دراسة سندية ودلالية لروايات الحجاب في المصادر الحديثية لأهل السنة بالتأكيد على منهج تعيين الحلقة المشتركة

الملخص

وردت في مصادر أهل السنة روايات متعددة حول أسباب نزول آيات الحجاب، والتي ترجع إلى بعض الوقائع التاريخية في زمن رسول الله (ص). ونظرًا لأهمية الموضوع وتعدد الفهوم من وجوب هذا الحكم الإلهي، فإنه من الضروري دراسة صحة هذه الروايات وتأريخها وتبيينها والجمع بين ما يبدو متعارضًا منها. تتناول هذه المقالة، بنظرة مشتركة للمتن والسند، وبمنهج وصفي-تحليلي، ومع العناية بالمباني الكلامية، تقييم الروايات في هذا المجال من حيث السند والمحتوى. ومن خلال تطبيق منهج تعيين الحلقة المشتركة بنظرة «يوينبول» و«موتسكي» وكذلك المنهج التقليدي، تمّت دراسة السند، وفي تبيين الموضوع وإعلان نتيجة متقنة ويقينية، أُخذت الجوانب الدلالية بعين الاعتبار. وفي الختام، وبالنظر إلى النتائج المعروضة، تم العثور على موانع تحول دون قبول صحة بعض الروايات، مثل ضعف الراوي والجوانب الدلالية، مما يجعل صدورها غير قطعي. كما يثبت البحث أنه خلافًا لرأي بعض المستشرقين، ليست كل الروايات بالضرورة موضوعة من خلال منهج تعيين الحلقة المشتركة، وأن الرأي المتطرف في رد الروايات ليس صائبًا.

۱. طرح المسألة

يُعد القرآن والروايات من أهم المصادر في استنباط الأحكام والشرائع الدينية. وقد حظي الحجاب بالاهتمام والإشارة في آيات القرآن الكريم: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ» (الأحزاب: ٥٩). وتزداد أهمية دراسة هذا الموضوع حينما نجد مستشرقين أمثال غولدتسيهر1 وشاخت2 يشككون في صحة الكثير من الروايات الفقهية، ومنها روايات الحجاب. ومن خلال دراسة سبب نزول آيات الحجاب في مصادر الإمامية وأهل السنة، تظهر اختلافات في هذا المجال.

تنقل مجاميع أهل السنة، وخاصة الصحيحين، وجوهًا مختلفة في أسباب نزول آيات الحجاب، والتي يجب أن تخضع للدراسة من منظور سندي ومحتوائي. كما أن مقارنة زمن نزول آيات الحجاب وتأريخ صدور الروايات يلعب دورًا في هذا التقييم. ومن بين هذه الروايات، هناك روايات تقر بأن نزول آيات الحجاب كان من ضمن «الموافقات». وتشير روايات «الموافقات» إلى وقائع نزلت فيها بعض آيات القرآن، ومنها آية: «وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ» (الأحزاب: ٥٣)، موافقةً من الله لرأي الخليفة الثاني، وقد اشتهرت في المجاميع الحديثية بـ«موافقات عمر» (السيوطي، ١٩٧٤م، ١: ١٢٧).

على الرغم من أن هذا الموضوع مقبول لدى أهل السنة، إلا أنه لا يمكن قبول صدوره بشكل قطعي دون دراسة محتوائية وسندية. وهناك أنواع أخرى من روايات الحجاب بأسانيد مشابهة للمجموعة الأولى، تذكر حالات في مجال أسباب نزول آيات الحجاب تتعارض مع شأن رسول الله (ص) وحجة العقل والمباني الكلامية الشيعية. كما أن الشواهد التاريخية لمسألة الحجاب تخدش صحة هذا النوع من الروايات.

إن تحديد زمن صدور الرواية والراوي الأصلي لها تقريبيًا عن طريق تعيين الحلقة المشتركة، هو من الأساليب الحديثة للمستشرقين في بحث السند، مما يدل على النظرة التاريخية لهؤلاء العلماء للعلوم الإسلامية ومنها علم الحديث. وفي هذا السياق، هناك من أمثال غولدتسيهر وشاخت يشككون في الوثاقة التاريخية للروايات، ولا يعتقدون بصحة صدورها عن رسول الله (ص) والصحابة، وينسبونها فقط إلى زمن صدور الرواية الذي يعتبرونه من وضع جاعل الحديث (Schacht, 1950, 171-172).

وفي هذا السياق، هناك أشخاص مثل موتسكي3 يتبنون وجهة نظر معتدلة، ويعتقدون أنه من خلال الدراسة المنفصلة لكل رواية، يمكن تمييز الصحيح من الموضوع، وبناءً على ذلك يمكن تأريخ الروايات (Motzki, 1998, 32). من ناحية أخرى، وبالنظر إلى ما سبق، وبسبب الافتراضات المسبقة والمباني المنهجية الخاطئة، قدم الباحثون الغربيون تفسيرات مختلفة ومتعارضة في مجال تاريخ الروايات. والآن، مع هذه المقدمة، تُطرح هذه الأسئلة: هل يمكن من خلال منهج تعيين الحلقة المشتركة تأريخ نشأة وانتشار روايات الحجاب، ومن ثم تقييم صحة هذه الروايات؟ وكيف يمكن للجوانب الدلالية أن تساعد في تحديد صحة هذه الروايات؟ هذه المقالة، ضمن دراسة جميع القضايا المطروحة، تشرح وجهة نظر أهل السنة في هذا المجال وتقدم رأيًا تكميليًا.

