي خذله الله تعالى يكون شديد العناد في الدين، شديد الحرص على إضلال الناس. والثاني: أن يكون (ليضلَّ) مستعملاً مكان (ليُضلَّ)، كما أنه إذا أضلهم فلا بد أن يكون هو أيضاً ضالاً» (نفسه، 2/ 675).
2. شرح الفروق اللغوية بين القراءات
من توجهات الزمخشري الأخرى تجاه القراءات هو توضيح الفروق اللغوية بينها؛ وهو يفعل ذلك عندما يؤدي الفرق اللغوي بين القراءات إلى اختلاف في معنى الآيات. ومن شواهد هذا القول الحالات التالية:
الشاهد الأول: كلمة «شِقِّ» في آية ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ (النحل/ 7)، التي قُرئت بصورتي «شِقِّ» و«شَقِّ»: «قرأ القراء (بشق الأنفس) بكسر الشين وفتحها، وقال بعضهم إن اللفظين لهجتان في معنى (المشقة). ولكن هناك فرق بين الكلمتين، وهو أن (الشَّقّ) مصدر من (شق الأمر عليه شقاً) بمعنى الشق، و(الشِّقّ) اسم بمعنى (النصف)، وكأن في هذه الحالة يذهب نصف قوته بسبب الجهد الذي يبذله» (نفسه، 2/ 758-759).
وقد وافق الطبرسي في جوامع الجامع (الطبرسي، جوامع الجامع، 1377: 3/ 365) وغيره الزمخشري في قوله، لكن بعض المفسرين الآخرين اعتبروها من مادة «مشقت» (مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، 1374: 11/ 160)، بينما لم يفرق آخرون بين معنى «شِقّ» و«شَقّ» (ابن عاشور، التحرير والتنوير، د.ت: 13/ 85).
الشاهد الثاني: كلمة «قبضة» في آية ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ (طه/ 96)، حيث يقول: «قرأ الحسن البصري (قُبضة) بضم القاف، وفي هذه الحالة تكون اسم المقبوض مثل (غُرفة) و(مُضغة)، أما (قَبضة) فهي اسم مرة من (قبض)، وإذا أُطلقت على المقبوض، يكون من باب إطلاق المصدر على المفعول به مثل (ضرب الأمير). كما قُرئت (قبصت قبصة) بالصاد، ومعنى الكلمة بالضاد هو الأخذ بكامل الكف، وبالصاد هو الأخذ بأطراف الأصابع» (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/ 164).
الشاهد الثالث: آية ﴿قَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (السجدة/ 10)، حيث يقول: «قرأ علي بن أبي طالب [] وابن عباس (ضَلِلْنَا) بكسر اللام، وفي العربية يقال: (ضَلَّ، يَضِلُّ) و(ضَلَّ، يَضَلُّ)، لكن الحسن البصري قرأها (صَلِلْنَا) من (صَلَّ اللحم…) أي أصبحنا ذوي رائحة كريهة، وقال بعضهم: (صَلِلْنَا) أي أصبحنا من جنس الطين» (نفسه، 3/ 699).
قراءة «ضَلِلْنَا» قراءة فصيحة (ابن منظور، لسان العرب، 1414: 11/ 390)، لكن قراءة «ضَلِلْنَا» ليست منقولة فقط عن أمير المؤمنين وابن عباس، بل إن بني تميم وأهل الحجاز وغيرهم قرؤوها بالكسر أيضاً (انظر: نفسه)، وإن لم يكن بينهما فرق من حيث المعنى، وكلاهما بمعنى الضياع والفقدان (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1417: 16/ 251).
الشاهد الرابع: آية ﴿إِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ (الشعراء/ 56)، حيث يقول الزمخشري عنها: «كذلك، قرأوا (حاذرون) بـ(حَذِرون) و(حادرون) بالدال. (حَذِر) بمعنى الشخص الحذر واليقظ، و(حاذر) هو من يجدد حذره دائماً. قال بعض المفسرين إن المراد هم المسلحون، وهذا الفعل يقومون به للحذر والاحتياط وحفظ أنفسهم. و(حادر) بمعنى الشخص القوي البدين» (الزمخشري، الكشاف، 1389: 3/ 451).
