دراسة روايات جرح هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن بناءً على المعطيات السندية والمتنية للروايات الرجالية

الملخص

إن الأسلوب الأول الذي اعتمده المؤرخون المسلمون، متأثرين بالمحدثين، في نقل التاريخ وتدوينه، هو التاريخ النقلي، حيث يكتفي المؤرخ، شأنه شأن الراوي، بمجرد نقل الحديث، وفي حال النقد، يقتصر على التحقق من وثاقة الراوي. لقد أثبت المؤرخ في البداية كفاءة رواة الأحاديث بأسلوب علم الرجال وفن الجرح والتعديل، وبسبب تشابه أسلوب النقد ودراسة التاريخ مع الحديث، كان لديه معرفة كافية بأسانيد الروايات، ودرجة وثاقة الراوي وعدمها، وجرحه وتعديله، ومحتوى الحديث. وبهذه الطريقة، استعان بسلسلة أسانيد الأخبار التاريخية بعلم الرجال والجرح والتعديل، ليقدم صورة واضحة لنشأة التاريخ من صميم الحديث. وقد استعان المحدثون المسلمون، وكذلك المؤرخون الغربيون من أمثال شاخت، ويانبول، وموتسكي، الذين لهم باع في نقد الأحاديث، في أبحاثهم بمنهج التحليل التاريخي للنصوص وتقييمها من خلال نماذج مستقلة وخارجية. وبناءً على ذلك، فإن الهدف الرئيس من هذا البحث هو دراسة الفضاء التاريخي للرواة الذين وُجد حولهم جرح وتعديل، ومع ضرورة رفع التعارض بأسلوب (تحليل السند – المتن) بالتركيز على جانب تعارض الآراء الرجالية، يتم التحقق من صحة هذه الأقوال وتحليل ودراسة جزء من التاريخ المحيط بهذه التعارضات. نُظم هذا البحث بالمنهج الوصفي-التحليلي والاستفادة من المصادر المكتبية المنظمة، ومن خلال تطبيق منهج تحليل الأسانيد – المتن في علم الرجال الشيعي، تم التعرف على الرواة الذين يوجد تعارض في توثيقهم وتضعيفهم، مثل هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن، كنص مشترك، وباستخدام سلسلة أسانيد رجال الكشي ورسم سلسلة رواة التوثيق والتضعيف، يمكن تأريخ هذه التعارضات والتحقق من اعتبارها. وفي الختام، من خلال رسم شبكة روايات جرح هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن، يمكن الوصول إلى الحلقة المشتركة لهذه الروايات، وهي يعقوب بن يزيد وعبد الله بن حِجال، اللذان كان لهما دور محوري في نشر روايات الجرح.

1. طرح المسألة

علم الرجال هو نتاج أكثر من ألف عام من جهود الفقهاء والرجاليين، وقد تطور بشكل واسع في إطار كتب الرجال، مما يوفر الأساس لحجية الحديث (آهنگ وآریانفر، 1397ش، 55). وبالطبع، لا يمكن إنكار وجود بعض التعارضات بين أقوال الرجاليين. وبصرف النظر عن المنهج المتبع في حل التعارض في هذا العلم، فإن منهج تحليل الأسانيد – المتن يحلل ويفكك قسم التعارضات الموجودة في الأقوال الرجالية ليظهر واقع هذه التعارضات من خلال تأريخها، ويتخذ خطوة حقيقية في مسار حل وفصل هذه التعارضات. ولهذا السبب، بُذلت جهود كبيرة منذ القرون الأولى لتنقية الأحاديث والاهتمام بحفظها وتقييمها. وفي هذا السياق، كان لرواة الحديث والوسطاء الثقافيين ميول مختلفة، ووقعت أحداث كثيرة أثرت على تراث الشيعة الحديثي. إن الاهتمام بدوافع وأفكار أصحاب الأئمة (ع) قد أثر على كمية ونوعية الأحاديث، وساهم بشكل ما في توضيح فضاء الحديث في ذلك الزمان وتبيين أدق للتعارضات الروائية (فرقان گوهر، 1397ش، 24). في العصر الحديث، طور العلماء مناهج تقييم الأحاديث وتناولوا نقدها المركب (المتني والسندي). وهذا الاهتمام والتوجه لتقييم الأحاديث لم يقتصر على العلماء المسلمين فحسب، بل إن المستشرقين الغربيين أيضاً يعتبرون الأحاديث في دراساتهم مصدراً أساسياً لمعرفة تاريخ الإسلام وقد قاموا بتقييمها (آقایی، 1393ش، 12). يعتقد المستشرقون الغربيون أن الأحاديث يمكن أن تكون لها مصداقية تاريخية، وأن تصور وضع الأحاديث دون أدلة قوية لا وجه له من المنطق؛ لذا، يقترحون منهج التحليل المركب للسند والمتن لنقد وتحليل الحديث، ويعتقدون أنه بهذا المنهج، وكذلك بالاستفادة من المصادر الحديثية المتقدمة، يمكن إثبات مصداقية تاريخية أكبر للأحاديث. بالطبع، هذا البحث ليس له سابقة في التراث الحديثي لدى المسلمين، وقد طُرح بشكل مختلف بسبب اختلاف وجهات نظر المسلمين تجاه الحديث. فالمسلمون يعتبرون حديث النبي (ص) والأئمة (ع) مصدراً يمكن، إلى جانب القرآن، أن يساعد في فهم الإسلام وأحكامه، بينما يعتبر العلماء الغربيون الحديث مصدراً تاريخياً يسعون من خلال محتواه والمعلومات المتوفرة فيه إلى إعادة بناء تاريخ صدر الإسلام، ولكي يتمكنوا، حسب تعبيرهم، من فهم ما حدث أصلاً.

