دراسة عوامل اختلاف القراءات القرآنية وتطبيقاتها من منظور علماء علوم القرآن وآية الله الفاضل اللنكراني

الملخص

القرآن الكريم هو أحد أدوات هداية الإنسان التي أنزلها الله سبحانه على النبي الأكرم ﷺ. هذا الكتاب السماوي، الذي هو معجزة النبي الأكرم ﷺ، قابل للبحث والدراسة من أبعاد مختلفة. في هذا المقال، تم بحث علة وآثار اختلاف قراءة القرآن من وجهة نظر علماء الإسلام بأسلوب وصفي-تحليلي وباستخدام المصادر التفسيرية وعلوم القرآن؛ بهدف التعريف بزوايا القرآن الكريم، وقد تم التوصل إلى نتيجة مفادها أن علماء أهل السنة يقبلون اختلاف قراءة القرآن، بينما يرفضه علماء الشيعة. من وجهة نظر آية الله الفاضل، فإن شهرة قراءة واحدة مثل قراءة حفص عن عاصم في جميع العصور ليست موضع تأييد، وفي كل عصر كانت هناك قراءة خاصة مشهورة.

المقدمة

يُعدّ بحث القراءات من الموضوعات المهمة في علوم القرآن، والذي يتناوله هذا المقال من وجهة نظر علماء علوم القرآن وآية الله الفاضل. تكمن أهمية هذا البحث في كونه ضرورياً ومفيداً من جهات عدة، حيث يمكن أن يُنظر إليه كنموذج لإثبات تواتر القرآن، والأحرف السبعة من منظور أهل السنة والإمامية، واختلاف القراءات وفوائدها. كذلك، تُناقش أدوار قراءات القرآن، حيث في الدور الأول كان النبي ﷺ يُقرئ المسلمين القرآن تلاوةً وحفظاً، وكان هدفه من إقرائهم دعوته إياهم إلى الإسلام. في الواقع، يمكن القول إن رسول الله ﷺ كان أول قارئ للقرآن. أما في الدور الثاني، وهو دور رواج القراءات المختلفة، فقد اتسع تيار الاختلاف في القراءات بين الحفاظ والقراء ليصل إلى أواخر القرن الأول، وبذلك فُتحت مرحلة جديدة في تاريخ القراءة. يهدف البحث الحاضر إلى دراسة آراء علماء علوم القرآن حول علة اختلاف القراءات بصورة مقارنة، ليُظهر الفروق في وجهات نظر الفريقين في هذا الباب، ويبيّن الآثار التي عُدّت لاختلاف القراءات، خاصة عند أهل السنة. وفي ضمن ذلك، ستتم دراسة آراء العلماء المسلمين حول تواتر القراءات والقراءة المشهورة في كل عصر، مع التأكيد على رأي آية الله الفاضل اللنكراني. نأمل أن يمهد هذا التحقيق لمزيد من النشاطات في مجال علوم القرآن، وخصوصاً في حقل القراءات، وأن يسهم في الإجابة على بعض الشبهات المطروحة في هذا المجال.

أدوار القراءات القرآنية

مرّت قراءات القرآن بأدوار مختلفة حتى أصبحت في النهاية علماً مستقلاً. يمكن تقسيم هذه الأدوار إلى ثلاثة أدوار كلية، يشتمل كل منها على حوادث متنوعة (الفضلي، تاريخ قراءة القرآن، د.ت: ٢٢ – ٦٩).

الدور الأول – تعليم القرآن الكريم وتلاوته وحفظه

كانت نقطة انطلاق قراءة القرآن بتعليم الآيات الخمس الأولى من سورة العلق للنبي الأكرم ﷺ من قبل جبريل، وتحققت بخطاب «اقرأ» ليقرأ النبي القرآن. في هذا الدور، كان النبي ﷺ نفسه يعلم المسلمين القرآن ويقرئه عليهم، وكان هدفه من إقرائهم دعوته إياهم إلى الإسلام. في الواقع، يمكن القول إن رسول الله ﷺ كان أول قارئ للقرآن.

بأمر من النبي الأكرم ﷺ، قام عدد من المسلمين مثل مصعب بن عمير وابن مكتوم بتعليم القرآن الكريم لآخرين. تدريجياً، ظهرت مجموعة تولت تلاوة الآيات وتدريسها، وأصبح هذا العمل شغلهم الرئيسي في حياتهم، وأطلق عليهم اسم «القراء». وقد انطلقت الشرارات الأولى لاختلاف القراءات في هذا الدور، أي في النصف الأول من القرن الأول. في هذه الفترة، تحولت مسألة القراءة إلى تعليم وتعلّم، بمعنى أن الراغبين في قراءة القرآن كانوا يرجعون إلى حفظة القرآن – كالصحابة – أو المشهورين بذلك، ليقرؤوا عليهم القرآن ويتعلموا منهم القراءة. كانت مدينة الكوفة بعد المدينة المنورة من أشهر المدن التي اهتم أهلها بالقرآن وقراءاته. وفي هذا الدور، قام عدد من الصحابة، إلى جانب التعليم والتعلم، بحفظ القرآن الكريم، ولم يتجاوز هذا الدور النصف الأول من القرن الأول الهجري.

الدور الثاني – رواج القراءات المختلفة

يمكن تتبع وقائع هذا الدور في ثلاث مراحل:

  1. اتساع تيار الاختلاف في القراءات بين الحفاظ والقراء إلى أواخر القرن الأول، وبذلك انفتحت مرحلة جديدة في تاريخ القراءة.
  2. يجب البحث عن هذه المرحلة في الزمن الذي أرسل فيه عثمان بن عفان، بعد توحيد المصاحف، قارئاً خاصاً إلى كل بلد أرسل إليه مصحفاً، ليوحد الناس على أساس مصحفه الخاص.
  3. كانت نتيجة هذا الجهد – توحيد المصاحف – قصيرة المدى بين الأمة الإسلامية، ومرة أخرى، أي من أواخر القرن الأول إلى آخر القرن الثاني، ابتلي المسلمون بمصيبة الاختلاف في قراءة كتاب الله. في هذه المرحلة، كان الناس ينظرون بعين القبول إلى قراءات جميع القراء. «القراء السبعة» الذين عاشوا جميعاً في القرن الثاني الهجري هم: ابن عامر، ابن كثير، عاصم، أبو عمرو، حمزة، نافع، والكسائي (نفسه، ٣٨-٣٩؛ شريعت، چهارده روایت در قرائت قرآن مجید، ١٣٧٠: ١٣).