3. استخدام القراءة في ترجيح الوجوه التفسيرية للآيات
أحياناً يقدم الزمخشري تفسيراً لآية ويستفيد من اختلاف القراءات لتقوية ذلك التفسير، وأحياناً أخرى يرجح أحد وجوه تفسير الآية على غيرها استناداً إلى إحدى القراءات. إن وظيفة القراءات التفسيرية والاستفادة من طاقتها في تفسير الآية تظهر في مواضع كثيرة من تفسير الكشاف، ومن شواهدها ما يلي:
الشاهد الأول: آية ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة/ 226)، حيث يستعين الزمخشري في تفسيرها بقراءة عبد الله، فيقول: «معنى عبارة (فَإِنْ فَاءُوا) هو الرجوع خلال أربعة أشهر، وقراءة عبد الله بعبارة (فَإِنْ فَاءُوا فِيهِنَّ) تؤيد هذا الرأي أيضاً» (نفسه، 1/ 331).
هذا الموضع – كما قيل سابقاً – يعد من القراءات المدرجة، أي أن القارئ يضيف كلمات من عنده كتفسير في الآيات. ومن مصاحف صدر الإسلام، مصاحف مثل مصحف ابن مسعود (انظر: راميار، تاريخ قرآن، 1369: 362-363)، ومصحف أُبيّ (نفسه، 348) وغيرهما، كانت تحتوي على مثل هذه الإضافات التفسيرية.
الشاهد الثاني: آية ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ (آل عمران/ 81)، حيث يرجح وجهاً واحداً من بين عدة وجوه تفسيرية استناداً إلى قراءة ابن مسعود و«أُبيّ»، فيقول: «الرابع أن يكون المراد أهل الكتاب، وفي هذه الحالة يكون وارداً على سبيل التهكم بناءً على زعمهم، لأنهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوة من محمد؛ لأننا أهل كتاب وكان منا أنبياء. وقراءة ابن مسعود وأُبيّ تدل على هذا الرأي أيضاً: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب)» (الزمخشري، الكشاف، 1389: 1/ 467).
الشاهد الثالث: آية ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (ق/ 36)، حيث يقول عنها: «كذلك يمكن أن يكون المراد أن أهل مكة في أسفارهم وتنقلاتهم في أراضي الأجيال الماضية بحثوا، وهل وجدوا لهم مهرباً ليتوقعوا هم أيضاً أن يجدوا سبيلاً للنجاة. وقراءة من قرأها مثل (فسيحوا في الأرض)، (فنقّبوا على الأمر) تدل على صحة هذا الفهم» (نفسه، 3/ 478).
في الواقع، بعض القراءات هي تفسير القارئ للآيات الكريمة، وذكرها لتأكيد وجهة نظر تفسيرية في سياق الآية أمر مبرر.
4. ترجيح القراءات وتقييمها (الحجة)
في كثير من الحالات، يتخذ الزمخشري قراءة «الدوري» عن «أبي عمرو» أساساً له، ونظراً لكون الزمخشري من نفس منطقة «الإسفراييني»، فإن ترجيح قراءة أبي عمرو من وجهة نظر الزمخشري يتقوى (انظر: پارچه باف دولتي، تحليل وبررسي تقسيم بنديهاي ارائه شده در قرائات، 1392: 384). ومع ذلك، لا يمكن استنتاج ترجيح مطلق لقراءة معينة من تفسيره، فإيراد القراءات المختلفة للآية وعدم الاعتماد على قراءة خاصة هو دأبه. وهو أحياناً يذكر القراءات المختلفة للآية، ويعمد إلى ترجيحها أو تقييمها بالاعتماد على بعض المعايير (وليس بالاعتماد على مبناه القرائي). ومن معاييره للاختيار أو بيان الأفضلية ما يلي:
أولاً: الإحكام ونضج المعنى
أحد معايير الزمخشري لتقييم القراءة هو المعنى. فهو يختار القراءة التي تكون من حيث المعنى أكثر نضجاً، وأبلغ، وأقوى، وأجمل. ومن شواهد هذا المعيار الحالات التالية:
الشاهد الأول: في سياق آية ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (الأنفال/ 41)، يقول: «(فأن لله) مبتدأ وخبره محذوف، والعبارة المقدرة هي (فحق) أو (فواجب). قراءة الجعفي عن أبي عمرو التي يرويها، والتي تكون فيها (إن) مكسورة، وقراءة النخعي بعبارة (فلله خمسه) تقويها، لكن القراءة المشهورة أكثر تأكيداً وتثبيتاً لوجوب هذا الأمر، فكأنه قال: لا بد أن يثبت فيه الخمس، ولا يحق لأحد أن يخل به أو يقصر فيه، من حيث إنه إذا كان الخبر محذوفاً في عبارة، واحتمل خبر مثل (ثابت)، (واجب)، وحتى (لازم) وما شابهها، كان أقوى دلالة من إيراد لفظ واحد له» (الزمخشري، الكشاف، 1389: 2/ 290).
