الملخص
تُعدّ التقية من التعاليم التي استُخدمت على مر التاريخ كحل لتحدي اختلاف الحديث. وقد كان مدى انتشارها في الروايات موضع نقاش دائم بين العلماء، حيث أولاها بعض المفكرين دوراً أكثر بروزاً. هذا التباين في وجهات النظر يثير التساؤل حول مدى تأثر تعارض الأحاديث واختلافها بتعاليم التقية، وكيف تجلى هذا التأثير في المدونات الروائية الشيعية. يقدم آية الله السيستاني، بنظرة جديدة ومبنية على مراعاة السياق التاريخي للتقية، إجابة لهذا السؤال، معتبراً أن تأثير التقية في مسألة اختلاف الحديث كان محدوداً وأن جزءاً ضئيلاً فقط من المدونات الشيعية الحالية يمكن أن يُعزى إلى التقية. يقوم هذا البحث في خطوته الأولى بتصنيف وجهات نظر سماحته في مجال الظروف التاريخية للتقية، وبناءً على ذلك، يسعى للإجابة على سؤال البحث من خلال ثلاثة أدلة: «فعلية التقية في الظروف الاضطرارية»، و«إمكانية تحديد التقية وتنقيتها عند تصنيف الكتب»، و«عدم اللجوء إلى التقية في الموضوعات المثيرة للحساسية». وفي الختام، تم نقد ومناقشة بعض هذه الأدلة. وتُظهر نتيجة هذا البحث أنه لا يمكن القبول بشكل عام بأن أصحاب أهل البيت (ع) كانوا قادرين على تمييز جميع مصاديق التقية، وعليه يجب الإذعان بأن إمكانية تنقية هذه الموارد قبل تدوينها في الكتب الحديثية لم تكن متاحة لهم.
1. طرح المسألة
التقية هي إحدى المفاهيم التي تم تناولها في أبواب مختلفة من الحديث. إن النطاق الواسع للكتب المؤلفة حول التقية، والتي يجب اعتبار بداية تأليفها في زمن أهل البيت (ع) أنفسهم، يدل على أهمية ومكانة التقية الرفيعة في التعاليم الشيعية. بدأ التأليف حول هذا المفهوم منذ زمن أصحاب الأئمة (ع) بآثار شخصيات مثل علي بن مهزيار (النجاشي، 1365هـ ش، 253)، وحسين بن سعيد الأهوازي (الطوسي، 1420هـ ق، 149)، وحسين بن يزيد النوفلي (الخوئي، 1372هـ ش، 7: 122)، ومحمد بن أورمة القمي (آقا بزرك الطهراني، بلا تاريخ، 4: 405) في زمن أهل البيت (ع) أنفسهم، واستمر مع مؤلفات مثل آثار محمد بن حسن الصفار (النجاشي، 1365هـ ش، 354) ومحمد بن مسعود العياشي (ابن النديم، بلا تاريخ، 275) في فترة الغيبة الكبرى. في العصور اللاحقة، استمرت الجهود في التأليف حول التقية بشكل منفصل، وكذلك ضمن أبواب مخصصة في كتب الحديث المتقدمة والمتأخرة مثل المحاسن (البرقي، 1371هـ ق، 1: 255)، والكافي (الكليني، 1407هـ ق، 2: 317)، والوافي (الكاشاني، 1406هـ ق، 5: 685)، ووسائل الشيعة (الحر العاملي، 1409هـ ق، 16: 203)، وبحار الأنوار (المجلسي، 1403هـ ق، 72: 393) ضمن أبواب مثل «باب التقية»، «باب الإذاعة»، «باب الكتمان» وغيرها. كما يلاحظ الاهتمام بتعاليم التقية في علمي الفقه والأصول، حيث تم ذكر التقية بشكل مباشر في بعض الآثار، ومنها رسالة في التقية (الكركي، 1409هـ ق) وأثر بنفس الاسم للشيخ الأنصاري (الأنصاري، 1411هـ ق). أو تم ذكرها ضمن أبواب فقهية-أصولية أخرى مثل كتب كشف الغطاء (كاشف الغطاء، بلا تاريخ)، ومصباح الفقيه (الهمداني، 1376هـ ش)، وبحوث في الفقه (الأصفهاني، 1409هـ ق). وفي العصر الحاضر أيضاً، حظي هذا التعليم ببحث مستقل من قبل المحققين، ومن أبرز الآثار حوله يمكن الإشارة إلى كتب مثل: “نقش تقيه در استنباط” (صفري فروشاني، 1381هـ ش)، “التقية في فقه أهل البيت” (داوري، 1426هـ ق)، “تقيه از ديدگاه مذاهب و فرقه هاى اسلامى غير شيعى” (عميدي، 1377هـ ش)؛ ورسائل وأطروحات مثل “بررسى رويكردهاى عملى فقيهان اماميه به مخالفت با عامه در باب تعارض اخبار” (علي زاده، 1397هـ ش)، و”اصل كتمان سر در مكتب امامان شيعه” (اسماعيلي، 1397هـ ش) ومقالات مثل “فرضيه اى درباره حمل روايات بر تقيه از منظر شيخ طوسى” (مددي، 1393هـ ش)، و”كاربردشناسى روايات تقيه با تمركز بر تحليل بافت موقعيتى” (شم آبادي و همكاران، 1401هـ ش)، و”تأثير موافقت با عامه در شناسايى روايات تقيه فقهى” (حمداللهي، أكبري، 1401هـ ش)، و”واكاوى دلالت قاعده مخالفت با عامه در فقه و اصول شيعه” (تسليخ و ديگران، 1398هـ ش). وحول نظريات آية الله السيستاني، نُشرت مقالة بعنوان “بازشناسى اسباب علمى و اجتماعى اختلاف روايات با تأكيد بر نوآورى هاى آيت الله سيستانى” (علوي و همكاران، 1401هـ ش). كل من الأبحاث المذكورة تناولت مسألة التقية من زاوية مختلفة عن البحث الحالي، حيث إن التركيز الأساسي في هذا البحث ينصب على المقاربات التاريخية والمبتكرة لآية الله السيستاني حول تعاليم التقية. من خلال استعراض خلفية البحث، تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من إمكانية ملاحظة مباحث واسعة حول تعاليم التقية في علوم الكلام والتاريخ والتفسير وغيرها، إلا أن أهم أثر لها يجب البحث عنه بلا شك في علوم «الحديث» و«الفقه» و«الأصول»، وبشكل خاص في مسألة اختلاف الحديث وتعارض الأدلة. سعى علماء الشيعة في دراسة روايات الأئمة (ع) واستنباط الأحكام الشرعية، بالإضافة إلى جهودهم للتأكد من صدور الرواية عن المعصومين (ع)، إلى الاهتمام بدافعهم من وراء الرواية، أي ما إذا كان المعصوم (ع) في مقام بيان الحكم الشرعي حقيقةً أم لا (الصدر، 1417هـ ق، 7: 34). وقد أدى هذا الأمر إلى أنهم في بحث تعارض روايتين صحيحي السند عن المعصوم (ع)، قاموا بالتحكيم في ظاهرة اختلاف الحديث بناءً على معيار «الموافقة والمخالفة للعامة»، فاعتبروا الرواية المخالفة للعامة غير تقوية ورجحوها على الرواية الموافقة (للمزيد من المعلومات حول معيار «مخالفة العامة» في مدونات الفقه الإمامي، انظر: علي زاده نوري و همكاران، 1393هـ ش). من بين العلماء الذين تناولوا بحث التقية في العصر المعاصر وقدموا آراء ونظرات جديدة حولها، يمكن ذكر اسم آية الله السيستاني. فقد تحدث سماحته في المجلد الرابع من مجموعة تقريرات درس خارج الأصول بقلم السيد هاشم الهاشمي، ضمن مبحث اختلاف الحديث، بشكل مفصل حول تعاليم التقية. ومن وجهة نظره، فإن التقية وفقاً لروايات أهل البيت (ع) تعني: «الإفتاء بما يوافق العامة وإن كان مخالفاً للواقع» (السيستاني، بلا تاريخ، 257). منذ زمن صدور الروايات القائمة على التقية واهتمام العلماء بها، كان من التحديات الأساسية بين علماء الشيعة تحديد مدى تأثير التقية على ظاهرة اختلاف الحديث، وبالتالي مدى تسرب الروايات التقوية إلى كتب الشيعة الروائية.
2. الظروف التاريخية لنشأة التقية
تبعًا لهذه القضية، أدت المسألة الحالية إلى ظهور إجابات عديدة ومختلفة بين العلماء عبر العصور المختلفة. في هذا البحث، يُحاول الاعتماد على آراء آية الله السيستاني، والاستفادة من دور الظروف التاريخية في الإجابة على هذا السؤال، وتقديم إجابة مستدلة على التحدي المذكور. في الخطوة الأولى من هذا البحث، سيتم تصنيف هذه الظروف، ثم بناءً على ذلك، سيتم التطرق إلى دراسة مدى تأثير تعاليم التقية في ظاهرة اختلاف الحديث، وتنقيح أدلتها، وكذلك وفرة الروايات الصادرة تقيةً في كتب الشيعة. وفي نهاية البحث، سيتم تقديم بعض التأملات حول الأدلة المطروحة.
