دراسة فقه الحديث في روايات عالم الأظلة والأشباح

الملخص

إن مضمون عدد من الروايات يشير إلى خلق أرواح البشر قبل أبدانهم. هذه الروايات، التي تُعرف بعناوين مثل روايات الأظلة والأشباح والأرواح، قد اعتبرها بعض المفكرين كالشيخ المفيد (ره) غير صحيحة. الاستناد إلى هذه الروايات في مجالات متنوعة كالتفسير والمعرفة والكلام يبرز ضرورة تقييمها فقهياً حديثياً. يسعى هذا البحث، بأسلوب وصفي-تحليلي وباستخدام المصادر المكتبية، إلى مناقشة بعض الأبعاد الهامة لهذا الموضوع. يتناول هذا البحث، ضمن التحليل الفقهي الحديثي والجرح والتعديل السندي لروايات هذا الباب، النتيجة التي تفيد – بقوة الظن – بأن هذه الروايات لا تتمتع بالاعتبار الكافي، وأن تسرب بعضها إلى مصادر الفريقين الحديثية قد تم على يد مروجي الإسرائيليات والغلاة. لنتائج هذا البحث أثر واضح في إثبات أو رد نظرية عالم الذر.

المقدمة

لا شك أن فكرة عالم الذر هي من الأفكار التي كثر حولها النقاش. هذه النظرية التي تخبر عن عالم سبق وجود البشر في هذه الدنيا، قد نُظمت ورُوّجت استنادًا إلى أخبار تعتمد على تفسير الآيات المعروفة بآيات ألست (الأعراف: ١٧٢-١٧٤).

وقد قام عدد من العلماء، خاصة الأخباريين، بقبول هذا المعتقد وترويجه استنادًا إلى بعض الروايات في الكتب الأربعة وغيرها من المصادر الحديثية. ويرون أنه لا حاجة ماسة لدراسة أسانيدها ومحتواها لإثبات صحتها أو سقمها. فهؤلاء لا يجرؤون على تكذيب أي حديث، بل قد يبررونه أو يعتبرون فكر الآخرين قاصرًا عن فهمه. في المقابل، قامت مجموعة أخرى من العلماء، أمثال الشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، والسيد المرتضى، والطبرسي، وأبو الفتوح الرازي، وابن شهر آشوب، وابن إدريس، وملا فتح الله الكاشاني وغيرهم، بتخطئة استنباط عالم الذر بالاعتماد على آيات ألست (ثبوت، ١٣٨٨، ٣٠)، ولم يستبعدوا احتمال الوضع والدس في مجموعات الأحاديث المتعلقة بعالم الذر؛ وفي مقام تقييم الحديث، يجيزون جميع الطرق السندية والمحتوائية.

هناك عدد من الروايات المتعلقة بهذا الموضوع تُعرف بروايات الأرواح والأظلة والأشباح. هذه الروايات تتحدث عن وجود بني آدم في عالم قبل هذه الدنيا (عالم الذر) بصورة غير مادية تحت مسمى الأرواح والأظلة والأشباح. إن إثبات اعتبارها أو عدمه يترك أثرًا مباشرًا وواضحًا في قبول أو رفض نظرية عالم الذر. ويسعى هذا القلم إلى إيضاح درجة اعتبار هذه الروايات من خلال دراسة فقه الحديث فيها.

١. طرح المسألة

توجد طرق متعددة لتقييم الروايات. فالدراسة المتنية، وتحليل مواطن الضعف في كل رواية، وتقييمها، هي أفضل طريقة لضمان سلامة الروايات الاعتقادية. (راجع: رستمي، ١٣٨٠). ولكن يبدو أنه مع فرض ضعف هذه الأحاديث وكونها موضوعة، فإن الاكتفاء بالطريقة الشائعة ليس كافيًا. فهذه الطريقة، رغم ضرورتها وحتميتها، ليست شرطًا كافيًا لفهم دقيق للظواهر الفكرية والاعتقادية في تاريخ الفكر الإسلامي. وبتعبير أحد الكتّاب: من الفروق الأساسية بين منهج تحقيق المسلم ومنهج المحقق الغربي، هو أن المحقق المسلم… قد يجد ضعفًا في متن أو سند رواية فيعتبرها غير صحيحة ويطرحها جانبًا، ولكن بالنسبة للمحقق الغربي، تكون هذه الحادثة هي نقطة انطلاق بحثه. فهو يسعى لاكتشاف أسباب وضع رواية في فترة معينة… للوصول إلى اكتشاف ظاهرة تاريخية حول الإسلام الأول. (كريمي نيا، ١٣٨٧).

إن الطرق الشائعة وحدها لا تجيب على جميع الأسئلة المطروحة في هذا المجال. مثل هذه الأسئلة: التيارات المنحرفة مثل تيار الغلو وتيار الإسرائيليات، إلى أي مدى كان لها تأثير في ظهور هذا الفكر وترويجه؟ إلى أي مدى كان المحققون المسلمون حساسين تجاه الشخصيات البارزة في هذه التيارات وفحصوا احتمال الوضع والدس في هذه الأحاديث من قبلهم؟ ما هو المنشأ والمصدر التاريخي لهذه الروايات؟ ما هي أهم الدوافع المتصورة لوضع هذه الأحاديث؟ و…

في الإجابة على الأسئلة أعلاه، يُظهر الرجوع إلى المصادر الحديثية أن هذه الفئة من الروايات، المنتشرة في مصنفات أهل السنة والشيعة، تنقسم بدورها إلى مجموعات فرعية متنوعة ذات خصائص مختلفة؛ وفي الوقت نفسه، فإن نظرة سريعة على هذا النوع من الأخبار تشير إلى تأثير الرواة الإسرائيليين والغلاة في تشكيل هذا النوع من الروايات. ولهذا السبب، في تصميم هذا البحث، اعتُبر الاهتمام الموجز بموضوع الإسرائيليات وتيار الغلاة ضروريًا، ثم تم اختيار نماذج من الأخبار والأحاديث محل البحث التي دخلت في المجموعات الحديثية للفريقين، وجرى نقدها ودراستها.

٢. خلفية البحث

لقد تناولت العديد من المصنفات – من زمن الشيخ المفيد إلى العصر الحاضر – دراسة روايات الأظلة والأشباح. بعضها تم تنظيمه بمنهج كلامي وبعضها تاريخي، وبعضها الآخر بمنهج روائي. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى كتاب «تنبيهات حول المبدأ والمعاد»، (١٤١٨)، تأليف المرحوم ميرزا حسنعلي مرواريد. وقد سعى في هذا الأثر إلى تقديم تحليل شامل. وكذلك كتاب «سدّ المفرّ على منكر عالم الذر»، (١٣٩٥)، جدير بالذكر في هذا المجال. هذا الأثر هو تقريرات للمرحوم محمد باقر علم الهدى بقلم السيد علي رضوي، والذي يستعرض مجموع روايات عالم الذر وسعى، ضمن تبرير الروايات، إلى الرد على آراء المخالفين.

بالإضافة إلى الكتب، تناولت عدة مقالات الموضوع الحالي. من بين هذه المقالات، مقال «الإنسان في عالم الأظلة والأرواح» (١٣٨٦)، للسيد محمد بياباني اسكويي. حيث سعى، ضمن استعراض المسار التاريخي للموضوع وبيان أقوال وآراء العلماء المختلفين، إلى تبرير المسائل الكلامية المطروحة، ومنها «خلق الأرواح قبل الأجساد». كما أن مقال «عالم الذر والأظلة في فكر متقدمي الشيعة» (١٣٩١) للسيد محمد هادي گرامي، يعد بحثًا مفيدًا في موضوعنا. وقد ركز بشكل أكبر على دراسة المسار التاريخي لرواة أحاديث الذر والأظلة.

