ملخص
تُعدّ التلاوة المعنائية أو اللحن الإقرائي من أصالة الفنون الإسلامية، وقد حظيت باهتمام النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والمسلمين منذ بدء نزول القرآن الكريم، كما اعتبرها الله تعالى من أولى مهام الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله). إن اللحن الإقرائي في تلاوة القرآن هو نوع من الموسيقى النابعة من مفهوم المفردات، حيث يُعتبر الاهتمام بالجوانب الدلالية للمفردات من الموضوعات المهمة في نقل المفهوم والمعنى إلى المستمع، وكذلك في التأثير الذي تحدثه التلاوة الإقرائية. تسعى هذه الدراسة، عبر منهج وصفي-تحليلي، إلى تناول التصوير الصوتي لبعض المفردات في مجالات الكمال، والحركة والنشاط، والنقص والقصور، وكذلك المفردات المرتبطة بالشدة والصعوبة. وتُظهر الدراسة أن المفردات التي تحمل مفهوم التفوق والكمال تتناغم في التلاوة مع تصاعد الصوت وارتفاعه، بينما تتطلب المفردات المرتبطة بمفاهيم النقص والقصور تلاوة بصوت منخفض (قرار). أما المفردات ذات الدلالة على الشدة والقوة، وكذلك المفردات التي تنطوي على حركة ونشاط، فينبغي تلاوتها بإيقاع حاد وسريع وقوي.
1. المقدمة
لقد عُرض القرآن الكريم بمضامينه الدينية السامية في قوالب متنوعة من الجمل والألفاظ، حيث استُخدمت كل مفردة بجمال في موضعها المناسب وفقًا لشحنتها الدلالية، لتتمكن من نقل رسالة الله ومقصده إلى البشر بأفضل صورة وأكثرها تأثيرًا، وليتجلّى بذلك الإعجاز اللغوي واللفظي للقرآن الكريم بوضوح. فمن جهة، ونظرًا لتنوع الموضوعات والتعبيرات المطروحة في القرآن، فإن نقل مثل هذه العبارات دون مراعاة مفاهيمها وتوظيف التدرج الصوتي والنبرات الصوتية الملائمة يؤدي إلى رتابة في الأداء البياني، ومن ثم إلى تقليل التأثير المطلوب على المخاطب. ومن جهة أخرى، فإن التركيز المفرط على جماليات الأداء وإبراز الألحان قد يُبعد عن الهدف الأساسي للتلاوة الإقرائية، ألا وهو توجيه انتباه المستمعين والمخاطبين إلى قسم من آيات القرآن والتأثير فيهم. تلاوة القرآن الكريم هي نوع من بيان مفاهيمه، وتُعدّ من الفنون الإسلامية الأصيلة التي كانت موضع توصية وتأكيد من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) منذ بدء نزول القرآن، كما أولاها المسلمون اهتمامًا خاصًا. وقد اعتبر الله تعالى تلاوة القرآن وإقرائه على الناس من أهم أهداف البعثة وأولى مهام الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) تجاه الأمة الإسلامية والبشرية، وأمره بذلك العظيم، فقال في هذا الشأن: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (الكهف/ ٢٧). وفي موضع آخر، قال عن مهمته (صلى الله عليه وآله): ﴿…وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ (النمل/ ٩١-٩٢). وقد قيل في منهجه وأسلوبه في الإقراء والتلاوة إنه كان دائمًا يهيئ الأجواء للتوجه نحو الباطن والمفاهيم المستمدة من بنية الكلام، ولهذا كان الناس يتأثرون بتلك التلاوات. من ناحية أخرى، يتضح من خلال النظر في سيرة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه كان يهتم بالجانب السمعي للقرآن ويشتاق لسماع صوته، فلم يكن يرى نفسه مستغنيًا عن صوت القرآن وكلامه، أو يسعى فقط إلى جمع الناس في مكان ليقرأ عليهم القرآن؛ بل كان هو نفسه في الواقع مشتاقًا لسماع القرآن – سواء من نفسه أو من الآخرين (عزتي، نغمات آسمانى، ١٣٨٤: ٩٤). وعليه، تُعتبر التلاوة الهادفة للمعنى والمضمون من الأهداف الرئيسية لتلاوة القرآن الكريم، ويعود تاريخها إلى زمن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله). ثمة علوم مختلفة تؤثر في هذا المجال، فالمعرفة بعلم البلاغة، وعلم الترجمة، وأصول القواعد العربية، والاهتمام بالصرف والنحو، وعلم التجويد، وعلم الأصوات أو الفونيتيك، والاهتمام بتفسير الآيات المتلوّة، كلها من مستلزمات تقديم تلاوة هادفة للمعنى. بالإضافة إلى ذلك، من الموضوعات المهمة الأخرى ذات التأثير الكبير في تلاوة القرآن، الاستفادة من علم المفردات في اللحن الإقرائي للقارئ، وهو ما تتناوله هذه الدراسة. اللحن الإقرائي في تلاوة القرآن هو نوع من الموسيقى الوصفية النابعة من النص ومن صميم معنى كل مفردة، وهذه الموسيقى هي من جنس الكلمات نفسها (أحمد آبادي، طنين إعجاز، ١٣٧٨: ٣٧٨-١٣١). لم يولِ بعض القراء اهتمامًا كبيرًا لموضوع