الدور الثالث – تخصص علم القراءة

لهذا الدور أيضاً ثلاث مراحل:

  1. أثمر الجهد الدؤوب للقراء، خاصة السبعة المذكورين، في غرس نبتة تخصص «علم القراءة» في القرن الثالث.
  2. في هذه الفترة، تم الاهتمام بحصر القراءات في سبع قراءات. وقد بدأت هذه المهمة على يد ابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) بتأليفه كتاب «القراءات السبعة».
  3. المرحلة الأخيرة هي اتفاق جميع المسلمين على قراءة حفص عن عاصم، التي تتوافق مع القراءة المتواترة المشهورة، وفي الوقت الحاضر تُطبع الغالبية العظمى من المصاحف بخط عثمان طه وبقراءة حفص.

إثبات تواتر القرآن

القرآن الكريم هو أساس الإسلام، المعجزة السماوية، ودليل نبوة النبي الأكرم ﷺ، لذا يجب أن يصل إلينا بطريق يقيني. يتفق جميع المسلمين على أن نص القرآن المجيد لا يمكن إثباته إلا عن طريق التواتر والنقول الكثيرة واليقينية، وإثبات هذا التواتر يقع على عاتق علم القراءة. بالإضافة إلى ذلك، من أهم الأدلة التي تبطل شبهة التحريف هو أن القرآن متواتر؛ أي أن مجموعه وأجزاءه، السور والآيات وحتى الجمل والكلمات والحروف، وكذلك قراءته وحركات حروفه، كلها وصلتنا بالتواتر (راجع: الخوئي، البيان، ١٤١٦: ١٢٣-١٢٤). إن بحث قراءة القرآن يتكفل بإثبات هذا الأمر المهم.

علة اختلاف القراءات

في الإجابة على سؤال: لماذا اختلفت القراءات؟ طُرحت آراء مختلفة من قبل العلماء، منها:

١. اختلاف القراءة وتأييد النبي الأكرم ﷺ

وصلتنا روايات تفيد بأن النبي الأكرم ﷺ لم يكن يتقيد بلفظ وقراءة واحدة عند تعليم القرآن الكريم. وقد جمع العلامة العسكري هذه الروايات في كتاب «القرآن الكريم وروايات المدرستين» ورد عليها. ومع ذلك، أورد عبد الهادي الفضلي هذه الروايات نفسها في كتابه «تاريخ القراءة» وأيدها بنوع ما (العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين، ١٤٢٤: ٢/ ١٢٦ – ٢٥٠). التنوع والاختلاف في تقرير وتأييد النبي ﷺ لقراءة المسلمين، والذي كان بهدف التسهيل والتوسعة على الأمة الإسلامية، هو سبب آخر لاختلاف القراءات (هذه الروايات تدل على اختلاف لهجات الأفراد الذين قرأوا في حضرة النبي الأكرم ﷺ).

٢. اختلاف الرسم الخطي

من العوامل الأخرى لاختلاف القراءات خلو المصاحف الإمام من النقط والإعراب. وقد حظي هذا العامل باهتمام علماء الشيعة مثل محمد هادي معرفت وأبو القاسم الخوئي، وكذلك علماء أهل السنة مثل الزرقاني في مناهل العرفان (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ١٣٨٤: ٢ / ١٥؛ راجع: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ١٤١٦).

٣. اختلاف اللهجة

كان منشأ بعض القراءات هو اختلاف اللغات ولهجات العرب. هذه المسألة متفق عليها ومؤيدة بين عموم علماء الفريقين، وجميع العلماء والمحققين يقرون بصحتها.

٤. اجتهاد القراء

اجتهاد القراء، الذي لم يكن معتمداً على الرواية والنقل عن النبي الأكرم ﷺ، كان عاملاً للاختلاف. وقد أبدى المرحوم العلامة العسكري ومحمد هادي معرفت رأيهما في هذا الشأن، واعتبروه من أهم عوامل اختلاف القراءات (الفضلي، تاريخ قراءات القرآن الكريم، د.ت: ١١٧-١٢٥؛ راجع: العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين، ١٤٢٤: ٢ / ١٢٥-٢٥٠؛ ومعرفت، التمهيد، ١٣٨٤: ٢ / ٢٠ – ٨٠). ما تم بيانه كان آراء بعض أهل النظر من أهل السنة والإمامية حول علة اختلاف القراءات، ولكن من بين العوامل المذكورة، هناك ثلاث علل أكثر أهمية سنتناولها بالبحث.

أ) اختلاف الرسم الخطي

غالباً ما طرح هذه النظرية مستشرقون مثل غولدزيهر. يكتب في كتابه «مذاهب التفسير الإسلامي»: «قسم كبير من اختلاف القراءات يعود إلى خصائص الخط العربي، فهذه الخصائص تخلق مقادير صوتية مختلفة، منشؤها أيضاً اختلاف وضع النقاط التي توضع تحت أو فوق شكل الحرف، أو منشؤها اختلاف عدد النقاط» (راجع: الفضلي، تاريخ القراءات، د.ت).

– دراسة نقدية

لقد انحرف غولدزيهر في هذا المورد عن الحق والإنصاف، وتكلم بعيداً عن الواقع؛ لأنه لو كان منشأ اختلاف القراءات هو طريقة الكتابة، لكان هذا الاختلاف سيؤدي إلى وضع مروع، ويخلق قراءات لا حصر لها. في حين أن القراءات الموجودة حالياً، والتي كتب العلماء عنها كتباً متعددة، وكانوا دائماً يبحثون عن سند وأساس نقلها، هي معروفة ومحدودة في نفس الوقت؛ بالإضافة إلى ذلك، فإن جميع هذه القراءات تعتمد على النقل والرواية، لا على طريقة الكتابة ورسم الخط القرآني.