1-2. الظروف الفكرية لنشأة التقية
لا شك أن الظروف الفكرية للناس في عصر الأئمة (ع) كانت تتسم باتساع وتعقيد كبيرين. من بين هذه العوامل الفكرية المؤثرة والمرتبطة بالتقية، يمكن الإشارة إلى الدور البارز لعاملين. العامل الأول هو خطاب «سر أهل البيت، الكتمان أو الإذاعة». وقد تشكل هذا الخطاب بسبب التأكيد الشديد للأئمة (ع) على حفظ الأسرار وعدم إفشاء أحاديثهم للآخرين (البرقي، 1371هـ ش، 1: 105؛ الكليني، 1407هـ ق، 2: 371). وتصل أهمية هذا الخطاب إلى حد أنه عندما يعرب أبو بصير للإمام الصادق (ع) عن استيائه من عدم إخباره بأخبار المستقبل كما فعل الإمام علي (ع) لأصحابه، يجيبه الإمام قائلاً: «ائتني بحديث واحد قلته لك وكتمته». يقول أبو بصير: «فوالله ما وجدت حديثاً كتمته، بل أخبرت به الجميع» (الصفار، 1404هـ ق، 1: 261). يُطلق مصطلح «سر أهل البيت» على التعاليم التي لا يمكن الاستدلال عليها بوضوح من خلال الآيات الواضحة الدلالة أو الأحاديث والسنة المتواترة ذات المدلول الواضح والتي نقلها العامة أنفسهم (السيستاني، بلا تاريخ، 262). وبهذا التوضيح، إذا كانت مسألة ما تُفهم بوضوح من آيات القرآن أو كانت هناك أحاديث وسنة متواترة تؤيدها من قبل العامة أنفسهم، فلا حاجة لممارسة التقية فيها. وبناءً على هذه المسألة، أكد الإمام الباقر (ع) بوضوح أنه لا يمارس التقية في ثلاثة أمور: شرب المسكرات، والمسح على الخفين، ومتعة الحج (الطوسي، 1390هـ ش، 1: 76). والعامل المهم الآخر في الظروف الفكرية المرتبطة بالتقية هو نوع كلام الأئمة (ع) في بيان الأحكام الترخيصية، والتساهل في أمر الفتوى، وعدم التصريح بجميع جوانبها؛ إذ كانت هذه الأنواع من الأحكام ذريعة للغلاة والملحدين والمبيحين لينسبوا آراءهم إلى الأئمة (ع) والشيعة. كما كان الخلفاء وأعداء الأئمة (ع) ينشرون هذه الادعاءات بهدف تشويه سمعة الأئمة (ع)، وهو أمر كان الأئمة (ع) يخشونه كثيراً (السيستاني، بلا تاريخ، 267). وقد تبرأ الأئمة (ع) صراحة من هؤلاء الأفراد (المامقاني، بلا تاريخ، 3: 236)، وكانوا يبذلون أقصى درجات الدقة في نشر تعاليمهم. في رواية عن محمد بن مروان، جاء أنه أتى الإمام الصادق (ع) وطرح سؤالاً فامتنع الإمام عن الإجابة. ثم قال: «رحم الله أبا جعفر (ع)، فما كنت أسأله عن شيء إلا أجابني». فقال الإمام الصادق (ع): «رحمه الله، أقسم بالله أن أبي كان يقول دائماً: يا بني! أقسم بالله أن أهل العراق قد سلبوني النوم في فراشي». ثم أضاف: «يا محمد! ما بينك وبين الله يكفيك» (الكاظمي التستري، بلا تاريخ، 67). هذه السلوكيات أصبحت منظمة وجماعية في الأزمان اللاحقة. ربما يمكن اعتبار القرامطة، كإحدى فرق الإسماعيلية، مثالاً لافتاً لهذه الجماعات التي حاولت في فترة ما بعد الأئمة (ع) الاستفادة من منزلتهم ومكانتهم الاجتماعية من خلال الانتساب إليهم، وتبرير أعمالهم الإلحادية وغير الشرعية العلنية. وقد بلغ قبح هذه الأفعال حداً دفع حتى قادة الإسماعيلية إلى إعلان براءتهم منهم (ابن خلكان، 1900م، 2: 149). (لمشاهدة أفعال فرقة القرامطة مثل مذبحة حجاج بيت الله وسرقة الحجر الأسود؛ انظر: ابن الأثير، 1417هـ ق، 6: 742).
2-2. الظروف الاجتماعية لنشأة التقية
بما أن التقية قد حدثت في سياق وقائع وأحداث اجتماعية، فإن دراستها وتحليلها يمكن أن تلعب دوراً مهماً في الفهم الدقيق لهذا التعليم. في السياق الاجتماعي، تتشكل الهويات على أساس حس التقابل بين الأفراد والجماعات والتيارات الاجتماعية، وتتميز عن الآخرين. وهذه التيارات والجماعات لا تنشأ بالضرورة على أساس مجموعة من المعتقدات المختلفة والواعية، بل إن تشكلها غالباً ما يكون نتيجة لأسباب غير واعية مثل الخصومة وسوء الفهم وسوء التعبير والحسد وغيرها (غرامي، 1391هـ ش، 64-65). مع الأخذ في الاعتبار هذه المقدمة التي تفيد في تحليل العلاقات بين المجتمع الإمامي والعامي في عصر الأئمة (ع) وفي دراسة المجتمع العامي نفسه، هناك مسألتان مهمتان في الحديث عن الظروف الاجتماعية لنشأة التقية تجدر الإشارة إليهما.
1-2-2. المكانة العلمية الرفيعة للأئمة (ع) في أذهان العامة
المسألة الأولى التي يجب الانتباه إليها هي السمات التي عرف بها المجتمع العامي الأئمة (ع) في فترة حياتهم، والصورة الاجتماعية التي كانت لديهم عنهم. يبدو أن المكانة الرفيعة للأئمة (ع) كشخصيات بارزة من آل النبي الأكرم (ص)، والذين كانوا يتمتعون بمستويات عالية من العلم والإيمان، كانت من أهم الأمور التي جذبت انتباه المجتمع العامي إليهم وأدت إلى زيادة التواصل بين النسيج الاجتماعي لكلا الطرفين. في حالات متعددة – خاصة في فترة الصادقين (ع) حيث توفرت الأرضية لطرح المباحث العلمية وتوسيعها – يُلاحظ أن السائلين من العامة كانوا يسألون الإمام (ع) باعتباره أهم شخصية علمية في عصره (أبو زهرة، بلا تاريخ (أ)، 66). وبما أن صورتهم الذهنية عن الإمام (ع) كانت مرتبطة بمكانته العلمية، كان من الضروري أن يجيبهم الإمام (ع) في هذه الحالات وفقاً لفتاوى العامة وما يطلبه السائل – وليس وفقاً لفتواه الحقيقية – بالإضافة إلى أن بيان الفتوى الحقيقية في هذه الحالات كان عديم الفائدة، لأن الشخص بسبب عدم اعتقاده بمكانة الإمام، لم يكن ليتبع فتواه الواقعية. هذا الأسلوب لم يكن مقتصراً على الأئمة (ع)، بل كان أصحابهم يستفيدون منه أيضاً، ويمكن رؤية مثال على ذلك في الإجابات المتعددة لأبان بن تغلب على السائلين (الكشي، 1409هـ ق، 330). بالإضافة إلى ذلك، كانت الظروف السائدة في مجتمع ذلك الزمان واختلاط المسلمين، على نحو يجبر الإمام (ع) على أن يصدر فتوى غير واقعية حتى في حضور شخص عامي أو شخص متعصب لآراء فقهاء العامة – على الرغم من أن السائل كان من الشيعة – وشاهد ذلك يلاحظ في رواية عن زرارة الذي كان دائماً يأتي لخدمة الإمام الباقر (ع) بين صلاتي الظهر والعصر؛ والسبب في ذلك هو أنه لم يكن يرغب في طرح أسئلته إلا في أوقات الخلوة مع الإمام (ع) لئلا يضطر الإمام إلى الإفتاء تقيةً بسبب حضور الآخرين (الكليني، 1407هـ ق، 7: 94؛ الطوسي، 1407هـ ق، 9: 271). السؤال الذي يطرح نفسه هو: ألم تسبب مثل هذه الإجابات اختلاط الفتاوى الحقيقية وغير الحقيقية وبالتالي تعارضاً في الأدلة وحيرة للمحدثين والرواة الإماميين؟ يجيب آية الله السيستاني على هذا السؤال بالنفي ويعتقد أن فقهاء الشيعة لم يكونوا يقبلون نقل شخص عامي عن أهل البيت (ع) دون تحقيق وتفحص من الإمام (ع)؛ لذلك، كانت هذه الفتاوى تُفصل وتُميز عن بعضها البعض (السيستاني، بلا تاريخ، 261).