أنجز علماء مسلمون ومستشرقون غربيون أبحاثًا في هذا المجال، بعضها يشمل تبيين منهج تعيين الحلقة المشتركة، وبعضها الآخر يطبق هذا المنهج. من بين هذه الأبحاث يمكن الإشارة إلى الكتب والمقالات التالية: كتاب «الشفاهي والمكتوب في القرون الإسلامية الأولى» لغريغور شولر4 وترجمة نصرت نيل ساز (١٣٩٣ش)؛ وكتاب «بحث حول المجاميع الحديثية لأهل السنة» لأحمد باكتجي (١٣٩١ش)؛ ومقالة «تأريخ الروايات على أساس تحليل الأسانيد: نقد ودراسة منهجية خوتير يينبول5» (١٣٨٥ش)؛ ومقالة «ظاهرة الحلقة المشتركة في أسانيد الروايات: تبيين وتحليل» (١٣٨٩ش) للسيد علي آقائي؛ ومقالة «تأريخ حديث ‘لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة’ على أساس تحليل المتن والأسانيد» لمعصومة ريعان ومحمد كاظم رحمان ستايش (١٣٩٤ش)؛ ومقالة «تأريخ حديث ‘عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين’» لعبد الهادي فقهي زاده وسعيد شفيعي (١٣٩٤ش)؛ كما تم تطبيق هذا المنهج على نماذج من الروايات. لا شك أن أبحاثهم العلمية قد مهدت الطريق لهذه المقالة، ولكن لم يتم إجراء بحث يدرس روايات مجال الحجاب مع التركيز على أسلوب الحلقة المشتركة.

۲. أدبيات البحث

سيتم في هذا القسم دراسة المصطلحات المتعلقة بمجال الحجاب التي استخدمت في الآيات أو الروايات موضوع البحث. أما الدراسة الأدق والأعمق لبقية المصطلحات في هذا المجال فلا يتسع لها مجال هذه المقالة.

۱-۲. مصطلحات نطاق الحجاب

في المصادر اللغوية العربية، «الستر» كلمة تدل على التغطية (المصطفوي، ١٣٦٨ش، ٥: ٤٨)، وهو ما يُغطى به الشيء (الفراهيدي، ١٤٠٩ق، ٧: ٢٣٦). والحجاب من جذر «حَجَبَ» (القرشي، ١٣٨٧ش، ٢: ١٠٣) ويأتي بمعنى الستر (المصطفوي، ١٣٦٨ش، ٢: ٦٦؛ ابن منظور، ١٤١٤ق، ١: ٢٩٨). الحجاب يسبب المنع من الوصول (راغب الأصفهاني، ١٤١٢ق، ٢١٩)، وكل ما يُمنع عن شيء، يوضع في حجاب (الفراهيدي، ١٤٠٩ق، ٣: ٨٦). في كلمات الفقهاء منذ أقدم العصور وحتى الآن، استخدمت كلمة «الستر» عادةً لوصف لباس المرأة، وفي الروايات الإسلامية ورد هذا التعبير أو ما يشبهه. أما استخدام كلمة «حجاب» في لباس المرأة فهو اصطلاح ظهر في عصرنا غالبًا، وإذا وُجد في التواريخ والروايات فهو نادر جدًا (مكارم الشيرازي، ١٣٧٤ش، ١٧: ٤٠٢). والجلباب في لغة العرب يعني «الثوب» (راغب الأصفهاني، ١٤١٢ق، ٩٣) أو لباسًا أوسع من الخمار (الفراهيدي، ١٤٠٩ق، ٦: ١٣٢). وفي التفاسير، الجلباب هو لباس يصل إلى الركبتين (ابن الأثير، ١٣٦٧ش، ١: ٢٨٣) أو يغطي الجسد كله (عبد القادر، ١٤١٥ق، ٦٤).

وفي الاصطلاح، يُطلق إما على المقنعة أو على اللباس الذي يُلبس فوق جميع الملابس. لذا، فإنه يغطي حتمًا الرأس والعنق والصدر وما حولها (ابن عاشور، بي تا، ٢١: ٣٢٨).

يعتقد كثير من مفسري أهل السنة أن آية «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ» (الأحزاب: ٥٩) تشمل وجوب تغطية الوجه أيضًا (النووي، ١٤١٧ق، ٢: ٢٦١؛ الآلوسي، ١٤١٥ق، ١١: ٢٦٤؛ ابن كثير، ١٤١٩ق، ٦: ٤٢٥؛ الثعلبي، ١٤٢٢ق، ٨: ٦٤؛ السمرقندي، بي تا، ٣: ٧٣؛ النسفي، ١٣٦٧ش، ٢: ٨٠٢). الإزار هو لباس خاص بالنساء يسترن به أنفسهن (راغب، ١٤١٢ق، ١: ٧٤).

قبل ظهور الإسلام وبعد هجرة رسول الله (ص) إلى المدينة ونزول آيات الحجاب، لم تكن النساء يرتدين اللباس القرآني الشائع، وجميع كتب التفسير والتاريخ تقر بذلك، وتؤكد هذه المسألة آية «وَ لَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى» (الأحزاب: ٣٣) بشكل قاطع. وبحسب المفسرين، لم يكن الحجاب الشائع في زمن الجاهلية حجابًا كاملًا يغطي العنق والصدر وما حولهما (الزمخشري، ١٤٠٧ق، ٣: ٢٣١؛ القرطبي، ١٣٦٤ش، ١٢: ٢٣٠؛ السمرقندي، بي تا، ٥٠٨).