الشاهد الثاني: آية ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ (إبراهيم/ 24)، حيث يقول عنها: «قرأها أنس بن مالك (كشجرةٍ طيبةٍ ثابتٍ أصلُها). فإن قلت: ما الفرق بين القراءتين؟ قلت: قراءة الإجماع أقوى من حيث المعنى؛ لأن في قراءة أنس، الصفة محمولة على (الشجرة)، بينما الأنسب أن تكون صفة (أصلها ثابت) محمولة على (كلمة طيبة)، وإذا قلت: (مررت برجل أبوه قائم) فهي أقوى من حيث المعنى من قولك: (مررت برجل قائم أبوه)؛ لأن المخبر عنه هو (الأب) لا (الرجل)» (نفسه، 2/ 706).
الشاهد الثالث: من اختلاف القراءات في آية ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ (الكهف/ 5)، يقول: «(كلمة) في (كبرت كلمة) قُرئت بالنصب والرفع. فالنصب على التمييز، والرفع على الفاعلية، لكن النصب أفضل وأبلغ، وفيه معنى التعجب، كأنه قال: (ما أكبرها كلمةً)» (الزمخشري، الكشاف، 1407: 2/ 703).
قرأ الجمهور «كلمة» بالنصب، والنصب له وجهان: الأول، أن فعل «كَبُرَ» فعل ماض لإنشاء الذم، وفي هذه الحالة يكون الفاعل ضميراً مستتراً و«كلمة» تمييزاً له، والمخصوص بالذم محذوف. والوجه الثاني هو رأي أبي عبيدة الذي حمل ظاهر الكلام على التعجب، ووافقه الأخفش والزمخشري (الخطيب، معجم القرائات، 1422: 5/ 154).
الشاهد الرابع: عبارة «خَرْجًا فَخَرَاجُ» في آية ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (المؤمنون/ 72)، حيث يقول: «قرأ القراء (خَرْجًا فَخَرَاجُ) بـ(خَرَاجًا فَخَرَاجُ) و(خَرْجًا فَخَرْجُ)، وهي زكاة الأرض التي تُعطى لإمام المسلمين، وكذلك الأجرة التي تُعطى للعامل. وقال بعضهم إن الخَرْج هو ما يُعطى تبرعاً، والخَرَاج دفع إلزامي، لكن الأقوى دليلاً أن يكون الخَرْج أخص من الخَرَاج، كما يقال: (خراج القرية) و(خرج الكردة)، فالحرف الزائد الذي في (خراج) عن (خرج) يدل على معنى أكبر، ولهذا فإن قراءتها بـ(خرجا فخراج ربك) قراءة جيدة، أي: هل تطلب جزاءً يسيراً من عطائهم مقابل الهداية التي تهديهم بها؟ فليعلموا أن عطاء الخالق العظيم أفضل من ذلك بكثير» (الزمخشري، الكشاف، 1389: 2/ 305).
الشاهد الخامس: آية ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (ص/ 23)، حيث وردت كلمة «أنثى» بدل «واحدة»؛ يفضل الزمخشري هذه القراءة ويحللها من منظور نفسي فيقول: «فإن قلت: ما توجيه قراءة ابن مسعود بعبارة (لي نعجة أنثى)؟ قلت: يقال في العربية لمن له امرأة حسناء وجميلة: (لك امرأة أنثى)، حيث يوصف في مثل هذه العبارة بلطافتها ورقة أنوثتها، ومثل هذا الأسلوب في الكلام يعبر عن حالة عدم مرونة جسدها من الجمال والنعومة بشكل أكبر» (نفسه، 1389: 3/ 112).