مع تقديرنا للجهود المشكورة للباحثين والمؤلفين السابقين، يمكن القول إن الدراسات التي أُجريت لم تولِ اهتمامًا كافيًا لبعض الأبعاد المهمة للموضوع. من هنا، لا يزال البحث الدقيق في هذه الأبعاد ضروريًا ومطلوبًا. ومن أهم الأبعاد المهملة، دراسة خلفية وعوامل دخول الرواة الإسرائيليين والغلاة المتطرفين إلى مسألة عالم الذر والأظلة، وكذلك عواقبها غير المرغوبة. ويسعى البحث الحالي إلى دراسة هذه الجوانب من النقاش.

٣. دراسة وتحليل تاريخي لانتشار روايات الأرواح

يمكن ذكر عوامل وخلفيات متعددة لظهور وانتشار الأحاديث الموضوعة، من بينها الإسرائيليات والغلو – نظرًا لدورهما التخريبي الكبير – التي تبرز بشكل لافت. هذان الظاهرتان المدمّرتان استهدفتا أهم مصادر المعرفة الإسلامية، أي التفسير والحديث. ويبدو أن أخبار الأرواح والأظلة قد وجدت طريقها إلى المعارف الإسلامية تحت غطاء هذين العنصرين. ويكشف النظر التاريخي إلى ناقلي ورواة هذه الفئة من الروايات عن دور كبير لعدد وفير من الشخصيات المنسوبة إلى تيار الغلو والإسرائيليات.

١-٣. الشخصيات المنسوبة لتيار الإسرائيليات ونظرية الأرواح

يعد عالم الذر من الموضوعات المعقدة التي كانت على مدى قرون مادة للتفكير لدى العلماء المسلمين. إن ظهور وترويج نظرية الأرواح – على الأقل في بعض أبعادها – كتأويل لعالم الذر، قد تم من قبل شخصيات بارزة في تيار الإسرائيليات. وسيتم التعريف بأربعة من هذه الشخصيات باختصار:

١-١-٣. كعب الأحبار

كان كعب الأحبار من علماء اليهود المقيمين في اليمن. دخل المدينة في زمن عمر في طريقه إلى بيت المقدس؛ ورغم أن عمر دعاه إلى الإسلام، لم يقبل كعب، وبعد دخوله حمص (وربما لقائه وتنسيقه مع معاوية) قرر إعلان إسلامه (السيوطي، ١٤٠٤، ٢: ١٦٩)، ليسهل عليه تحقيق أهدافه المشؤومة.

من الأخبار المنسوبة إلى كعب في مجال عالم الذر، خبر يتعلق بالملاحم وأخبار آخر الزمان وأنواع الفتن في العالم. وفي هذا الخبر، يصف بأسلوب مخادع أعظم فتنة وأشد مصيبة بأنها مصيبة الإمام الحسين (ع)؛ ويربط علمه بهذا القول: «ما من إنسان إلا وقد عُرضت عليه قصة الحسين في عالم الذر على حضرة آدم (ع)» (المجلسي، ١٤٠٣، ٤٥: ٣١٦).

٢-١-٣. وهب بن منبه

كان وهب بن منبه من كبار علماء أهل الكتاب في اليمن، وكان له نصيب وافر من علوم أهل الكتاب (الذهبي، ١٣٤٠، ١: ١٩٥-١٩٦). وفي ادعاء مبالغ فيه، وصف عبد الله بن سلام وكعب الأحبار بأنهما أعلم أهل زمانه، ووصف نفسه بأنه أعلم منهما (نفس المصدر). وكان وهب عند النقل بالمعنى للتوراة للمسلمين، يقوم بالتحريف والزيادة والنقصان، ويخلق ما يتوافق مع أهواء المسلمين (الأطير، ١٤١٢، ٥٥-٥٦).

وفي مسألة عالم الذر، يخبر وهب بن منبه، مثل كعب الأحبار، عن حضور الأنبياء في ساحة عالم الذر، وفي إجابته عن سؤال حول معنى آية ألست «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ … أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ» (الأعراف: ١٧٢)، يخص ميثاق الربوبية في عالم الذر بالأنبياء (ابن أبي حاتم، ١٤١٩، ١٦١٦).

٣-١-٣. أبو هريرة

رغم أن أبا هريرة لم يصاحب النبي (ص) إلا لثلاث سنوات، فقد روى عنه أكثر الأحاديث، ولهذا السبب اتهمه عمر وعثمان وعائشة وعلي (ع)؛ ولذلك لُقّب بأول راوٍ متهم في الإسلام. (أبو رية، د.ت، ١٧٦-١٧٧). وكان أكثر من غيره افتتانًا بكعب الأحبار ويعتمد عليه. وكان كعب بدوره، بذكائه ومكره، يستغل أبا هريرة ويلقنه كل خرافة وكلام باطل أراد إدخاله في الدائرة الإسلامية، وكان هو نفسه يصدق رواية أبي هريرة (نفس المصدر، ١٨٠-١٨٣).

من أشهر الخرافات التي نقلها أبو هريرة باسم النبي (ص)، شرح خاص لقصة عالم الذر، تبدأ بإخراج ذرات بني آدم من ظهر آدم (ع) وكيفية أخذ الميثاق منهم. ثم يخبر عن تعهد آدم (ع) بقبول تقليل عمره ومنحه لداود (ع)، ثم يروي نسيان آدم (ع) وجحوده وإنكاره لتعهده، ويستنتج في النهاية أن نسيان البشر وإنكارهم هو نتيجة إرث ورثوه عن آدم (ع) (السيوطي، ١٤٠٤، ٣: ١٤٢-١٤٣). هذه القصة كلها كذب، وفي نفس الوقت تستلزم نفي العصمة، وتهيئ أيضًا المجال للإساءة إلى مقام النبوة.

٤-١-٣. محمد بن كعب القرظي

كان أبوه من أسرى بني قريظة ومن أبناء كهنة اليهود. وكان من الذين يقصون القصص في المساجد (ابن حجر، ١٣٢٦، ٤٢١-٤٢٢). هذا العالم اليهودي، في بعض منشوراته الإسرائيلية، قدّم تجديد بناء هيكل بيت المقدس كإحدى فضائل أمة النبي الخاتم (ص) (ابن سعد، ١٩٦٨، ١٦٣). بينما اعتبر العودة عن قبلة بيت المقدس من قبل رسول الله (ص) مخالفة لسنة الأنبياء. (نفس المصدر، ٢٤٣). وهذا دليل على أن هؤلاء المتظاهرين بالإسلام كانوا لا يزالون يسعون وراء آمالهم وأحلامهم اليهودية، وما كانوا يقدمونه كان في الحقيقة ترهات تهدف إلى تحريف القيم وتقويض المعتقدات الدينية.

ما جاء عن هذا الراوي الإسرائيلي في تفسير آية ألست، يختلف عن سائر أقرانه. فهو يقول في شرح «إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» (الأعراف: ١٧٢): «أقرت الأرواح قبل أن تخلق أجسادها» (ابن جرير، ١٤١٢، ٨٠). هذه الجملة، التي يبدو أنها منشأ القول بـ«خلق الأرواح قبل الأجساد»، هي بداية لسلسلة من الروايات التي اعتبرها بعض المحدثين السنة ضعيفة وموضوعة (الآلوسي، ١٤٢٥، ١٥٠).

هذا المختصر – الذي شرح فيه مكر وخداع وإلقاء عقائد خرافية ونفي عصمة الأنبياء وتحريف آيات القرآن من قبل الرواة الإسرائيليين – هو جزء يسير من الآثار التخريبية العظيمة التي تركوها من خلال أساطيرهم وتفاسيرهم المختلفة لعالم الذر، في أفكار وعقائد وثقافة المسلمين. ربما يمكن القول إن تنوع أقوالهم في مسألة عالم الذر، التي تعد نظرية الأرواح إحدى اختلاقاتها، هو حيلة لإثارة الخلاف بين أهل النظر وإغفال المسلمين عن الحقائق التي تعبر عنها آيات مثل آيات ألست.