على الرغم من أن تغطية الرأس كانت من عادات العرب للحماية من الشمس والغبار، إلا أن النساء في ذلك العصر لم يولين هذا الأمر اهتمامًا كبيرًا، وكن يتعاملن معه بتساهل وليس كواجب. على سبيل المثال، لم يكن لديهن مانع من أن تسقط أغطية رؤوسهن أو أن يرضعن أطفالهن أمام الرجال دون غطاء (ملاحويش، ١٣٨٢ش، ٦: ١٢٩). كما أن هناك نقاشات حول طواف الرجال والنساء عراة حول الكعبة (البيهقي، بي تا، ٢: ٢٢٣)، ولكن بالتدقيق في أشعار وتشبيهات الجاهلية يمكن اكتشاف كذب شيوع هذه القصة بين العرب، ووجود اللباس كأمر مشرف للنساء المحترمات والنبيلات وكبيرات القوم (الطباطبائي وشاه سنائي، ١٣٩٦ش، ١٠٣). وعلى الرغم من ادعاء البعض بأن النقاب والبرقع كانا من منجزات الإسلام ولم يكن لهما وجود في عرب الجاهلية (أبو زيد، ١٩٩٥م، ٢٤٠)، فإن ذكر المعجر والخمار للنساء (ابن دريد، ١٩٨٨م، ١: ٥٩٢)، والبرقع (الأزهري، ١٤٢١ق، ٣: ١٨٨)، والمقنعة والقناع (الفراهيدي، ١٤٠٩ق، ١: ١٧٠)، والنقاب والنُّقبة (ابن دريد، ١٩٨٨م، ١: ٣٧٥) في أشعار الجاهلية يرد بوضوح على هذا الادعاء. من ناحية أخرى، هناك شواهد كثيرة تؤكد على ثقافة اللباس وقبح كشف الستر حتى في منطقة شعر رأس النساء (الطباطبائي وشاه سنائي، ١٣٩٦ش، ١٠٣).

بالنظر إلى آيات الحجاب التي تتحدث عن تغطية الصدر وما حوله ولم تشر إلى تغطية الرأس، يمكن استنتاج أن عرب ذلك الزمان لم يكونوا غرباء عن مسألة الحجاب. كذلك، بالنظر إلى وجوب الحجاب في الصلاة للنساء، والآيات الأخرى التي تشير إلى العفة في الكلام، والمشي، وإظهار الزينة وغيرها، فإن آيات الحجاب نزلت لتذكير وبيان وجوبه على كل امرأة، لكي يصبح تكريم الحجاب عامًا لجميع نساء العالم. لذلك، بعد ظهور الإسلام ونزول آيات الحجاب، اتخذت النساء المسلمات نهجًا آخر وأدركن ضرورة وجوب اللباس. ورغم وجود اختلاف بين المفسرين حول وجوب الحجاب على عموم النساء (النيسابوري، ١٤٢١ق، ٤: ١٥٠) أو على نساء النبي (ص) (الزمخشري، ١٤٠٧ق، ٣: ٥٥٦؛ الرازي، ١٤٢٠ق، ٢٥: ١٨٠). مع ذلك، في كتب الرواية والتفسير لأهل السنة، تشير الآية ٥٣ من سورة الأحزاب، المعروفة بآية الحجاب، إلى عدم الاتصال المباشر بين غير المحارم والرجال العاديين ونساء النبي (ص) (البخاري، ٢٠٠١م، ٨٨٧-٨٨٨، ١٠٢٣، ١١٤٢).

۲-۲. الحلقة المشتركة

قدم «جوزيف شاخت» (١٩٠٢-١٩٦٢م) في عام ١٩٥٠م نظرية الحلقة المشتركة. كان يعتقد أن الأحاديث عادة ما تصل بشكل منفرد من النبي (ص) إلى راوٍ مشترك في الجيل الثالث أو الرابع، ثم تنتقل من خلال هذا الراوي المشترك بطرق متعددة، لتنتهي في إحدى المجاميع الحديثية في القرن الثاني أو الثالث، وهذا الراوي هو الحلقة المشتركة. هذا الشخص ليس من الصحابة، بل من أتباع التابعين. وادعى أنه بهذه الطريقة يمكن تحديد تاريخ صدور الروايات (Schacht, 1950, 171-172).

يقول «يوينبول» في هذا الصدد: «الحلقة المشتركة هي الناشر والمسؤول الرئيسي عن وضع الحديث، وتسعى من خلال إنشاء سند مرفوع إلى إعطاء اعتبار لروايتها. لذا، فإن هذه الروايات موضوعة وتفتقر إلى القيمة التاريخية» (Juynboll, 1989, 253-353). في مقابل هذه النظرة المتطرفة، هناك وجهة نظر معتدلة لأشخاص مثل «موتسكي» الذي يقبل بوجود الحلقة المشتركة والنمو العكسي للأسانيد في المجاميع الحديثية. ويعني النمو العكسي للأسانيد أن آراء المجاميع المتأخرة تُرجع إلى مصادر أقدم، أي أن روايات التابعين تُحول إلى روايات الصحابة، وروايات الصحابة تُحول إلى روايات نبوية (وضع). لكن موتسكي لم يعمم هذه النظرية ولم يقبل بوجود الوضع على نطاق واسع في الروايات في المجاميع الحديثية (Motzki, 1998, 32).