التلاوة الإقرائية، وبهدف جذب الجمهور، يتلون القرآن دون مراعاة دلالات المفردات أو وعي بمعانيها. ويُعد التوجه المفرط في بعض أساليب تعليم النغم والاكتفاء باللحن المقامي للأنظمة الموسيقية من آفات هذا المجال، مما أدى إلى نظرة سطحية للآيات، وبالتالي قلل من تأثير التلاوة على المستمعين. تهدف هذه الدراسة إلى إبراز دور فهم علم المفردات كأحد العوامل المؤثرة في اللحن الإقرائي، من خلال دراسة دلالات بعض الحقول المعجمية في القرآن؛ فالتفات القارئ إلى معنى اللفظ ومحتواه يعكس وعيه وسيطرته على مفاهيم الآيات، ويهيئ الظروف لتدبر أفضل وفهم أعمق وصولاً إلى الهدف الأسمى من تلاوة القرآن، وهو العمل بمحتواه. بالإضافة إلى ذلك، يتيح هذا الأمر للقارئ أن يولي اهتمامًا للنغم ولحن الأداء (اللحن البياني) المناسب، مما يسهم في تأثير التلاوة على المستمع. إذ إن عدم الإلمام بالمؤشرات المؤثرة في التلاوة الإقرائية يشكل عائقًا كبيرًا أمام الفهم والاستنباط الصحيح لمفاهيم القرآن. ولمراعاة معاني الآيات والحقول الدلالية وعلم المفردات دور محوري في هذا الموضوع، كما أن له دورًا بارزًا في توظيف اللحن البياني المناسب ونقل المعنى بهدف التأثير في المخاطب. في هذا البحث، تم استعراض مكانة التلاوة، ثم دراسة عدد من مفردات القرآن في حقول دلالية مختلفة، مع تقديم نماذج صوتية من تلاوات قراء مشهورين، وتقييم دور فهم علم المفردات وتأثيره على جودة اللحن البياني في التلاوة.
خلفية البحث
بالتأمل والدراسة الدقيقة في الكتب والمراجع المتوفرة في مجال التلاوة الإقرائية، لوحظ أن الاهتمام في معظمها ينصب على اللحن المقامي (أنظمة الموسيقى العربية) والأداء النغمي في التلاوة، وفي أحسن الأحوال يقتصر على المعنى السطحي للآيات، مع إيلاء اهتمام أقل للإلمام بالحقول الدلالية كالمفردات والبلاغة وتأثير ذلك على موسيقى التلاوة واللحن البياني. وقد أُنجزت أبحاث متعددة في مجال تلاوة القرآن، تناول كل منها جانبًا من جوانبها. فهناك رسالة بعنوان «مكانة ومؤشرات التلاوة الهادفة للمعنى في القرآن الكريم»، تناول فيها الباحث موضوعات مختلفة مثل إتقان علم الوقف والابتداء، واختلاف القراءات، والمهارات الصوتية، والمؤشرات المعنوية كالخشوع وحضور القلب، لكنه لم يتطرق إلى علم الدلالة وعلم المفردات بشكل مستقل. وفي رسالة أخرى بعنوان «الدور التربوي لتلاوة القرآن في الجوانب الفردية والاجتماعية»، كان التوجه البحثي منصبًا على الجوانب التربوية للتلاوة. أما في مقالة «فعالية العلاج بالمعنى المصحوب بتلاوة القرآن والدعاء في معالجة الاكتئاب والخلل»، فقد تناول الكاتب تأثير تلاوة القرآن في علاج الاكتئاب، وكان التوجه علاجيًا محوريًا يرتكز على المرضى، مع تحليل الموضوع بناءً على الرسوم البيانية والعينات الإحصائية. ما يتم تناوله في هذا البحث هو التركيز على دور وأهمية مفردات القرآن ومفهومها في تلاوة القراء، ودراسة أثر معنى ومفهوم المفردات على المستمعين من خلال المباحث اللغوية والبلاغية.
دراسة مفهوم المفردات
1. القراءة
القراءة في اللغة تعني جمع وقراءة الكتاب والقرآن وغيره (الزبيدي، تاج العروس، د.ت: ٣٤٦). ويعتقد ابن منظور أيضًا أن “قرأ” تعني الجمع، ويقول: “قرأتُ الشيء قرآنًا: جمعته وضممت بعضه إلى بعض”. وسُمي القرآن بهذا الاسم لأنه يجمع السور المختلفة ويضمها إلى بعضها (ابن منظور، لسان العرب، ١٤١٤: ١/ ١٢٨). وبناءً عليه، فإن “قرأ” في اصطلاح أهل اللغة يعني ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض (الراغب الأصفهاني، المفردات، ١٣٨٣: ١٨٠). وفي اصطلاح علوم القرآن، يُطلق على تلاوة ألفاظ القرآن الكريم بنفس الصورة والكيفية التي قرأها رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو قُرئت بحضرته وأقرّها (الفضلي، مقدمة في تاريخ القراءات، ١٣٧٨: ٨٠). يهتم علم القراءات في حقيقته بدراسة كيفية أداء المفردات ويتناول نطق الكلمات وظاهرها، وقراءة القرآن تعني تلاوته مع مراعاة نفس الأسس والأصول التي نزل بها على الرسول الأكرم. وقد أدت عوامل مختلفة إلى اختلاف القراءات في آيات القرآن، من أهمها: اختلاف اللهجات، وغياب الإعراب والتشكيل في الحروف، وعدم مراعاة علامات الترقيم مثل الوقف والابتداء والفصل والوصل. وعليه، فإن دراسة اختلاف وجهات النظر في ألفاظ القرآن وعوامله ومعرفتها يُسمى علم القراءات.