ب) اختلاف اللهجات

من وجهة نظر أهل السنة، أحد أسباب وعوامل اختلاف القراءات هو تفاوت اللهجات. هذه المجموعة، بالنظر إلى حديث «أنزل القرآن على سبعة أحرف»، تعتبر أن اختلاف القراءات ناتج عن اختلاف لهجات العرب (الخوئي، البيان في التفسير القرآن، ١٤١٦: ١٩١ و ١٩٢). قال أحد المستشرقين، وهو فولرز، بناءً على فرضية، إن القرآن نزل في البداية بلهجات عامية كانت تختلف اختلافاً كبيراً عن الأسلوب والنمط المتقدم للغة العربية (حجتي، پژوهش در تاريخ قرآن كريم، ١٣٦٠: ٢٦٣).

– دراسة نقدية

هذه النظرية أيضاً – وإن كانت قد تكون أفضل قول بالنسبة للبقية – لا تبدو صحيحة، لأن هذا المطلب يتعارض مع خبر يقول: «تنازع عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم في قراءة القرآن». بما أن كليهما كانا من لهجة قريش، فلا ينبغي أن يكون بينهما اختلاف. والأهم من ذلك أنه يجب في الوقت الحاضر أيضاً أن يكون بالإمكان قراءة القرآن بلهجات متعددة، في حين أن هذا الحكم يخالف السيرة والنهج القطعي لجميع المسلمين (الخوئي، البيان، ١٤١٦: ١٩٢).

ج) اجتهاد القراء

إن أكبر عامل مؤثر في اختلاف القراءات هو اجتهاد ورأي القراء. يرى علماء الشيعة أن للقرآن نصاً واحداً، وأن الاختلاف بين القراء هو من أجل الوصول إلى ذلك النص الواحد. طبقاً لرواية منقولة عن الإمام الصادق عليه السلام: «القرآن واحد، نزل من عند الواحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة» (الكليني، أصول الكافي، ١٣٦٥: ٢، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح ١٢). بناءً على ذلك، ليس لنزول القرآن بالأحرف السبعة معنى ومفهوم صحيح، ويجب طرح الروايات المنقولة في هذا الشأن جانباً، بالنظر إلى رواية الإمام الصادق عليه السلام (معرفت، التمهيد، ١٣٨٤: ١٦٩٨/٣؛ الخوئي، البيان، ١٤١٦: ١٧٧ و ١٩٣).

من المسلّم به أن القرآن المجيد نزل بطريقة واحدة فقط من جانب الله على النبي الأكرم ﷺ، وفي زمنه لم يكن هناك اختلاف في كيفية تلاوة القرآن. بعد وفاته، كانت الروايات التي نقلها الصحابة عن النبي ﷺ تختلف في بعض الحروف والكلمات وكيفية أدائها، ولكن النص الأصلي، الذي هو عين قراءة النبي ﷺ، ظل محفوظاً صدراً عن صدر وبشكل متواتر ووصل إلينا.

فوائد اختلاف القراءات

من المباحث المرتبطة بقراءة القرآن فائدة تفاوت القراءات، والتي يتم بحثها من وجهة نظر أهل السنة والشيعة.

١. وجهة نظر أهل السنة

ذكر علماء أهل السنة فوائد لاختلاف القراءات – شريطة ألا يؤدي إلى تضاد أو تناقض – نشير إلى بعضها. ينظر أهل السنة إلى قضية اختلاف القراءات بنظرة إيجابية، وذكروا لها فوائد وآثاراً، وهذا في حين أن عموم علماء الشيعة لم ينظروا إلى هذا الأمر بنظرة متفائلة. وفيما يلي نذكر بعض الفوائد التي قبلها علماء أهل السنة.

أولاً – التيسير والرحمة للأمة

من ناحية، لم يكن النبي الأكرم ﷺ يريد أن يشدد على أمته، ومن ناحية أخرى كان مأموراً بتبليغ الأحكام لجميع الناس في العالم، بينما لغاتهم ولهجاتهم مختلفة جداً، وجميع الناس في كل زمان مأمورون بقراءة القرآن الكريم؛ فلو أن الله أمر جميع الناس في العالم بالقراءة بلهجة خاصة، لنشأت مشكلة في التلاوة؛ لذلك طلب النبي ﷺ من الله أن يجيز قراءة القرآن بلهجات مختلفة (راجع: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ١٤١٦).

ثانياً – دلالة على إعجاز القرآن الكريم

الفائدة الأخرى للتفاوت في القراءات هي أن هذا التنوع يظهر قمة البلاغة وكمال الإعجاز وحسن الإيجاز. لأنه مع وجود التنوع والاختلاف في القراءات، لا يوجد تضاد أو تناقض في القرآن، بل كل قراءة، على الرغم من تفاوتها، تؤيد وتشهد للأخرى (راجع: نفسه؛ الرافعي، إعجاز القرآن وبلاغة النبوية، ١٤٢١: ١٧٠).

ثالثاً – الفوائد الفقهية

فائدة أخرى هي ترجيح أحد الحكمين المختلف فيهما بين العلماء، مثل قراءة ﴿أَوْ تَحريرُ رَقَبَةٍ﴾ (المائدة/ ٨٩) التي أُضيفت في بعض القراءات كلمة «مؤمنة»، وهي في الواقع أحد شروط العبد الذي يجب تحريره، وتؤيد رأي من يقول إنه يمكن تحرير عبد مؤمن ككفارة (راجع: الزرقاني، مناهل العرفان، ١٤١٦).

٢. رأي الشيعة

لم يذكر معظم علماء الإمامية فائدة مهمة لاختلاف القراءات، بل وفي رد الأدلة المذكورة آنفاً، بينوا أموراً. على سبيل المثال، في رد الفائدة الأولى، قالوا: كان الاختلاف في قراءة القرآن نقمة وبلاءً على الأمة الإسلامية ظهر في زمن عثمان، فكيف يمكن القول إن رسول الله ﷺ طلب من الله شيئاً كان وسيلة للفساد والاختلاف بين الأمة، وكيف استجاب الله لمثل هذا الطلب إيجابياً؟ وفيما يتعلق بالفائدة الثانية والثالثة، يجب القول: إن تبديل الكلمات الموجودة في القرآن بكلمات أخرى وإضافة كلمات مثل «مؤمنة» وغيرها، يخل بأساس وبنية القرآن الذي هو معجزة دائمة، ويؤدي إلى تحريفه (راجع: الخوئي، البيان، ١٤١٦: ١٨١ – ١٨٢). على أي حال، قام علماء الشيعة لدراسة هذا الموضوع من زاويتين لإثبات قلة فائدة اختلاف القراءات.