في هذه المقالة، من خلال رسم شبكة أسانيد روايات أسباب نزول آيات الحجاب من صحيح البخاري ومسلم وتعيين الحلقة المشتركة الأصلية والفرعية، يتم دراسة صحة الحديث وتأريخه. إن تعدد الروايات في هذا المجال في الصحيحين لا ينفي ضرورة الرجوع إلى سائر المجاميع الحديثية؛ وإن كان الرجوع إلى سائر المجاميع سيكون مؤثرًا أيضًا في إكمال العمل.

۳. وفرة وأنواع روايات الحجاب

الروايات التي نُقلت في مجاميع أهل السنة الحديثية، خاصة في صحيح البخاري ومسلم، حول أسباب نزول آيات الحجاب، تُقسم إلى ثلاث فئات رئيسية سيتم عرضها لاحقًا. أما روايات الفئة الرابعة فلم تُقدم كسبب لنزول آيات الحجاب، بل تشير إلى السياق التاريخي للبحث.

الفئة الأولى: روايات تذكر أن سودة، زوجة النبي (ص)، خرجت ليلة من منزلها لقضاء حاجتها، وفي ظلمة الليل، عرفها الخليفة الثاني وعاتبها. عرضت سودة القضية على رسول الله (ص)، وعلى إثر هذه الواقعة نزلت آيات الحجاب. نموذج من هذه الروايات، التي نُقلت جميعها عن عائشة، هو كالتالي. وردت هذه الروايات في «كتاب الوضوء» من صحيح البخاري في باب «خروج النساء إلى البراز» و«كتاب السلام» من صحيح مسلم في باب «إباحة الخروج للنساء». «حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ (ص) كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ – وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ – فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ (ص) احْجُبْ نِسَاءَكَ. فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ (ص) يَفْعَلُ فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ (ص) لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ أَلاَ قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ» (البخاري، ٢٠٠١م، ٨٨٨، ١١٤٢؛ النيسابوري، ٢٠٠١م، ٨٥٩).

الفئة الثانية: روايات تعتبر نزول آيات الحجاب موافقة من الله للخليفة الثاني، حينما ذكر بشأن لباس نساء النبي (ص) وطلب منهن أن يأمرن أزواجه بالحجاب أمام الأفراد الطيبين والسيئين الذين يحضرون، فنزلت الآيات على إثر ذلك. وقد وردت هذه الروايات عن «أنس بن مالك» في تفسير القرآن من صحيح البخاري وباب «لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ» وأشير إليها: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ (رض) قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ» (مسدد بطريقه عن أنس عن عمر ينقل أنه قال: يا رسول الله، يدخل عليك الأخيار والأشرار، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب. فنزلت آية الحجاب) (البخاري، ٢٠٠١م، ٨٠٧-٨٠٨).

الفئة الثالثة: روايات تشير إلى زواج رسول الله (ص) بـ «زينب بنت جحش». وقد وردت هذه الروايات بطرق متعددة في صحيح البخاري ومسلم، وهي أكثر وفرة من سائر روايات هذا الباب. جميع روايات هذه الفئة المنقولة عن «أنس بن مالك»، تقر بأن سبب نزول آية الحجاب يعود إلى واقعة زواج النبي (ص) حيث ألقى سترًا أو حجابًا أمام زينب، فكان ذلك سبب نزول آية الحجاب. وعلى الرغم من اختلاف متون هذه الروايات، إلا أنها تشير إلى نفس الواقعة. نموذجان من هذه الروايات كما ورد في كتاب النكاح وباب الوليمة حق من صحيح البخاري هما كالتالي: «حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ مَقْدَمَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) الْمَدِينَةَ، فَكَانَ أُمَّهَاتِي يُوَاظِبْنَنِي عَلَى خِدْمَةِ النَّبِيِّ (ص) فَخَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَتُوَفِّيَ النَّبِيُّ (ص) وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ الْحِجَابِ حِينَ أُنْزِلَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا أُنْزِلَ فِي مُبْتَنَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، أَصْبَحَ النَّبِيُّ (ص) بِهَا عَرُوسًا، فَدَعَا الْقَوْمَ فَأَصَابُوا مِنَ الطَّعَامِ، ثُمَّ خَرَجُوا وَبَقِيَ رَهْطٌ مِنْهُمْ عِنْدَ النَّبِيِّ (ص) فَأَطَالُوا الْمُكْثَ، فَقَامَ النَّبِيُّ (ص) فَخَرَجَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ لِكَيْ يَخْرُجُوا، فَمَشَى النَّبِيُّ (ص) وَمَشَيْتُ، حَتَّى جَاءَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ لَمْ يَقُومُوا، فَرَجَعَ النَّبِيُّ (ص) وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ خَرَجُوا فَضَرَبَ النَّبِيُّ (ص) بَيْنِي وَبَيْنَهُ بِالسِّتْرِ وَأُنْزِلَ الْحِجَابُ» (البخاري، ٢٠٠١م، ٩٧٢، ٩٧٣، ٨٨٨، ١٠٢٣، ١١٤٢، ١١٤٨).