2-2-2. الاختلافات بين الجماعات والتيارات الاجتماعية
المسألة المهمة الأخرى في دراسة الظروف الاجتماعية هي الانتباه إلى الاختلاف بين الجماعات والتيارات الاجتماعية في ذلك العصر. تُظهر البيانات التاريخية أن هذه الاختلافات كانت موجودة على جميع مستويات المجتمع. ومن الأمثلة المناسبة على التقارير التاريخية التي تصف الوضع الاجتماعي لأهم مدن العالم الإسلامي في القرن الثاني الهجري، تقرير الشافعي في كتاب الأم، الذي يوضح بشكل جيد الاصطفافات الاجتماعية في تلك الفترة إلى جانب وصفه للوضع العلمي في عصره. يقول: «لم نجد مدينة إلا وفيها جماعة، بسبب اختلاف الرأي، يمنعون الآخرين من الفقه ولا يجيزون لبعضهم البعض الفتوى. فبعض أهل مكة كانوا أتباع عطاء، وبعضهم أتباع زنجي بن خالد، وبعضهم كانوا يتبنون آراء سعيد بن سالم، ولم يكن أتباع هذه الجماعات يقصرون في تضعيف بعضهم البعض واتهامهم. وفي المدينة، كانت جماعة تتبع سعيد بن المسيب، وجماعة تفضل قول مالك، في حين كان البعض يبالغ في تضعيف آرائه. وفي الكوفة، كان البعض يميل إلى قول ابن أبي ليلى وينتقدون آراء أبي يوسف. وكانت جماعة تتبنى آراء الثوري وجماعة تتبنى آراء الحسن بن صالح». ويضيف الشافعي في نهاية كلامه: «سمعت أن بعض الأفراد أثناء الفتوى كانوا يقسمون بالله أن فلاناً لا يستحق الفتوى بسبب نقص عقله أو جهله» (الشافعي، 1403هـ ق، 7: 294-295). هذه المواجهات والاختلافات الاجتماعية في ذلك الزمان كانت تتجاوز هذا الحد لتصل إلى درجة الافتراء والطعن. على سبيل المثال، شخصية معروفة مثل أبي حنيفة تعرضت للاتهام والتكذيب من قبل الجماعات المنافسة لدرجة أن الخطيب البغدادي خصص فصلاً كاملاً من كتابه لمطاعنه (الخطيب البغدادي، 1422هـ ق، 15: 445)؛ وهو وضع كان موجوداً في زمن أهل البيت (ع) ليس فقط داخل أفراد المجتمع الشيعي بل بين أفراد الجماعة الإمامية نفسها (لمزيد من المعلومات حول التنوعات المختلفة لهذه التيارات والعلاقات بينها، انظر: پاكتچي، 1380هـ ش، 10، تحت مدخل «إمامية»). في مثل هذه الظروف، كانت طريقة الأئمة (ع)، خاصة في فترة الصادقين (ع)، هي الابتعاد عن التواصل مع أولئك الذين اشتهروا بالطعن وإغواء الناس، ليتمكنوا من أداء دورهم في نشر الأحكام وتربية الناس، ولذلك كانوا يمنعون أصحابهم من التواصل مع هؤلاء الأفراد. في رواية أبي بصير عن الإمام الصادق (ع)، جاء أنه طلب منه أحاديث كثيرة. فأجابه الإمام، مذكراً إياه بضرورة إخفاء حديثه: «ما قلته لأصحابك فلا بأس به، إنما الإفشاء أن تقوله لغير أصحابك» (البرقي، 1371هـ ش، 1: 258). هذه المسألة تدل بوضوح على أن الأئمة (ع) كانوا قلقين من أن يشتهروا بشكل غير لائق بين العوام، فيتعرضوا لهجوم من المعاندين والمتعصبين.
3-2. الظروف السياسية لنشأة التقية
أحد الموضوعات ذات الأهمية الكبيرة في دراسة تعاليم التقية هو عواقب تجاهل الحكومات القائمة ومسألة الحفاظ على حياة الأئمة (ع) والشيعة. كان الأئمة (ع) – باستثناء سنوات محدودة – تحت رقابة شديدة من قبل الحكام، وهذا الأمر كان يهدد حياتهم وحياة الشيعة. ولهذا السبب، يجب البحث عن أحد أهم أدلة تقية الأئمة (ع) في الحفاظ على حياة الأصحاب والرواة (طقوش، 1391هـ ش، 194؛ وهو نفسه، 1389هـ ش، 67). وبما أن الشيعة في زمن أهل البيت (ع) كانوا أيضاً تحت رقابة حكومة ذلك الوقت، وأحياناً لم يكونوا على علم بوضعهم وموقعهم الخطر، فقد كان الأئمة (ع) في مثل هذه الحالات يمتنعون عن بيان الحكم الواقعي حتى لا تنكشف علاقة الفرد بالإمام (ع) ولا يتعرض للأذى والتعذيب من قبل الحكومة. وبالطبع، بعد زوال الظروف الاضطرارية، كان الإمام (ع) يبين الحكم الواقعي. هذه المسألة التي حدثت في نصوص مختلفة، كانت تسبب تصوراً بأن الإمام قد قال قولين متعارضين، وهذا كان يؤدي إلى تعارض في الأدلة (السيستاني، بلا تاريخ، 260). النقطة المهمة هي أن هذه المراقبة كانت تتم على مستويين، عام وخاص. المستوى العام يتعلق بالحالات التي يكون فيها عمل ما غير معروف لدى العامة، ويؤدي القيام به إلى شهرة عامة للشيعة. في مثل هذه الحالات، كان الأئمة (ع) يمنعون الشيعة من ارتكابه بإصدار أمر عام. ويمكن ملاحظة مثال على هذه المسألة في أمر الإمام الصادق (ع) في رسالة إلى أصحابه، حيث طلب منهم لمنع الشهرة بين الناس، أن يرفعوا أيديهم مرة واحدة فقط عند تكبيرة الإحرام (الكليني، 1407هـ ق، 8: 401). والمستوى الخاص هو عندما يذكر الإمام (ع) نقاطاً محددة للحفاظ على حياة بعض أفراد الشيعة. ويمكن رؤية مثال على هذه المسألة في رواية عن داود بن زربي حول غسل أعضاء الوضوء ثلاث مرات في مدينة بغداد أمام جنود المنصور (الكشي، 1409هـ ق، 312؛ الطوسي، 1407هـ ق، 1: 71)، ورواية مشابهة عن علي بن يقطين (المجلسي، 1403هـ ق، 77: 286)، وكذلك رواية حول تركة ابنة شخص أوصى بها لسلمة بن محرز (الكليني، 1407هـ ق، 7: 86). سبب هذه المسائل هو كشف ومضايقة الشيعة من قبل الحكومة من خلال الأفعال والأحكام التي يختلف فيها الشيعة عن العامة. كانت الظروف السياسية في ذلك العصر على نحو يجعل الأئمة (ع) أحياناً في مواجهة مباشرة مع الحكومة. في مثل هذه الظروف، كانوا يمتنعون عن بيان فتاواهم الحقيقية حتى انتهاء حالة الاضطرار. ومن الأمثلة البارزة على ذلك، مسألة أكل ما يصطاده البازي والشاهين، حيث أجاز الإمام الباقر (ع) ذلك بسبب ولع خلفاء بني أمية بأكل صيد هذين الحيوانين. أما الإمام الصادق (ع) فقال عنه: «ليس اليوم بأس، ولا نتقي، فما صاده البازي والشاهين فلا نأكله» (الكليني، 1407هـ ق، 6: 207). أداء طواف القران في حضور الوالي من قبل الإمام الباقر (ع) مع علمه بعدم جوازه (الطوسي، 1407هـ ق، 5: 115)، وسكوت الإمام الصادق (ع) عن تحديد يوم عيد الفطر وقبول أمر السفاح بإفطار شهر رمضان (الكليني، 1407هـ ق، 4: 83)، وكذلك إحرامه من منطقة ذات عرق – رغم عدم جوازه – بسبب حضور بعض شخصيات الحكومة العباسية (الكليني، 1407هـ ق، 4: 442) هي أمثلة أخرى على هذه المسألة. وتجدر الإشارة إلى أنه في فترة إمامة الأئمة (ع)، لم تكن حكومات ذلك الوقت تسمح حتى لبعض كبار العامة بإصدار الفتاوى بحرية، وكانوا يعانون من ذلك. جاء في أحوال مالك بن أنس أنه أفتى عام 146هـ بأن الطلاق عن إكراه غير صحيح (ابن فرحون، بلا تاريخ، 1: 130). وفقاً لهذه الفتوى، فإن أي معاملة – بما في ذلك البيعة للخليفة – عن إكراه تعتبر باطلة، وهذا الأمر وفر أرضية مناسبة لقيام محمد النفس الزكية على المنصور. ولهذا السبب، تم القبض على مالك أيضاً وضُرب بشدة (الذهبي، 1405هـ ق، 8: 80). في هذه الفترة، نشأت ظروف مشابهة لأبي حنيفة أيضاً أمام الحكومة؛ إذ مع بداية الانقسام بين العباسيين والعلويين، مال أبو حنيفة نحو العلويين ودعم ثوراتهم مثل ثورة النفس الزكية وإبراهيم في العراق، مما أثار استياء المنصور بشدة. حتى عندما رفض أبو حنيفة بعض أحكام ابن أبي ليلى، مُنع من الإفتاء لفترة وتعرض للأذى والتعذيب (أبو زهرة، بلا تاريخ (ب)، 352). من خلال دراسة ومعرفة السياق التاريخي للتقية، يمكن التوصل إلى نقاط ستساعد في تقديم تحليل صحيح لتعاليم التقية. أولاً، أن التقية لم تكن بالضرورة تمارس أمام الأفراد غير الإماميين، بل كان الأئمة (ع) يبينون حقائق الأمور ويتجنبون إظهار الحقيقة بالكامل، اعتماداً على ظروف المخاطب ومدى فهمه لتعاليم الشيعة. ثانياً، لا ينبغي اعتبار المجتمع العامي مجتمعاً متجانساً ومتفقاً في الرأي، والتصور بأن الأئمة (ع) والشيعة كانوا في مواجهة مع مجتمع منسجم. فالمجتمع العامي في تلك الفترة كان يضم جماعات متعددة ذات ميول فكرية واجتماعية متنوعة، وكانت في كثير من الحالات تعاني من عدم التجانس والتقابل. بالإضافة إلى ذلك، لم تكن عداوة الحكومة مقتصرة على الشيعة فقط، بل في حالات ملحوظة وبناءً على فترات تاريخية، كان النسيج الاجتماعي وعلماء العامة أيضاً غير متوافقين مع الحكام وغير راضين عن سياساتهم.