٢-٣. الشخصيات المنسوبة لتيار الغلو ونظرية الأرواح

من بين الآفات والمصائب التي لحقت بالروايات، روايات الغلاة. ورغم أن معظم الجماعات التي عُرفت باسم الغلاة ليس لها وجود خارجي اليوم، فإن بعض الأقوال والمعتقدات مثل روايات «الأظلة والأشباح» – التي يرى الكاتب أنها غير صحيحة – هي دليل على أن رواسبهم الفكرية لا تزال موجودة بين الشيعة وفي مختلف الكتب.

لا شك أن عقائد الشيعة الحقة مستقاة من كلام أهل البيت وممزوجة بالمنطق والاستدلال؛ وهذه المسألة بالذات هي التي منعت المخالفين من المواجهة المنطقية معها. ويُظهر التاريخ أن أساليب العنف لم تكن مجدية لمواجهة هذا المذهب الحنيف، وأدرك أعداء الشيعة منذ البداية أنهم لا يستطيعون بهذه الأساليب طمس حقيقة الشيعة الصافية؛ لذا اضطروا إلى نسبة الخرافات والعقائد الباطلة وتشكيل فرق منحرفة باسم الشيعة، في محاولة لتشويه صورة المذهب الشيعي لدى الرأي العام. (راجع: علوي، ١٣٨٩). لا شك أن الغلو القديم والتطرف الحديث حقيقة استطاعت أن تساهم في تحقيق هذه المؤامرة الكبرى وأن تلعب دورًا واسعًا في نشر الخرافات ونسبة الافتراءات لأهل البيت (ع) بشكل جيد.

على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى المغيرة بن سعيد. إن سلوكه يعد مؤشرًا مناسبًا لمعرفة الدور التخريبي للغلاة. فقد كان يطرح ادعاءات باطلة ضد ثقافة أهل البيت (ع) التوحيدية، وكان يتعلم السحر والشعوذة بتعليمات من امرأة يهودية، ويستخدمها لخداع الناس. وفي بداية أمره، عندما لم يكن وجهه النفاقي قد كُشف بعد، كان يأخذ كتب أحاديث أصحاب الإمام الباقر (ع) بحجة استنساخها، ويدخل فيها أحاديث الغلو بأسانيد صحيحة، ثم يروج للنسخ المستنسخة بين الشيعة. وقد حذر الإمام الصادق (ع) أصحابه مرارًا من هذا الخطر، وطلب منهم عرض أحاديث الأئمة (ع) على القرآن والروايات القطعية، ورد ما يخالف القرآن والسنة القطعية، وأن يعلموا أنه من وضع المغيرة وأصحابه (الكشي، ١٤٠٩، ٢٢٤-٢٢٥).

رغم أنه بسبب لعن المعصوم (ع) ونفرته من المغيرة بن سعيد، والمعرفة التي اكتسبها الشيعة بهذا الملعون، لا يوجد حديث يُذكر عنه، إلا أن بعض العقائد الفاسدة التي نُسبت إلى هذا العنصر النفاقي، يمكن دراستها على النحو التالي:

الاعتقاد ببحرين، أحدهما مالح والآخر عذب، أحدهما ظلامي والآخر نوراني، ومن هذين البحرين خُلقت المخلوقات؛

أول المخلوقات كانت ظلال البشر، وأول مخلوق كان ظل محمد (ص)، وظل علي (ع) قبل خلق ظلال الآخرين (الشهرستاني، ١٣٦٤، ١: ٢٠٨).

نموذج آخر من الغلاة المعادين لأهل البيت (ع)، هو محمد بن مقلاص الأسدي الكوفي، المعروف بأبي الخطاب. كان في البداية من أصحاب الإمام الصادق (ع)، ولكنه انحرف بعد فترة. شكّل أبو الخطاب أهم وأكثر الفرق الغالية تطرفًا؛ لدرجة أن العديد من الغلاة بعده اقتبسوا عقائدهم منه. من أسوأ ما فعله أبو الخطاب، اقتداءً بالمغيرة بن سعيد، أنه كان يضع الأحاديث بسند مزور ويدسها في كتب أصحاب الأئمة (ع) وباسم الأئمة (ع). (علوي، ١٣٨٩)

بعد لعن الإمام (ع) ومقتل أبي الخطاب، انقسم أصحابه إلى فرق مختلفة ونشروا عقائد الخطابية الغالية، ومنها هذا المعنى: «الله هو نفس شخص محمد الذي ظهر في أشباح خمسة وصور مختلفة، وهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، ومن بينهم شخص محمد هو الصورة الأصلية، لأنه أول شخص ظهر وأول ناطق نطق» (أبي خلف، ١٣٦٠، ٥٦).

إن الانتباه إلى العقائد الفاسدة لهذين الغاليين، التي ترافقها كلمات مفتاحية مثل «الظلال»، و«الأشباح»، و«أول ناطق»، مع ملاحظة تكرار هذه التعابير في أحاديث الذر، خاصة روايات الأشباح والأظلة، يُظهر أن الغلاة ربما كانوا، مثل الرواة الإسرائيليين، مؤثرين في وضع المصطلحات ونشر العديد من الخرافات.

إن نظرة طولية وتاريخية لأخبار عالم الأرواح والأظلة والأشباح، تصل إلى هذه النتيجة العامة بأن صناعة الأساطير الإسرائيلية وتطرف الغلاة هما في الحقيقة تياران متصلان من الخداع والتسلل، يستفيدان من كل الأدوات والمعتقدات، الحق منها والباطل، لترسيخ الأفكار الفاسدة. لذلك، فإن الاعتماد على هذا النوع من الروايات دون تنسيقها مع الأصول المقبولة في علم الحديث هو خطأ.

ما سيأتي لاحقًا، يُظهر الخطر التسللي الذي حذر الإمام الصادق (ع) الشيعة منه، والذي تسلل بلا شك إلى جسد الإسلام والتشيع، وبعض العقائد المنحرفة للمغيرة وأبي الخطاب، التي عُرضت في قالب روايات الأظلة والأشباح وغيرها من أحاديث الذر، يمكن الآن التعرف عليها. في هذا القسم، يُشار إلى أفراد، بالإضافة إلى وجود مؤشرات الغلو في آثارهم، اتهمهم علماء الرجال بوضع الحديث والكذب:

١-٢-٣. محمد بن سليمان

ضعّفه الشيخ الطوسي في رجاله بهذه العبارة: «له كتاب يرمى بالغلو» (١٣٨١، ٣٤٣). وكتب النجاشي عنه: «ضعيف جدا لا يعول عليه في شيء…» (١٣٦٥، ٣٦٥)؛ وأشار ابن الغضائري أيضًا بعبارة إلى وجهة نظره الغالية: «ضعيف في حديثه، مرتفع في مذهبه لا يلتفت إليه» (١٣٦٤، ١: ٩١)؛ الحديث الذي أورده هذا المتهم بالغلو عن عالم الذر، يشبه كلام محمد بن كعب اليهودي؛ ويتعلق بمسألة خلق الأرواح قبل الأجساد (الصفار، ١٤٠٤، ٣٥٦).

٢-٢-٣. محمد بن علي الصيرفي

اشتهر محمد بن علي بن إبراهيم، الملقب بأبي سمينة، بالكذب والغلو. يكتب النجاشي عنه: «ضعيف جدا، فاسد الاعتقاد، قد اشتهر بالكذب» (١٣٦٥، ٣٣٢). ويقول ابن الغضائري: «أبو جعفر الملقب بأبي سمينة، كوفي، كذاب، غال» (١٣٦٤، ٩٤)؛ والكشي أيضًا يصف أبا سمينة بأوصاف مشابهة (١٤٠٩، ٥٤٦).