الفئة الرابعة: في هذه الفئة، يتناول روايات تشير إلى فضائل الخليفة الثاني ولا علاقة لها بسبب نزول آيات الحجاب. ولكنها ترتبط معنويًا بأحاديث «الموافقات» وستكون مفيدة في حل هذا التنوع الروائي. وردت هذه الروايات في «كتاب بدء الخلق» باب «صفة إبليس وجنوده» و«كتاب الأدب» باب «التبسم والضحك» من صحيح البخاري، و«كتاب فضائل الصحابة» باب «فضائل عمر» من صحيح مسلم: «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَاصٍ قَالَ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص)، وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، وَرَسُولُ اللَّهِ (ص) يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلاَءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ قَالَ عُمَرُ فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ ثُمَّ قَالَ أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، أَتَهَبْنَنِي وَلاَ تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قُلْنَ نَعَمْ، أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص). قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» (البخاري، ٢٠٠١م، ٦٠٢، ٦٧١، ١١١٨؛ النيسابوري، ٢٠٠١م، ٩٣٦).

۴. دراسة شبكة أسانيد الروايات

في البداية، سيتم دراسة الروايات الأربع من خلال تحديد الحلقة المشتركة. تستخدم هذه المقالة أساليب متنوعة مثل منهج «شاخت» في مجال تحديد الواضع، ونظرية أسانيد «الغطس» لـ«يوينبول»، ورؤية «موتسكي» في دراسة الروايات، وذلك للكشف عن التطرف في رؤية شاخت ويوينبول. وتجدر الإشارة إلى أن الحلقة المشتركة تُختار من التابعي أو تابع التابعي فما فوق. بالإضافة إلى منهج تحديد الحلقة المشتركة، سيتم دراسة الرواية بالمنهج الرجالي التقليدي أيضًا.

ألف- روايات المجموعة الأولى

نُقلت هذه الروايات بأربع طرق في صحيح البخاري، حيث وردت روايتان من أصل أربع عن «هشام» عن «عروة» عن «عائشة». أما الروايتان الأخريان، فقد وردتا عن «ابن شهاب الزهري». ومن وجهة نظر علماء الرجال، هو من أهل السنة وفقيه، وقد اتفقوا على جلالته وإتقانه. ابن شهاب من تابعي الطبقة الرابعة (ابن حجر العسقلاني، ١٤٠٦ق، ١: ٥٠٦). وعلى الرغم من أن ابن شهاب الزهري يتمتع بمكانة رفيعة لدى غالبية أهل السنة (الذهبي، بي تا، ٥: ٥٥٣؛ ابن حجر العسقلاني، ١٤٠٦ق، ١١: ٧٧)، إلا أن بعض العلماء مثل مكحول، وخارجة بن مصعب، ومحمد بن أشكاب، وعمرو بن عبيد، اعتبروه شخصية غير صالحة وناصبية وجنديًا أمويًا بسبب خدمته للجهاز المرواني وقبوله الهدايا والمسؤوليات في ديوانهم (ابن عساكر، ١٤١٥ق، ٥: ٣٧٠؛ الذهبي، بي تا، ٢: ٤٠٤). أما الرواية الأخرى فقد وردت عن هشام عن عائشة، والحلقة المشتركة في هاتين الروايتين هي «هشام». وقد قال علماء الرجال إن في رواياته بواطيل (ابن حجر العسقلاني، ١٤٠٦ق؛ ٢: ٣٩٤)، كما نسبوا إليه احتمال التدليس (نفس المصدر، ٢: ٥٧٣).

ب- روايات المجموعة الثانية

وردت هذه الروايات بطريقتين عن عمر، نقلًا عن «أنس بن مالك» في صحيح البخاري. الحلقة المشتركة في هذه الروايات هي «حُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ». يقول عنه علماء الرجال: «هو تابعي بصري وثقة» (ابن حجر العسقلاني، ١٤٠٦ق، ١: ١٨١). ولكنه كان يدلس في روايات «أنس» (ابن عبد الهادي وابن موسى آل نصر، ١٤٢٥ق، ١: ٣٥٣). لذا، نظرًا للتصريح بتدليس «حُمَيْد» في رواياته عن أنس، فإن هذه الروايات ضعيفة وغير معتبرة.

ج- روايات المجموعة الثالثة

تتعلق المجموعة الثالثة بروايات وردت بعشر طرق في صحيح البخاري من «تفسير القرآن» باب «لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ» و«كتاب الأطعمة» باب «فإذا طعمتم» و«كتاب الاستئذان» باب «من قام» و«كتاب التوحيد» باب «وَكَانَ عَرْشُهُ…» وبخمس طرق في صحيح مسلم من «كتاب النكاح» باب «زواج زينب» وباب «فضيلة إعتاقه» (البخاري، ٢٠٠١ق، ٨٨٧، ٨٨٨، ١٠٢٣، ١١٤٢؛ النيسابوري، ٢٠٠١م، ٥٣٢-٥٣٤). الحلقة المشتركة الأصلية في الروايات المتعلقة بصحيح البخاري هي «ابن شهاب الزهري» الذي تمت دراسته في الروايات السابقة. والحلقة المشتركة الفرعية هي «معتمر بن سليمان». جميع هذه الروايات نُقلت بشكل منفرد، ومن «ابن شهاب الزهري» عن «أنس بن مالك» توجد ثلاث طرق إلى صحيح البخاري. وقد ذكر علماء الرجال عن «معتمر بن سليمان» أنه «ثقة ومن كبار الطبقة التاسعة» (ابن حجر العسقلاني، ١٤٠٦ق، ٢: ٥٣٩، ٧٢٢). كما أن الروايات المتعلقة بالمجموعة الثالثة من صحيح مسلم نُقلت بـ ٥ طرق بشكل منفرد. وهذه الروايات فقط عن طريق «معتمر بن سليمان» كحلقة مشتركة أصلية ثلاث طرق منها عن «أنس بن مالك» إلى صحيح مسلم، وقد مرّ شرح حاله الرجالي.