3. مدى تأثير التقية في تشكيل الروايات المتعارضة
مع توضيح السياق التاريخي للتقية، يمكننا الآن التطرق إلى هذا الجانب من البحث، وهو مدى تأثير هذا التعليم في ظهور اختلاف الحديث بين الروايات الشيعية، وكيف استوعبت الكتب الشيعية هذه الروايات. ينقسم العلماء في الإجابة على هذا السؤال إلى فئتين. يرى البعض في أحد الطرفين أن للتقية تأثيراً واسعاً في ظاهرة اختلاف الحديث، ويعتقدون أن معظم، بل ربما كل، الاختلافات في الروايات ناتجة عن التقية، وبالتالي يعتبرون التقية أقوى مرجح بين الأخبار بعد عرض الروايات على القرآن. يعتقد الشيخ يوسف البحراني في مقدمة كتابه الحدائق الناضرة بهذا الرأي، ويرى أنه بعد عرض الأخبار على القرآن الكريم، تكون التقية أقوى معيار لترجيح الأخبار، وأن كل الاختلافات بين أخبار الشيعة ناتجة عن التقية (البحراني، 1363هـ ش، 1: 8). من ناحية أخرى، هناك شخصيات مثل الشيخ الأنصاري الذين، من خلال إبراز دور العوامل الأخرى، قللوا من تأثير التقية في اختلاف الحديث، ويعتقدون أن السبب الرئيسي في بحث اختلاف الحديث يجب أن يُعزى إلى كثرة إرادة خلاف الظاهر في بيانات الأئمة (ع)، حيث إن ظواهر مثل خفاء القرائن المتصلة بسبب تقطيع الأخبار، والنقل بالمعنى، وخفاء القرائن المنفصلة الحالية، وضياع القرائن المقالية، والتورية، وغيرها، قد حدثت في الروايات، والتقية ليست سوى عامل واحد في ظاهرة اختلاف الحديث (الأنصاري، 1416هـ ق، 2: 810). (لمزيد من الدراسة حول آراء المحقق البحراني والشيخ الأنصاري بشأن مدى تأثير التقية، انظر: مرشدلو و همكاران، 1400هـ ش، 11-40؛ نصرتي و همكاران، 1400هـ ش، 180-159). وتجدر الإشارة إلى أنه قبل ذلك، تحدث عدد من العلماء حول هذا الموضوع. على سبيل المثال، يشير الشيخ المفيد إلى عدم التأثير الواسع للتقية في مسألة اختلاف الحديث، ويرى أن معظم الثقات والعلماء لم ينقلوا الروايات الناتجة عن التقية ولم يعملوا بها، وأن الشكاكين وأعداء المذاهب هم فقط من نقلوا هذا النوع من الأحاديث، على الرغم من أن هذه المسألة لا تتعلق بالروايات المتواترة بل بالروايات الشاذة (المفيد، 1413هـ ق، 48؛ كاظمي تستري، بلا تاريخ، 191). كما يضيف الشيخ الكليني في مقدمة كتاب الكافي بعد حديثه عن «أخذ مخالف العامة» كأحد طرق تشخيص اختلاف الحديث: «بهذه الطريقة، لا يمكننا تشخيص سوى القليل من الروايات التي أصابها الاختلاف» (الكليني، 1407هـ ق، 1: 7). النقطة المهمة هنا هي أن حمل الرواية الموافقة للعامة عند تعارض خبرين دون دراسة رأي العامة من الناحية الزمنية والمكانية مع الحديث الموافق، هو عمل خاطئ. إذ من الممكن أن يكون ذلك الرأي قد تشكل في زمن لاحق أو في مكان غير مرتبط بالأئمة (ع). ولهذا، من المستحيل مثلاً أن يكون الإمام الصادق (ع) قد مارس التقية من فتاوى فقهاء مثل الشافعي (150-204هـ) أو أحمد بن حنبل (164-241هـ) الذين ولدوا بعده، أو مالك بن أنس (93-179هـ) الذي ارتبطت شهرته وبروزه بأواخر حياة الصادقين (ع) وبعدها. من ناحية أخرى، قد يكون فقيه مثل الأوزاعي (88-157هـ) يعيش في أرض أخرى مثل الشام، ولم يكن له أي تأثير في أداء الأئمة (ع) ليتقوا منه. وأحياناً، قد لا يتمتع الفقيه المعني بالشهرة والاعتبار الكافيين لدى الناس أو الحكومة حتى يتقي منه الأئمة (ع) بمكانتهم الرفيعة (السيستاني، بلا تاريخ، 275 و 281).