ثانياً: التناسب المعنوي (السياق)
أحد معايير الزمخشري لترجيح وتقييم القراءات هو التناسب والنسق المعنوي (السياق). ولهذا، يختار القراءة التي تتوافق مع الأجزاء الأخرى من الآية؛ ومن شواهد هذا المعيار ما يلي:
الشاهد الأول: كلمة «فوم» في آية ﴿فُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ (البقرة/ 61)، التي قُرئت أيضاً بصورة «ثوم»: «(فوم) بمعنى القمح، ولذلك يقال في العربية: (فوموا لنا) أي اخبزوا لنا. وقال بعضهم إن معناها الثوم، وقراءة ابن مسعود التي قرأها (ثوم) تدل على هذا المعنى، وهي بالطبع أكثر انسجاماً مع العدس والبصل» (نفسه، 1/ 181).
وقد أوردوا «فوم» بمعنى «ثوم» أيضاً (انظر: فخر الرازي، مفاتيح الغيب، 1420: 3/ 532)، ولا فرق في معنى القراءتين، لأن الكلمتين يمكن أن تكونا مترادفتين (انظر: بيلي، الاختلاف بين القرائات، د.ت: 197)، وإن كان المعنى الأشهر هو «القمح». تقول بنت الشاطئ في هذا الصدد: «هذه الكلمة، بالإضافة إلى معنى (القمح)، تقبل سائر المعاني المذكورة في اللغة العربية، وأول هذه المعاني الثوم، ثم الحمص، ثم سائر الحبوب التي يمكن صنع الخبز منها. وقد أورد الراغب في المفردات القمح كأول معنى، ثم يقول: وقيل: (ثوم)، من باب إبدال حرف الفاء (فوم) والثاء (ثوم). نحن نعتبر هذا التفسير الذي يقصد بالـ(فوم) الثوم أكثر اطمئناناً لتقارب مادة الكلمتين والإبدال والجواز بين الفاء والثاء» (بنت الشاطئ، إعجاز بياني قرآن، 1376: 354).
الشاهد الثاني: آية ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (فاطر/ 18)، حيث قُرئ تركيب «ذا قربى» بصورة «ذو قربى». لا يقبل الزمخشري هذه القراءة ويردها قائلاً: «فإن قلت: ما رأيك في قراءة من قرأ، كما في (وإن كان ذو عسرة) حيث (كان) تامة، هنا أيضاً في عبارة (ولو كان ذو قربى) وجعل (كان) تامة؟ قلت: نظم الكلام أنسب مع كون (كان) ناقصة؛ لأن معنى العبارة هو أن الشخص المثقل بالأوزار إذا دعا أحداً ليحمل جزءاً من حمله، فلن يحمل أحد وزره، ولو كان قد طلب ذلك من قريب له، وهذا فهم صحيح ومتسق مع الكلام. وإذا قيل: (ولو وُجِد ذو قربى) انقطع نظم الكلام وخرج عن انسجامه وتناسقه؛ لأن بنية العبارة تقتضي ضميراً مستتراً في الفعل، ولكن في هذه العبارة لا يوجد ذلك» (الزمخشري، الكشاف، 1389: 2/ 825).
الشاهد الثالث: آية ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ (الصافات/ 153)، حيث يقول الزمخشري: «فإن قلت: (اصطفى البنات) بفتح الهمزة عبارة استفهامية للإنكار والاستبعاد، أما قراءة أبي جعفر بكسر الهمزة وبصيغة الإثبات كيف تصح؟ قلت: جعلها كلام الكافرين بدلاً من (ولد الله)، وحمزة والأعمش قرءاها كذلك، وهذه القراءة ضعيفة مع هذا التوجيه، ونظراً لأن الإنكار يحيط بها من جانبين، فإن ضعفها يزداد، لأنه يقول: (إنهم لكاذبون) و(ما لكم كيف تحكمون). أما من اعتبرها عبارة إثباتية، فقد وضعها بين المقدمتين السابقتين» (نفسه، 3/ 85).