أ) الفوائد الفقهية

يمكن دراسة الفوائد الفقهية لتفاوت القراءات من ثلاث زوايا:

أولاً – استنباط الحكم الشرعي

فيما يتعلق بإمكانية استنباط حكم شرعي من خلال اختلاف القراءات، يكتب آية الله الخوئي: الحق أن القراءات السبع لا حجية لها (القراءات السبع هي قراءات اختارها ابن مجاهد في القرن الرابع من بين قراءات متعددة). وفي حالة الاختلاف، لا يمكن استنباط حكم شرعي بناءً على إحداها؛ لأنه من الممكن أن تكون قراءة القارئ خاطئة. بالإضافة إلى ذلك، بما أن القراءات المتعددة وردت عن طريق خبر الواحد (خبر الواحد هو رواية لا يصل عدد رواتها إلى حد يوجب الاطمئنان واليقين للإنسان بنقلهم) فهي لا تفيد إلا الظن، واتباع الظن مذموم عقلاً وشرعاً (نفسه، ١٦٤).

ثانياً – قراءة الصلاة

قراءة القرآن في الصلاة بقراءة لم يثبت كونها قرآناً من قبل النبي ﷺ والأئمة الأطهار عليهم السلام غير جائزة، ولكن معظم الفقهاء في نطاق القراءات السبع حكموا بالجواز. مثلاً، آية الله الخوئي اعتبر قراءة الصلاة بالقراءات المتداولة عن الأئمة الأطهار عليهم السلام جائزة، والإمام الخميني رحمه الله احتاط بأن لا يتم تجاوز القراءات السبع (الخميني، تحرير الوسيلة، ١٣٧٩: ١، القول في القراءة، مسألة ١٤).

ثالثاً – قراءة القرآن

قراءة القرآن – سواء في الصلاة أو غيرها – طبقاً لأي من القراءات المتعارف عليها في زمن أهل البيت عليهم السلام جائزة (حجتي، پژوهشي در تاريخ قرآن كريم، ١٣٦٠: ٣٧٦). إجمالاً، يُلاحظ أن تفاوت القراءات ليس له أثر فقهي مهم (راجع: مركز فرهنگ و معارف قرآنى، علوم القرآن عند المفسرين، ج ٢، ص ٦٧ – ٧٤).

ب) الفوائد التفسيرية

بالنظر إلى أن الحروف وهيئة الكلمات وموقعها في الجملة لها دور أساسي في معاني الجمل، فإن تفسير القرآن قبل كل شيء يعتمد على الاطمئنان من صحة قراءة الآيات؛ لذلك، فإن الخطوة الأولى التي يجب على المفسر اتخاذها لفهم الآيات هي فحص وتحقيق القراءة الصحيحة، أي تلاوة الآيات طبقاً لنطق النبي ﷺ. آيات القرآن من حيث القراءة تنقسم إلى عدة فئات:

أولاً – آيات لم يطرح فيها اختلاف في القراءة على مر التاريخ. تشمل هذه الآيات حوالي ٧٥ بالمئة من آيات القرآن، وقراءتها الحالية هي قراءة النبي ﷺ، لذا يمكن تفسيرها بناءً على قراءتها.

ثانياً – آيات يوجد اختلاف في قراءتها، ومعظم هذه الآيات لا يغير فيها اختلاف القراءة المعنى وليس له أثر في التفسير، مثل الاختلاف في قراءة ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (التوحيد/ ٤) بـ«كُفْوًا»؛ «ولم يكن له شبيه وند». و﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ (البقرة/ ٦٧) بـ«هُزْءًا»؛ «قالوا أتجعلنا سخرية؟».

ثالثاً – آيات يغير اختلاف القراءة معناها. في هذه الحالات، إذا كانت إحدى القراءات مشهورة أو كانت هناك أدلة عقلية ونقلية (رواية قطعية) تؤيدها، فتلك القراءة هي التي تُعتمد. مثل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر/ ٢٨)؛ «من بين عباد الله، العلماء فقط يخشونه». لأن القراءة برفع آخر كلمة «الله» ونصب كلمة «علماء» غير مشهورة فتُطرح جانباً.

رابعاً – آيات يغير اختلاف القراءة معناها، ولا يوجد دليل معتبر لتعيين المعنى؛ مثل قراءة «مالك وملك» (الحمد/ ٣). في هذه الحالة، يمكن اعتبار القدر الجامع والمعنى المشترك بين القراءات احتمالاً، ولكن يجب الانتباه إلى أن هذه الفئة من الآيات أقل من ٣٠ مورداً، وفي معظمها يمكن الوصول إلى التفسير الصحيح بمساعدة آيات أخرى، لذا لا تخلق مثل هذه الآيات مشكلة في فهم كلام الله (راجع: جمع من المؤلفين، روش شناسى تفسير قرآن، ١٣٨٥: ٦٤ – ٦٨؛ معرفت، التمهيد، ١٣٨٤: ٢ / ١٥٥ و ١٦٩).