من بين المستشرقين، يقترح البروفيسور هارالد موتسكي، أستاذ جامعة نايميخن في هولندا، في عام 1948 في برلين بألمانيا، منهج تحليل الأسانيد – المتن في نقد وتقييم الأحاديث والتوصل إلى الحلقة المشتركة التي هي ناشر الروايات. إنه في الواقع يسعى لاكتشاف أصل محتوى الحديث، وهل هذه المضامين التي صُنفت كحديث لها قيمة ومصداقية تاريخية أم لا؟ المسألة التي يُسعى إلى إبرازها في هذا الصدد هي أن مصادر الحديث تفصلها فترة زمنية لا تقل عن قرن أو أكثر عن الوقائع والأحداث التي تخبر عنها (پارسا، 1387ش، 30)، حيث لم يُعثر عليها في مصدر مكتوب قبل ذلك. فكيف يمكن الاطمئنان إلى مصداقيتها؟ (Goldziher, 1971, 2: 19). يُلاحظ أن المسلمين لم يكن لديهم مثل هذا التوجه تجاه الحديث قط، وبسبب رؤيتهم المختلفة للحديث، فإنهم يتناولون البحث فيه بأدوات ومنهجية مختلفة. المسألة الأساسية في هذا البحث هي أن منهج تحليل الأسانيد – المتن لموتسكي قد أثبت فعاليته حتى الآن في التحقق من صحة وتأريخ روايات أهل السنة. ففي أي قسم من علم الرجال الشيعي يمكن الاستفادة من هذا المنهج وما هي نتيجة التحقق من صحته؟ البحث الحالي يتناول دراسة الروايات الرجالية في جرح وتعديل هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن بالاعتماد على تحليل الأسانيد – المتن، حيث يتم في هذا المنهج جمع جميع روايات جرح هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن، ومن خلال رسم شبكة من الروايات، يتم التوصل إلى الحلقة المشتركة التي هي ناشر الروايات المذمومة، ويُكشف عن فضاء الخطاب الروائي ليكون أساساً للحكم على مصداقية هذا المنهج والنتائج المترتبة عليه. أُجريت أبحاث متعددة حول المسألة الرجالية والروايات الدالة على هذا الموضوع، لكن الباحث، بعد البحث والتحري، لم يجد بحثاً مستقلاً يستخدم المنهج المركب لتحليل الأسانيد – المتن في رفع تعارض الروايات الرجالية الشيعية. وقد تم بحث منهج تحليل الأسانيد – المتن في عدة مقالات، منها مقالات مثل «تأريخ الروايات على أساس تحليل الأسانيد – المتن؛ نقد ودراسة المنهجية لخو تيرينبل» (آقایی، 1391ش)، «مدخل إلى دراسات الحديث لهارالد موتسكي» (پارسا، 1387ش)، «تأريخ الأحاديث على أساس المنهج المركب لتحليل الأسانيد – المتن في الدراسات الإسلامية للمستشرقين» (نیل ساز، 1390ش) و«أهمية تطبيق النماذج ومناهج تحليل الأسانيد في البحث التاريخي» (احمدزاده، 1394ش).