د- روايات المجموعة الرابعة

هذه الرواية نُقلت عن «سعد بن أبي وقاص». في الروايات المتعلقة بصحيح البخاري ومسلم، الحلقة المشتركة الأصلية هي «صالح بن كيسان». يقول «تقريب التهذيب»: «هو ثقة ثبت، لكنه روى الكثير عن ابن شهاب» (ابن حجر العسقلاني، ١٤٠٦ق، ٢: ٢٧٣).

۱-۴. دراسة أسانيد الروايات

الروايات التي يكون راويها أو حلقتها المشتركة «ابن شهاب الزهري» قد ضُعّفت من وجهة نظر بعض رجاليي أهل السنة (ابن عساكر، ١٤١٥ق، ٥: ٣٧٠؛ الذهبي، بي تا، ٢: ٤٠٤؛ ابن سعد، بي تا، ٥: ٣٤٨-٣٤٩؛ اليعقوبي، بي تا، ٢: ٣٠٩؛ ابن حجر العسقلاني، ١٤٠٦ق؛ باب الميم، ٢: ٣٩٤). وكذلك «هشام» وروايات «حميد بن أبي حميد» التي نُقلت عن «أنس» قد ضُعّفت بناءً على رأي رجاليي أهل السنة. أما «صالح بن كيسان» و«معتمر بن سليمان» كحلقات مشتركة لسلاسل الروايات، فقد كانوا ثقات من وجهة نظر رجاليي أهل السنة. ولكن، طبقًا لمنهج الحلقة المشتركة، يُعتبر هؤلاء الأفراد واضعي الحديث. وهنا يكمن عدم كفاية الاكتفاء بهذا المنهج في استنتاج نتيجة قاطعة لصحة الرواية. وبافتراض الصحة، يجب بالإضافة إلى السند دراسة المتن أيضًا.

بنظرة عامة، «حُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ»، وهو الحلقة المشتركة لرواية المجموعة الأولى، كان من أهل التدليس في نقله عن «أنس»، ورواياته في هذا المجال غير مقبولة. كذلك «هشام»، وهو الحلقة المشتركة الثانية التي وردت في مصادر أهل السنة، وقد نُقلت عنه بواطيل، ونُسب إليه احتمال التدليس. لذا، فإن هذه المجموعة من الروايات ضعيفة من الناحية السندية. ومع ذلك، لا يمكن بسبب ضعف السند وحده وضع الرواية في مصاف الروايات الموضوعة والمزيفة، ويجب دراستها من الناحية الدلالية أيضًا.

«معتمر بن سليمان» طبقًا لرأي رجاليي أهل السنة كان شخصًا ثقة، ورواياته مقبولة. أما روايات «صالح بن كيسان»، فعلى الرغم من الاستناد إليها في مصادر السنة، إلا أن كثرة نقله عن «ابن شهاب الزهري» الذي أورد البعض إشكالات على شخصيته ورواياته، قد أخلت بروايات صالح وجعلتها خارج الاعتبار الجدي. وبافتراض صحة روايات «معتمر بن سليمان» و«صالح بن كيسان»، سيتم دراسة الجوانب الدلالية لهذه الروايات أيضًا.

۲-۴. دراسة دلالات الروايات

في هذا القسم، يُستند إلى أحد المباني المقبولة لدى أهل السنة، وهو العصمة الدنيا للنبي (ص)6، وعدم اكتراثه بحكم شرعي كالحجاب لا يمكن أن يكون مقبولًا كلاميًا وعقلانيًا. وكذلك، بشرط صحة هذه الرواية، فإن سلوك الخليفة الثاني يُعتبر نوعًا من سوء الأدب تجاه زوجة النبي (ص) وكشفًا لرأس سودة. فما الضرورة لإحراجها حتى تنزل بسببه آيات الحجاب؟ وهناك أيضًا اضطراب في متن هذه المجموعة من الروايات؛ ففي بعضها، يُذكر خروج سودة بعد نزول آيات الحجاب، وفي بعضها الآخر قبله وكسبب لنزوله. لذا، فإن هذه المجموعة من الروايات في تعارض واضح مع بعضها البعض، وليس من الواضح إذا كانت المرأة مضطرة للذهاب إلى الصحراء لقضاء حاجتها، فلماذا يجب أن تكون موضع خطاب الخليفة الثاني، ولماذا تشتكي سودة منه إلى رسول الله (ص)؟ وهل يمكن أن يكون الحرص على الحجاب دليلًا قاطعًا على هذا التجاسر على حرمة زوجة النبي (ص)؟ وإذا لم يكن الحجاب قد نزل في ذلك الوقت، فما هو موضوع خطاب السيد عمر لزوجة رسول الله (ص)؟ وإذا كانت هذه المسألة لها مكانة في عرف ذلك الزمان، فإن النبي الأكرم (ص) أولى بتذكير نسائه بذلك، وأكثر اهتمامًا به. ومع ذلك، تشير الرواية إلى أن «السيد عمر قد ذكّر رسول الله (ص) بهذه المسألة مرارًا، ولكن النبي (ص) لم يعر هذه التحذيرات اهتمامًا… حتى نزلت آية القرآن!!» مع وجود غيرة وحرص الخليفة الثاني على حجاب وأمن نساء النبي (ص)، إذا كانت هذه الواقعة، وفقًا لبعض الروايات، قد حدثت بعد نزول آيات الحجاب، فإن عدم ارتداء زوجات النبي (ص) لباسًا واجبًا هو أمر عجيب وغير قابل للتصديق. لأنه إذا كان الأمر واجبًا، فإن موافقة القرآن للخليفة الثاني منتفية، ولم يحدث نزول جديد بموافقته. إذن، ما هو مفهوم شكوى سودة لرسول الله (ص) وسكوت حضرته (ص)؟ ومع ذلك، ووفقًا للشواهد التاريخية، كانت بنات ونساء النبي (ص) يرتدين الحجاب في مناسبات مختلفة قبل نزول هذه الآيات. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى لباس السيدة فاطمة الزهراء (س) أمام الأعمى الذي دخل المنزل (ابن مغازلي، بي تا، ٣٨٠).