وجهة نظر العلامة الطباطبائي في اختلاف القراءات

قلما كانت مسألة القراءات وعلاقتها بالتفسير موضع بحث لمؤلف تفسير الميزان. سكوت العلامة (ره) عن القراءات المختلفة يدل على اطمئنانه للقراءة الموجودة في القرآن الكريم. أحياناً، وبناءً على سياق الآية، يرجح قراءة خاصة على قراءة المصحف، مثل كلمة «زُبُراً» في آية ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (المؤمنون/ ٥٣؛ راجع: الطباطبائي، الميزان، ١٥/ ٣٥). حيث وردت في قراءة ابن عامر «زُبَراً» وهي جمع «زُبْرَة» بمعنى الفرقة. على أساس هذه القراءة، معنى الآية هو: «تفرقوا في شأن الأنبياء وصاروا جماعات مختلفة». يقول إن هذه القراءة أفضل من قراءة حفص. عادة ما يرفض العلامة القراءات النادرة وينتقدها، خاصة عندما يأباها سياق الآيات أو لا تؤيد نصوص القرآن ذلك المعنى. مثل كلمة «روحَنا» بتشديد النون في آية ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (مريم/ ١٧؛ راجع: نفسه، ١٤/ ٣٦) ولا يقبل العلامة الطباطبائي هذه القراءة. وفي آية ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ (الأنعام/ ٥٩؛ راجع: نفسه، ١٢٤/٧) حيث تُقرأ كلمة «مفاتح» «مفاتيح»، يقول: نتيجة كلتا القراءتين واحدة، ولكن قراءة حفص أرجح (الأوسي، روش علامه طباطبايى در الميزان، ١٣٧٠: ٣٢٣ – ٣٢٦).

تواتر القرآن وتواتر القراءات

من المباحث المهمة في موضوع قراءة القرآن بحث تواتر القراءات السبع، والذي يجب لتبيينه الانتباه إلى ثلاثة محاور مهمة: تواتر القرآن – تواتر القراءات – الفرق بينهما.

أولاً – تواتر القرآن

يتفق معظم الباحثين من أهل السنة والشيعة مثل آية الله الخوئي، وآية الله معرفت، والزركشي، وصبحي الصالح وغيرهم على أن طريق ثبوت نص القرآن منحصر في التواتر، وأن القرآن المجيد وصل إلينا عن طريق التواتر، أي النقل المتوالي واليقيني عبر الأجيال المتعاقبة وصدراً عن صدر، ولا يوجد طريق آخر. من ناحية أخرى، كما سيأتي، لا يوجد أدنى تلازم بين كون آيات القرآن متواترة وتواتر القراءات، أي من الممكن أنه مع كون نص آيات القرآن متواتراً وقطعياً، فإن قسماً من القراءات السبع أو كلها لا تكون متواترة، لأن تواتر القرآن ليس دليلاً على تواتر القراءات (الخوئي، البيان، ١٤١٦: ١٥٨ – ١٦٠).

ثانياً – تواتر القراءات

الحديث المتواتر له الشروط التالية:

  1. يجب أن ينتهي سند الحديث إلى المعصوم.
  2. يجب أن يكون عدد رواة الحديث إلى حد ينتفي معه احتمال تواطئهم على الكذب.
  3. يجب أن يكون عدد الرواة في كل دور وطبقة كثيراً، بحيث يروي في كل زمان عدد كبير من الأفراد الخبر المنقول عن المجموعة التي قبلهم حتى يصل الحديث في النهاية إلى المعصوم؛ بناءً على ذلك، إذا كان عدد الرواة في إحدى الطبقات قليلاً، فإن مثل هذا الحديث لا يُسمى اصطلاحاً متواتراً، بل يُعد من أخبار الآحاد (راجع: الشهيد الثاني، شرح البداية، ١٩٨٢: ٦٢).

على هذا الأساس، القراءة المتواترة هي القراءة التي يرويها عدد كبير من القراء عن جمع آخر عددهم كثير، بحيث يستحيل اتفاق مثل هذه الجماعة على الكذب (حجتي، پژوهشي در تاريخ قرآن، ١٣٦٠: ٣٧٩). اعتبر البعض جميع القراءات السبع متواترة، وأوردوا أدلة لإثبات ذلك، نذكر دليلاً واحداً منها:

– دليل تواتر القراءات والرد عليه

إذا لم تكن القراءات السبع متواترة، فلن يكون القرآن أيضاً متواتراً، وبما أن عدم تواتر القرآن غير مقبول، فلا بد أن يكون عدم تواتر القراءات باطلاً أيضاً. بعبارة أوضح، وصل القرآن الكريم إلينا بواسطة الحفاظ والقراء المعروفين. إذا لم تكن قراءاتهم متواترة، فلن يكون القرآن الكريم متواتراً أيضاً (نفسه، ٣٦٦).

الجواب: تواتر القرآن لا يستلزم أبداً تواتر القراءات، أي أن العلماء أنفسهم اعترفوا بهذه الحقيقة، ومنهم الزركشي في البرهان يقول: القرآن والقراءة حقيقتان متغايرتان ومتميزتان؛ لأن القرآن هو الوحي الذي نزل كدليل للناس وسند لنبوة النبي الأكرم ﷺ، أما القراءات فليست وحياً، بل هي اختلاف في الحروف والحركات وكيفية نطق ألفاظ الوحي (الزركشي، البرهان، ١٣٦٦: ١/ ٢٢). في الواقع، أصل نص القرآن متاح لنا عن طريق الأخبار المتواترة، والحاضرون نقلوه لنا عن الأسلاف الذين حفظوا القرآن في صدورهم وكتاباتهم، ولكن القراء لم يكن لهم دور في حفظ النص، ولهذا السبب يمكن إثبات تواتر نص القرآن نفسه حتى لو افترضنا أن القراء السبعة أو العشرة لم يولدوا أصلاً. لذا، فإن عظمة القرآن أسمى من أن تعتمد على مجموعة صغيرة من القراء (حجتي، پژوهشي در تاريخ قرآن، ١٣٦٠: ٣٦٦ – ٣٦٧؛ راجع: الفضلي، تاريخ قراءات القرآن، د.ت: ٨٦).

أدلة عدم تواتر القراءات

بالإضافة إلى الانتقادات التي وجهها الباحثون لأدلة تواتر القراءات، قدموا أيضاً أدلة على إثبات عدم تواتر القراءات.

