الملخص
تُعدّ مسألة الاجتهاد من أبرز الموضوعات المطروحة في بيان أسباب اختلاف القراءات، وهي ما يُعرَف باجتهاد القرّاء والصحابة. وقد تطرّق إلى بيان هذه المسألة أعلامٌ كآية الله الخوئي وآية الله معرفت. تتناول هذه المقالة، المكتوبة بالمنهج الوصفي التحليلي، دراسة أدلة الموافقين والمخالفين لمسألة الاجتهاد في اختلاف القراءات. إنّ العمدة في دليل الموافقين هو إعمال أذواق الصحابة والقراء، والذي يُعدّ من أهم العوامل المؤثرة في اختلاف القراءات المذكورة؛ بينما يرى المخالفون أن القراءات مستندة إلى السماع والرواية، وقد بيّنوا أن الاجتهاد في القراءة قد اختلط بمفهوم الاختيار في القراءة. ولكن، بالرجوع إلى تاريخ القراءات يتضح وجود الاجتهاد في القراءة، وأن هذه الاجتهادات لم تصدر إلا عن أفراد قلائل غير معروفين لم يعبأ بهم غالبية المسلمين.
المقدمة
من المسلّم به أنّ قراءة القرآن الكريم قد أصابتها الاختلافات منذ النصف الثاني من القرن الهجري الأول، وقد اكتسبت هذه الاختلافات الطفيفة، بعد فترة وجيزة من بدايتها، صبغة رسمية في عرف المسلمين كظاهرة لا مفر منها، واستمرت إلى يومنا هذا. وها نحن اليوم، بعد مضي أربعة عشر قرنًا على نزول القرآن، نشهد استمرار وجود تلك الاختلافات في القراءات. بالطبع، وُضِع حجر الأساس لتحديد القراءات من خلال توحيد المصاحف المعتبرة والمنضبطة. والسؤال الرئيس والبالغ الأهمية هو: ما هو العامل أو العوامل التي أدت إلى ظهور هذه الاختلافات؟ مع العلم بأن القرآن كتاب واحد منزل من إله واحد على البشرية، يرى بعض العلماء المسلمين، ومنهم آية الله الخوئي وآية الله معرفت، أن آراء واجتهادات القراء والصحابة الشخصية تعد من أكبر عوامل الاختلاف في قراءات القرآن. فقد كان لبعض القراء والصحابة آراء في القراءة يعتقدون بها، وربما كانوا يتمسكون بها بشدة وعناد، وإن خالفت الرأي العام وآراء أهل التحقيق. في هذه المقالة، نسعى إلى دراسة دور الاجتهاد في اختلاف القراءات لتتضح آراء الموافقين والمخالفين في هذا المجال. يُذكر أن عوامل اختلاف القراءات قد تم بحثها في عدة مقالات، منها مقال ‘عوامل اختلاف قراءات القرآن الكريم’ لإبراهيم كلانتري، مجلة بينات (مؤسسة المعارف الإسلامية للإمام الرضا)، ربيع 1377 – العدد 17؛ و’عوامل نشأة اختلاف القراءات’ لعلي نصيري، مجلة بينات (مؤسسة المعارف الإسلامية للإمام الرضا)، صيف 1379 – العدد 26، وغيرها من الحالات المشابهة؛ إلا أن العنوان المذكور يمثل فكرة جديدة للكاتب في هذا الخصوص، حيث إن الميزة الأساسية التي تميزه عن سائر المقالات المكتوبة هي هذه النقطة.
دراسة مفهوم الاجتهاد
لفظة ‘الاجتهاد’ لغةً تعني بذل الطاقة (ابن منظور، لسان العرب، 1414: 432) وبذل الجهد (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، 1368: 2/ 128)؛ وفي الاصطلاح، ذُكرت لها تعاريف مختلفة بين فقهاء الشيعة وأهل السنة، حيث عرّفها البعض بأنها ‘بذل أقصى الجهد لتحصيل الظن بالحكم الشرعي’ (مجموعة من المؤلفين، موسوعة الفقه الإسلامي، 1381: 3/ 5؛ رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم، 1293: 5 / 204)؛ وعرّفها البعض الآخر بأنها ‘تحصيل الحجة على الحكم الشرعي أو تعيين الوظيفة العملية’ (واعظ الحسيني، مصباح الأصول، 1380: 3/ 434). تُستخدم لفظة الاجتهاد في سياقات متعددة؛ ومنها الاستخدام الفقهي الذي يُطلق على ملكة استنباط الحكم الشرعي والقدرة على ذلك، وفي مباحث علوم القرآن يُطلق على الآراء الشخصية للقراء والصحابة في قراءة القرآن ‘اجتهاد القراء والصحابة’؛ لأنهم كانوا يعملون بآرائهم وأفكارهم الشخصية ويمارسون أذواقهم في مختلف المجالات من قراءة ونحو ولغة وتفسير وغيرها، وهو ما لا ينبغي الخلط بينه وبين ‘الاختيار’ في القراءة؛ فالاختيار في القراءة يعني الحرف والوجه الذي يختاره القارئ وينتقيه من بين ما رُوي له، ويبذل في سبيل انتقائه اجتهاده ومساعيه (فضلي، القراءات القرآنية، 1405: 138). ورغم أن هذه الظاهرة كانت قليلة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) بسبب بداية التشريع ونزول الآيات وعدم انشغال المسلمين بالمسائل الجديدة والمستجدات والفروع، ولم تكن هناك مجالات جديدة لتعليل وبيان الأحكام الاجتهادية، إلا أنه لا يمكن إغفال وجود آثار وبوادر أولية للاجتهاد في زمن التشريع والنبي (صلى الله عليه وآله) نفسه، وهو ما كان يُلاحظ حتى بين القراء والصحابة، وأدى إلى اختلاف في القراءات. وكان هذا يحدث في حين أن قراءة النبي (صلى الله عليه وآله) كانت تُنقل بين المسلمين مشافهةً، مما قلل من إمكانية الخطأ إلى الحد الأدنى.