ثالثاً: قوة المعنى وجمال اللفظ
يرجح الزمخشري القراءة التي تتوافق مع جمال أسلوب القرآن وتوصل المعنى بشكل أفضل، كما يكتب: «قرأ بعض القراء (بما تعملون) بالتاء والياء، والقراءة بالتاء تكون على أسلوب الالتفات، وهي أبلغ في الإنذار، والقراءة بالياء تكون على أسلوب البيان الواضح» (نفسه، 1/ 553). وهو يترك القراءة التي تضر بجمال لفظ القرآن وقوة معناه، ويختار قراءة أخرى تتوافق مع هذا المعيار. كما في سياق آية ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (النحل/ 54)، حيث يقول: «قرأ قتادة (كشف الضر) على أن الفاعل بمعنى الفعل، (كاشف الضر)، و(كاشف الضر) أقوى من (كشف الضر)؛ لأن بناء المفاعلة إذا جاء بعده فعل ثلاثي مجرد، فإنه يدل على المبالغة في بيان غلبة أحد طرفي المشاركة في أصل الفعل» (نفسه، 2/ 779).
آية أخرى يطرحها كشاهد هي ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (البقرة/ 96)، حيث يقول في سياقها: «فإن قلت: لم نكّر فقال: (على حياة)؟ قلت: للدلالة على حياة خاصة وهي الحياة المليئة بالغرور. ونتيجة لهذه الدلالة، فإن هذه القراءة أبلغ من قراءة (أُبيّ) بعبارة (على الحياة)» (نفسه، 1/ 208).
وقد طرح فخر الرازي عكس هذا الرأي في تفسيره، ورجح قراءة «حياة» بالتنكير على قراءتها بالتعريف، وكتب: «إنما قال: (عَلى حَياة) بالتنكير لأنه حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي (على الحياة)» (فخر الرازي، مفاتيح الغيب، 1420: 3/ 609)، كما أن الآلوسي رجح قراءة التنكير وطرح لها حكماً مختلفة مثل التعظيم والتحقير والإبهام (الآلوسي، روح المعاني، 1415: 1/ 330).
شاهد آخر، آية ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ (الأعراف/ 154)، حيث يقول عنها: «هذا ضرب مثل؛ كأن شرار غضبه كانت تحرضه على القيام بأفعال وتقول له: قل لقومك كذا وكذا، وألق الألواح من يدك، وجر شعر رأس أخيك إليك، فلما سكن غضبه لم يعد ينطق بمثل هذه الكلمات ولم يعد يتكلم بحرص. ومن يتمتع بطبع سليم وذوق صحيح، يجد مثل هذه العبارة جميلة وبليغة ورصينة في مثل هذا الموضع فقط؛ لأن هذا الأسلوب من أنواع بلاغة العرب، ولذلك فإن في قراءة معاوية بن قرة بـ(لما سكن عن موسى الغضب) لا يشعر الإنسان بمثل هذه القيمة في نفسه ولا يثير فيه خوفاً» (نفسه، 2/ 215).
رابعاً: القواعد النحوية
يُعد علم النحو أحد أدوات البيان وتحديد المعنى، ومن خلاله يتم التفكر في تناسق معاني القراءات المختلفة للآية الواحدة (طيب حسيني، أمين خولي ومؤلفههاي تفسير أدبي، 1387: 18). ومن توجهات الزمخشري أيضاً في مواجهة القراءات، الاستناد إلى علم النحو لضبط القراءة. يقول في سياق آية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (البقرة/ 284)، بعد أن ينقل قراءتي الرفع والجزم لأفعال «يَغْفِرُ» و«يُعَذِّبُ»: «فإن قلت: كيف تكون القراءة بالجزم؟ قلت: تُظهر الراء وتُدغم الباء فيها، وإدغام الراء في اللام خطأ محض…». ثم يرد نسبة هذه القراءة إلى أبي عمرو، وبعد ذلك يقول: «لا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو»؛ «القراءة الصحيحة لا تؤخذ إلا من النحويين وكلامهم هو الملاك» (الزمخشري، الكشاف، 1407: 1/ 330).