١. النقل عن غير المعصوم

إذا كان المقصود بالقراءات السبع أن النقل عن القراء السبعة أنفسهم متواتر، فهذا الادعاء لا قيمة له، لأن مبدأ التواتر يجب أن يكون المعصوم حتى يكون ما نُقل حجة. وإذا كان المقصود بالتواتر أن نقل هؤلاء القراء يصل إلى النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» بصورة متواترة، فهذا الأمر أيضاً غير قابل للإثبات، لأن معظم القراء ليس لديهم حتى سند لقراءتهم، فما بالك بادعاء التواتر. بالإضافة إلى ذلك، كانت معظم القراءات مبنية على الاجتهاد الشخصي ولم تكن مستندة إلى النقل والرواية أبداً. في حين أن الشرط الأساسي للتواتر هو أن يكون نقل الخبر من المبدأ إلى المقصد في جميع طبقات النقل بصورة متواترة ومتصلة بالمعصوم (معرفت، علوم قرآنى، ١٣٧٥: ١٩٢ – ١٩٣).

٢. وجود التناقض

التعارض بين القراءات ينفي تواترها عن النبي الأكرم ﷺ، لأنه لا يمكن أن يكون شيئان متناقضان كلاهما وحياً.

ضوابط القراءة الصحيحة

بالنظر إلى أن القرآن نص واحد متواتر ظل ثابتاً على مر القرون، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر/ ٩)؛ «إنا نحن نزلنا الذكر (القرآن) وإنا له لحافظون». فإن معيار صحة كل قراءة هو موافقتها للنص الذي تصل قراءته إلى النبي الأكرم ﷺ. تتحقق هذه الموافقة بوجود عدة شروط:

أولاً – التوافق مع كتابة المصاحف الموجودة التي سُجلت وضُبطت بأيدي الناس المقتدرة في جميع العصور. جميع المصاحف الخطية والمطبوعة، خاصة في العالم الإسلامي، قُدمت دون أي اختلاف.

ثانياً – التوافق مع أفصح وأشهر أصول وقواعد اللغة العربية، لأن القرآن نزل بأفصح لغة، ولا توجد فيه أبداً صور لغوية غير مشهورة.

ثالثاً – التوافق مع الأصول الثابتة للشرع والأحكام القطعية العقلية. القرآن هو مؤسس الشريعة ومنير الأفكار العقلية الصحيحة دائماً، ولا يمكن أن يخالفها (نفسه، ٢١٩؛ معرفت، التمهيد، ٢/ ١٤٣). والآن، إذا لم تتوفر هذه الشروط في قراءة ما، فإنها تُسمى «شاذة» وتسقط من درجة الاعتبار.

وجهة نظر آية الله الفاضل حول تواتر القراءات

لا ينظر آية الله الفاضل اللنكراني (ره) والمشهور من العلماء نظرة إيجابية إلى تواتر القراءات. وبسبب روايات المعصومين (الكليني، أصول الكافي، ١٤٢٩: ٤/ ٦٧٢)، لا يختارون أياً من القراءات. أدلتهم هي:

  1. على مر التاريخ وبين علماء علوم القرآن، هناك حقيقة ثابتة ويقينية وهي أنه في فترة من الزمن، كانت كل مدينة كبيرة لها قراءتها الخاصة. يعتقد مؤلفو كتاب «مقدمات في علم القراءات» أن كل مدينة من مدن البصرة والمدينة والكوفة وغيرها كان لها قراؤها الخاصون، وحتى بداية الإمبراطورية العثمانية، لم تكن قراءة عاصم برواية حفص ذات رواج كبير. (القضاة، ٢٠٠١: ٦٣). وقد تحدث ابن مجاهد في كتابه بالتفصيل عن القراءات السبع وقراءات كل بلد من بلاد المسلمين.
  2. لم ينهَ أي من أئمتنا المعصومين عن تلاوة القرآن بالقراءات المختلفة، بل كانت القراءات المتنوعة رائجة في زمانهم، ولم يرد عنهم أي نقل يدل على المنع (فاضل اللنكراني، مدخل التفسير، ١٣٩٦: ١٥٥).
  3. نُقل عن الإمام الصادق عليه السلام (نفسه) أنه قال: «مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قَرَأَ رَجُلٌ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ وَ أَنَا أَسْتَمِعُ حُرُوفاً مِنَ الْقُرْآنِ لَيْسَ عَلَى مَا يَقْرَؤُهَا النَّاسُ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: «كُفَّ عَنْ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، اقْرَأْ كَمَا يَقْرَأُ النَّاسُ حَتَّى يَقُومَ الْقَائِمُ، فَإِذَا قَامَ الْقَائِمُ، قَرَأَ كِتَابَ اللهِ – عَزَّ وَ جَلَّ – عَلَى حَدِّهِ». وَ أَخْرَجَ الْمُصْحَفَ الَّذِي كَتَبَهُ عَلِيٌّ» (الكليني، أصول الكافي، ١٤٢٩: ٤/ ٦٧٢). بناءً على هذا الحديث، أوصى الإمام الصادق بضرورة تلاوة القرآن طبقاً لقراءة الناس، وبالنظر إلى التقارير التاريخية، لم يكن هناك أي زمان أجمع فيه جميع المسلمين على قراءة واحدة، حتى في عصرنا الحاضر!

يجيب آية الله معرفت على هذا الاستدلال قائلاً: حديث «اقرؤوا كما يقرأ الناس» يشير إلى الحقيقة الجارية بين أيدي الناس والتي ورثوها عن النبي ﷺ، لا ما يجري على ألسنة القراء وهو وليد اجتهاداتهم وموضع خلاف بينهم. لذلك، ما هو معتبر وله حجية شرعية هو القراءة التي لها طابع عام وشعبي، وهي قراءة ثابتة دائماً وبلا اختلاف، وجميع المصاحف الموجودة في الحوزات العلمية المعتبرة في عصور التاريخ كانت متطابقة، ولم يكن هناك اختلاف في تسجيلها وضبطها. لذا، جميع المصاحف المخطوطة على مر التاريخ والمطبوعة في القرون الأخيرة كانت متجانسة، وكلها طبقاً لقراءة حفص، وهي القراءة المشهورة بين المسلمين وكانت ولا تزال (معرفت، التمهيد، ١٣٨٢: ١٥٢).