2. التلاوة
التلاوة من جذر “ت ل و” وتعني المتابعة. وتتخذ هذه المتابعة صورًا متنوعة بحسب أنواع مصادر كلمة “تلاوة” (الراغب الأصفهاني، المفردات، ١٣٨٣: ٣٤٦). وقد فسر المفسرون التلاوة بمعنى القراءة، واعتبروها مشتقة من معناها الأصلي وهو “المجيء بعد الشيء” (الطباطبائي، الميزان، ١٣٧٩: ١١/ ٢٩٨). ويرى الطوسي أيضًا أن القراءة تُسمى تلاوة لأن الحروف تتلو بعضها بعضًا (الطوسي، التبيان، ١٣٨٢: ١/ ٤٤٢). وقد وردت كلمة “تلاوة” مرة واحدة فقط في القرآن الكريم في سورة البقرة الآية ١٢١، حيث يقول الله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون﴾ (البقرة/ ١٢١). أما مشتقات هذه الكلمة المختلفة فقد وردت أكثر من خمسين مرة في القرآن (عبد الباقي، المعجم، ١٣٨٦: ١٩٧ و ١٩٨). في بعض الحالات، لا يُلتفت إلى الفروق الدلالية بين هذين المصطلحين ويُستخدمان بالتبادل، بينما لكل منهما مفهوم خاص به. في التفريق بين مفهوم التلاوة والقراءة، يمكن القول إن القراءة هي قراءة ظاهر القرآن دون اعتبار لمعنى الآيات ومفهومها، أما التلاوة، فبالإضافة إلى الدقة في القراءة الصحيحة للآيات، فإنها تولي أهمية خاصة للمعنى والمفهوم، ويتوجه تالي الآيات إلى محتوى الآيات ومعانيها ومفاهيمها ومصاديقها وأوامرها ونواهيها، وكأن الآيات تتنزل عليه في تلك اللحظة (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الموسوعة، ١٤٠٨: ٢٥٠).
3. اللحن الإقرائي
لتلاوة القرآن جانبان: جانب شخصي يتضمن اكتساب الثواب والأجر الأخروي، إذ إن مجرد قراءة القرآن، وفقًا للآيات والروايات، لها أجر وثواب عند الله تعالى. أما الجانب الآخر للتلاوة، فيتم بهدف توجيه انتباه المستمعين إلى مفاهيم آيات القرآن وتعاليمها (ابن خالويه، الحجة في القراءات السبع، ١٤١٣: ١٤٧). وتشير كثير من الروايات المتعلقة بالقراء إلى هذا الجانب من التلاوة، وتخص الأفراد الذين يتولون مهمة الإقراء كقراء للقرآن. ويطلق المصريون على هذا النوع من التلاوة اسم “فن التلاوة”، وهو ما يعني التأثير في المخاطب والمزج بين التلاوة والفن (شاه ميوه اصفهاني، بحث في التجليات الموسيقية لفن التلاوة، ١٣٩٧: ١٢٧). ومن ناحية أخرى، لا يكفي مجرد الاهتمام باللفظ لفهم القرآن، بل لفهم الآيات والتوجه إلى فحواها ومعناها ومفهومها تأثير مهم في هذا الأمر، إذ إن فضيلة تلاوة القرآن تكمن في حسن القراءة والتدبر والتفكر. التلاوة الإقرائية أو الهادفة للمعنى هي التلاوة التي تستحضر مفهوم الآيات في ذهن المخاطب. فالقارئ في التلاوة الهادفة للمعنى يركز على مفهوم الآيات، ومحور التلاوة هو المعنى، بحيث يجب البحث عن أثرها في المستمع. ومن أهم مستلزمات تقديم تلاوة هادفة للمعنى هو فهم القارئ ليقدم تلاوة مقبولة، لذا يجب أن تكون الألحان والطبقات الصوتية وغيرها متناسبة في القراءة ليؤديها بالشكل الصحيح وتكون مؤثرة في ذهن المستمع (نلسون، فن قراءة القرآن، ١٣٩٠: ١٥٢). وبناءً عليه، يجب على القارئ أن يوظف مهارته الموسيقية في تنظيم الصوت من حيث الشدة، ارتفاعًا وانخفاضًا، وفقًا لتفسير الآيات ومفهومها، إذ إن إلقاء المعاني في بعض الآيات يتطلب أن تكون التلاوة في طبقات صوتية أعلى أو أدنى. على سبيل المثال، في الآيات التي تتضمن سؤالاً وجوابًا، يجب على القارئ أن يراعي نوعين مختلفين من التلاوة مقارنة بالآيات الخبرية. وفي بعض الآيات الخبرية، لا حاجة إلى أداء صوتي عالٍ، فإذا لم يكن القارئ في هذه الحالات متمكنًا من معنى الآيات، فلن يستطيع بأداء عالٍ أن يوصل المعنى الخبري للآية إلى المستمع.