هذا الغالي الكذاب أورد أيضًا كلامًا عن عالم الذر يشبه ما سُمع من غلاة الخطابية. فهو ينسب رواية إلى الإمام السجاد (ع) يدعي فيها أن الله خلق المعصومين على هيئة أشباح قبل خلق البشر، وكانوا في تلك الحالة مشغولين بتسبيح الله وتقديسه. (الحر العاملي، ١٤٢٥، ٢٥٩)

٣-٢-٣. سهل بن زياد

وردت في خصوص هذا الشخص تعابير مختلفة مثل الضعف والغلو والكذب. يكتب النجاشي عنه: «كان ضعيفا في الحديث… وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلو والكذب» (١٣٦٥، ١٨٥). ويقول ابن الغضائري عنه: «كان ضعيفا جدا فاسد الرواية والمذهب» (١٣٦٤، ٦٧). روايات سهل عن «عالم الذر» متنوعة؛ في رواية، يُشار إلى خلق أول البشر والميثاق الذي أخذه الله منهم. (ابن بابويه، ١٣٩٨، ٣١٩-٣٢٠). وفي رواية أخرى، في باب الأظلة، يدعي وجود ظل للأئمة (ع) بلون أخضر. (الكليني، ١٤٠٧، ٤٤١)

٤-٢-٣. جعفر بن محمد الفزاري

يشير النجاشي إلى ضعفه قائلاً: «كوفي، كان ضعيفا في الحديث… يضع الحديث وضعا» (١٣٦٥، ١٢٢). ويشير ابن الغضائري بصراحة أكبر إلى مذهبه الغالي: «كذاب، متروك الحديث… وكل عيوب الضعفاء مجتمعة فيه» (١٣٦٤، ٤٨).

أول رواية لهذا الجاعل ناقلة لهذا المعنى، وهو أن المخاطب بآية ألست هم أرواح جميع بني آدم، وسبب أفضلية النبي محمد (ص) على سائر الأنبياء هو كونه «أول ناطق» بـ«بلى» في الإجابة على نداء ألست بربكم. (ابن بابويه، ١٣٦٢، ٣٠٨). وحديث آخر لهذا الراوي الضعيف يختص بموضوع الأشباح. (الكوفي، ١٤١٠، ٥٥١).

في تلخيص سيرة هذا العدد من الغلاة وتوضيح موجز لآثارهم، يمكن قول ما يلي:

١. هؤلاء الرواة، بادعاء الولاية وإثبات منزلة الأئمة (ع)، يسعون لتأييد أفكار تتوافق مع تحريفات الرواة الإسرائيليين وعقائد المفسدين مثل المغيرة وأبي الخطاب.

٢. هؤلاء، في بعض الحالات، لتقريب أفكارهم الباطلة، يستخدمون تعابير مثل «الأرواح»، و«الأظلة»، و«الأشباح»، التي كان قد استخدمها قبلهم الرواة الإسرائيليون والغلاة المشهورون.

٣. روايات «الأرواح والأظلة والأشباح» هي جزء فقط من الروايات التي استغلوها لتحريف آيات ألست وترسيخ فكرة عالم الذر؛ ويبدو أنهم، بنفس القصد والهدف، عرضوا ادعاء تحريف القرآن في عدد من روايات الذر.

٤. دراسة فقه الحديث في روايات الأرواح والأظلة والأشباح

مما سبق، اتضح أن الأخبار المتعلقة بنظرية «الأرواح قبل خلق الأجساد»، كتفسير لـ«آيات ألست»، مطروحة بشكل مشترك في مصادر السنة والشيعة؛ وفي آثار الشيعة، بالإضافة إلى مسألة الأرواح، تم شرح وتفصيل موضوعات أخرى بعنوان الأظلة والأشباح بشكل خاص. في هذا القسم، سنتناول هذه الأخبار بإيجاز، وننقد إشكالاتها السندية والمحتوائية.

١-٤. الدراسة السندية لأخبار الفريقين

لا شك أن البحث التاريخي السابق، رغم أنه لا يغنينا عن الدراسات السندية، إلا أن نتائجه سيكون لها أثر واضح في تضعيف أخبار الأرواح والأظلة. من هذا المنطلق، فيما يتعلق بكل فئة من فئات الروايات المذكورة، نشير باختصار إلى وجوه الضعف والنقد:

١-١-٤. أخبار أهل السنة

أخبار العامة في موضوع ظهور الأرواح في عالم الذر، وردت بشكل محدود، وهي غالبًا من غير المعصوم ومن قبيل التفسير بالرأي؛ ما يرد أدناه يظهر عددًا من هذه الأخبار التي يُبحث في كونها موقوفة أو محرفة:

الخبر الأول: عن محمد بن كعب القرظي في قوله: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» قال: «أقرت الأرواح قبل أن تخلق أجسادها»؛ أي أن أرواح البشر أقرت قبل خلق أجسادها. (ابن جرير، ١٤١٢، ٨٠)

الخبر الثاني: عن محمد بن كعب قال: «خلق الله الأرواح قبل أن يخلق الأجساد فأخذ ميثاقهم»؛ أي أن الله خلق الأرواح قبل خلق الأجساد ثم أخذ ميثاقهم. (السيوطي، ١٤٠٤، ٣: ١٤١).

الخبر الثالث: عن عطاء بن عجلان، … قال: سمعت رسول الله يقول: «إن الله خلق أرواح العباد قبل العباد بألفي عام فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف»؛ أي أن الله خلق أرواح العباد قبل ألفي عام فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. (التيمي، ١٤١٩، ١: ٥٠٥)

الخبر الرابع: عن ذي النون المصري، نُقل كلام عن امرأة والهة عاشقة لله قالت: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ بِأَلْفَيْ عَامٍ، ثُمَّ أَدَارَهَا حَوْلَ الْعَرْشِ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ، فَعَرَفَتْ رُوحِي رُوحَكَ فِي ذَلِكَ الْجَوَلَانِ»؛ أي أن الله عز وجل خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، ثم أدارها حول العرش، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، فتعرفت روحي على روحك في ذلك الجولان. (ابن الجوزي، ١٤١٩، ١: ٢٣١)

لا شك أن وجود أحد أقطاب الإسرائيليات، محمد بن كعب القرظي، كافٍ لتضعيف الخبرين الأول والثاني. فسابقته في تحريف القيم الدينية – كما مرّ مثاله – وعدم نسبة كلامه إلى معصوم، يقطعان بنفي حجية الخبرين المذكورين. بناءً على ذلك، فإن ما أورده هذا الراوي الإسرائيلي في تفسير آية ألست وشرح مجرى الميثاق، هو في الحقيقة تفسير بالرأي يمكن اعتباره منشأً للقول بـ«خلق الأرواح قبل الأجساد»، وبداية لسلسلة من الروايات التي انتقدها المحدث السني الألباني، ومنها نموذج منسوب إلى رسول الله (ص).

هذا المحقق السني، تحت الخبر الثالث، يكتب: هذا الحديث ضعيف بسبب وجود عطاء بن عجلان، إن لم نقل إنه موضوع. (الآلوسي، ١٤٢٥، ١٥٠). ثم يقول: «ولكن تعبير ‘فما تعارف…’ هو جزء من الحديث الصحيح والمعروف ‘إِنَّ الْأَرْوَاحَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ’ الذي لا نقاش فيه». (نفس المصدر). هذه العبارات تظهر بوضوح أن الذين وضعوا الخبر الثالث، لإقناع الناس بـ«خلق الأرواح قبل الأجساد»، مزجوه بكلام حق، وهي طريقة تُعرف في الاصطلاح بالتحريف، وتُسمى مثل هذه الأخبار بالمحرفة.

من الواضح أن الخبر الرابع فرع عن الخبر الثالث؛ فإذا اعتبر أحدهم الخبر الثالث موضوعًا، فلن يتردد في كون الخبر الرابع مختلقًا، خاصة وأن هذا الخبر مقطوع وغير متصل بالمعصوم.