إن إصرار النبي (ص) على حفظ حجاب النساء منذ سن البلوغ يدل على اهتمامه بأمر الحجاب (الطبري، ١٤١٢ق، ٩: ٣٠٥)، وكذلك إعراض النبي (ص) عن أسماء لعدم ارتدائها لباسًا مناسبًا وتذكيره لها بأن لا يظهر منها إلا الوجه والكفان إلى الرسغين (السيوطي، ١٤٠٤ق، ٥: ٤٢) من هذه الأمثلة. وهذا في حين نُقل في روايات عن الصحابة: «كانت جواري عمر بن الخطاب يخدمننا وقد بدت شعورهن وصدورهن مضطربة» (البيهقي، بي تا، ٢: ٢٢٧؛ السرخسي، ١٤٠٦ق، ٩: ١٢). وكذلك كان السيد عمر يعاتب الجواري المحجبات بسبب حجابهن. روي عن أنس بن مالك: «دخلت على عمر بن الخطاب ومعه جارية من المهاجرين والأنصار عليها جلباب. فضربها عمر بالدرة وقال: ألقي عنك الجلباب يا لكاع، أتشبهين بالحرائر؟» حتى سقط الخمار عن رأسها (البغوي، ١٤٢٠ق، ٣: ٦٦٤).

بينما آية «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ» (الأحزاب: ٥٩) لها دلالة مهمة على الحجاب في حفظ النساء من الأذى. وإن كان الحجاب يدل على تمييز المرأة «الحرة» من «الأمة» (مرنيسي، ١٣٨٠ش، ١٥٣-١٥٤)، لكن طبقًا للتفاسير، إذا بلغت «الأمة» أيضًا سن الشباب والبلوغ وأصبحت مدعاة للانحراف والفتنة، وجب عليها الحجاب الكامل، لذا فإن «وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ» تشمل النساء الحرائر والجواري (الأندلسي، ١٤٢٠ق، ٨: ٥٠٤).

وفي روايات المجموعة الثانية (القرطبي، ١٣٦٤ش، ١٤: ٢٢٤؛ ابن كثير، ١٤١٩ق، ١: ١٧٥؛ الشوكاني، ١٩٧٣م، ٤: ٢٩٩؛ ابن حنبل الشيباني، ١٤١٩ق، ١: ٢٣)، يُشار إلى أن عامة المسلمين كانوا يدخلون ويخرجون من بيوت النبي (ص) بسهولة، وزوجاته أيضًا كن يخرجن من المنزل عند الحاجة. وفي هذا السياق، غُفل عن مسألة الحجاب من قبل النبي (ص)، وقبل أي شخص آخر، ذكّر بها الخليفة الثاني النبي (ص) بعبارة «احجب نساءك». والنبي (ص) أيضًا في هذا الموضوع الهام والأساسي المتعلق بغيرة وتعصب كل رجل على عرضه، تباطأ، وعلى الرغم من التذكيرات المتكررة من صحابته، أهمل الأمر. هذا النوع من الروايات يشبه نصوص التوراة التي تصور الأنبياء كأناس عاديين، ملوثين بالخطيئة، والغفلة والتساهل في الدين. مثل قصة إبراهيم (ع) الذي قدم سارة للنمرود لحفظ حياته، بينما مع الاعتقاد بالعصمة الدنيا للنبي (ص)؛ فإن الحجاب مسألة دينية وهو ملزم بتطبيقها على زوجاته، كما أن ساحة النبي (ص) الذي كان قبل البعثة مزينًا بأفضل الصفات الإنسانية وأشرف الأخلاق البشرية ومشهورًا بين العامة والخاصة، منزه عن أي لا مبالاة وغفلة عن حفظ عرضه أمام غير المحارم.