آليات نقل المفاهيم في التلاوة الإقرائية
يتطلب نقل محتوى الرسالة إلى المستمع في تلاوة القرآن أصلين مهمين: الأول، إلمام القارئ بمعاني ومفاهيم الآيات المتلوة والتأمل والتدبر فيها، وهو الشرط اللازم لتأثير التلاوة. وهذا الأصل من التعاليم التي أكد عليها القرآن الكريم نفسه، ويُعد أكمل أشكال هذا التواصل؛ لأن الهدف الأسمى من تلاوة القرآن هو فهم معانيه وتطبيقها في الحياة (الدمشقي، فضائل القرآن، ١٤١٠: ١٨٢)، حيث يقول الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد/ ٢٤). وهذه هي الإشارة الصريحة لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) حيث قال: «لا خيرَ فِي قِرَاءَة لا تَدَبُّرَ فِيها» (المجلسي، بحار الأنوار، ١٤٠٣: ٢١١). الثاني، الاستفادة من تقنيات الصوت واللحن والفنون الصوتية التي تمكن القارئ من إلقاء فهمه واستيعابه للنص في قالب “التصوير الصوتي” للمستمع، وتحديد وضبط زاوية هبوط وصعود الكلمات والعبارات في ذهن وروح المخاطب. هذه الظاهرة الفريدة توجد في بعض تلاوات قراء القرآن، ويُطلق عليها في علم الموسيقى وفن البيان اسم “التصوير الصوتي”، الذي يُعرف بالإنجليزية بـ (acoustic illustration). في هذا المجال من الفنون الصوتية واللحنية، يسعى القارئ بمهارة كبيرة وبمساعدة لحن خاص، إلى تقديم صورة للجو المعنوي للآيات للمستمع، تكون مطابقة إلى حد كبير للمفهوم المقروء (طهراني، مبادئ موسيقى قراءة القرآن، ١٣٧٤: ١٢٣). وقد صمم كبار الأساتذة مثل الشيخ محمد رفعت، والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، والشيخ مصطفى إسماعيل تلاواتهم المؤثرة بناءً على هذا المفهوم. علاوة على ذلك، يحتاج كل من القارئ والمستمع للقرآن إلى الانتباه للمعنى والمفهوم، والوصول من خلال الفهم الصحيح لمفهوم الآية إلى ارتباط منطقي ومنسجم بين اللحن والمعنى، والاستفادة الكاملة من التلاوة. من بين أساليب معالجة معنى الآيات الاهتمام بالترجمة. فاستخراج معاني ومفاهيم آيات القرآن بطريقة تطبيقية يؤدي إلى توجيه ذهن المخاطب نحو المعاني والمفاهيم، وبهذه الطريقة يواكب القارئ في مسار التلاوة. إن الاهتمام بالألفاظ وتعلم قواعد القراءة مع إهمال معنى ومفهوم الآيات له عواقب يمكن تلخيص أهمها في النقاط التالية: ١. تهميش المتخصصين في المعارف القرآنية في المجتمع؛ ٢. الابتعاد عن الأصالة والروحانية؛ ٣. فساد الذائقة العامة؛ ٤. تدهور التلاوة كمًا وكيفًا؛ ٥. عدم تحقيق التواصل والاتصال المناسب بين آيات السور، ومراعاة تناسق المعاني عند وصل مقطعين من سورة واحدة أو سورتين منفصلتين من الأمور التي يجب مراعاتها (نلسون، فن قراءة القرآن، ١٣٩٠: ٨١). بناءً على ذلك، فإن الوعي بآليات نقل المعنى والاستخدام الصحيح لأدوات التلاوة يهيئ لنقل المفاهيم ومعاني الآيات، ويؤدي إلى أن يتمكن القارئ، من خلال فهمه الصحيح للمعنى، من نقلها جيدًا إلى ذهن المستمع، ويجعله يسايره ويواكبه في مسار التلاوة.
تأثير علم المفردات في التلاوة الإقرائية
إن الإلمام بالحقول الدلالية في علم المفردات وتطبيق لحن الأداء بما يتناسب معها، بالإضافة إلى تأثيره على المستمع ورد فعله الواعي أثناء التلاوة، يفتح آفاقًا جديدة نحو إبداع أساليب جديدة في التلاوة والابتعاد عن التلاوات النمطية والمتوقعة لحنًا. إن عدم إلمام القراء بالحقول الدلالية وكذلك تقنيات نقل المعنى هو أحد أسباب تراجع تأثير التلاوة الإقرائية؛ لأنه طالما لم يكن لدى القارئ تصور صحيح عن مفاهيم القرآن في ذهنه، فلن يكون قادرًا على تقديم ذلك التصور لمخاطبيه (خرقاني، جماليات القرآن، ١٣٩٢: ٥٨). “المفردات”، التي تُسمى بعبارة أخرى “الكلمات المفردة”، هي أساس وركن أساسي لمحتوى أي كتاب، وخاصة القرآن المجيد، ولها أهمية كبيرة؛ لأنه من خلال علم معاني مفردات القرآن يمكن الولوج إلى بحر معارفه والتعرف على مفاهيمه ومقاصده السامية. اللفظ العربي هو لفظ حي وديناميكي وله ارتباط مباشر وحي بالمتكلم (فاضلي، أساليب البيان في القرآن الكريم، ١٣٨٢: ٧٤). وإذا أراد القارئ أيضًا أن يصل إلى المعنى الأصلي لمفردات القرآن ويدركها حية تمامًا ويجريها على لسانه، فعليه أن يكون على دراية بمفردات وحقول دلالة لغة القرآن ليتمكن في ضوئها، من خلال تصوير صوتي مناسب لمفاهيم القرآن، من نقل إحساسه من الكلمات إلى المستمعين وتجسيد الآيات في أذهانهم.