٢-١-٤. أخبار الشيعة

روايات الشيعة بخصوص إثبات الأرواح في عالم الذر متنوعة. في عدد من هذه الروايات، يظهر استخدام حديث مشهور ومحاولة لتحريفه وتطبيقه على الميثاق، كما أن تعبير الأظلة والأشباح يلاحظ في بعض الروايات الأخرى للغلاة. وفي فئة أخرى من الأحاديث، افترض موضوع عالم الأرواح لإثبات علم الإمام (ع):

١-٢-١-٤. أحاديث الأرواح

الحديث الأول: عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَمْرٍو… عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: «إِنَّ الْأَرْوَاحَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا فِي الْمِيثَاقِ ائْتَلَفَ هَاهُنَا وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا فِي الْمِيثَاقِ اخْتَلَفَ هَاهُنَا»؛ الأرواح جنود مصطفة، فما تعارفت منها في الميثاق ائتلفت هنا، وما تناكرت منها في الميثاق اختلفت هنا. (ابن بابويه، ١٣٨٥، ٢: ١١١)

الحديث الثاني: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ… عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ بِأَلْفَيْ عَامٍ ثُمَّ أَسْكَنَهَا الْهَوَاءَ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ثَمَّ ائْتَلَفَ هَاهُنَا وَمَا تَنَاكَرَ ثَمَّ اخْتَلَفَ هَاهُنَا»؛ خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، ثم أسكنها الهواء، فما تعارف منها هناك ائتلف هنا، وما تناكر هناك اختلف هنا. (المجلسي، ١٤٠٣، ٥٨: ٣٢)

الحديث الثالث: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَجَعَلَ أَعْلَاهَا وَأَشْرَفَهَا أَرْوَاحَ مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَالْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ (ع)…»؛ إن الله تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، وجعل أعلاها وأشرفها أرواح محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من بعدهم (ع). (ابن بابويه، ١٤٠٣: ١٠٨)

بخصوص عدم اعتبار روايات الأرواح، عُرضت مسائل في البحث التاريخي؛ والآن، فيما يتعلق بضعف هذه الروايات، تُقدم النقاط التالية:

أولاً، الحديث الأول محل خدش بسبب «عبد الكريم بن عمر» الذي يُعرف عند الرجاليين بأنه «واقفي» (الطوسي، ١٣٨١، ٣٣٩)؛ كما أن وجود شخصية كاذبة وغالية مثل «عبد الله بن عبد الرحمن» (النجاشي، ١٣٦٥، ٢١٧؛ ابن الغضائري، ١٣٦٤، ١: ١٧) في سند الحديث الثاني يضعفه؛ والحديث الثالث أيضًا غير معتمد لوجود راويين متهمين بالضعف والغلو، وهما محمد بن سنان والمفضل بن عمرو (الطوسي، ١٣٨١، ٤٠٧؛ ابن الغضائري، ١٣٦٥، ١: ٩٢ و٨٨؛ النجاشي، ١: ٤١٦).

ثانياً، علامات التحريف في الحديث الأول واضحة. مقارنة الرواية الأصلية «الأرواح جنود مجندة» بالحديث الأول تظهر وجود إرادة تحريفية لصرف المعنى الحقيقي للرواية. في هذه المقارنة، يمكن بسهولة تمييز إضافة بضع كلمات (المعلمة) إلى الحديث الأصلي. وفي الحديث الثاني أيضاً، هناك إمكانية لحذف الجزء الأول من حديث «جنود» – كما ظهر في الخبر الثالث للعامة – واستبداله بتعبير «خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام».

ثالثاً، التشابه المضموني للحديث الثاني مع الخبرين الثالث والرابع للعامة، يثير الظن بأن هذا الحديث قد تسرب من مصادر أهل السنة إلى آثار الشيعة، وهو ما يُصطلح عليه بـ«المنتقلة».

رابعاً، إساءة استخدام حديث «إن الأرواح جنود مجندة» من قبل الغلاة لها سابقة. يذكر صاحب كتاب «الفرق والمقالات» أن مذهب التناسخ كان موجودًا في جميع فرق الغلاة، وكان بعضهم يدعي أن أرواح أصحاب النبي (ص) تحضر في بواطنهم وأنهم يعرفون بعضهم البعض. ولتبرير هذا الادعاء، كانوا يذكرون حديث «الأرواح جنود مجندة» ويقولون: «نحن نتعارف» (أبي خلف، ١٣٦٠، ٤٨).

لذلك، بالنظر إلى الحالات المذكورة، يمكن القول إن الحديث المعروف «إن الأرواح جنود مجندة» قد حُرّف عن معناه الأصلي وانصرف نحو ميثاق الذر وعالم الأرواح.

٢-٢-١-٤. أحاديث الأظلة

الحديث الأول: عَنْ حَبِيبٍ قَالَ حَدَّثَنِي الثِّقَةُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَخَذَ مِيثَاقَ الْعِبَادِ وَهُمْ أَظِلَّةٌ قَبْلَ الْمِيلَادِ فَمَا تَعَارَفَ مِنَ الْأَرْوَاحِ ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ»؛ إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق العباد قبل ولادتهم وهم أظلة، فما تعارفت من الأرواح ائتلفت، وما تناكرت منها اختلفت. (ابن بابويه، ١٣٨٥، ١: ٨٤).

الحديث الثاني: عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ… عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ… ثُمَّ بَعَثَهُمْ فِي الظِّلَالِ. قَالَ قُلْتُ أَيُّ شَيْءٍ الظِّلَالُ؟ قَالَ أَلَمْ تَرَ إِلَى ظِلِّكَ فِي الشَّمْسِ شَيْءٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ»؛ إن الله خلق الخلق ثم بعثهم في الظلال. قال الراوي: قلت ما هي الظلال؟ قال: ألم تر إلى ظلك في الشمس، هو شيء وليس بشيء. (صفار، ١٤٠٤، ١: ٨١).

الحديث الثالث: يروي سهل بن زياد بواسطة المفضل أنه قال: «عرضت على الإمام الصادق (ع): كيف كنتم في عالم الأظلة؟ فقال: يَا مُفَضَّلُ، كُنَّا عِنْدَ رَبِّنَا لَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ غَيْرُنَا فِي ظُلَّةٍ خَضْرَاءَ نُسَبِّحُهُ وَنُقَدِّسُهُ»؛ أي يا مفضل، كنا عند ربنا وليس عنده أحد غيرنا، في ظل أخضر نسبحه ونقدسه. (الكليني، ١٤٠٧، ٤٤١).

في تضعيف الأحاديث الثلاثة المذكورة، يمكن قول ما يلي:

أولاً، الاعتقاد بالأظلة والوجود الظلي للمعصومين (ع) منسوب في كتب «الفرق» إلى الغلاة (أبي خلف، ١٣٦٠، ٤٣-٤٤) ويُعد من عقائد الغالي المشهور، المغيرة بن سعيد (الشهرستاني، ١٣٦٤، ١: ٢٠٨)؛

ثانياً، في الحديث الأول، لم يُصرح باسم أحد الرواة، مما سبب إرسال الحديث، بالإضافة إلى أن في سند الحديثين الثاني والثالث، صالح بن عقبة وسهل بن زياد، وهما من الذين عُرفوا في كتب الرجال بالكذب والغلو (النجاشي، ١٣٦٥، ١٨٥؛ ابن الغضائري، ١٣٦٤، ١: ٦٧-٦٩)، وهذا بحد ذاته تأكيد آخر على الطبيعة الغالية لفكرة الأظلة.