القائلون بالاجتهاد في اختلاف القراءات
لقد اعتبر العلماء عوامل مختلفة مؤثرة في اختلاف القراءات، ولكن هل وضعوا دور الاجتهاد في الأولوية من حيث التأثير، أم في مراتب لاحقة، أم أنكروا دوره في اختلاف القراءات؟ هذا سؤال يشغل بال المفكرين. يرى السيوطي: ‘أن جماعة من المتكلمين ذهبوا إلى جواز القراءة بالرأي والاجتهاد فيما يصح في العربية ويوافق قواعدها، وإن لم يثبت أن النبي (صلى الله عليه وآله) قرأ به؛ ولكن أهل الحق ومن ينطقون بالصدق والصواب لا يقبلون هذا الرأي، بل يردونه وينكرونه ويخطئون القائلين به’ (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1421: 1/ 78). كما يعتبر الزركشي الاجتهاد من أسباب اختلاف القراءات (الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1410: 1/ 334-336). ويقول الفقيه الهمداني: ‘العلة المهمة للقراءات هي الاجتهاد ورأي القراء’ (الهمداني النجفي، مصباح الفقيه، 1374: 274). ومن المعاصرين، يرى آية الله الخوئي أن القراءات – على الأرجح – هي نتاج اجتهاد وآراء القراء أنفسهم؛ وكذلك إبراهيم أبياري الذي يعتبر القراءات صراحةً ‘اجتهاد القراء’. كما يرى العلامة معرفت أن اجتهاد القراء هو أكبر عامل في اختلاف القراءات. والجدير بالذكر أن هذه العوامل، على الرغم من الاختلافات في بعض الكتب، إلا أن المشترك بينها في بعض الكتب التي تناولت هذا البحث هو دور الاجتهاد في اختلاف القراءات، والنقطة المهمة هي أن هذا البحث من المواضيع الهامة في تأثير اختلاف القراءات.
أقسام الاجتهاد وأنواعه
إن فكرة أن اختلاف القراءات مستند إلى اجتهاد القراء والصحابة قد طرحها آية الله الخوئي (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، 1387: 151)؛ ثم وسعها آية الله معرفت؛ إذ يعتقد أن الاجتهاد هو أكبر عامل في اختلاف القراءات (معرفت، تلخيص التمهيد، 1428: 2/ 31)؛ وفيما يلي بيان لأقسام هذا الاجتهاد.
١. الاجتهادات الشخصية للصحابة
إن انفتاح باب الاجتهاد وعدم الالتفات إلى كون النص القرآني توقيفيًا، كان عاملاً أدى إلى بروز الاختلاف في قراءة القرآن الكريم. فالاجتهاد في كلمات القرآن كان شائعًا منذ البداية بين بعض الصحابة، واستمر هذا الأمر في العصور المتأخرة. وهناك روايات في هذا الخصوص تؤيد هذا الموضوع بشكل كامل. ‘قال السيوطي بتفسير: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ (البقرة/106): أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابنه في المصاحف والنسائي وابن جرير وابن منذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص، أنّه قرأ: ‘ما ننسخ من آية أو ننساها’، فقيل له: إن سعيد ابن المسيب يقرأ: ننسها، فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب، قال الله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ﴾ (الأعلى/6) و﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (الكهف/24)’ (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1421: 1/ 104-105). يظهر الاجتهاد والقياس في تغيير لفظ القرآن الكريم في الرواية أعلاه بشكل صريح. ويقول العلامة معرفت في توضيح هذه الرواية: إن سعد بن أبي وقاص قرأ كلمة ‘ننسها’ في آية ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ (البقرة/106)، ‘نَنْسَأها’ وفي رواية أخرى ‘نَنْسَها’. فقيل له إن سعيد بن المسيب يقرأها ‘أو نُنسِها’ كما يقرأها المشهور. فأجاب: إن القرآن لم ينزل على المسيب وابنه، بل نزل على محمد (صلى الله عليه وآله) وهي ‘نَنْسَأها’ نزلت عليه. ثم استند في قراءته إلى هاتين الآيتين: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (الأعلى/6-7) و﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (الكهف/24) حيث جاء الفعل في كلتا الحالتين من الثلاثي المجرد. إن قراءة سعد هذه مجرد تعصب في مقابل القراءة المشهورة (معرفت، تلخيص التمهيد، 1428: 2/ 39). ويقول العلامة العسكري في توضيح هذه الرواية: ‘من الحديث المذكور، ندرك أن أصل الاجتهاد المنسوب إلى الصحابة يكمن في تحريف كلمة (ننسها) إلى (ننساها)، واستخدام (تنسى) و(نسيت) في آيتين أخريين وقياس هذه الحالة عليهما’. وتتجلى هذه الاجتهادات الشخصية وتبعاتها في الأجيال التالية في الرواية الآتية: روي أن كلاً من أم المؤمنين عائشة والخليفة عثمان قرآ الآية ‘إن هذان لساحران’ بصيغة ‘إن هذين لساحران’، وتبعهما في ذلك الحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وغيرهم من التابعين والقراء، وعيسى بن عمرو وعاصم وغيرهم من العلماء، فاجتهدوا على هذا النحو (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 1415: 11/ 216). ويمكن من خلال تتبع المصادر الأولية، العثور على حالات متعددة من هذا النوع من الاجتهادات التي كان لها تأثير في قراءة القرآن. ويكتب ابن أبي هاشم عن هذا النوع من الاجتهاد: كان سبب اختلاف القراءات السبع وغيرها خلو المصاحف من النقط والشكل، وكان أهل كل منطقة يلتزمون بما يسمعونه من الصحابة، بشرط موافقته لرسم الخط، وذلك امتثالاً لأمر عثمان، وكان الصحابة أيضاً موافقين لأمره (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، 1378: 223). كان دور الصحابة في هذه الفترة من التاريخ هو سماع القرآن من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بينما كانوا ينقلونه بأقوال مختلفة (الأبياري، تاريخ القرآن، 1411: 92). ويقول الزرقاني في هذا الصدد: ‘كان الصحابة يختلفون فيما تلقوه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم رحلوا إلى الأمصار، وانتشر هذا الاختلاف بواسطة التابعين ثم تابعي التابعين’ (الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، 1385: 1/ 406). كما يرجع ابن مجاهد سبب هذا الاختلاف في القراءات إلى الصحابة والتابعين. فتاريخ القرآن والقراءة يشير إلى وجود اختلاف في القراءة في عصر الصحابة. وكان أهل حمص يظنون أنهم تلقوا قراءتهم من المقداد وأن قراءتهم أفضل من غيرهم. وكان أهل الكوفة يقولون إن قراءتهم أفضل، وأنهم تلقوها من ابن مسعود. وأهل البصرة كانوا يعتقدون أن قراءتهم أفضل، وأنهم تلقوها من أبي موسى الأشعري (بابائي، روش شناسي تفسير قرآن، 1385: 77).