صورة المفردات القرآنية في التصوير الصوتي للقراء
لقد استخدم القرآن في المناسبات المقتضية وتبعًا للمعنى، ألفاظًا يستدعي قالب معاني كل منها إحساسًا خاصًا في الذهن. فإذا كان القارئ على دراية بمفردات وحقول دلالة لغة القرآن، فإنه، بالاستفادة من قدراته العاطفية وتحديد وضبط زاوية هبوط وصعود الكلمات، يستطيع أن يضفي نغمة وإحساسًا يقرب صوته من المفهوم، ويلقيه على مخاطب كلام الوحي (نقي فر، بحث حول التدبر في القرآن، ١٣٨٧: ١٤٨). بحسب بعض أهل النظر، استخدم القراء منذ البداية وحتى الآن في تلاوتهم “الموسيقى الوصفية”، أي نوع من الموسيقى يصور معاني الآيات ويعتمد على إلقاء المفهوم بواسطة النغمات، وكذلك خلق ارتباط بين الصوت والكلمات. وعندما كانوا يتعلمون أصول “الانسجام الصوتي” وتطبيق اللحن على الآية، كانوا يعبرون عن هذا العمل بـ”الموسيقى”، وفي مراحل مختلفة من تعلمهم كانوا يستعينون بمصطلحات الموسيقى (ميرزائي، الزمن الجميل، ١٣٨٨: ٨٨). إن تلاوات القراء الذين تم تقييمهم في هذا البحث والذين وردت أسماؤهم، هي محل اعتبار بين القراء، بالإضافة إلى أنهم يمتلكون أسلوبًا خاصًا في التلاوة يستفيد منه الآخرون.
1. التصوير الصوتي لمفردات العلو والكمال
الكلمات التي تحمل مفهوم الغاية والنهاية، الطغيان والتجاوز، البعد والمسافة، السعة والاتساع، الدعوة والنداء، الأمل والمستقبل، الآمال الطويلة، العظمة والكبرياء، القيام والبعث، الكثرة والزيادة، الإقبال والتوجه، التكبر والفخر، الكرامة والعزة، الفوز والنجاة، الغلبة والانتصار… هي من بين المفردات التي يناسبها في التصوير الصوتي ذروة الصوت وارتفاعه. لذا، عندما يصل الصوت إلى ذروته، يبدو أنه يجب أن يتبعه كلام سامٍ. على سبيل المثال، حرف الجر “على” يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالغلبة والعلو ومفهوم الرفعة. ورغم أن الحروف في أي لغة هي أدوات لا تدل على معنى مستقل وتؤدي فقط دور الرابط بين الكلمات، فإن هذه الحروف البسيطة ظاهريًا لها في القرآن مكانة مهمة، وكل منها يكشف بلسان رمزي عن أسرار عدة، ويدعو الإنسان إلى حقيقة ما (محمد قاسمي، تجليات التصوير الفني، ١٣٨٧: ٤٠). في الآية الكريمة ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم/ ٤)، رسم الله تعالى أسمى مكارم الأخلاق للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في صورة بليغة ومحسوسة، إذ إن حرف “على” يدل على مفهوم العلو والسيطرة، وهذه الآية تضع النبي (صلى الله عليه وآله) في أعلى مراتب الأخلاق والكمالات النفسية، التي لا يجرؤ أحد على الوصول إلى تلك المرتبة العظيمة والقمة الرفيعة. وكأن مكارم الأخلاق تابعة له ومنقادة له لدرجة أنه استقر على علوها، وأمسك بزمامها بحيث يتصرف فيها كيف يشاء (الدمشقي، فضائل القرآن، ١٤١٠: ١١٢). أو يصف الله تعالى المتقين في مشهد آخر بقوله: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة/ ٥). تشير كلمة “على” في هذه الآية إلى أن المتقين مسيطرون على طريق الحق الذي أراهم إياه الله، وملتزمون به، وكأن حالهم يُشبه بمن يستند على قمة شيء أو يجلس عليه ويملك زمام مركوبه (نفس المصدر: ١٢١). ويستطيع القراء أن ينقلوا هذا المفهوم إلى المستمع إذا كانوا على دراية بمعنى ومكانة هذه المفردات والحروف، واستخدموا ارتفاع الصوت لنقل المفهوم. وقد أولى العديد من القراء، خاصة الأساتذة المصريون، اهتمامًا لهذه النقطة وراعوها في تلاوتهم. على سبيل المثال، تلاوة الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي لسورة البقرة: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة/ ٧)، وتلاوة الشيخ مصطفى إسماعيل لسورة الحاقة، الآية ١٧: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (الحاقة/ ١٧)، حيث عرضا بجمال معنى العلو والسيطرة في حرف “على” باستخدام ارتفاع الصوت. كذلك، في الآية ١٠ من سورة ق، قام الشيخ مصطفى إسماعيل بزيادة طبقة الصوت في كلمة “باسقات” في آية ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ (ق/ ١٠)، ليصور لمخاطبه مفهوم علو النخل وشموخه. “باسقات” هي جمع كلمة “باسقة” بمعنى مرتفعة وعالية (الراغب الأصفهاني، المفردات، ١٣٨٣: ٢٦٧).