في مقام الرد عليه، يجب القول أولاً إن هذه الرواية ترجع المخاطب إلى قراءة «الناس». لذا، فإن المقصود بـ«الناس» غير واضح، ولا يمكن حمله على قراءة عاصم. بالإضافة إلى ذلك، يبقى هذا السؤال بلا إجابة: من المقصود بـ«الناس»، أهل أي مدينة؟ هل يمكن لأهل كل بلد أن يقرؤوا القرآن طبقاً لقراءتهم الخاصة أم لا؟ بالطبع، رواة الحديث المذكور كوفيون، ومن الممكن أن تكون القراءة التي يقصدها الإمام هي قراءة حمزة بن حبيب الزيات، لأن الكوفيين كانوا يتلون على أساس قراءته (ابن مجاهد، كتاب السبعة في القرائات، ١٤٠٠: ٧٢). كذلك، بما أن معظم حياة الإمام الصادق كانت في المدينة، فمن الممكن أن تكون القراءة التي يقصدها هي قراءة قارئ المدينة، حيث كانوا يقرؤون القرآن على أساس قراءة نافع بن عبد الرحمن (نفسه). وبالطبع، هناك أيضاً احتمال أن تكون قراءة مكة هي المقصودة، لأنه من الممكن أن يكون هذا السؤال قد طُرح في موسم الحج. لذلك، لتحديد القراءة أو القراءات الدقيقة التي قصدها الإمام الصادق، يجب دراسة وتحليل قراءات زمن صدور الحديث للوصول إلى نتيجة دقيقة ومقبولة، وطالما لم يتحقق هذا الأمر، لا يمكن اختيار قراءة معينة. ثانياً، أثبتنا أنه في أي زمن من الأزمان، لم يكن المسلمون يتلون طبقاً لقراءة واحدة، وحتى في العصر الحالي، تطبع بعض البلدان الإسلامية القرآن بقراءة غير قراءة عاصم (لمزيد من المعلومات، يرجى الرجوع إلى كتاب مقدمات في علم القراءات). بناءً على ذلك، فإن الادعاء بأن القراءة المعتادة الوحيدة للمسلمين من عصر الرسول [حتى يومنا هذا] هي قراءة عاصم برواية حفص، هو ادعاء لا دليل عليه.

ثالثاً، الإشكال الأخير على نظرية آية الله معرفت هو رواية أخرى أشار إليها آية الله فاضل اللنكراني في كتابه (فاضل اللنكراني، مدخل التفسير، ١٣٩٦: ١٥٥). في هذه الرواية، يوصي الإمام شيعته بأن يقرؤوا القرآن طبقاً لما تعلموه: «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّا نَسْمَعُ الآيَاتِ فِي الْقُرْآنِ لَيْسَ هِيَ عِنْدَنَا كَمَا نَسْمَعُهَا وَ لَا نُحْسِنُ أَنْ نَقْرَأَهَا كَمَا بَلَغَنَا عَنْكُمْ فَهَلْ نَأْثَمُ فَقَالَ لَا اقْرَءُوا كَمَا تَعَلَّمْتُمْ فَسَيَجِيئُكُمْ مَنْ يُعَلِّمُكُمْ» (الكليني، أصول كافي، ١٤٠٧: ٢/ ٦١٩). يقيناً، كل مدينة من المدن المختلفة كانت لها قراءة متفاوتة عن المدن الأخرى، وطبقاً لهذه الرواية، يجوز لكل فرد أن يتلو القرآن طبقاً للقراءة التي تعلمها، شريطة أن تكون تلك القراءة جزءاً من القراءات المتداولة في زمن المعصوم. يشير آية الله فاضل اللنكراني في نهاية قسم القراءات إلى هذا القول ويكتب: «مقتضى ذلك الاقتصار على خصوص القراءات المعروفة في زمانهم من دون اختصاص بالسبع أو العشر، ومن دون عمومية لجميعها، بل خصوص ما هو المعروف منهما، أو من غيرهما، كما لا يخفى» (فاضل اللنكراني، مدخل التفسير، ١٣٩٦: ١٥٥).

حجية القراءة الحالية

قراءة حفص هي القراءة الوحيدة التي لها سند صحيح بدعم من جمهور المسلمين. هذه القراءة كانت ولا تزال متداولة بين المسلمين على مر القرون المتعاقبة حتى يومنا هذا، ويعود رواجها إلى عدة أسباب:

أ) قراءة حفص (أبو عمر حفص بن سليمان، المشهور بحفص، وهو ربيب عاصم، كان رجلاً عالماً وعاملاً وأعلم أصحاب عاصم بقراءته). هي نفسها القراءة المتواترة لعامة المسلمين، لأن حفصاً وأستاذه عاصماً (عاصم بن أبي النجود من القراء السبعة المعروفين، وشخصية بارزة وموثوقة عند الشيعة والسنة) كانا ملتزمين بشدة بقراءة عامة الناس التي لها رواية صحيحة. وعلي عليه السلام لم يكن يقرأ إلا بالنص الأصلي للوحي الذي كان متواتراً بين المسلمين عن النبي ﷺ. علم عاصم هذه القراءة لتلميذه حفص، واعتبار قراءة عاصم هو فقط من جهة أنها تتوافق وتتطابق مع النص الأصلي والقراءة المتداولة، لا أن القرآن الموجود كُتب طبقاً لقراءة عاصم.

ب) تميز عاصم بين القراء بخاصية بارزة منحته شخصية لافتة للنظر، فقد كان في أخذ وضبط القرآن مستقيماً ومنضبطاً ومحتاطاً جداً، لذلك لم يأخذ القراءة إلا عن عبد الرحمن السلمي (قال عبد الرحمن السلمي: قرأت القرآن كله على علي عليه السلام) الذي تعلمها من علي عليه السلام.