ويستند الزمخشري إلى هذا المبدأ ليرد كل قراءة يراها غير متوافقة مع قواعد النحو. ومن شواهد هذا القول، قراءة ابن أبي علبة لآية ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ…﴾ (الأحزاب/ 53)، حيث يقول في سياقها: «روي عن ابن أبي عبلة أنه قرأ (غير ناظرين) مجروراً على أنه صفة لـ(طعام)، ولكن هذه القراءة ليست بالوجه؛ لأنها سلكت مساراً غير المقرر، وفيما يتعلق بالضمير يجب أن يُعمل به بحيث يُساق نحو اللفظ قدر الإمكان، ويقال: (غير ناظرين إناه أنتم)، مثل: (هند زيد ضاربته هي)» (الزمخشري، الكشاف، 1389: 3/ 754).
أهمية هذا المبدأ من وجهة نظر الزمخشري تصل إلى درجة أنه يصحح به حتى قراءات القراء السبعة، وفي حال عدم توافق القراءة مع النحو، فإنه لا يقبلها. ومن هذه الشواهد، قراءة ابن عامر لآية ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (الأنعام/ 137)، حيث يقول في سياقها: «أما عن قراءة ابن عامر التي قرأ فيها (قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) بصورة (قتلَ أولادَهم شركائِهم) أي برفع (قتل)، ونصب (أولاد)، وجر (شركاء)، بناءً على إضافة (قتل) إلى (شركاء) والفصل بينهما بكلمة ليست ظرفاً، فهو أمر قبيح ومردود حتى في الشعر الذي هو مقام الضرورة… فما بالك بكلام منثور، وفوق ذلك في القرآن الذي هو معجزة في حسن نظمه وسلاسته وبلاغته أن تأتي مثل هذه العبارة» (نفسه، 2/ 96).
وقد درس آية ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ (إبراهيم/ 47) بنفس النظرة، وكتب في سياقها: «قرأ بعضهم (مخلفَ وعدِهِ رسلِهِ) بجر (رسل) ونصب (وعده)، ومثل هذه القراءة من حيث الضعف تشبه عبارة ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (الأنعام/ 137) إذا قُرئت بنفس الطريقة» (نفسه، 2/ 722).
في الشواهد المذكورة، ينقل الزمخشري قراءتين خاطئتين عن أبي عمرو وابن عامر وينقدهما كليهما، ولكن في نقد رأي أبي عمرو، يرفض نسبة القراءة المذكورة إليه، ولكنه بنقده لقراءة ابن عامر، مع الجزم بنسبتها إليه، ينتقدها. وبما أن هذه القراءة منقولة في الكتب المتعلقة باختلاف القراءات عن أبي عمرو (الخطيب، معجم القرائات، 1422: 1/ 430)، فإن النقطة المذكورة يمكن أن تكون دليلاً على نفس المبنى القرائي للزمخشري الذي يجعل قراءة أبي عمرو هي الملاك والمعيار.
مفاسد الاستناد إلى القراءات المختلفة
القرآن والقراءات مقولتان منفصلتان؛ القرآن واحد والقراءات متعددة (انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1410: 1/ 465). نزل القرآن بقراءة واحدة، كما تؤيده آية ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (القيامة/ 18)، حيث يأمر النبي (صلى الله عليه وآله) بأن يراقب طريقة القراءة التي تعلمها من ربه (انظر: الطبرسي، جوامع الجامع، 1372: 10/ 601). وروايات المعصومين (عليهم السلام) تؤكد هذه المسألة وتعتبر القرآن واحداً ونازلاً من عند الله الواحد (الكليني، الكافي، 1407: 2/ 630). ومن هنا، فإن الاهتمام بالقراءة – التي هي من أقدم الأساليب العملية في الدراسات القرآنية – من منظور تصحيح القراءة وضبطها الصحيح، له أهمية بالغة (الصاوي الجويني، شيوههاي تفسيري قرآن كريم، 1387: 77)، لأن هذه الاختلافات في القراءات في المجالات المختلفة الاعتقادية والفقهية والأخلاقية، تترك أحياناً فروقاً معنوية كبيرة، ومنها يمكن الإشارة إلى الفرق المعنوي الناتج عن اختلاف القراءة في الآية الاعتقادية ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (الرعد/ 43)، أو الآية الفقهية ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (البقرة/ 222)، حيث قُرئت بصيغة «مَن عندَه علمُ الكتاب» (الزمخشري، الكشاف، 1407: 2/ 536) و«حَتَّى يَطَّهَّرْنَ» (ابن عاشور، التحرير والتنوير، د.ت: 2/ 349).