٣-٢-١-٤. أحاديث الأشباح

الحديث الأول: يروي هذا الحديث جعفر بن محمد الفزاري معنعنًا عن قبيصة بن يزيد، يقول: دخلت على الإمام الصادق (ع) فقلت: أين كنتم قبل خلق السماء والأرض؟ فأجاب: «يَا قَبِيصَةُ، كُنَّا أَشْبَاحَ نُورٍ حَوْلَ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ اللَّهَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَامٍ»؛ أي يا قبيصة، كنا أشباح نور حول العرش نسبح الله قبل أن يخلق آدم بخمسة عشر ألف عام. (الكوفي، ١٤١٠، ٥٥٢)

الحديث الثاني: يروي محمد بن سنان عن المفضل، وهو عن جابر، أن الإمام الباقر (ع) قال: «يَا جَابِرُ، إِنَّ اللَّهَ أَوَّلَ مَا خَلَقَ خَلَقَ مُحَمَّداً (ص) وَعِتْرَتَهُ الْهُدَاةَ الْمُهْتَدِينَ، فَكَانُوا أَشْبَاحَ نُورٍ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ. قُلْتُ: وَمَا الْأَشْبَاحُ؟ قَالَ: ظِلُّ النُّورِ، أَبْدَانٌ نُورَانِيَّةٌ بِلَا أَرْوَاحٍ»؛ يا جابر، إن أول ما خلق الله هو محمد (ص) وعترته الهداة المهتدين، فكانوا أشباح نور بين يدي الله. قلت: وما الأشباح؟ قال: ظل النور، أبدان نورانية بلا أرواح. (الكليني، ١٤٠٧، ٤٤٢)

الحديث الثالث: يروى أيضاً بواسطة محمد بن علي الصيرفي عن الإمام السجاد (ع) أن حضرته قال: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ مُحَمَّداً وَعَلِيّاً وَأَحَدَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِهِ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ فَأَقَامَهُمْ أَشْبَاحاً فِي ضِيَاءِ نُورِهِ يَعْبُدُونَهُ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ»؛ إن الله خلق محمداً وعلياً وأحد عشر من ولده من نور عظمته، فأقامهم أشباحاً في ضياء نوره يعبدونه قبل خلق الخلق. (الحر العاملي، ١٤٢٥، ٢: ٢٥٩)

في بيان وجه ضعف الأحاديث المذكورة، نقطتان جديرتان بالاهتمام:

أولاً، هذه الروايات تنسب نوعاً خاصاً من الوجود بعنوان «أشباح» إلى أهل البيت (ع)، وهو ما شوهد لأول مرة في مصطلح الغلاة. (أبي خلف، ١٣٦٠، ٥٦)

ثانياً، وجود غلاة معروفين مثل جعفر بن محمد الفزاري ومحمد بن علي الصيرفي في الحديثين الأول والثالث، أو رؤية اسم شخصية متهمة بالغلو، محمد بن سنان، في الحديث الثاني، يؤكد الطبيعة الغالية لفكرة الأشباح.

٣-١-٤. علم المعصومين (ع) وعالم الأرواح والأظلة

في عدد كبير من روايات الأرواح والأظلة، تم إثبات علم المعصومين (ع) بافتراض وجود عالم الأرواح والأظلة. في المجموعة التالية، تم تحليل هذه الروايات بتصنيفها:

الفئة الأولى: في حديث عن الإمام الباقر (ع)، ضمن بيان قصة ميثاق الولاية في عالم الذر وطرح موضوع الطينة والأظلة، تم تأكيد معرفة أرواح الشيعة قبل خلق الأبدان لرسول الله (ص) وسائر المعصومين (ع) (البرقي، ١٣٧١، ١: ١٣٥). وفي حديث آخر، خاصة فيما يتعلق بمعرفة أمير المؤمنين (ع) بالأرواح في عالم قبل الدنيا، ورد أيضاً (الصفار، ١٤٠٤، ٨٨).

الفئة الثانية: في عدة أحاديث أخرى، باستخدام تعابير مثل «مَا رَأَيْتُ رُوحَكَ»، تم التأكيد على معرفة أمير المؤمنين (ع) بأرواح شيعته قبل خلقهم الدنيوي (الصفار، ١٤٠٤، ٨٧-٨٨). النقطة المشتركة في كل هذه الأحاديث هي قصة رجل يحضر خدمة أمير المؤمنين (ع) ويعرب عن ولائه ومحبته، لكن حضرته لا يقبل ادعاءه فحسب، بل يكذبه.

الفئة الثالثة: في حديثين آخرين، تُروى قصة امرأة تعترض في محكمة عدل علي (ع) على حكم الإمام (ع)، ولإسكاتها، يكشف حضرته عن أسرارها الخفية؛ وبهذا الحدث، تُهيأ الظروف لهدف الرواية، وهو الإشارة إلى أصل علم الإمام، الذي يقوم على إشرافه على خصائص الأفراد في عالم الأرواح (راجع: صفار، ١٤٠٤، ٣٥٥-٣٥٦).

بخصوص الاعتبار السندي لروايات الفئة الأولى، يمكن القول: رغم عدم وجود إشكال سندي في الرواية الأولى، إلا أن نقل رواية مشابهة (الكليني، ١٤٠٧، ١: ٤٣٦) من قبل سهل بن زياد، المعروف بالكذب والغلو، يثير الشك في المفهوم المشترك لهاتين الروايتين؛ إذ أن إمكانية الوضع موجودة دائماً. وفي الحديث الآخر، يُرى اسما «عمارة» و«سلام بن أبي عميرة»، الأول مجهول والثاني لا ذكر له في كتب الرجال.

كذلك في طرق روايات الفئة الثانية، إما يوجد إرسال، أو يحضر غلاة مشهورون مثل صالح بن سهل ومحمد بن الفضيل (ابن الغضائري، ١٣٦٤، ١: ٦٩؛ الطوسي، ١٣٨١، ٣٦٥)؛ مما يسبب ضعفاً جدياً في هذه الروايات.

دراسة سند الفئة الثالثة أيضاً تؤكد الطبيعة المتطرفة لمضمون هذه الروايات، لأن فيها بصمات الغلاة يمكن العثور عليها؛ شخصيات مثل محمد بن سليمان وعمرو بن شمر هم ممن اشتهروا بالغلو أو كانوا مختلطين ويعانون من ضعف جدي. (النجاشي، ١٣٦٥، ١٢٩).

٢-٤. الدراسة المتنية لأحاديث الأرواح والأظلة

١-٢-٤. دراسة أخبار أهل السنة

بخصوص الخبرين الأول والثاني، أُشير إلى أن ما رواه الراوي الإسرائيلي محمد بن كعب، عن تفسير آية ألست وشرح مجرى الميثاق، هو تفسير بالرأي قدمه في سياق تحريف آيات القرآن والتوافق مع أقرانه. فهو، دون الانتباه إلى المعنى الظاهري لكلمات «بني آدم»، «ظهورهم»، و«ذريتهم» التي تشير إلى التناسل والخلق الجسدي للبشر، عنون موضوع آية ألست بالأرواح، وبهذا أسس لنظرية «خلق الأرواح قبل الأجساد».

مع إثبات كون الخبر الثالث موضوعاً من قبل محدث سني، يجب الانتباه إلى هذه النقطة وهي أن إمكانية تحريف حديث «الأرواح جنود مجندة» بصور أخرى، وانتقاله إلى مصادر شيعية، موجودة.

ما يميز الخبر الرابع عن الأخبار السابقة هو تعبير «روحي» و«روحك» الذي يدل على تشخص الروح قبل خلق الجسد. هذا الموضوع، الذي يُعد من المسائل الغامضة في الفلسفة، لقي معارضة شديدة من قبل مفكري الشيعة، وذُكرت وجوه مختلفة في رده. (راجع: معلمي، ١٣٨٩). ومع ذلك، في بعض روايات غلاة الشيعة، تم تأييد هذا المعنى.