ج) أسانيد حفص في نقل قراءة عاصم عن علي عليه السلام هي أسانيد صحيحة وعالية لا نظير لها في القراءات الأخرى. أولاً: لأن عاصماً وإن كان له أساتذة آخرون، فإنه لم يأخذ القراءة كاملة من أحد سوى عبد الرحمن السلمي، وإذا عرض عاصم هذه القراءة على غيره، فكان ذلك لمجرد الحصول على الاطمئنان. ثانياً: لم يخالف عاصم أبداً أستاذه، لأنه كان على يقين بأن ما أخذه منه هو بالضبط ما أخذه من الإمام علي عليه السلام. ثالثاً: نقل عاصم، على وجه الخصوص، أسانيده الذهبية والعالية لقراءته عن أمير المؤمنين إلى ربيبه حفص (راجع: معرفت، التمهيد، ٢/ ٢٣٢ – ٢٣٦). نُقل عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «اقرأ كما يقرأ الناس» (اقرأ القرآن كما يقرأه الناس). المقصود بالقراءة في هذه الرواية هو هذه القراءة المعروفة والمشهورة الرائجة بين المسلمين على مر تاريخ الإسلام (بابايي، روش شناسى تفسير، ١٣٧٩: ٧٥).

النتيجة

مرت قراءات القرآن الكريم بأدوار مختلفة. بدأت تلاوة وحفظ القرآن الكريم بتعليم الآيات الخمس من سورة العلق للنبي الأكرم ﷺ من قبل جبريل وبخطاب «اقرأ». ثم في الأدوار التالية، نشأ تيار اختلاف القراءة وتوسع، وفي أعقابه أرسل عثمان بن عفان بعد توحيد المصاحف قراءً خاصين إلى البلدان التي أرسل إليها المصاحف. كانت نتيجة جهد توحيد المصاحف قصيرة المدى، واستمر اختلاف القراءة من أوائل القرن الأول إلى أواخر القرن الثاني. كانت ثمرة جهد القراء تخصص علم القراءة في القرن الثالث، وفي هذا الدور، بُذلت جهود لحصر القراءات في سبع قراءات، والتي انتهت في النهاية باتفاق المسلمين على قراءة حفص عن عاصم، التي تتوافق مع القراءة المتواترة والمشهورة. والجدير بالذكر أن تواتر القرآن الكريم يمكن إثباته أيضاً عن طريق النقل الكثير واليقيني من خلال علم القراءة. ومع ذلك، طُرحت آراء مختلفة من قبل علماء أهل السنة بشأن علة اختلاف القراءات. ومن هذه الأسباب اختلاف لهجات العرب وخلو الكلمات من النقط. وبالطبع، يمكن الإشارة إلى أهمها وهو اجتهاد القراء الذي تسبب في اختلاف القراءة بسبب عدم الاعتماد على الروايات والنقول عن رسول الله ﷺ. من وجهة نظر أهل السنة، القراءات متواترة، لكن العديد من كبار العلماء رفضوا تواتر القراءات.

المصادر

1. ابن أنس، الموطأ، بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.

2. ابن مجاهد، أحمد، كتاب السبعة في القراءات، تحقيق: شوقي ضيف، مصر: دار المعارف، 1400هـ.

3. الإمام الخميني، تبيان، الدفتر الثالث عشر، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

4. الأوسي، علي، منهج العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان، ترجمة: حسين ميرجليلي، طهران: منظمة الإعلام الإسلامي، 1370ش.

5. الأولي، علي، منهج العلامة في الميزان، ترجمة: حسين ميرجليلي، د.م: منظمة الإعلام، 1370ش.

6. ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد الشاذلي، التحرير والتنوير، تونس: دار سحنون، د.ت.

7. بابائي، علي أكبر وآخرون، منهجية تفسير القرآن، طهران: انتشارات سمت، 1379ش.

8. بيگري، حسن، سر البيان في العلوم القرآن، الطبعة السابعة.

9. جمع من المؤلفين، منهجية تفسير القرآن، قم: منظمة الدراسة والتدوين، الطبعة الثانية، 1385ش.

10. حجتي، محمد باقر، بحث في تاريخ القرآن الكريم، د.م: نشر الثقافة الإسلامية، 1360ش.

11. الحسيني الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، د.م: انتشارات دار الهداية، 1379ش.

12. خرمشاهي، بهاء الدين، موسوعة القرآن والبحث، طهران: دوستان، 1377ش.

13. الخميني، روح الله، تحرير الوسيلة، د.م: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1379ش.

14. الخوئي، أبو القاسم، البيان في التفسير القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1416هـ.

15. الرافعي، مصطفى صادق، إعجاز القرآن وبلاغة النبوية، بيروت – لبنان: دار الكتب العلمية، 1421هـ.

16. الزرقاني، عبد العظيم، مناهل العرفان في العلم القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1416هـ.

17. الزركشي، بدر الدين، البرهان في العلوم القرآن، بيروت: دار الزهراء، الطبعة الثانية، 1366ش.

18. سعيدي روشن، محمد باقر، علوم القرآن، قم: مؤسسة الإمام البحثية، 1377ش.

19. السيوطي، جلال الدين، الإتقان في العلوم القرآن، طهران: انتشارات أميركبير، الطبعة الثالثة، 1380ش.

20. شريعت، محمد جواد، 14 رواية في قراءة القرآن المجيد، د.م: منظمة الإعلام الإسلامي، 1370ش.

21. الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، شرح البداية في العلم الدراية، طهران: مكتبة چهل ستون العامة، 1982م.

22. الطالقاني، عبد الوهاب، علوم القرآن وفهرست منابع، دار القرآن الكريم.

23. الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم: مكتب النشر الإسلامي، 1417هـ.

24. العسكري، مرتضى، القرآن الكريم وروايات المدرستين، قم: كلية أصول الدين، الطبعة الثالثة، 1424هـ.

25. فاضل لنكراني، محمد بن نجف علي، مدخل التفسير، أنصاريان، حسين، طهران: انتشارات حيدري، 1396ش.

26. الفضلي، عبد الهادي، تاريخ قراءة القرآن الكريم، انتشارات أسوة.

27. الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي، د.م: دار الكتاب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1365ش.

28. مركز الثقافة والمعارف القرآنية، علوم القرآن عند المفسرين.

29. معرفت، محمد هادي، التمهيد، علوم القرآن، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1417هـ.

30. معرفت، محمد هادي، تاريخ القرآن، منظمة الدراسات وكتب العلوم الإسلامية، طهران: الطبعة السابعة، 1384ش.

Scroll to Top