٢. الاجتهادات الشخصية للقراء
في الواقع، كان جميع أئمة القراءة يسعون للوصول إلى نص قرآني واحد وقراءة واحدة. أي أنهم كانوا يسعون للوصول إلى القراءة المنقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وهي القراءة الحقيقية للقرآن. وكانوا يختارون قراءة معينة بقصد الوصول إلى القراءة الأصلية، ونظرًا لأسباب وظروف نشأة القراءات، كان القراء يجتهدون للوصول إلى النص الحقيقي، ويستدلون في رد القراءات الأخرى. كانت كل هذه الجهود للوصول إلى القراءة التي نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله)؛ لأن نزول القرآن كان واحدًا، ولم تكن هناك أكثر من قراءة معتبرة واحدة. وهنا ننقل بعض أقوال العلماء وأدلتهم ونبحثها: يرى الزركشي أن الاجتهاد من أسباب اختلاف القراءات (الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1410: 1/ 334-336). ويقول العلامة جعفر مرتضى العاملي: ‘كان القراء أنفسهم يعتقدون بوحدة النص القرآني؛ أي أنهم كانوا يقبلون قراءة واحدة للقرآن. لذلك كانوا يسعون للوصول إلى ذلك النص الواحد؛ النص الذي لا يجوز الخروج عنه. ومن هنا، كان كل قارئ يعتقد أن أدلته وتوجيهاته واستحساناته الاجتهادية كافية لإيصاله إلى ذلك النص الواحد (القراءة الحقيقية)؛ النص الواحد الذي نزل من عند الله’ (العاملي، حقائق مهمة بيرامون قرآن، 1377: 293). ويقول آية الله الخوئي: ‘إن احتجاج كل من القراء السبعة على قراءته، واحتجاج أتباعه على قراءته، وكذلك إعراض كل قارئ عن القراءات الأخرى، دليل قطعي على أن القراءات نتاج اجتهاد القراء’. ويستند في ذلك إلى الدليل التالي: ‘لأنه لو كان كل منها منقولاً بالتواتر والقطع عن النبي (صلى الله عليه وآله)، لما احتاج إثباتها إلى دليل وبرهان. ولم يكن لاختيار قراءة والإعراض عن القراءات الأخرى معنى ومفهوم’ (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، 1387: 151). يستدل آية الله الخوئي على اجتهاد القراء بالأدلة التالية: أولاً: إذا اعتبرنا أن سبب اختلاف القراء هو خلو المصاحف من النقط والحركات، فإن احتمال اجتهاد القراء يزداد. كما أن كون القراءات رواية ليس واضحًا لتشملها أدلة حجية خبر الواحد؛ إذ نحتمل أن تكون هذه القراءات اجتهادًا ورأيًا للقراء، ويستدلون بقول ابن أبي هاشم والزرقاني الذي مر في دور الصحابة. ثانيًا: إن أدلة حجية خبر الواحد، التي يجب أن يكون راويها موثوقًا، لا يمكن أن تشمل رواية القراء ورواتهم؛ إذ يتضح من تراجمهم وأحوالهم أن وثاقة جميعهم وكونهم موضع ثقة ليست ثابتة ومسلمة. ثالثًا: لو افترضنا أن جميع القراءات قائمة على الرواية، لا على الاجتهاد والرأي؛ وقبلنا أيضًا أن جميع رواة هذه القراءات ‘ثقات’ وموضع ثقة، فإن حجيتها ومدركيتها لا تثبت؛ لأن لدينا علمًا إجماليًا بأن بعض هذه القراءات لم تصدر قطعًا عن النبي (صلى الله عليه وآله)، ومن الواضح أن مثل هذا العلم الإجمالي يسبب تعارضًا بين جميع هذه الروايات، وستكذب كل منها الأخرى، وبالتالي ستسقط جميعها عن الحجية؛ لأن اعتبار بعضها وترجيحها على البعض الآخر سيكون ترجيحًا بلا مرجح واختيارًا بلا مزية. وفي هذه الحالة، يجب الرجوع إلى المرجحات والامتيازات المذكورة في تعارض الأخبار، وبدون استخدام المرجحات، فإن الاستدلال بأي من هذه القراءات في الأحكام الشرعية ليس صحيحًا ولا جائزًا. وإذا قلنا بتواتر جميع القراءات، فسنصل إلى نفس النتيجة التي ذكرت، وسنكون مضطرين في العمل بها في الأحكام الشرعية إلى استخدام المرجحات والامتيازات للأخبار المتعارضة؛ لأن التواتر في قراءتين يوجب القطع واليقين بأن كل منهما قرآن ونزل من عند الله، ومن حيث السند كلاهما قطعي، ولكنهما من حيث الدلالة والمعنى الظاهري متعارضان ومتضادان. وعندما نعلم إجمالاً أن المعنى الظاهري لإحدى هاتين القراءتين ليس هو المقصود، فيجب في هذه الحالة طرحهما جانبًا والرجوع إلى القواعد والأصول الأخرى والعمل بها؛ لأنه من جهة ليس معلومًا ومحددًا أي مفهوم ومعنى ظاهري هو المقصود؛ ومن جهة أخرى لا يمكننا ترجيح إحداهما واختيارها، لأن الترجيح والاختيار لإحدى المتعارضتين يختص بالحالات التي يكون سندها ظنيًا، أما في الحالات التي يكون سند كل من المتعارضتين