4. أدلة عدم تأثير التقية في اختلاف الحديث
واجه بعض المعاصرين مثل آية الله السيستاني السؤال حول مدى تأثير التقية في ظاهرة اختلاف الحديث وتدوينها في كتب الحديث، فمالوا إلى رأي مفاده أنه لا ينبغي اعتبار التقية عاملاً رئيسياً في الظاهرة المذكورة، وبالتالي فإن كتب الحديث الموجودة خالية من مثل هذه الروايات. من خلال دراسة آرائهم، يمكن ذكر ثلاثة أسباب رئيسية لهذا الرأي على النحو التالي:
1-4. مراعاة السياقات الاضطرارية لفعلية التقية
كون التقية دائمة أو مؤقتة هو من الموضوعات المهمة التي طُرحت في تطبيق التقية في سيرة الأئمة (ع). إن الانتباه إلى هذه النقطة مهم لأن استمرار الظروف التقوية وعدم إمكانية التواصل المباشر والصحيح والحر مع المخاطبين، يمكن أن يعرض حياة جماعة اجتماعية للخطر. لذلك، من الصحيح أن التقية لم تستخدم إلا في حالات الضرورة، وهذه النقطة مؤكدة في روايات المعصومين (ع). فقد اعتبر الإمام الرضا (ع) في رواية، أن الاستثناء الوحيد من اتباعه لحلال وحرام النبي الأكرم (ص) هو الخوف والضرورة، فقال: «وَ لَا تَأْمُرُ بِخِلَافِ مَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) إِلَّا لِعِلَّةٍ خَوْفِ ضَرُورَةً» (الصدوق، 1378هـ ش، 2: 21). كما اعتبر الإمام الباقر (ع) التقية صحيحة فقط في الظروف الاضطرارية، فقال: «التَّقية فِي كُلِّ شَيْءٍ يَضْطَرُّ إِلَيْهِ ابْنُ آدَمَ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ» (الكليني، 1407هـ ق، 2: 220). وفي حديث آخر، اعتبر الإمام الصادق (ع) أن الاستخدام الواسع للتقية يسبب فساد الدين وينقضه. يقول (ع): «… وَ مَعَ ذَلِكَ يَنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ كانَ لَيْسَ مِمَّا يُمكنُ أَنْ تَكُونَ التَّقِيةُ فِي مِثْلِهِ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ لِلتَّقِيةِ مَوَاضِعَ مَنْ أَزَالَهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا لَمْ تَسْتَقِمْ لَهُ … فَكُلُّ شَيْءٍ يَعْمَلُ الْمُؤْمِنُ بَينَهُمْ لِمَكَانِ التَّقِيةِ مِمَّا لَا يُؤَدِّى إِلَى الْفَسَادِ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ» (الكليني، 1407هـ ق، 2: 168). لذلك، يجب الانتباه إلى أن حمل الحديث الموافق للعامة على التقية لمجرد وجود مخالفة لهم في عصر صدور الحديث، ليس صحيحاً. وإذا أمكن الاستفادة من طرق بديلة مثل السكوت أو التورية، فإن موضوع استخدام التقية ينتفي أساساً. ومثال على هذا الأمر رواية معاذ بن مسلم عن الإمام الصادق (ع) في هذا المجال. يقول له الإمام: «سمعت أنك تجلس في المسجد الجامع وتفتي للناس!». يؤكد معاذ كلام الإمام ويسأل: أنا أجلس في المسجد، فيأتيني شخص ويسأل عن مسألة، فإذا علمت أن اعتقاده مخالف لكم، أجبته بفتوى العامة، وأحياناً يأتي شخص أعلم أنه يحبكم ويودكم فأبين له روايتكم، وأحياناً يأتي شخص لا أعرف من أي طائفة هو فأجيبه بأن فلاناً قال كذا وفلاناً روى كذا، وأدرج كلامكم بين الإجابات. فقال له الإمام (ع): «اصنع كذلك فإني كذلك أصنع» (الحر العاملي، 1409هـ ق، 27: 148؛ الكشي، 1409هـ ق، 253). في هذه الرواية، أجاب معاذ على سؤال المخاطب دون الحاجة إلى الإفتاء على أساس التقية (السيستاني، بلا تاريخ، 276). بهذا التوضيح، يمكن إدراك أنه بطبيعة الحال، عندما كانت الظروف الخاصة والاضطرارية للتقية تنتهي، كان الأئمة (ع) يبينون حقيقة الأمر للناس. أحياناً كانت هذه الظروف الخاصة بسبب الحفاظ على حياة السائل، أو وجود عدد من غير الشيعة في مكان السؤال، أو رقابة وضغط الحكومة، وغيرها، والتي مع زوال المانع وتوفر الظروف المساعدة، كان الأئمة (ع) يكشفون عن الحكم الواقعي للشيعة. الروايات التي كان الإمام (ع) يجيب فيها بناءً على مذهب السائل، تخرج أساساً من نطاق بحث التقية، لأنه لا يمكن اعتبار هذه الحالات من الروايات الشيعية، وكان اهتمام الثقات والأصحاب الخاصين للأئمة (ع) سبباً في أنهم لم يعتبروا هذا النوع من الفتاوى من فتاوى الإمام الحقيقية (السيستاني، بلا تاريخ، 284).
2-4. إمكانية تحديد التقية وتنقيحها عند التصنيف
تُظهر دراسة تاريخ الحديث الشيعي أن الأئمة (ع) خلال حياتهم قاموا بتربية عدد كبير من التلاميذ وعلموهم الأصول والمبادئ الدينية لكي يتمكنوا هم أيضاً من نقل تعاليم أهل البيت (ع) إلى الآخرين. هذه التعاليم كانت سبباً في تمكينهم من تحديد الأحاديث الصادرة تقيةً والامتناع عن نقلها إلى الآخرين. لذلك، إذا شوهدت فتاوى تقوية بين تعاليم الأئمة (ع)، فإن رواة هذه الفئة من الروايات ليسوا من التلاميذ الموثوقين للأئمة (ع)، بل هم أفراد قليلو الاطلاع، ضعيفو الإيمان، أو أحياناً أعداء أهل البيت. ومن الأمثلة البارزة على هذه المسألة ما يمكن ملاحظته في رواية سلمة بن محرز حول ميراث البنت الوحيدة. في هذه الرواية، وبناءً على نقل كتاب التهذيب، جاء: «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مُحْرِزِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): رَجُلٌ مَاتَ وَ لَهُ عِنْدِي مَالٌ وَ لَهُ ابْنَةٌ وَلَهُ مَوَالِي فَقَالَ لِي اذْهَبْ فَأَعْطِ الْبِنْتَ النِّصْفَ وَ أَمْسِك عَن الْبَاقِي فَلَمَّا جِئْتُ أَخْبَرْتُ بِذَلِک أَصْحَابَنَا فَقَالُوا أَعْطَاكَ مِنْ جِرَابِ النُّورَةِ. قَالَ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ إِنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا أَعْطَاك مِنْ جِرَابِ النُّورَةِ. قَالَ فَقَالَ مَا أَعْطَيتُكَ مِنْ جِرَابِ النُّورَةِ عَلِمَ بِهَذَا أَحَدٌ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَاذْهَبْ فَأَعْطِ الْبِنْتَ الْبَاقِى». يقول سلمة بن محرز: سألت الإمام الصادق (ع) عن كيفية تقسيم مال شخص متوفى، ماله عندي وله ابنة واحدة وعدة موالٍ. فقال: اذهب وأعطِ الابنة النصف، وأمسك الباقي عندك. عندما عدت إلى أصحابنا، أخبرتهم بحكم الإمام، فقالوا: إن الإمام لم يخبرك بالحقيقة. فرجعت إليه وقلت: أصحابنا يقولون كذا. فقال الإمام: لم أخفِ عنك الحقيقة؛ هل علم أحد بهذا الحكم؟ قلت: لا. قال: فاذهب وأعطِ الابنة الباقي (الطوسي، 1407هـ ق، 9: 332). هذه الرواية نُقلت في كتاب الكافي (الكليني، 1407هـ ق، 7: 86) بسند مختلف وتفاصيل أكثر من قول سلمة، حيث استُبدلت كلمة «أصحابنا» بـ«زرارة» وتعبير «أَعْطَاكَ مِنْ جِرَابِ النُّورَة» بـ«اتقاك». هذا الاختلاف في التعبير يوضح أنه عندما طرح سلمة حكم الإمام (ع) على أصحابه، عبر زرارة عن فهمه لكلام الإمام (ع) بتعبير «جِرَابِ النُّورَة»1. هذه الإجابة تدل على أن الأصحاب كانوا يستطيعون في مواجهة حكم تقوي أن يميزوه فوراً بناءً على مبادئ تعلموها مسبقاً. من انتشار وشيوع عبارة «أَعْطَاكَ مِنْ جِرَابِ النُّورَة» أو عبارات ذات معنى مشابه، مثل «أَعْطَاكَ مِنْ عَيْنٍ كَدِرَة» (الحر العاملي، 1409هـ ق، 13: 124)، يُفهم أنه حتى عامة الشيعة كانوا يميزون الروايات التقوية، ولم يكن أحد ينقل روايات تقوية لأهل البيت (ع) التي كانوا فيها مضطرين لمسايرة المخالفين، مدح الخلفاء، وما إلى ذلك، إلا الأفراد غير المطلعين أو أولئك الذين قصدوا تخريب التشيع. وضمنياً، عرض وقراءة الروايات والأحاديث على كبار الأصحاب وفقهاء الإمامية مثل زرارة وهشام بن الحكم وغيرهم (لأمثلة، انظر: الكليني، 1407هـ ق، 7: 91؛ المجلسي، 1403هـ ق، 10: 296) كان سبباً في تنقيح الروايات التقوية وعدم دخولها في الكتب الحديثية المعتبرة. كذلك، عندما كانت الأخبار المتعارضة المنقولة عن الصادقين (ع) تُعرض على الأئمة المتأخرين مثل الإمام الجواد (ع)، والإمام الهادي (ع)، وحضرة الحجة (عج)، ويُسألون عن حل للتعارض بين روايتين، لم يذكروا أن إحدى الروايتين صدرت تقيةً كحل للمشكلة. بالطبع، لا ينبغي فهم هذه التوضيحات بمعنى نفي وجود حالات قليلة من الروايات التقوية، ولكن وجود مثل هذه الروايات لا يعني أنه إذا كانت رواية ما موافقة لرأي بين آراء العامة، تُحمل على التقية (السيستاني، بلا تاريخ، 179).