٢-٢-٤. دراسة أخبار الشيعة

١-٢-٢-٤. أحاديث الأرواح

بالنظر إلى النقاشات السابقة، اتضح أن الحديثين الأول والثاني يؤكدان على وجود عالم قبل الدنيا. هذا العالم السابق، بالنظر إلى تعبير «الميثاق» في الحديث الأول، يمكن تطبيقه على عالم الذر والميثاق. كما أشار الشيخ المفيد، فإن قبول هذا النوع من الانحراف في معنى الحديث قد روته الحشوية (الذين لا يتعقلون في معاني الأحاديث) (المفيد، ١٤١٣، ٥٤). وأما محققو الشيعة، فقد قدموا معنى آخر يتوافق مع ظاهر الحديث، وقالوا عن المقصد الحقيقي للحديث: «فما تعارف منها باتفاق الرأي والهوى ائتلف، وما تناكر منها بمباينة في الرأي والهوى اختلف»؛ أي الأرواح التي تتفق في الرأي والهوى، تتآلف وتنسجم مع بعضها، والأرواح التي تتباعد في الرأي والهوى، يقع بينها الاختلاف (نفس المصدر).

هذا المعنى، الذي يحكي عن قاعدة سلوكية بين البشر، بالإضافة إلى كونه محسوسًا ومشاهدًا، تؤيده أيضاً بعض الأحاديث الشارحة. كما ورد عن الإمام الباقر (ع) في هذا الصدد أنه قال: «الأرواح جنود مصطفة… فإذا دخل مؤمن مسجداً فيه جمع غفير ليس فيه إلا مؤمن واحد، مالت نفسه إليه حتى يجلس إلى جانبه» (الكوفي الأهوازي، ١٤٠٤، ٣٩).

أما الحديث الثالث – خلافًا للحديث الثاني – فيشير بشكل مستقل إلى موضوع الخلق النوري لأهل البيت (ع) وأرواح البشر قبل ألفي عام من خلق البشر، دون أن يعلق عليه مسألة «تعارف وتناكر الأرواح»؛ هذا المعنى يدل على أن ادعاء «خلق الأرواح قبل ألفي عام من خلق الأجساد» هو بحد ذاته موضوع مستقل يجب دراسته.

جدير بالذكر أنه بخصوص الفاصل الزمني بين خلق آدم (ع) والوجود النوري للأئمة (ع)، نقلت روايات متعددة أعدادًا مختلفة. ألفا، أربعة آلاف، سبعة آلاف، اثنا عشر ألف، خمسة عشر ألف، اثنان وعشرون ألف عام، وأربعمائة وأربعة وعشرون ألف عام، هي الأزمنة التي رُويت للفاصل الزمني المشار إليه (ابن بابويه، ١٤٠٣، ٥٦؛ همو، ١٣٦٢، ٢: ٦٤٠ و٤٨٣؛ همو، ١٣٨٥، ١: ٢٠٩؛ الكوفي، ١٤١٠، ٥٠٥ و٥٥٢؛ الطبري الآملي، ١٤١٥، ٦٣٠).

بالنظر إلى الضعف الذي ثبت في سند هذه الروايات، فإن توجيه وجمع هذه الأحاديث على فرض الإمكان لا وجه له معقول؛ لذلك يجب القبول بأن بعض هذه الروايات على الأقل باطلة من الأساس.

٢-٢-٢-٤. أحاديث الأظلة

تشير «أحاديث الأظلة»، كما يوحي اسمها، إلى وجود ظلي للبشر والأئمة المعصومين (ع). في الحديث الأول، يُعرّف عالم الأظلة بأنه نفس عالم الميثاق والأرواح. ومقارنة هذا الحديث بأحاديث الأرواح تظهر أن موضوع هاتين الفئتين من الروايات هو في الحقيقة واحد، وقد استخدمت كلمة «الأظلة» بدلاً من كلمة الأرواح. كذلك في الحديث الأول، يُطرح هذا الادعاء وهو أن خصائص الأرواح في عالم الأظلة هي سبب ظهور صفات متناسبة في الدنيا، ولكن في النقاش السابق (أحاديث الأرواح) اتضح أن هذا النوع من الأحاديث لا يدل على عوالم قبل الدنيا.

ومع ذلك، وفقًا للحديث الثاني، فإن خلق البشر قد وقع في عالم قبل الدنيا، وقد عُرّف وجودهم الظلي لمرحلة بعد الطينة. وبناءً على التعريف المذكور، فإن وجود البشر الظلي يعني شيئًا بين الوجود والعدم. والحديث الثالث أيضًا يشير إلى كيفية الوجود الظلي للأئمة المعصومين (ع) في عالم الأظلة، ويخبر عن حياتهم وتسبيحهم وتقديسهم لربهم قبل خلق العالم.

٣-٢-٢-٤. أحاديث الأشباح

ملاحظة معظم روايات الأشباح تحكي عن إثبات التسبيح والتقديس والعبادة للذوات المقدسة للمعصومين (ع). هذه الميزة هي بالضبط نفس المعنى الذي أُثبت في أحاديث الأظلة (الحديث الثالث) لحضرات المعصومين (ع)؛ ونتيجة هذه المقارنة تظهر أن تعبيري الأظلة والأشباح في هاتين الفئتين من الروايات هما في الواقع تفنن في العبارة ولا يوجد فرق ماهوي بينهما.

في الحديث الأول، يرتبط خلق أشباح الأئمة (ع) بخمسة عشر ألف عام قبل خلق آدم (ع). هذا العدد، كما بُيّن في بحث الأرواح، ليس معتمدًا إلى حد كبير.

في الحديث الثاني، عُرّفت الأشباح بأنها «أبدان نورانية بلا أرواح»؛ هذا التعريف يثير سؤالاً في الذهن: كيف يمكن التسبيح والعبادة التي بُيّنت في الحديثين الأول والثالث، بأبدان بلا أرواح؟!

٤-٢-٢-٤. علم المعصومين (ع) وعالم الأرواح والأظلة

أحاديث الفئة الأولى، بتعبيري «تعارف» و«إِنَّ رُوحِي أَنْكَرَ رُوحَكَ»، تخبر عن تشكل معرفة ثنائية بين الأرواح قبل الدنيا، وتأثير تلك المعرفة في العلاقات الدنيوية. في المقابل، يضيف الشيخ المفيد، ضمن بيانه للمفهوم الصحيح لـ«ما تعارف منها ائتلف» ونسبته للمعنى المذكور أعلاه إلى الحشوية، هذه النقطة وهي أن مثل هذه المعرفة، قبل الظهور في عالم الدنيا، غير ممكنة للإنسان، لأن الحس والتجربة يظهران أن الإنسان مهما حاول أن يتذكر شيئًا من الماضي، فإنه لا يقدر عليه. (١٤١٣، ٥٤).

بخصوص الفئة الثانية من الروايات، يُطرح هذا السؤال والإشكال الأساسي: هل، وفقًا لسيرة النبي (ص) وسنة أهل البيت (ع)، يُقبل التعامل السلبي مع مسلم وتكذيب شخص متظاهر بالإيمان والولاية؟ هل في كل القرآن والسنة القطعية، يُؤيد مثل هذا النهج؟

وفقًا للتفسير الذي قدمه المفسرون تحت آية «قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ» (التوبة: ٦١)، فإن رسول الله (ص) لم يكن يكذب المسلمين فيما يقولون، بل كان يحمل كلام المخبر على الصحة؛ ولم يكن يقول للمتكلم صراحة إنك تكذب حتى لو كان يعلم أن كلامه كذب (الطباطبائي، ١٤١٧، ٩: ٣١٥).

هذا البيان يؤيد أن سيرة ذلك الحضرة، وتبعًا له سيرة أهل البيت (ع)، هي حفظ كرامة الإنسان، حتى لو كان ذلك الشخص منافقًا ومخالفًا حقيقيًا للأئمة (ع). إذن، بالنظر إلى تعارض مفهوم هذه الروايات مع سيرة المعصومين (ع)، فإن قبول محتوى هذه الأحاديث، ومنها إثبات خلق الأرواح قبل الأبدان، سيكون ممنوعًا.