قطعيًا، فلا يمكن اختيار إحداهما؛ لأنهما كلتاهما صدرتا قطعًا ولا مزية لإحداهما على الأخرى (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، 1387: 237-239). منذ النصف الثاني من القرن الأول وما بعده، عندما حان دور قراء القرآن، اتخذ الاجتهاد في ألفاظ الآيات – الذي رأينا نموذجه في عصر الصحابة – شكلاً آخر. من ذلك الوقت فصاعدًا، أقدم قراء القرآن، مستندين إلى الأدلة المذكورة أدناه، على اجتهاد أوسع، وبفعلهم هذا، وسعوا نطاق اختلاف القراءات قدر الإمكان. يعتقد المرحوم المحدث النوري أن اجتهاد القراء كان له دور مهم في نشأة القراءات. ويقول: ‘توجد قرائن كثيرة تدل على أن تلك الاختلافات ليست منسوبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، بل إن بعضها منسوب إلى آراء القراء واجتهاد الناطقين بالعربية وكل ما استحسنوه بفهمهم الناقص وعقلهم القاصر’ (النوري، فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب، 1298: 191). يذكر العلامة العسكري في كتابه ‘القرآن الكريم وروايات المدرستين’، الأدلة التي استند إليها القراء على النحو التالي: أ. إذن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقراءة القرآن على سبعة أحرف وترخيصه له بتبديل أسماء الله الحسنى بشرط ألا تتحول آية الرحمة إلى عذاب والعذاب إلى رحمة. ب. اجتهادات صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تغيير النصوص القرآنية بما يوافق القواعد العربية. ج. تقصير الخليفة الثالث، عثمان، بوجود أخطاء في ألفاظ القرآن سيصلحها العرب بألسنتهم (العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين، 1416: 2/ 240). ويضيف أيضًا: ‘قامت جماعة من علماء القراءة، استنادًا إلى تلك الأدلة والروايات، ووفقًا لاجتهادهم، بتغيير النصوص القرآنية’ (نفس المصدر: 2/ 193). ويذكر العلامة العسكري مثالاً في مجال اجتهادات القراء، لا يخلو بيانه هنا من فائدة. يقول: ‘أضرب لكم مثالاً يوضح إساءة أدبهم تجاه القرآن الكريم؛ كما أورد القرطبي في تفسير سورة الفاتحة: في آية ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، كانت كلمة ‘الذين’ تُقرأ من قبل القراء في حالات الرفع والنصب والجر (نفس المصدر: 2/ 235)؛ وبالتالي، فإن القراءة بأشكال مختلفة هي دليل على اجتهاد القراء. إن خلو الحروف والكلمات من النقط والإعراب قد هيأ المجال لاجتهاد القراء؛ اجتهاد كان في بعض الحالات قائمًا على الحجة والدليل وبهدف خلق تناسق لفظي مع معنى الآية، وأحيانًا كان خاليًا من الحجة المقبولة (مؤدب، نزول قرآن ورؤياي هفت حرف، 1378: 185).
١-٢: الاجتهادات اللغوية
من خلال دراسة مواضع اختلاف قراءة نافع عن قراءة العامة، يتضح أن 27% من اختلافات قراءته ذات طابع لغوي؛ وإذا أضفنا حالات زيادة وحذف الهمزة إلى هذه المواضع، فإن الجانب اللغوي من اجتهاداته يصل إلى 34%. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى الحروف التي عدل فيها نافع من المفرد إلى الجمع مثل ‘خطيئته’ أو بالعكس من الجمع إلى المفرد مثل ‘بشهادتهم’. إن قراءة قالون، تلميذ نافع المدني الذي لازمه طوال حياته، والذي قرأ عليه القرآن مرارًا وتكرارًا لمدة عشرين عامًا بتأييده وتشجيعه وتحت إشرافه، تعد شاهدًا على ما ندعيه. تظهر الدراسات الدقيقة أن للآراء اللغوية تأثيرًا كبيرًا في قراءة ابن كثير، وفي معظم الحالات، مثل كسر عين الفعل في المضارع ‘يحسب’، كان ذلك تحت تأثير لهجة أهل مكة. تظهر دراسة قراءة البزي، الراوي الأول لابن كثير المكي، أن 31 موضعًا في القرآن حيث حُذفت تاء المضارعة من الأفعال المضارعة، قد قرأها بتشديد التاء المتبقية، وحتى في المواضع التي كانت فيها قراءة التاء المشددة بعد الحروف الساكنة صعبة، أصر عليها. إن مواضع اختلاف ابن عامر الشامي عن قراءة العامة غالبًا ما تكون ذات طابع نحوي ولغوي. الآراء اللغوية والنحوية في قراءة أبي بكر، الراوي الأول عن عاصم الكوفي، تظهر حضورها دائمًا. تتجلى هذه الآراء في قراءته أحيانًا بتغيير باب الفعل، وفي كثير من الأحيان بتغيير صيغة الفعل من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، ومن المعلوم إلى المجهول، ومن المجهول إلى المعلوم.