۵. الاستنتاج

١. بالنظر إلى دراسة مفهوم كلمتي الستر والحجاب، ومع وجود روايات متعددة لأسباب النزول في هذا المجال، وبالعناية بالشواهد التاريخية، من المستبعد أنه حتى زمن نزول الآية في زواج النبي (ص) بزينب، لم يكن الحجاب واجبًا بعد. إذ إن ذكر المعجر والخمار والبرقع والمقنعة والقناع والنقاب والنقبة في أشعار الجاهلية يرد بوضوح على هذا الادعاء، ويؤكد على ثقافة اللباس وقبح كشف الستر حتى في منطقة شعر رأس النساء. بالإضافة إلى ذلك، فإن الآيات القرآنية قد ذكرت تغطية الصدر وما حوله، ولم تشر إلى تغطية الرأس. لذلك يمكن استنتاج أن عرب ذلك الزمان والمسلمين لم يكونوا غرباء عن مسألة الحجاب، على الأقل أثناء الصلاة، وبحث موافقة الله للخليفة الثاني في آيات الحجاب منتفٍ. لذا، فإن هذه الآية في النهاية يمكن أن تحكم على حديث الناس مع زوجات النبي (ص) من وراء حجاب، ودلالة هذه الآية لا تستلزم وجوب الحجاب. كما أن ما ورد في روايات المجموعة الثالثة في واقعة زواج النبي (ص) يشير فقط إلى إسدال ستار أمام زوجة رسول الله (ص)، ويمكن متابعة سائر الآيات والروايات في تتمة بحث الحجاب.

٢. طبقًا للشواهد التاريخية، كانت بنات ونساء النبي (ص) يرتدين الحجاب في مختلف المواقف قبل نزول هذه الآيات. وكان تواصل الآخرين مع النساء من وراء ستر وحجاب أفضل لنفوس وإيمان النساء والمؤمنين. كما أن آيات سورة النور تتمحور حول العفة والتطهير من الانحرافات الجنسية، ومع قبول صحة روايات زواج النبي (ص) بزينب، فإن المقصود بالحجاب في الآية ٥٣ من سورة الأحزاب هو حكم إضافي على أصل الحجاب، ويلزم نساء النبي (ص) بالتواصل من وراء حجاب مع غير المحارم. لذا، فإن وجوب الحجاب على نساء المسلمين لم يثبت من خلال هذه الآية، والوجوب يثبت بشكل أكبر في الآية ٣١ من سورة النور، والله في القرآن في بعض الآيات بالإشارة إلى حفظ الزينة من غير المحارم، والكلام غير الخاضع من النساء مع الرجال، والمشي دون لفت انتباه غير المحارم، والتأكيد على استخدام المقنعة واللباس الكامل للنساء، ينهي عن المخالطة والمراودة غير الضرورية مع الرجال على طريقة العصر الجاهلي، ويجعل حفظ العفاف الجنسي وطهارة القلوب ممكنًا بنقاء البصر. لذلك، لا يمكن اعتبار تعدد الروايات دليلًا على ضعف الأحاديث وتعارضها، وما هو موضع تأكيد ونقد دقيق هو الروايات التي تظهر رسول الله (ص) بشكل متكرر غير مبالٍ وغافلٍ في موضوع الحجاب، وتقدم الآخرين على أنهم أولى وأقدم في فهم هذه المسألة.

٣. الحجاب ليس أمرًا مستحدثًا في الإسلام، بل له قدم في تاريخ البشرية وفي جميع الأديان الإلهية. الإسلام، بتأكيده وتكميله لهذا البحث، قد منح المرأة أقصى درجات الكرامة والكمال الإنساني، وجعل قيمتها ممكنة بحفظ جوهر وجودها في صدفة الحجاب.

٤. تم تطبيق وجهة النظر المتطرفة لـ«يوينبول» في دراسة الأسانيد من خلال تحديد الحلقة المشتركة في هذه المقالة. هذا المنهج، الذي لا يمكن أن يكون كافيًا في تمييز الروايات الموضوعة، من خلال رسم سلسلة الحديث حتى المجاميع الحديثية، والأحاديث التي وصلت بشكل منفرد من النبي (ص) إلى راوٍ مشترك في الجيل الثالث أو الرابع ثم نُقلت من خلال هذا الراوي المشترك بطرق متعددة، تُعتبر وفقًا لنظرية يوينبول وشاخت رواية موضوعة وحلقتها المشتركة هي واضع الحديث. هذا في حين أن نظرية موتسكي لا تعمم هذا المنهج، وأن الدراسة الرجالية للحلقة المشتركة والاهتمام بحالة أفراد السلسلة يقدم نتيجة أكثر إتقانًا. لذا، تم الكشف في هذا البحث عن عدم فعالية منهج الحلقة المشتركة في تحديد واضع الحديث.

٥. روايات المجموعة الأولى والثانية والرابعة بها إشكالات جدية في مجال علم الرجال عند أهل السنة، وتتعارض مع المعتقدات الكلامية، وغير قابلة للقبول. وتجدر الإشارة إلى أن الدلالات الكلامية المقدمة تعتمد بالكامل على أصول عقلانية وعلى أساس المبادئ الدنيا المشتركة بين الفريقين حول عصمة رسول الله (ص) بعد البعثة. بالتأكيد على هذا الأصل، فإن اهتمام النبي (ص) بمسألة حجاب النساء كحكم شرعي قطعي، والروايات ذات المحتوى المتضاد لا يمكن الاعتماد عليها، وهي بعيدة عن ساحة مقامه الشريف.

الهوامش

1. Ignas Goldziher

2. Joseph Schacht

3. Harald Motzki

4. Gregor Shoeler

5. Gautier H. A. Juynboll

6. إيضاح ذلك أنّ أهل السنّة لا يقولون إلا بعصمة النبي (ص) بعد البعثة وفي الأمور المتعلقة بتلقي الوحي وإبلاغه فقط، وأما الشيعة (باستثناء قلة منهم) فيقولون بعصمة النبي (ص) في جميع الأمور منذ ولادته وحتى نهاية عمره الشريف.

Scroll to Top