بالإضافة إلى ذلك، فإن الطرح والدراسة الواسعة للقراءات المختلفة لآية واحدة وطرحها جميعاً، سواء كانت قراءات صحيحة أو شاذة، دون تمييز بين القراءات المعتبرة وغير المعتبرة والقراءات التفسيرية، بالإضافة إلى إضفاء المصداقية على القراءات غير المعتبرة، قد يؤدي إلى زعزعة النص وحيرة المخاطب، ويُعد نقطة سلبية في تفسير القرآن (أسعدي، آسيبشناسي جريانهاي تفسيري، 1392: 2/ 268). ولهذا، فإن الخطوة الأولى التي يجب على المفسر اتخاذها لفهم مضامين الآيات هي البحث والتحقيق في القراءة الصحيحة للآيات، القراءة الصحيحة التي تستند إلى النقل المتواتر وسيرة المسلمين العملية في كل عصر، ويجب أن يتم التفسير على أساسها (بابائي، مكاتب تفسيري، 1387: 65).
الخاتمة
التفسير الأدبي للقرآن – بوصفه أحد أعمق التيارات التفسيرية – يقوم على مكونات عديدة، منها الاهتمام بدراسة وطرح القراءات المختلفة للقرآن. والزمخشري – بوصفه أكبر مفسر أدبي للقرآن – أولى مكانة مهمة لاختلاف القراءات، وفي كل موضع من تفسير الكشاف، تناول وصفها وتحليلها. وتظهر دراسة هذا التفسير أن أنواع القراءات المختلفة، سواء المعتبرة أو غير المعتبرة، كانت موضع استناد الزمخشري المعتزلي، وأن الطرح الواسع لهذا الاختلاف في القراءات له جذور في مذهبه الاعتزالي، وأنه أراد الاستفادة من طاقة القراءات المختلفة لبيان أفكاره الاعتزالية. والمنشأ الآخر لتناول القراءات المختلفة في تفسير الكشاف يعود إلى المنهج التفسيري للمفسرين الأدبيين الذين جعلوا الطرح والدراسة الواسعة لهذه القراءات أحد مكونات تفسيرهم.
لقد اتخذ الزمخشري توجهات مختلفة تجاه هذه القراءات، وهي:
1. يذكر القراءات المختلفة للآية دون أن يرجح بينها، بل يستفيد من هذه القراءات لبيان الاحتمالات المعنوية المختلفة للآية وإثراء التفسير.
2. يستفيد من اختلاف القراءات لتقوية وجهة نظره التفسيرية، وكذلك لترجيح أحد وجوه التفسير على الوجوه الأخرى.
3. يوضح الفروق اللغوية بين القراءات؛ وهو يفعل ذلك عندما يؤدي الفرق اللغوي بين القراءات إلى اختلاف في معنى الآيات.
4. يذكر القراءات المختلفة للآية، ولكنه بالاعتماد على بعض المعايير، يعمد إلى ترجيحها أو تقييمها. ومن معاييره للاختيار أو بيان الأفضلية: الإحكام، ونضج وقوة المعنى؛ التناسب المعنوي؛ التوافق مع جمال أسلوب القرآن وبلاغة المعنى؛ وقواعد علم النحو.
إن الطرح الواسع للقراءات المختلفة لآية واحدة، بالإضافة إلى إضفاء المصداقية على القراءات غير المعتبرة، يؤدي إلى زعزعة النص، والتحريف المعنوي للقرآن، وحيرة المخاطب، ويُعد نقطة سلبية في تفسير القرآن. ولهذا، فإن الخطوة الأولى للمفسر لفهم مضامين الآيات هي التحقيق في القراءة الصحيحة للآيات لتكون ملاكاً لتفسيره.