٢-٢: الاجتهادات النحوية
من عوامل نشأة القراءات المخالفة للمشهور وغير المتوافقة مع رسم الخط، تمتع أصحابها بمعرفة في الأدب العربي؛ مما كان يسبب لهم نوعًا من الغرور، ولهذا السبب كانوا لا يعتبرون صحيحة إلا القراءة التي تتوافق مع القواعد العربية المقبولة لديهم؛ وإن كانت معرفتهم بالأدب العربي لا تتجاوز العموميات السطحية. قال أبو العباس المبرد عن قراءة أهل المدينة في آية ﴿هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (هود/78) حيث قرأوا كلمة ‘أطهر’ بالنصب ‘أطهرَ’: ‘هذه القراءة خطأ واضح. هذه قراءة ابن مروان الذي لم يكن له علم بقواعد العربية والنحو’ (معرفت، تلخيص التمهيد، 1428: 2/ 42). قرأ ابن عامر الفعل ‘فيكون’ في ‘كن فيكون’ منصوبًا؛ بينما يرى ابن عطية أن ذلك خطأ (أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط، 1416: 1/ 366). قرأ ابن كثير وأبو عمرو حرف ‘أن’ في ﴿أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (المائدة/2) بكسر الهمزة، ولكن النحاس اعتبرها قراءة غير صحيحة، قائلاً: ‘إن كبار العلماء وأصحاب الرأي في النحو والحديث لا يجيزون هذه القراءة لأسباب فصلها القرطبي’ (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 1415: 6/ 46). انتقد الزمخشري بشدة قراءة ابن عامر في آية ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾، وقال إن ابن عامر قرأ ‘شركاء’ بالجر على أنها مضاف إليه لـ’قتل’، وأجاز الفصل بين المضاف والمضاف إليه. وهذا ناتج عن جهله ببنية الكلام الفصيح؛ لأن الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف قبيح حتى في ضرورة الشعر؛ فما بالك بكلام النثر (الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، 1407: 2/ 70).
٣-٢: الاجتهادات الكلامية
من أمثلتها قول الله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة/54) حيث ظن بعض المعتزلة أنه لا يجوز أن يأمرهم الله بقتل أنفسهم، ولذلك حرفوا ‘فاقتلوا’ وقرأوها ‘فأقيلوا’ (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 1415: 1/ 402)، مع أن هذا الاستبعاد لا محل له وهو علامة على جهلهم. مثال آخر في آية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران/18)، حيث استبعدوا شهادة الله وقرأوها ‘شهداءُ الله’، ولم يتذكروا أن شهادة الله على وحدانيته ليست مستبعدة فحسب، بل هي الأصل: ﴿أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، وثانيًا، على فرض أنهم في هذا الموضع تلاعبوا عمدًا وغيروا القراءة الثابتة، فماذا سيفعلون في المواضع الأخرى التي تدل على شهادة الله، مثل ﴿لَّٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (النساء/166)؛ و﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (التوبة/107)؛ و﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (المنافقون/1)؛ ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ (الأنعام/19) وأمثالها. موضع آخر: تصحيح الزمخشري غير الصائب وتحريفه للآية: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ (المائدة/112)؛ ووضع ‘تستطيع’ بصيغة المخاطب بدلاً من ‘يستطيع’ بصيغة الغائب، كاستبعاد لسؤال الحواريين، وظنًا منه أنه لا يجوز لهم أن يسألوا عن قدرة الله، ثم قرأ ‘تستطيع’ بدلاً من ‘يستطيع’، وقدر جملة ليخلص القرآن من هذا المأزق في زعمه: ‘أي هل تستطيع أنت أن تسأل ربك أن ينزل مائدة من السماء؟’ (الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، 1407: 1/ 693).
٤-٢: الاجتهادات التفسيرية
يكتب العلامة جعفر مرتضى العاملي: ‘بعض الاجتهادات الباطلة ناتجة عن التمسك بمذهب كلامي معين. وهذا النوع من الاجتهاد هو الأسلوب المعتاد لمن يتوسلون بتفسير الآيات لإثبات نظرياتهم ومعتقداتهم، وفي حالة عدم التوفيق، يتبنون قراءة خاصة لتظهر الآيات مدعاهم وتثبت نظرياتهم؛ ربما لهذا السبب قرأ المعتزلة الآية الكريمة ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ بنصب لفظ الجلالة ‘الله’؛ لأنه في نظر المعتزلة، الله لا يتكلم’ (العاملي، حقائق مهمة بيرامون قرآن، 1377: 228-229). الكثير من حروف قراءة حمزة التي تبعه فيها الكسائي أو قبلها، تنظر بوضوح إلى آراء تفسيرية. من ذلك ‘فَرَّقُوا دِينَهُمْ’ التي قرأها في موضعين من القرآن بدون تشديد، مما يصرح بأنهم كانوا يعتبرون التفرقة في الدين مفارقة للدين، وأرادوا إدراج هذا المعنى في ألفاظ نص الآية. وكذلك ‘لامستم النساء’ التي قرأوها ‘لمستم النساء’ اعتمادًا على رسم خط المصحف، وبوضوح بسبب رأيهم الفقهي-التفسيري بأن مصافحة المرأة أو لمس بدنها، حتى لو كان في حد الملامسة، ينقض طهارة الرجل (لساني فشاركي، قراء سبعة وقراءات سبع، 1391: 580). قراءة ‘مالك’ و’مَلِك’ في آية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ كلاهما، بالإضافة إلى الاختلاف في المعنى، لم تكن موضع قبول جميع المسلمين (يزدي، 1386: 1/ 656). على أساس قراءة ‘مالك’، الله هو صاحب يوم الجزاء. يرى الشيخ الطوسي أن قراءة ‘مالك’ أفضل وأبلغ؛ لأن الله في القيامة مالك كل شيء ولا أحد يستطيع منازعته (الطوسي، (د.