2. التصوير الصوتي لمفردات الدنو والنقصان
الكلمات التي تحمل مفهوم الطاعة والعبودية، التواضع والخضوع، القرب والدنو، المحدودية والضيق، الصمت والسكوت، اليأس والقنوط، الرجوع والعودة، الإعراض والارتداد، الضرر والخسارة، الخفاء والكتمان، الحقارة والدناءة، العجز واليأس، الهوان والذلة، الثقل والبطء، الهلاك والفناء، النقصان والتضاؤل، السكينة والطمأنينة… هي مفردات من الأفضل عرضها في التصوير الصوتي بصوت منخفض (قرار). على سبيل المثال، يصف الله تعالى الكفار بقوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ (المؤمنون/ ٦٣). “الغمرة” تعني الغفلة مع جهل شديد يحيط بصاحبه، وحرف “في” الذي يدل على الظرفية والانغماس يستدعي هنا أن قلوب الكفار قد غرقت في دوامة الغفلة والجهل بحيث لا سبيل لهم للخروج (السيد الرضي، تلخيص البيان، ١٣٣٠: ١٤١). وقد عرض القرآن هذه الحقيقة نفسها باستخدام حرف “في” في آيات أخرى، منها آية ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (البقرة/ ٩٣)، مما يحكي أن محبة عبادة العجل قد تغلغلت في أعماق قلوب اليهود، وكأن هذه المحبة والتعلق قد سُقيت لأرواحهم كشراب عذب. وكذلك حرف “في” في آية ﴿أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (هود/ ٦٢) يعبر عن حقيقة أن قوم صالح، بسبب تقليدهم الأعمى لأسلافهم، كانوا قد غرقوا في شك عميق وتردد تجاه دعوة نبيهم المنيرة. وقد استثمر الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي في تلاوة الآيات المذكورة، بخفض طبقات الصوت واستخدام طبقات القرار، في تطابق الصوت مع المفهوم وتأثير معنى الآية، وراعى ذلك جيدًا. ويمكن العثور على نظير هذا النوع من خفض طبقات الصوت واستخدام طبقات القرار في تلاوة كبار القراء. فقد راعى المرحوم الشيخ مصطفى إسماعيل في آيات ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (المطففين/ ٣) و ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ (الطارق/ ٩) محورية المعنى في التلاوة بشكل جيد. “الخسر” و”الخسران” يعنيان نقص رأس مال الحياة الذي ينسب إلى الإنسان، فيقال: خسر فلان، أي أصابه الضرر والخسارة. وأحيانًا يتعلق الخسران والضرر والضير بالعمل والفعل، فيقال: خسرت تجارته. وعن كلمة “سرائر” قيل إنها جمع “سريرة”، وهي كل ما يخفيه الإنسان في قلبه (الطباطبائي، الميزان، ١٣٧٩: ٤٣٢). وكذلك، أبدع العديد من القراء، ومنهم الشيخ محمد عبد العزيز حصان، في تلاوة آية ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (التحريم/ ١٢)، حيث جمعوا بين التلاوة الهادفة للمعنى بجمال. ذلك أن “القنوت” يعني الطاعة والعبادة مع الخضوع والتذلل، وقد فُسر أيضًا بكل من الطاعة والخضوع على حدة (نفس المصدر، ٢٥٠).
3. التصوير الصوتي لمفردات الشدة والقوة والوقع
في الآيات التي صورت مشاهد من القيامة والعذاب، يكون إيقاع الكلمات حادًا وسريعًا وقويًا، بحيث يهز أوتار قلب الإنسان، ويضرب مطرقته الثقيلة على القلب، ويخلق جوًا من الاضطراب والهيجان، مثل الآيات الأولى من سورة الحاقة والقارعة التي تندرج ضمن هذه الفئة. كلمة (الحاقة) من مصدر “حق” بمعنى الثابت والمقرر الواقعي، والمراد بها يوم القيامة الكبرى، وسميت بهذا الاسم لأنها يوم حق وثابت، لا يقبل التخلف والتردد (نفس المصدر، ٦٥٣). و”القرع” يعني ضرب شيء بشيء آخر، وضرب شيئين ببعضهما (الراغب الأصفهاني، المفردات، ١٣٨٣: ١٧٢). كلمة (قارعة) هي من أسماء يوم القيامة، وسميت بذلك لأنها تقرع السماوات والأرض بعضها ببعض، وتحولها إلى سماء وأرض أخرى، وتسير الجبال، وتطمس الشمس، وتخسف القمر، وتنثر النجوم، وتتغير كل الأشياء بقهر الله تعالى (الطباطبائي، الميزان، ١٣٧٩: ٦٥٤). بمراجعة تلاوة سورة الحاقة بصوت الشيخ مصطفى إسماعيل وسورة القارعة بصوت الشيخ عبد العزيز حصان، يتضح تمامًا تطابق اللحن البياني لهذين القارئين مع معنى الكلمتين والجو السائد في الآيات. كذلك الصورة التي يتحدث فيها الله تعالى عن التقاء ماء البحر المالح والعذب، وعن عذوبة الماء، فإنه يستخدم مفهوم الوقع والاصطدام في مفردات الآية، حيث يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ (الفرقان/ ٥٣). الماء العذب يعني الماء النقي والبارد؛ و”التعذيب” في الأصل هو إجبار الإنسان على الجوع والسهر. وقيل أيضًا إن أصله من “العذب” (الحلاوة والعذوبة)، فـ”عذبته” يعني أبعدت عنه حلاوة حياته وعذوبتها، على وزن “مرضته” و”قذيته”: (أمرضته، ووضعت القذى في عينه). وقيل أيضًا إن أصل “التعذيب” هو كثرة الضرب بالسوط (المصطفوي، التحقيق، ١٣٧١: ٢٣٦). القارئ الذي يستطيع أن يؤدي في هذه الآية صوتًا قويًا ومحكمًا، يكون في الحقيقة قد أولى اهتمامًا للتلاوة الهادفة للمعنى، كما فعل الشيخ مصطفى إسماعيل في سورة الفجر، حيث أولى هذا الموضوع اهتمامًا كاملاً وتلا الآية بصوت قوي وشديد، وفي هذه الآية يقول الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ (الفجر/ ٢٥). من النماذج الأخرى التي وضع فيها كبار القراء المصريين محورية المعنى في صدارة تلاوتهم وتركوا أثرًا معنويًا للآية في ذهن المستمع، الآية ٢٣ من سورة يوسف. يقول الله تعالى في هذه الآية: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (يوسف/ ٢٣). “الغلق” و”المغلاق” هو ما يُغلق به الشيء ويُفتح به (الراغب الأصفهاني، المفردات، ١٣٨٣: ٣٥٢). يقول العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان: “غلقت” من “التغليق”، وهو بمعنى غلق الباب بحيث لا يمكن فتحه مرة أخرى، لأن ثلاثيه المجرد يعني مجرد الغلق، وتشديد باب التفعيل يفيد المبالغة في الغلق، إما للدلالة على الكثرة أو على الإحكام (الطباطبائي، الميزان، ١٣٧٩: ١٦١). وقد استطاع الشيخ مصطفى إسماعيل، باستخدام فن التكرير، أن يصور للمخاطب كثرة الأبواب المغلقة وإحكام غلقها واحدًا تلو الآخر. فن التكرير يعني تكرار النبرة في الصوت أو في النغمة، مثل تكرار نغمة واحدة، أو تحريرة، أو زبزبة بشكل منتظم ومتجاور، مما يظهر الشدة والقوة والإحكام (نلسون، فن قراءة القرآن، ١٣٩٠: ٢٠٧).