بخصوص الفئة الثالثة من أحاديث علم المعصومين (ع)، يجب إضافة أن الروايتين المطروحتين في هذا البحث، ضمن ادعائهما بكتابة مصير الأفراد على جباههم، تخبران عن ظهور الأعمال الحسنة والسيئة للبشر للمعصومين (ع)، وتعرفان هذا العلم والمعرفة بأنه تأويل للآية «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ» (الحجر: ٧٥) (راجع: الصفار، ١٤٠٤، ٣٥٥-٣٥٦).

نظرة إلى الروايات تحت الآية المذكورة تظهر أن هذه الآية فُسرت وأُوّلت بطريقتين؛ طريقة متطرفة وخارجة عن سيرة المعصومين (ع)، والتي يشهد عليها النموذجان المذكوران سابقًا؛ وطريقة معقولة وصحيحة، والتي شرحت الآية بقول رسول الله (ص): «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ». (ابن بابويه، ١٣٨٥، ١: ١٧٣-١٧٤).

الوجه غير المعقول في الحديثين محل البحث هو من حيث أنهما يجيزان للإمام استخدامًا مفرطًا لعلم الإمامة ويشوهان الصورة النقية لأمير المؤمنين (ع)؛ فالحديث يلقي بأن حضرته مستعد، في رده على اعتراض شاكٍ، أن يضع جانبًا وجهه الستار، ويكشف أسراره ويفضحه.

الخاتمة

روايات الأرواح والأظلة والأشباح هي جزء من مجموعة الأخبار والأحاديث المتنوعة لإثبات عالم الذر أو ميثاق الذر، والتي يُظن بقوة أنها قد تسربت إلى مصادر الفريقين من قبل الرواة الإسرائيليين والغلاة المتطرفين.

العناوين المختلفة للأرواح والأظلة والأشباح في الروايات، لإثبات نوع خاص من الوجود بخصائص مشتركة، تشير إلى إمكانية استبدال هذه التعابير؛ هذا التفنن في الألفاظ الذي يحكي عن وجود ممكن وخيالي، قد أُعلن عن رفضه بطريقة ما من قبل بعض المفكرين والفلاسفة الإسلاميين.

في عدد من هذه الروايات، بحجة إثبات علم الإمامة، شُوّهت الصورة النقية للمعصومين (ع)، وهذا بحد ذاته دليل على عدم معرفة واضعي هذه الأحاديث بمكانة الإمامة والولاية.

إن طرح ورفض الروايات التي تبدو حقة في البحث الحالي لا يعني إنكار فضائل ومقامات أئمة المعصومين (ع)؛ بل هو واجب في سبيل صيانة ثقافة الشيعة من خطر الانحرافات. هذا الخطر حذر منه أئمة الشيعة (ع)، وعمل علماء يقظون مثل الشيخ المفيد على أداء هذا الواجب.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم

الآلوسي، نعمان بن محمود، الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات، تحقيق ناصر الدين الألباني، الرياض، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.

ابن غضائري، أحمد بن حسين، رجال ابن الغضائري، قم، مؤسسة اسماعيليان، ١٣٦٤.

ابن أبي حاتم، عبد الرحمن، تفسير القرآن العظيم، ج٥، الرياض، مكتبة نزار مصطفى، الطبعة الثالثة، ١٣٦٤.

ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، تهذيب التهذيب، ج٩، الهند، دائرة المعارف النظامية، الطبعة الأولى، ١٣٢٦.

ابن سعد، محمد الزهري، الطبقات الكبرى، ج١، بيروت، دار صادر، الطبعة الأولى، ١٩٦٨ م.

ابن جرير، محمد الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، ج٩، بيروت، دار المعرفة، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.

ابن بابويه، محمد بن علي، التوحيد (للصدوق)، قم، جامعة مدرسين، ١٣٩٨.

________، علل الشرائع، قم، كتاب فروشي داوري، ١٣٨٥.

________، الخصال، ج١، قم، جامعة مدرسين، ١٣٦٢.

________، معاني الأخبار، قم، جامعة مدرسين، ١٤٠٣ هـ.

ابن الجوزي، عبد الرحمن، تنوير الغبش في فضل السودان والحبش، الرياض، دار الشريف، ١٤١٩ هـ.

أبو رية، محمود، أضواء على السنة المحمدية، القاهرة، دار المعارف، الطبعة السادسة، د.ت.

أبي خلف، سعد بن عبد الله، كتاب المقالات والفرق، طهران، انتشارات علمي وفرهنگي، الطبعة الثانية، ١٣٦٠.

الأطير، حسني يوسف، البدايات الأولى للإسرائيليات في الإسلام، القاهرة، مكتبة الزهراء، الطبعة ١٦، ١٤١٢ هـ.

التيمي، إسماعيل بن محمد، الحجة في بيان المحجة، السعودية، الرياض، دار الراية، ١٤١٩ هـ.

البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن، قم، دار الكتب الإسلامية، ١٣٧١.

الحر العاملي، محمد بن حسن، إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، ج٢، بيروت، أعلمي، ١٤٢٥ هـ.

ثبوت، أكبر، «نقد وبررسي پاسخي به نقد نقد»، كتاب ماه فلسفه، ش ٢٧، صص ٢٩-٣، طهران، خانه كتاب، ١٣٨٨.

الذهبي، محمد حسين، التفسير والمفسرون، ج١، القاهرة، دار الكتب الحديثة، ١٣٤٠.

رستمي، علي أكبر، «آسيب شناسي روايات تفسيري»، پژوهش هاي قرآني، شماره ٢٥-٢٦، صص ٣٢٢-٣٤٣، قم، دفتر تبليغات إسلامي، ١٣٨٠.

السيوطي، عبد الرحمن، الدر المنثور، ج٢ و٣، قم، كتابخانه آية الله مرعشي نجفي، ١٤٠٤ هـ.

الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، ج١، قم، الشريف الرضي، ١٣٦٤.

الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، ١٤٠٤ هـ.

الطبري الآملي، محمد بن جرير بن رستم، المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب (ع)، قم، كوشانبور، ١٤١٥ هـ.

الطوسي، محمد بن حسن، رجال الشيخ الطوسي، النجف، انتشارات حيدرية، ١٣٨١.

علوي، سيد محمد حسن، «تعامل ائمه با غلات»، معارف عقلي، ش ١٥، صص ٧٥-١١٠، قم، مؤسسة إمام خميني (ره)، ١٣٨٩.

كريمي نيا، مرتضى، «مستشرقان و إسلام» (مصاحبه)، روزنامه اطلاعات، يكشنبه ٨ دي، ١٣٨٧.

الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي، مشهد، مؤسسه نشر دانشگاه مشهد، ١٤٠٩ هـ.

الكوفي الأهوازي، حسين بن سعيد، المؤمن، قم، مؤسسة الإمام المهدي عليه السلام، ١٤٠٤ هـ.

الكوفي، فرات بن إبراهيم، تفسير فرات الكوفي، طهران، مؤسسه چاپ و نشر وزارت ارشاد، ١٤١٠ هـ.

الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج١، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٤٠٧ هـ.

المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج٤٥، ٥٨، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٣ هـ.

معلمي، حسن، «حدوث نفس»، قبسات، ش ٥٨، صص ٣٥-٥٨، قم، پژوهشگاه فرهنگ و انديشه إسلامي، ١٣٨٩.

المفيد، محمد بن محمد، المسائل السروية، قم، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، ١٤١٣ هـ.

النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، ١٣٦٥.

الهوامش

1. عضو هيئة التدريس بجامعة آزاد الإسلامية، وطالب دكتوراه في علوم القرآن والحديث بجامعة مازندران. هذا المقال مستل من رسالة الدكتوراه. sh.karim.1970@gmail.com

2. أستاذ مساعد بقسم علوم القرآن والحديث بجامعة مازندران (المؤلف المسؤول). m.nouraei@umz.ac.ir

Scroll to Top