ت): 1/ 35). طبقًا لقراءة ‘مَلِك’، الله هو الحاكم في يوم الجزاء. في توجيه هذه القراءة، استُشهد بآيات من القرآن مثل ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (طه/114)، ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (الحشر/23)، ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ (الناس/2). يعتقد أبو عمرو بن العلاء أن مفهوم ‘مَلِك’ أوسع من مفهوم ‘مالك’؛ لأن ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يفيد ملكية ذلك اليوم؛ ولكن ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يدل على إحاطة الله الكاملة بكل تفاصيل وخصوصيات ذلك اليوم. وقد اختار مكي بن أبي طالب أيضًا قراءة ‘مَلِك’ واعتبرها أقوى (مكي بن أبي طالب، الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، 1405: 1/ 21). كما رجح العلامة الطباطبائي هذه القراءة (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1393: 1/ 21). والنقطة المهمة التي يمكن ذكرها في تأييد قراءة ‘مالك’ هي نسبتها إلى عاصم الذي اعترف بأنه أخذ قراءته من أبي عبد الرحمن السلمي، والسلمي أخذ قراءته من أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وفي هذه الحالة، تكون قراءة ‘مالك’ من الناحية السندية أرجح من قراءة ‘مَلِك’ (ستوده نيا، تأثير قراءات بر تفسير، 1382: 111-115). أورد السجستاني في كتاب ‘المصاحف’ روايات عن بعض الصحابة أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يقرأ ‘مالك يوم الدين’ بالألف، وأن الخلفاء الثلاثة، وطلحة، والزبير، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ كانوا يقرؤونها بالألف (السجستاني، المصاحف، 1355: 104). الإمام الخميني، في ذيل آية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الفاتحة/4)، ضمن بيانه أن التوجيهات والترجيحات الأدبية للكبار ليست بحيث يحصل منها الاطمئنان، رجح قراءة ‘مالك’ بل اعتبرها متعينة؛ لأنه في رأيه، تلاوة هذه السورة وسورة التوحيد في كل عصر من العصور في صلاة الفرائض والنوافل، سمعها مئات الملايين من المرات في جماعة المسلمين؛ وبدون حرف زائد أو ناقص، من أئمة الهدى والنبي (صلى الله عليه وآله) (الخميني، تفسير سورة الحمد، 1375: 49). ويضيف في تتمة كلامه ومن هذا البيان يتضح ضعف القول القائل بأن ‘مَلِك’ و’مالك’ في الخط الكوفي تشابهتا؛ لأن هذا الادعاء قد يُقبل في سورة غير متداولة بكثرة، ولكن في مثل هذه السورة، هو ادعاء فارغ وقول لا قيمة له (نفس المصدر: 50).
٥-٢: الاجتهادات السياسية
روى أبو عبيد في الفضائل وابن جرير في التفسير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي والحاكم في المستدرك بشرط الشيخين عن أسامة ومحمد بن إبراهيم التيمي، وكذلك في كنز العمال، نقلاً مستندًا عن عمر بن العامر الأنصاري أن عمر بن الخطاب قرأ الآية المباركة التالية هكذا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (التوبة/100)، برفع الراء في ‘الأنصارُ’ عطفًا على ‘السابقون’، لا على المهاجرين؛ وبحذف واو العطف قبل ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُم﴾ لتكون صفة للأنصار؛ لا عطفًا على المهاجرين والأنصار (الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، 1412: 11/ 7)؛ وبالتالي يكون معنى الآية: ‘السابقون الأولون من المهاجرين، وكذلك الأنصار الذين اتبعوا المهاجرين بإحسان، رضي الله عنهم…’، بينما القراءة الصحيحة هي: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بجر راء الأنصار عطفًا على المهاجرين، وبإثبات الواو قبل ‘الذين’ عطفًا على الأنصار والمهاجرين، والمعنى الذي أراده الله هو: ‘السابقون الأولون من المهاجرين ومن الأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم’. بناءً على قراءة عمر، تنحرف الآية في موضعين عن مراد الله: أولاً، سلب امتياز السبق عن الأنصار؛ ثانيًا، حذف جماعة باسم التابعين، وقصتهم كالتالي: عندما نبه زيد بن ثابت عمر إلى أن ‘الأنصار’ و’الذين’ كلاهما معطوفان على ‘المهاجرين’، قال عمر متعجبًا: كنت أظن أن السبق منصب خاص بالمهاجرين. قال زيد بن ثابت: يا أمير المؤمنين، ‘والذين اتبعوهم بإحسان’ بالواو العاطفة هي الصحيحة؛ لكن عمر لم يقبل وقرأها مرة أخرى بدون واو، فاضطر زيد أن يقول: أمير المؤمنين أعلم. قال عمر: أحضروا أبي بن كعب. فلما جاء، قرأ ‘والذين’ بالواو، وقرأها عمر بدون واو، وتكرر ذلك عدة مرات حيث كان كل منهما يؤكد قوله ويشير إلى أنف الآخر ويقرأها، حتى قال أبي بن كعب: والله، لقد أقرأنيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) هكذا وأنت يا عمر تخطئ. حينها قال عمر: الآن نعم، الآن نعم (الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، 1412: 7/11). من خلال نقل هذه الحادثة، يتضح جليًا مدى قوة واستمرارية السعي لموافقة القراءات للآراء الكلامية والسياسية والحزبية، وأقوى من ذلك، إعجاز القرآن في حفظه من التحريف، وفقًا لوعد الله الصريح بقدوم الحق وزهوق الباطل ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (البقرة/15) يؤيد ذلك.