3-4. عدم التقية في الموضوعات المثيرة للحساسية
إذا قارنا الادعاء المتعلق بتطبيق التقية في الأحكام الجزئية والفرعية مع الحجم الكبير من الأحاديث الموجودة في موضوعات مثل فضائل ومقامات الأئمة المعنوية (ع)، وفضيلة زيارتهم، وفضيلة مسجد الكوفة، وماء الفرات، وخلق الشيعة من نور أهل البيت (ع)، والخمس والأنفال التي تخص الأئمة (ع)، ومطاعن الأعداء والخلفاء، وغيرها من قبل الأئمة (ع)، ندرك أن التقية لم تحدث في الموضوعات ذات الحساسية العالية. هذه الفئة من الروايات بُينت دون خشية أو خوف من جانب الأئمة (ع) ودخلت في كتب الشيعة. ومن البديهي أنه لو كان الأمر مبنياً على التقية، لكانت هذه الروايات أولى بها، لأن العامة كانوا أكثر حساسية تجاهها أو أنها كانت تتعارض مع معتقداتهم. هذه المسألة تزداد أهمية عندما نجد أنه حتى في كتب الشيعة – مثل بصائر الدرجات والكافي – توجد روايات كثيرة حول مقامات أهل البيت (ع) لم يتحمل عدد من شيعة أهل قم قبولها، ومع ذلك دخلت هذه الروايات دون تقية في كتب الشيعة (للمزيد من المعلومات حول الوضع العقائدي للشيعة في مدينتي قم وبغداد، انظر: نيومن، 1386هـ ش، بالكامل). هذه المسألة لا تقتصر فقط على الروايات ذات الموضوعات العالية، لأن الأئمة (ع) كانوا يتخذون موقفاً شديداً ويعلنون مخالفتهم صراحة للمبادئ الفكرية الخاطئة للعامة التي كان يمكن أن تسفر عن نتائج مدمرة في المجتمع الإسلامي. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى النقد الشديد للإمام الصادق (ع) لاستخدام الرأي والقياس من قبل أبي حنيفة. قد يتصور أن الإمام (ع) كان يمارس التقية في مثل هذا المجال المثير للحساسية ولم يعارض صراحة رأي أحد كبار العامة، ولكن يُلاحظ أنه لم يكن لديه أي تساهل أو خوف في تفنيد مبادئه الفكرية. بالإضافة إلى ذلك، يُلاحظ في كتب الحديث الشيعية أن هناك روايات كثيرة قد بُينت حول أحكام تتعارض مع أحكام فقه العامة، ومن أمثلتها عدم جواز المسح على الخفين (الكليني، 1407هـ ق، 6: 415؛ الصدوق، 1413هـ ق، 1: 48)، وبطلان العول2 (الكليني، 1407هـ ق، 7: 80-28؛ الصدوق، 1413هـ ق، 6: 254-260)، وبطلان التعصيب3 (الكليني، 1407هـ ق، 7: 75؛ الطوسي، 1407هـ ق، 9: 248-268) وغيرها، حيث لا يُلاحظ في هذه الحالات أي أثر للتقية. حتى في الحالات التي وردت في روايات الشيعة دون وجود أي خوف، حول أحكام تعتبر قبيحة وشنيعة لدى العامة، ولكن القول بجوازها موجود بين الشيعة، تم الحديث عنها، ومن بين هذه الحالات يمكن الإشارة إلى الوطء في الدبر، حيث بيّن الإمام الصادق (ع) جوازه بشكل خفي (الطوسي، 1390هـ ش، 3: 243). بهذه التوضيحات، لا يمكن بسهولة قبول ادعاء تطبيق التقية في المسائل الفرعية والجزئية التي يختلف فيها العامة أنفسهم، وهذا في حين أن المسائل المبدئية والأحكام التي تحظى باهتمام واهتمام العامة، قد وصلت إلينا دون تقية (السيستاني، بلا تاريخ، 281). بناءً على الأدلة المطروحة، يمكن القول إن فقهاء ومحدثي الشيعة قد استفادوا من طرق متنوعة لكتابة وتنقيح وتدوين أصولهم وكتبهم الحديثية من الروايات التقوية والمتعارضة. لذلك، لا ينبغي اعتبار الأحاديث المدونة في الكتب الروائية صادرة تقيةً إلا في حالات نادرة.
5. تأمل في بعض الأدلة التي قدمها آية الله السيستاني
من خلال دراسة آراء آية الله السيستاني، يمكن فهم أن أحد أهدافه في تقديم بحث التقية هو مواجهة التطبيق غير العلمي وغير المنضبط لها. إن التأكيد الشديد على ضرورة دراسة الظروف الزمنية والتاريخية لفتاوى الأئمة (ع) والعامة بشكل صحيح للتمسك بتعاليم التقية في رفع تعارض الأدلة، هو دليل على النقطة المذكورة. مع ذلك، يبدو أن النقاط التي طرحها سماحته في تحقيق هذا الهدف المهم، والتي تستند إلى فرضيتين أساسيتين، قابلة للنقد إلى حد ما؛ الفرضيتان اللتان قيل فيهما إن أولاً، أصحاب الأئمة (ع) الخاصين وحتى عامة الشيعة كانوا يعرفون الروايات الصادرة تقيةً، وثانياً، أنهم بعد مرحلة المعرفة، قاموا بتصفية كتبهم الروائية منها. حول الفرضية الأولى، يجب أخذ نقطتين في الاعتبار. أولاً، من هو المقصود بالأصحاب الخاصين للمعصومين (ع)، وما هو المعيار لتمييز هؤلاء الأفراد. هل المقصود بهؤلاء الأفراد أصحاب الإجماع، أو النجباء الأربعة، أو الأفراد الخاصين الذين أيدهم أهل البيت (ع) مثل زرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، وأبي بصير المرادي، وبريد بن معاوية، وغيرهم (الحر العاملي، 1409هـ ق، 27: 142)؟ أم المقصود شخصيات مثل السكوني العامي المذهب الذي يُعد من الرواة المكثرين عن أهل البيت (ع)؟ كذلك، كون الشخص خاصاً من الناحية الزمنية أمر غير محدد، إذ من الممكن أن لا يكون شخص ما من الأصحاب الخاصين لإمام معين، ولكنه يُحسب من الأصحاب الخاصين لإمام آخر، ومن بين هؤلاء الأفراد يمكن الإشارة إلى عبد الله بن بكير الشيباني الفطحي المذهب أو سماعة بن مهران الواقفي المذهب (النجاشي، 1365هـ ش، 193؛ الطوسي، 1420هـ ق، 304). إن كيفية الإجابة على هذه الأسئلة يمكن أن تغير بشكل كلي توجه الباحث في موضوع التحقيق، في حين لم يرد حديث عن هذه الحالات في كلمات آية الله السيستاني. النقطة الثانية هي أنه على الرغم من إمكانية القبول بشكل عام بأن الأصحاب الخاصين للأئمة (ع) كانوا مطلعين على المذهب الفقهي لأئمتهم، إلا أنه لا يمكن القول إنهم كانوا يميزون جميع حالات التقية؛ لأننا في كتب الفقه نصادف حالات كثيرة من الروايات التقوية أو المحمولة على التقية من قبل هؤلاء الكبار. يمكن مشاهدة أمثلة من هذا النوع في أحاديث رواة بارزين مثل زرارة، ومحمد بن مسلم، وابن أبي عمير، وغيرهم، حيث تمت الإشارة إلى حالات منها. على سبيل المثال، على الرغم من أنه يجب اعتبار محمد بن مسلم أحد أبرز تلاميذ الأئمة (ع)، إلا أنه في رواية عنه حول أيام النفاس، نُقلت عدة فترات زمنية مثل سبعة عشر يوماً، وثمانية عشر يوماً إلى خمسين يوماً، وهذا التفاوت الكبير في تحديد الأيام يحكي عن عدم اطلاعه على كون الروايات تقوية (الحر العاملي، 1409هـ ق، 2: 386-387). فيما يتعلق بعبارة «جراب النورة» في رواية زرارة في القسم السابق من هذه المقالة، يجب القول إن إجابته تحكي عن عدم تشخيص التقية؛ لأنه في تلك الرواية، لم يبيّن الإمام الحكم بالكامل لسلمة بن محرز، ولهذا السبب يصرّح له قائلاً: «ما تقيتك»؛ وهو ما لم يدركه زرارة. وفي مثال آخر، سأل شخص الإمام الباقر (ع) عن الصلاة في مسجد غير شيعي في مكان سكنهم. فأجابه الإمام ضمن توضيحات: «لَا تَدَع الصَّلَاةَ مَعَهُمْ وَ خَلْفَ كلَّ إِمَامِ». بعد خروج هذا الفرد، سأل زرارة الذي تعجب من كلام الإمام: «لو لم يكونوا مؤمنين (=شيعة) فكيف؟» فأجاب الإمام بضحكة: «مَا أَرَاكَ بَعْدُ إِلَّا هَاهُنَا يَا زُرَارَةُ» ثم أوضح له الإجابة الحقيقية (الكليني، 1407هـ ق، 3: 372؛ الحر العاملي، 1372هـ ش، 8: 300). يوضح آية الله السيستاني نفسه أن قصد الإمام من هذه العبارة