4. التصوير الصوتي لمفردات الحركة والنشاط والاضطراب
الكلمات التي تتضمن حركة وقفزًا ونشاطًا واضطرابًا تُعرض باستخدام “التحرير”. التحرير، الذي يُعرف أيضًا بعناوين أخرى مثل الترجيع، والزقزقة، وزخارف الصوت، والعُربات، أو النبرات، هو من الخصائص التي تميز الأصوات الموسيقية (طهراني، مبادئ الموسيقى، ١٣٧٤: ٦٩). التحرير في اللغة يعني إطلاق شيء. أما في الاصطلاح الصوتي، فهو نغمة تنشأ من مرور الهواء واهتزاز الأوتار الصوتية، ويمكن أن تتخذ أشكالاً مختلفة. أثناء التحرير، يتم قطع ووصل الهواء داخل الرئة باستمرار بواسطة العضلات الصوتية (شاه ميوه اصفهاني، بحث في التجليات الموسيقية لفن التلاوة، ١٣٨٢: ٤٥). على سبيل المثال، في الآية ٦ من سورة الطارق، حيث يقول الله تعالى: ﴿خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ﴾ (الطارق/ ٦)، من الضروري أن يقوم القارئ باستخدام تحريرات سريعة لتصوير النطفة وسرعتها. “الدافق” هو الماء الذي يجري بسرعة وقوة، والمقصود هنا نطفة الإنسان (الطباطبائي، الميزان، ١٣٧٩: ٤٣١). أو في سورة الحاقة، نلاحظ سرعة وحركة الماء في كلمة “جارية”. يقول الله تعالى في هذه السورة: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ (الحاقة/ ١١-١٢). “الجري” يعني العبور، وأصله مثل سرعة وحركة الماء وكل ما يجري ويمضي على هذا النحو (الراغب الأصفهاني، المفردات، ١٣٨٣: ٣٥٦). بالتدقيق في كلمة “جارية”، يتضح أنه يجب في تلاوة هذه الآية، باستخدام رفع وخفض درجات الصوت، عرض صورة لسفينة تضربها العواصف، حيث يرتفع صدر السفينة وينخفض باستمرار في مواجهة الأمواج الهائجة، وهو ما أدركه العديد من كبار القراء وأولوه اهتمامًا كافيًا في تلاوتهم. توجد آيات كثيرة في مفهوم الحركة والنشاط، ويمكن اعتبار الآيات الأولى من سورة العاديات نموذجًا جميلاً لهذه الحركة والنشاط الحي. في هذه الآيات، تُظهر الحركات السريعة والعنيفة للخيول والفرسان ومباغتة العدو بسبب الهجوم السريع، صورة لمشهد الهجوم والحرب تتجلى في إطار الألفاظ والحركات السريعة. يقول الله تعالى في الآيات الخمس الأولى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ (العاديات/ ١-٥). إن معنى كلمات (العاديات – ضبحًا – موريات – مغيرات) جميعها يدل على السرعة والحركة السريعة والعنيفة. عبارة (مار الدم على وجهه) تعني ظهر الدم على وجهه؛ وكذلك (مور) هو الرمل الذي تهب عليه الريح (الرمل المتحرك) و(ناقة تمور) هي ناقة سريعة السير (أو موارة) (الراغب الأصفهاني، ١٣٨٣: ٢٦٧). يتلو الشيخ أحمد نعينع، مستفيدًا من معنى الكلمات المذكورة، بحماس وشغف، بحيث يتجلى هذا النشاط والحركات السريعة في تلاوته بوضوح.
الخاتمة
1. من الموضوعات المهمة في تأثير تلاوة القرآن هو استثمار علم المفردات في اللحن الإقرائي للقارئ.
2. فيما يتعلق بشروط ومتطلبات التلاوة الإقرائية، يجب القول إن كلاً من القارئ والمستمع للقرآن يحتاجان إلى فهم الآيات والمعنى، ويعتبر الاهتمام بالترجمة من أهم وأساسيات النقاط في هذا المجال.
3. إن تطابق الصوت مع معنى اللفظ في آيات القرآن من أدق المراحل وأرفع الدرجات في مسيرة تربية قارئ القرآن وتلاوته المؤثرة.