مخالفو الاجتهاد في اختلاف القراءات
يرى بعض العلماء، الذين نُقلت أقوالهم أدناه، أن قراءة القرآن سنة واجبة الاتباع، ومصدرها منحصر في السماع والرواية؛ ولا مجال للرأي والاجتهاد فيها أبدًا. ورد في مقدمة ‘مجمع البيان’ أنه في صدر الإسلام كان يجوز قراءة معنى واحد بألفاظ مترادفة متعددة؛ مثل ‘هلمَّ’ و’أقبل’ و’تعال’ (بمعنى: تعال)، ولكنهم كانوا مقيدين بالسماع، بمعنى أنهم وإن استخدموا ألفاظًا مترادفة، إلا أنهم كانوا يستندون في ذلك إلى قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله) (الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، 1406: 1/ 19). علاوة على ذلك، أجمع جميع العلماء على أن القرآن الكريم هو الأساس الأصيل لقواعد اللغة العربية، والركن الأساسي لعلم النحو والصرف واللغة والمعاني والبيان والاشتقاق وسائر فنون اللغة العربية. ولا يمكن الاستشهاد بعبارة من القرآن إلا إذا وردت عن طريق السماع والرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله)؛ لا بالاعتماد على القياس والقاعدة. وإلا، يلزم الدور في هذه الفرضية، حيث يتوقف الاستشهاد بالقرآن على قاعدة وقانون أهل الأدب؛ وهذه القاعدة والقانون تتوقف على أصالة القرآن، وهذا دور صريح. قال المرحوم الشعراني (رضوان الله عليه) من العلماء المعاصرين في هذا المجال: ‘جميع المسلمين – بالاتفاق – يقولون: إن القراء في قراءاتهم يعتمدون على السماع والنقل والرواية الموثوقة، وهذه الأسس المطمئنة تشكل سند قراءاتهم. إنهم لم يعتمدوا أبدًا على الاجتهاد والرأي الشخصي والاستشهاد بقواعد ودستور اللغة العربية في قراءاتهم، أي أن القراءات التي قدموها ليست نتاج رأي شخصي أو نتيجة لاقتضاء قواعد ودستور اللغة العربية. ومن الواضح أننا نستطيع قراءة ‘ياء النسبة’ حسب القواعد العربية بالفتح أو بالسكون، ومع ذلك لا نجد أن القراء قد قرأوا في جميع مواضع القرآن الكريم بالوجهين، بل نجد أنهم في 566 موضعًا قرأوا بالسكون وفي 18 موضعًا بالفتح، وفي 212 موضعًا، قرأ بعض القراء بالسكون والبعض الآخر بالفتح’ (فضلي، مقدمة في تاريخ قراءات القرآن الكريم، د.ت: 92). بناءً على ذلك، فإن الأدلة والشواهد التي ذكرها القراء وتلاميذهم وأتباعهم لإثبات دعواهم وتزييف وتضعيف دعوى الطرف الآخر في كتب التفسير والقراءات، هي لتأييد المسموعات وعلة بعد الوقوع؛ لا لتأسيس الآيات وتصحيح الإعراب والهيئات والكيفيات. دليل آخر من الشواهد والأدلة التي يمكن إقامتها لحصر طريق القراءة في الرواية، هو أننا نرى القراء في جميع الكلمات يعملون وفقًا للقاعدة والميزان المشهور، ولكنهم في بعض الكلمات يخالفون القاعدة المشهورة، وبدون سبب، ويسيرون على خلاف ما هو مشهور في لغة العرب؛ مع أنهم كانوا يعرفون جيدًا العمل بالمشهور (الحسيني الطهراني، نور ملكوت القرآن، 1421: 436). دليل آخر يمكن ذكره هو أنه في الحالات التي يمكن فيها قراءة كلمة واحدة بأشكال متعددة، يكون الانحصار في قراءة واحدة معتمدًا فقط على السماع؛ خاصة إذا كانت التراكيب والقراءات متعارضة؛ لأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان بلا شك ملتزمًا بواحدة منها.
النتيجة
بالرجوع إلى تاريخ القراءات والكتب التي كتبت في موضوع القراءات والمسائل المتعلقة بها وشرح أحوال الصحابة والقراء، يتضح وجود إعمال الذوق والاجتهاد في القراءة، وقد أذعن العديد من المفكرين لهذه المسألة، ولكن العلامة معرفت يعتبرها أكبر عامل في اختلاف القراءات ويذكر تقديم الاستدلال والبرهان على القراءات الشاذة في كتب مختلفة كدليل على كلامه. بالإضافة إلى ذلك، في جميع حالات اختلاف القراءات، كانت إحدى القراءات – وهي القراءة الحالية – مشهورة، وسائر القراءات كانت شاذة وغير معتبرة. وقبل توحيد المصاحف في زمن عثمان وبعده أيضًا، كانت هناك قراءات مشهورة متعددة، لكل منها أنصار بين المسلمين. كما أن الأبعاد المختلفة للاجتهاد، بما في ذلك الاجتهادات اللغوية والنحوية والكلامية والتفسيرية والسياسية وغيرها، تدل على دور هذا العامل المهم في اختلاف القراءات؛ وكل هذه الحالات تثبت ادعاء العلامة في هذا المجال. ولكن المخالفين لدور الاجتهاد يرون أن قراءة القرآن سنة واجبة الاتباع، ومصدرها منحصر في السماع والرواية، ولا يمكن الاعتماد على القياس والقاعدة، ويعتبرون عدم التفريق بين الاجتهاد والاختيار في القراءة من قبل الموافقين شاهدًا على دعواهم.
المصادر
١. القرآن الكريم، ترجمة: رضائي أصفهاني، محمد علي ومجموعة من فضلاء الحوزة والجامعة، مؤسسة دار الذكر الثقافية، قم: ١٣٨٣ هـ ش.
٢. آل عصفور، محسن، إتحاف الفقهاء في تحقيق مسألة اختلاف القراءات والقراء، مكتبة آل عزيزي، قم: ١٣٦٨ هـ ش.
٣. الأبياري، إبراهيم، تاريخ القرآن، دار الكتب المصري، القاهرة: الطبعة الثالثة، ١٤١١ هـ.
٤. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، دار الفكر، بيروت: ١٤١٤ هـ.
٥. أبو حيان الأندلسي، محمد بن يوسف، البحر المحيط، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وآخرون، دار المعرفة، بيروت: ١٤٢٢ هـ ق.