هو أنه لم ينتبه إلى الجانب الخفي من كلامه، وهذا هو سبب ضحكة الإمام (السيستاني، بلا تاريخ، 337). كذلك، بمناسبة موضوع آخر، يشير آية الله السيستاني في حديثه عن إتمام الصلاة أو قصرها في المشاهد الأربعة واختلاف الأخبار في هذا الموضوع إلى رواية أيوب بن نوح في جوابه لسعد بن عبد الله الذي قال: «أَنَا أُقَصِّرُ وَ كانَ صَفْوَانُ يَقَصِّرُ وَ ابْنُ أَبِي عُمَيْرٍ وَ جَمِيعُ أَصْحَابِنَا يَقَصِّرُون» (ابن قولويه، 1356هـ ش، 248) إلى أنه على الرغم من ورود أسماء كبار مثل صفوان وابن أبي عمير وغيرهم من الأصحاب، إلا أن معظم الأصحاب في هذا الحكم لم تكن لديهم القدرة على إدراك وفهم الفرق بين الأماكن الأربعة – خاصة حرم الإمام علي (ع) والإمام الحسين (ع) – وبقية الأماكن في مسألة الصلاة (السيستاني، بلا تاريخ، 327). بهذه التوضيحات، يمكن فهم أنه ليس فقط الأصحاب الخاصون للمعصومين (ع)، بل بطريق أولى، لم يكن بمقدور عامة الشيعة تشخيص الكثير من حالات التقية. ولهذا السبب، بادروا في أحاديث كثيرة إلى نقل هذه الروايات كأحكام واقعية للأئمة (ع). في توضيح النقطة الثانية حول عدم تدوين الروايات الصادرة تقيةً في كتب الحديث، يجب أولاً الإشارة إلى مقدمة، وهي أن علماء كتب الشيعة يستخدمون مصطلح «الأصل» و«المصنف» للإشارة إلى الكتب الروائية الأولى للشيعة. الأصل يعني كراسات أصحاب الأئمة (ع) التي سمعها الفرد بنفسه مباشرة أو بواسطة واحدة من المعصوم، والمصنف هو كتاب قام الفرد في تأليفه بالنقل من كتب أخرى (لمزيد من المعلومات، انظر: آقا بزرك الطهراني، بلا تاريخ، 2: 125). عند تدوين الجوامع الروائية مثل الكتب الأربعة، دخلت روايات الأصول والمصنفات الأولية في أبواب مختلفة من هذه الجوامع وتم التدوين على أساسها. لذلك، يجب اعتبار الكتب الأربعة صورة مصغرة عن هذه الكتب، ومع وجود روايات تقوية في هذه الكتب، خاصة التهذيبين، يمكن استنتاج أن أصول ومصنفات أصحاب الأئمة (ع) الأولية لم تُصفَّ من هذه الروايات أيضاً (صفري فروشاني، 1381هـ ش، 315). مجموعة هذه الشواهد توصلنا إلى نتيجة مفادها أنه ليس فقط الأصحاب الخاصون لم يميزوا جميع حالات التقية في الروايات، بل إنهم لم يقوموا بتنقية مثل هذه الحالات من أصولهم ومصنفاتهم الأولية أيضاً.
6. الاستنتاج
في هذا البحث، تم السعي للإجابة على سؤال حول مدى تأثر ظاهرة اختلاف الحديث بتعاليم التقية، وبناءً على ذلك، ما هو حجم هذه الروايات التي دخلت في كتب الحديث الشيعية، وذلك بالاستناد إلى الظروف التاريخية للتقية. بالجهود المبذولة في هذا البحث، تم التوصل إلى النتائج التالية:
1- ثلاثة مجالات، فكرية واجتماعية وسياسية، هي من بين الظروف الرئيسية التي أدت إلى نشوء التقية. من وجهة نظر آية الله السيستاني، فإن أهم مسألة مرتبطة بالتقية في البعد الفكري هي حماية ورعاية التلاميذ من «سر» أهل البيت (ع) وتفاوت مستوى فهمهم في تلقي تعاليم الأئمة (ع). وقد استخدم الأئمة (ع) أساليب مثل «عدم بيان الأحكام الترخيصية» لمنع الاستغلال المحتمل من قبل الغلاة والملحدين والمبيحين.
2- في البعد الاجتماعي، كانت مسألة عدم الانسجام في المجتمع العامي تجاه الشيعة، وكذلك تفاعلات هذين المجتمعين مع بعضهما البعض بسبب أسئلتهم من أهل البيت (ع) ذات أهمية. إجابة الأئمة (ع) لهم كانت تستند فقط إلى مذهب السائل؛ لأنه لم يكن يتوقع إجابة خارج إطاره الفكري، ومثل هذه الإجابة كان يمكنها، بسبب اتساع النظرة وحرية الفكر وسعة علم الأئمة (ع)، أن ترفع من مكانتهم الاجتماعية في المجتمع.
3- التشدد والحساسيات الحكومية هي من بين الظروف السياسية المرتبطة بالتقية واختلاف الحديث في نظر آية الله السيستاني. المسألة ذات الأهمية في هذا القسم هي حماية الإمام (ع) لنفسه ولشيعته، والتي كانت تحدث أحياناً بشكل عام وأحياناً بشكل خاص حول شخص معين. إن تصور التعاون أو التعاطف من قبل الحكومة مع العلماء والنسيج الاجتماعي العامي هو تصور خاطئ، حيث إن الحكام في فترات مختلفة كانوا يفرضون رقابة شديدة عليهم.
4- من وجهة نظر آية الله السيستاني، يستند عدم التأثير الواسع لتعاليم التقية على ظاهرة اختلاف الحديث، وكذلك عدم وجود حجم كبير من هذه الروايات ضمن أحاديث الشيعة، إلى ثلاثة أدلة أساسية: فعلية التقية في الظروف الاضطرارية؛ إمكانية تحديد التقية سواء للأصحاب الخاصين أو لعامة الشيعة؛ عدم التقية في الموضوعات المثيرة للحساسية مثل بيان مقامات وفضائل أهل البيت (ع)، وتفنيد المبادئ الفكرية الخاطئة للعامة، وغيرها.
5- الإشكال الرئيسي على رأي آية الله السيستاني هو أنه ليس فقط عامة الشيعة، بل حتى الأصحاب الخاصون للمعصومين (ع)، لم تكن لديهم إمكانية تشخيص الروايات التقوية. كذلك، بالنظر إلى أن المجامع الروائية الأولية هي تمثيل للأصول والمصنفات المتقدمة للإمامية، ومع الأخذ في الاعتبار الحجم الكبير للتقية في الكتب المذكورة، يمكن استنتاج أن كتابات الأصحاب الخاصين للأئمة (ع) لم تُنقح من الروايات التقوية.
الهوامش
1. «جراب النورة» في اللغة يعني الكيس أو القربة التي تحتوي على دواء النظافة (ابن منظور، 1414هـ ق، 1: 259؛ 5: 224)، وفي الاصطلاح يعني ممارسة التقية وعدم بيان الحقيقة (المجلسي، 1406هـ ق، 15: 330).
2. «العول» في اللغة له معنيان: الزيادة والنقصان، وفي الاصطلاح هو زيادة سهام الورثة عن أصل التركة؛ بحيث يدخل النقصان على سهام جميع الورثة بنسبة سهامهم. يُستخدم هذا الاصطلاح في باب الميراث. من وجهة نظر فقهاء الإمامية، العول باطل، وفي حالة زيادة السهام، يقع النقص فقط على بعض الورثة المعينين وليس جميعهم. في المقابل، يعتبره العامة صحيحاً ويجعلون النقصان شاملاً لجميع الورثة بنسبة سهامهم (الهاشمي الشاهرودي، 1382هـ ش، 5: 515).
3. «التعصيب» في اللغة يعني التقوية، وهو من نفس جذر كلمة «عصبة» التي تعني أقارب الأب الذكور. في الاصطلاح، يُطلق على طريقة خاصة لتقسيم الميراث حيث يكون مجموع سهام الورثة أقل من مجموع التركة، ونتيجة لذلك، بعد إخراج سهام الورثة الذين لهم نصيب معين من التركة (أصحاب الفروض)، يتبقى جزء من التركة. في مثل هذه الحالة، يعطي فقهاء أهل السنة ما تبقى من التركة لأقارب الميت الذكور من جهة الأب (العصبة) دون مراعاة الطبقة والدرجة. من وجهة نظر فقهاء الإمامية، التعصيب باطل (الشهركاني، 1430هـ ق، 672-678).
المصادر
آقا بزرك الطهراني، محمد محسن، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، بيروت، دار الأضواء، بلا تاريخ.
ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ، تصحيح: عمر عبد السلام تدمري، بيروت، دار الكتاب العربي، 1417هـ ق.
ابن خلكان، أحمد بن محمد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تصحيح: إحسان عباس، بيروت، دار الصادر، 1900م.
ابن فرحون، إبراهيم بن علي، الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، تصحيح: محمد أحمدي، القاهرة، دار التراث، بلا تاريخ.
ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات، تصحيح: عبد الحسين أميني، النجف، المطبعة المرتضوية، 1356هـ ق.
ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار الصادر، 1414هـ ق.
ابن النديم، محمد بن إسحاق، الفهرست لابن النديم، بيروت، دار المعرفة، بلا تاريخ.
أبو زهرة، محمد، الإمام الصادق (حياته وعصره، آراؤه وفقهه)، القاهرة، دار الفكر العربي، بلا تاريخ (أ).
_______، تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهية، القاهرة، دار الفكر العربي، بلا تاريخ (ب).
إسماعيلي، مريم، أصل كتمان السر في مكتب أئمة الشيعة، قم، جامعة الأديان والمذاهب الإسلامية، 1397هـ ش.
الأصفهاني، محمد حسين، بحوث في الفقه، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1409هـ ق.
الأنصاري، مرتضى، رسالة في التقية، قم، دار الذخائر، 1411هـ ق.
_______، فرائد الأصول، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1416هـ ق.
البحراني، يوسف بن أحمد، الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1363هـ ق.
البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن، تصحيح: جلال الدين محدث، قم، دار الكتب الإسلامية، 1371هـ ش.
پاكتچي، أحمد، «إمامية»، دائرة المعارف بزرگ إسلامي، طهران، مركز دائرة المعارف بزرگ إسلامي، 1380هـ ش.
تسليخ، محسن، أبو الفضل عليشاهي قلعه جوقي، بي بي زينب حسيني وعبد الله بهمن پوري، “استكشاف دلالة قاعدة مخالفة العامة في الفقه وأصول الشيعة”، پژوهشهاي فقهي 15، (1398 4): 573-599. doi:10.22059/JORR.2019.222781.1007538.
الحر العاملي، محمد بن حسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تصحيح: محمد رضا حسيني جلالي، قم، مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، 1409هـ ق.
_______، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تصحيح: جمع من المؤلفين، طهران، مكتبة الإسلامية، 1372هـ ش.
حمداللهي، عارف وندا أكبري، “تأثير موافقة العامة في تحديد الروايات التقوية الفقهية”، دراسات الفقه الإسلامي ومبادئ الحقوق 46 (1401): 167-192. doi:10.22034/FVH.2021.11724.1442.
الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، تاريخ بغداد، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1422هـ ق.
الخوئي، السيد أبو القاسم، معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، بدون مكان، بدون ناشر، 1372هـ ق.
الداوري، مسلم، التقية في فقه أهل البيت، قم، دار الهدى، 1426هـ ق.
الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، تصحيح: الشيخ شعيب الأرناؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1405هـ ق.
السيستاني، السيد علي، تعارض الأدلة واختلاف الحديث، بدون مكان، بدون ناشر، بلا تاريخ.
الشافعي، محمد بن إدريس، الأم، بيروت، دار الفكر، 1403هـ ق.
شم آبادي، مرضية، بي بي زينب حسيني وعليه رضاداد، “تأريخ روايات إخفاء السر ودور الغلاة فيه”، دراسات فهم الحديث 7، 14 (1400): 93-116. doi: 10.30479/mfh.2021.2335.
_______، “دراسة تطبيقية لروايات التقية بالتركيز على تحليل السياق الموقفي”، كتاب قيم 27 (1401): 237-258. doi:10.30512/KQ.2022.17538.3250.
الشهركاني، إبراهيم إسماعيل، معجم المصطلحات الفقهية، قم، ذوي القربى، 1430هـ ق.
الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول، محمود هاشمي شاهرودي، قم، مؤسسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي، 1417هـ ق.
الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا (ع)، تصحيح: مهدي لاجوردي، طهران، جهان، 1378هـ ش.
_______، من لا يحضره الفقيه، تصحيح: علي أكبر غفاري، قم، دفتر انتشارات إسلامي التابع لجامعة المدرسين بالحوزة العلمية بقم، 1413هـ ق.
الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات، تصحيح: محسن بن عباس علي كوچه باغي، قم، مكتبة آية الله مرعشي نجفي (ره)، 1404هـ ق.
صفري فروشاني، نعمة الله، نقش التقية في الاستنباط، قم، بوستان كتاب، 1381هـ ش.
طقوش، محمد سهيل، دولة الأمويين، ترجمة: حجة الله جودكي، قم، پژوهشگاه الحوزة والجامعة، 1391هـ ش.
_______، دولة العباسيين، ترجمة: حجة الله جودكي، قم، پژوهشگاه الحوزة والجامعة، 1389هـ ش.
الطوسي، محمد بن حسن، الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، تصحيح: حسن موسوي خرسان، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1390هـ ش.
_______، تهذيب الأحكام، تصحيح: حسن موسوي خرسان، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1407هـ ق.
_______، فهرست كتب الشيعة وأصولهم وأسماء المصنفين وأصحاب الأصول، تصحيح: عبد العزيز طباطبائي، قم، مكتبة محقق طباطبائي، 1420هـ ق.
علوي، عبير، سعيد منصوري، السيد محمد علي أيازي والسيد مجتبى ميردامادي، “إعادة دراسة الأسباب العلمية والاجتماعية لاختلاف الروايات مع التأكيد على ابتكارات آية الله السيستاني”، دراسات فهم الحديث 8، 16 (1401): 33-51. doi:10.30479/mfh.2022.2582.
علي زاده نوري، عطية، محمد تقي فخلعي وحسين صابري، “نظرة تاريخية تحليلية إلى مرجحية مخالفة العامة في مدونات الفقه الإمامي وتأملات فيه”، كاوشي نو در فقه، 3 (1393): 65-92.
علي زاده، عطية، دراسة المناهج العملية لفقهاء الإمامية في مخالفة العامة في باب تعارض الأخبار، مشهد، جامعة فردوسي، 1397هـ ش.
عميدي، ثامر هاشم، التقية من وجهة نظر المذاهب والفرق الإسلامية غير الشيعية، مشهد، بنياد پژوهشهاي إسلامي آستان قدس رضوي، 1377هـ ش.
الكاشاني، محمد محسن، الوافي، أصفهان، مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي (ع)، 1406هـ ق.
كاشف الغطاء، جعفر، كشف الغطاء، أصفهان، مهدوي، بلا تاريخ.
الكاظمي التستري، أسد الله بن إسماعيل، كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع، بدون مكان، بدون ناشر، بلا تاريخ.
الكركي، علي بن حسين، رسالة في التقية، قم، مكتبة آية الله مرعشي نجفي، 1409هـ ق.
الكشي، محمد بن عمر، اختيار معرفة الرجال – رجال الكشي، تصحيح: حسن مصطفوي، مشهد، جامعة مشهد، 1409هـ ق.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تصحيح: علي أكبر غفاري ومحمد آخوندي، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1407هـ ق.
غرامي، محمد هادي، أولى العلاقات الفكرية للتشيع، طهران، جامعة الإمام الصادق (ع)، 1391هـ ش.
المامقاني، عبد الله، تنقيح المقال في علم الرجال، النجف، مطبعة المرتضوية، بلا تاريخ.
المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403هـ ق.
_______، ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار، تصحيح: مهدي رجائي ومحمود مرعشي، قم، مكتبة عمومي حضرة آية الله مرعشي نجفي (ره)، 1406هـ ق.
مددي الموسوي، السيد محمد كاظم، “فرضية حول حمل الروايات على التقية من وجهة نظر الشيخ الطوسي”، فقه 21، 81 (1393): 93-111.
مرشدلو، رضا، محمد علي رضائي كرماني وحسن نقي زاده، “دراسة نظرية المحدث البحراني حول الدور الأقصى للتقية في تعارض الأخبار”، پژوهشهاي أصولي، 29 (1400): 10-40.
المفيد، محمد بن محمد، جوابات أهل الموصل في العدد والرؤية، قم: مؤتمر ألفية الشيخ المفيد العالمي، 1413هـ ق.
النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، تصحيح: موسى شبيري زنجاني، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1365هـ ش.
نصرتي، علي، محمد حسن قاسمي، وسيد أبو القاسم حسيني زيدي، “استكشاف طرق رفع تعارض الأخبار من وجهة نظر الشيخ الأنصاري”، آموزههاي حديثي 9 (1400): 159-180. doi:10.30513/HD.2022.3131.1122.
نيومن، أندرو، فترة تشكل التشيع الاثني عشري: الخطاب الحديثي بين قم وبغداد، قم، شيعه شناسي، 1386هـ ش.
هاشمي شاهرودي، محمود، فرهنگ فقه مطابق مذهب أهل بيت عليهم السلام، قم، مؤسسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي على مذهب أهل بيت (ع)، 1382هـ ش.
الهمداني، رضا، مصباح الفقيه، قم، المؤسسة الجعفرية لإحياء التراث، 1376هـ ش.