4. الكلمات التي تحمل مفهوم الغاية والنهاية، الطغيان والتجاوز، البعد والمسافة، السعة والاتساع، الدعوة والنداء، الأمل والمستقبل… هي من المفردات التي يناسبها في التصوير الصوتي ذروة الصوت وارتفاعه، ويجب عرضها كذلك.
5. الكلمات التي تحمل مفهوم الطاعة والعبودية، التواضع والخضوع، القرب والدنو، المحدودية والضيق، السكوت والصمت… هي مفردات من الأفضل في التصوير الصوتي أن تُعرض بصوت منخفض (قرار).
6. التصوير الصوتي في الكلمات التي لها مفهوم الشدة والقوة يجب أن يكون مصحوبًا بلحن بياني قوي ومرتفع.
7. الكلمات التي لها حركة ونشاط واضطراب يجب أن تُعرض باستخدام فن التحرير.
المصادر والمراجع
1. القرآن الكريم، ترجمة ناصر مكارم الشيرازي، طهران: مكتب الدراسات التاريخية والمعارف الإسلامية، 1380ش.
2. القرآن الكريم، ترجمة محمد مهدي فولادوند، طهران: مكتب الدراسات التاريخية والمعارف الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1376ش.
3. نهج البلاغة، ترجمة محمد دشتي، قم: لاهيجي، 1379ش.
4. ابن الجزري، شمس الدين محمد بن محمد، النشر في القراءات العشر، تحقيق الصبّاع، علي محمد، القاهرة: مكتبة التجارة الكبرى، 1345ق.
5. ابن خالويه، حسين بن أحمد، الحجة في القراءات السبع وعللها، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1413هـ.ق.
6. ابن منظور، لسان العرب، الطبعة الثالثة، بيروت: دار صادر، 1414ق.
7. أحمد آبادي، علي، طنين إعجاز، مشهد: آيين تربيت، 1378ش.
8. الأصفهاني، الراغب، تحقيق مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق خسروي حسيني، طهران: المكتبة المرتضوية لإحياء آثار الجعفرية، 1383ش.
9. طهراني، مهدي؛ ميرزا، إبراهيم، مباني موسيقى قرائت قرآن، طهران: رازي، 1374ش.
10. خرقاني، حسن، زيباشناسي قرآن از نگاه بديع (جماليات القرآن من منظور البديع)، مشهد: جامعة العلوم الإسلامية الرضوية، 1392ش.
11. الدمشقي، إسماعيل بن كثير، فضائل القرآن، تحقيق الكبي، بيروت: دار الفكر العربي، 1410ق.
12. الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، بيروت: مكتبة الحياة، د.ت.
13. سعيد، لبيب، التغني بالقرآن، القاهرة: دار المعارف، 1970م.
14. السيد الرضي، أبو الحسن محمد بن حسن، تلخيص البيان عن المجازات القرآن، ترجمة سيد محمد باقر سبزواري، طهران: جامعة طهران، 1330ش.
15. شاه ميوه اصفهاني، غلامرضا، پژوهشي در جلوههاي موسيقيايي هنر تلاوت (بحث في التجليات الموسيقية لفن التلاوة)، أصفهان: بوستان فدك، 1382ش.
16. الطباطبائي، محمد حسين، الميزان، ترجمة موسوي همداني، قم: دفتر انتشارات إسلامي، 1379ش.
17. الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت.
18. الطوسي، أبو جعفر محمد بن حسن، التبيان، بيروت: مطبعة النعمان، 1382ق.
19. عبد الباقي، محمد فؤاد، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، طهران: همسفر، 1386ش.
20. عزتي، علي، نغمههاي آسماني (أنغام سماوية)، طهران: عابد، 1384ش.
21. فاضلي، محمد، شيوههاي بيان قرآن كريم (أساليب البيان في القرآن الكريم)، مشهد: جامعة فردوسي، 1382ش.
22. فضلي، عبد الهادي، مقدمهاي بر تاريخ قرائات قرآن (مقدمة في تاريخ قراءات القرآن)، ترجمة سيد محمد باقر حجتي، قم: أسوة، الطبعة الثالثة، 1378ش.
23. المجلسي، محمد باقر بن محمد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، 1403ق.
24. محمد قاسمي، حميد، جلوههاي تصوير آفريني در قرآن كريم (تجليات التصوير الفني في القرآن الكريم)، طهران: شركة انتشارات علمي فرهنگي، 1387ش.
25. المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، الطبعة الثالثة، 1371ش.
26. ميرزائي، سيد أمين، الزمن الجميل: تاريخ تحليلي پيدايش فن تلاوت در مصر (الزمن الجميل: تاريخ تحليلي لنشأة فن التلاوة في مصر)، أصفهان: مهر قائم، 1388ش.
27. نقي فر، ولي الله، پژوهشي پيرامون تدبر در قرآن (بحث حول التدبر في القرآن)، طهران: انتشارات أسوة، الطبعة الثانية، 1387ش.
28. نلسون، كريستينا، هنر قرائت قرآن (فن قراءة القرآن)، ترجمة محمد رضا ستوده نيا وزهرا جان نثاري، بلا مكان: زمان نو، 1390ش.
29. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الموسوعة الفقهية، الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1408ق.
الهوامش
1. تاريخ الاستلام: 1398/04/13 وتاريخ القبول: 1398/09/09.
2. أستاذ مساعد في جامعة علوم ومعارف القرآن الكريم (الباحث المسؤول): majid.sm39@yahoo.com
3. باحث ماجستير في جامعة علوم ومعارف القرآن الكريم: Hamid.farahnaky1360@gmail.com