٦. بابائي، علي أكبر؛ عزيزي كيا، غلام علي؛ روحاني راد، مجتبى، منهجية تفسير القرآن، إشراف: محمود رجبي، زيتون، قم: ١٣٨٥ هـ ش.
٧. البدر، بدر بن ناصر، أبو حيان وتفسيره البحر المحيط، مكتبة، الرياض: ١٤٢٠ هـ.
٨. مجموعة من المؤلفين، موسوعة الفقه الإسلامي، دائرة المعارف الفقه الإسلامي، قم: ١٣٨١ هـ ش.
٩. حجتي، محمد باقر، دراسة في تاريخ القرآن الكريم، نشر الثقافة الإسلامية، طهران: الطبعة السادسة، ١٣٧٢ هـ ش.
١٠. حسيني طهراني، محمد حسين، نور ملكوت القرآن، منشورات نور ملكوت قرآن، مشهد: الطبعة الثانية، ١٤٢١ هـ.
١١. ــــــــــ، مهرتابان، باقر العلوم، باقر العلوم، (د.م): ١٤٠٢ هـ.
١٢. الخميني، روح الله، تفسير سورة الحمد، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، طهران: ١٣٧٥ هـ ش.
١٣. الخوئي، أبو القاسم، البيان في تفسير القرآن، دار الثقلين، طهران: ١٣٨٧ هـ ش.
١٤. رشيد رضا، محمد، تفسير القرآن الحكيم، المشتهر باسم تفسير المنار، مطبعة المنار، مصر: ١٢٩٣ هـ.
١٥. الزرقاني، محمد عبد العظيم، مناهل العرفان في علوم القرآن، معهد الدراسات الإنسانية والثقافية، طهران: ١٣٨٥ هـ ش.
١٦. الزركشي، محمد بن عبد الله، البرهان في علوم القرآن، دار المعرفة، بيروت: ١٤١٠ هـ.
١٧. الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار الكتاب العربي، بيروت: ١٤٠٧ هـ.
١٨. ستوده نيا، محمد رضا، تأثير القراءات على التفسير، راهنما، محمد باقر حجتي، جامعة قم، قم: ١٣٨٢ هـ ش.
١٩. السجستاني، ابن أبي داود، المصاحف، بمقدمة وتصحيح: آرثر جفري، مصر: ١٣٥٥ هـ.
٢٠. السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، الإتقان في علوم القرآن، دار الكتاب العربي، بيروت: ١٤٢١ هـ.
٢١. الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي، بيروت: ١٣٩٣ هـ ش.
٢٢. الطبرسي، أمين الإسلام فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، ناصر خسرو، طهران: ١٤٠٦ هـ.
٢٣. الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن، دار المعرفة، بيروت: ١٤١٢ هـ.
٢٤. العاملي، جعفر مرتضى، حقائق مهمة حول القرآن، مكتب النشر الإسلامي، قم: الطبعة الثالثة، ١٣٧٧ هـ ش.
٢٥. العسكري، مرتضى، القرآن الكريم وروايات المدرستين، المجمع العلمي الإسلامي، طهران: الطبعة الثانية، ١٤١٦ هـ.
٢٦. فاضل لنكراني، محمد. (١٣٩٦). مدخل التفسير، الطبعة الأولى، طهران: مطبعة الحيدري.
٢٧. فضلي، عبد الهادي، القراءات القرآنية، دار القلم، بيروت: الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ.
٢٨. ــــــــــ، مقدمة في تاريخ قراءات القرآن الكريم، ترجمة: سيد محمد باقر حجتي، أسوة، طهران، (د.ت).
٢٩. القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، دار الفكر، بيروت: ١٤١٥ هـ.
٣٠. القيسي، أبي محمد مكي بن أبي طالب، الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، مؤسسة الرسالة، بيروت: ١٤٠٥ هـ.
٣١. كمالي دزفولي، علي، قانون التفسير، مكتبة صدر، طهران: ١٣٥٤ هـ ش.
٣٢. لساني فشاركي، محمد علي، القراء السبعة وقراءات السبع، أسوة، طهران: ١٣٩٠ هـ ش.
٣٣. المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران: ١٣٦٨ هـ ش.
٣٤. معرفت، محمد هادي، تلخيص التمهيد، مؤسسة النشر الإسلامي، قم: الطبعة السادسة، ١٤٢٨ هـ.
٣٥. مؤدب، رضا، نزول القرآن ورؤيا الأحرف السبعة، مكتب التبليغات الإسلامي، قم: ١٣٧٨ هـ ش.
٣٦. النوري، حسين، فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب، النجف: ١٢٩٨ هـ.
٣٧. واعظ الحسيني، محمد سرور، مصباح الأصول، نشر الفقهاء، قم: ١٣٨٠ هـ ش.
٣٨. الهمداني النجفي، آقا رضا بن محمد هادي، مصباح الفقيه، جامعة مدرسي الحوزة العلمية بقم، قم: ١٣٧٤ هـ ش.
٣٩. اليزدي، سيد محمد كاظم. (١٣٨٦). العروة الوثقى. قم: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع).
الهوامش
١. تاريخ الاستلام: ١٥/١٠/١٣٩٨؛ تاريخ القبول: ٠٩/٠٣/١٣٩٩.
٢. أستاذ مساعد في معهد الثقافة والفكر الإسلامي: s.javahery@gmail.com
٣. خريجة مرحلة الدكتوراه (السطح الرابع) في التفسير المقارن، مؤسسة ركن الهدى للتعليم العالي الحوزوي (الباحثة المسؤولة): nasim.mortazavi2012@gmail.com
٤. خريجة مرحلة الدكتوراه (السطح الرابع) في التفسير المقارن، مؤسسة ركن الهدى للتعليم العالي الحوزوي: lib.farhangi@gmail.com