الهوامش
1. التفسير الأدبي هو التفسير الذي يهتم فيه المفسر ببيان العناصر الصرفية والنحوية والنكات البلاغية، وعلم المفردات، وبيان معاني الألفاظ المشكلة أو الغريبة في القرآن، ودراسة القراءات المختلفة للقرآن (انظر: مركز فرهنگ ومعارف قرآن كريم، 1389: 8/ 142؛ مدخل التفسير الأدبي).
2. «القراءات علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة» (ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1420: 1/ 9).
3. من أفضل المصادر لاختلاف القراءات كتاب «معجم القراءات» المكون من 11 مجلداً للدكتور عبد اللطيف الخبير، والذي نشرته «دار سعد الدين للطباعة والنشر والتوزيع».
4. القراءة الصحيحة هي ما وافق العربية ولو بوجه، ووافق أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، وصح سنده؛ سواء وردت عن الأئمة السبعة أو العشرة أو عن غيرهم من الأئمة المقبولين. فإذا اختل شرط من هذه الشروط الثلاثة، قيل لتلك القراءة ضعيفة أو شاذة أو باطلة (انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1380).
5. على سبيل المثال، في تعريف «الشاذ»، قيلت آراء مختلفة: «القراءة التي لا يصح سندها» (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1380: 1/ 259)؛ «القراءة التي نقلت عن التابعين» (نفسه، 253)؛ «القراءة التي ليست مشهورة ولا ملتزماً بها»؛ «القراءة التي تخالف رسم المصحف»؛ «القراءة التي ليست جزءاً من قراءات القراء السبعة» (انظر: قدوري الحمد، رسم الخط المصحف، 1376: 603-615)؛ «القراءة التي قرأ بها أفراد قليلون ولم يقبلها أحد من القراء السبعة وأكثر المسلمين» (انظر: بابائي، مكاتب تفسيري، 1386: 2/ 210).
6. على سبيل المثال، يمكن النظر إلى اختلاف القراءات في مجمع البيان (انظر: مهدوي راد وحاجي أكبري، بررسي ترجيح قرائات در تفسير مجمع البيان، دو فصلنامه مطالعات قرائت قرآن، العدد 8، ربيع وصيف 1396). ويكتب الشيخ الطوسي أيضاً: «يمكن قراءة القرآن بأي من القراءات» (الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، د.ت: 1/ 7). كما أن تفسير أبي حيان ينقل جميع القراءات المختلفة، سواء المعتبرة أو الشاذة، ويتناول ذكر التوجيهات الصرفية والنحوية وإعراب كل قراءة. وكذلك سائر التفاسير الأدبية، مثل تفاسير معاني القرآن للفراء، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، وغيرها.
7. القراءة الموضوعة هي قراءة لا سند لها ونُسبت إلى قائلها، مثل القراءات التي جمعها محمد بن جعفر الخزاعي ونسبها إلى أبي حنيفة (الزرقاني، مناهل العرفان، 1385: 490).
8. «القراءة المدرجة» أو «القراءة التي تشبه الحديث المدرج»، هي القراءة التي أُضيفت فيها كلمات على سبيل التفسير في الآيات (نفسه، 490)، مثل آية ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ (النساء/ 12) التي يقول عنها الزمخشري: «قد أجمعوا على أن المراد أولاد الأم. وتدل عليه قراءة أبي: وله أخ أو أخت من الأم. وقراءة سعد بن أبي وقاص: وله أخ أو أخت من أم» (الزمخشري، الكشاف، 1407: 1/ 486).
9. هذه القراءة بسبب عدم صحة سندها، تُعد من القراءات الشاذة، والشاذ في هذا الشاهد هو قراءة لا يصح سندها (طاهري، درسهايي از علوم قرآني، 1377: 1/ 433).
10. توجد شواهد أخرى من هذا القبيل (انظر: الزمخشري، الكشاف، 1407: 4/ 301 و 302؛ 2/ 530؛ 4/ 469؛ 3/ 84 وغيرها). ويذكر أبو حيان الأندلسي أيضاً في سياق آية ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (الواقعة/ 82)، بعد أن ينقلها بصيغة «تجعلون شكركم» عن [الإمام] علي [] وابن عباس، يضيف: «ذلك على سبيل التفسير» (أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1420: 10/ 93). بعض الحالات المذكورة هنا تُعد من نوع القراءة «المدرجة»، كما مر.