2. منهج تحليل السند والمتن

مع الأخذ في الاعتبار أن تحليل الإسناد-المتن هو أحد أساليب حل تعارض الآراء الرجالية؛ ففي هذا المنهج، يتم جمع كافة النسخ المختلفة للأحاديث المتعارضة من مصادر متنوعة، ثم تُقارن متونها وأسانيدها مع بعضها البعض. من خلال التحليل الدقيق، تُستخرج جميع العلاقات الداخلية في متن الرواية وإسنادها. وبهذه الطريقة، يمكن الحصول على معلومات حول نشأة الحديث وتكوينه وعناصره الأساسية. يعتمد منهج تحليل الإسناد-المتن بشكل أساسي على إيجاد الروابط المشتركة الأصلية والجزئية (نیل ساز، 1390ش، 1)، ويفترض أن البيانات المتنية الموجودة في السند والحديث مترابطة. لذا، من خلال مقارنة نتائج تحليل الإسناد وتحليل المتن، يمكن التوصل إلى تأريخ أكثر دقة وموثوقية (آقایی، 1391ش، 40). إحدى وظائف منهج تحليل السند والمتن هي قدرته على تحديد الأشكال المختلفة للمتن، ومسار التطور والتغيرات التي طرأت عليه عبر الزمن، وكذلك تحديد زمن التثبيت النهائي للمتن. وبهذا المنهج، حتى الأحاديث الموضوعة تكتسب قيمة خاصة، وبتحديد تاريخها يمكن الحصول على معلومات هامة عن الأوضاع الإسلامية وأسباب ووقت تحريف الأحاديث المختلفة. لذا، من خلال دراسة الروايات المتعارضة في جرح هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن في رجال الكشي وتحليل فضاء الخطاب الروائي، يمكن تحديد الحلقة المشتركة للروايات، ومعرفة من هم العوامل والناشرون لروايات الجرح.

3. تعارض الآراء الرجالية

أحد أبرز وأهم علوم الحديث التي ازدادت أهميتها في العصور المتأخرة، خاصة مع اعتماد التقسيم الرباعي للحديث (صحيح، موثق، حسن، وضعيف) ودوره في تحديد صحة الأحاديث واعتبارها، هو علم الرجال. تكمن أهمية علم الرجال في أن معظم علوم الحديث الأخرى تحتاج إلى هذا العلم، وبدونه لا يمكن الاستفادة الكاملة من تلك العلوم. يضطر علماء الرجال، بناءً على الوظيفة الأساسية لهذا العلم وهي تحديد درجة وثاقة الرواة، إلى جرح وتعديل الرواة. لمسألة الجرح والتعديل في علم الرجال أهمية بالغة حتى أنها تُعبّر عنها أحياناً بشكل خاص بعنوان «علم الجرح والتعديل» (عزیزی، مطیعی، 1393ش). في هذه الحالة، عندما يكون لعالمين أو أكثر من علماء الرجال رأي متعارض حول راوٍ واحد، فإنه يكون هناك تعارض حقيقي بين الرأيين. وعالم الرجال، بالإضافة إلى المعارف التي يكتسبها من خلال السماع من مشايخه، يعتمد على الشواهد والقرائن لتقييم الروايات والأخبار، وفي النهاية يصدر حكماً باعتبار مجموعة من الروايات، وبناءً على ذلك يصدر رأيه الرجالي. من بين كتب الرجال، كتاب «اختيار المعرفة» للكشي، الذي يتميز ببنيته الروائية، حيث تُعرض فيه الأحكام الرجالية في قالب حديث يشتمل على متن وسند (خامنه‌ای، 1369ش، 25-72)، وهذا يتيح للمخاطبين أن يتناولوا هذا الكتاب بمناهجهم الخاصة ويستنبطوا الحكم النهائي لجرح وتعديل الراوي من الأخبار الموجودة فيه (فتاحی زاده وهمکاران، 1395ش، 125). الأمر المهم هو وجود تعارضات بين بيانات رجال الكشي وبينها وبين آراء رجالية أخرى. على سبيل المثال، في رجال الكشي، نُقلت 30 رواية في مدح يونس بن عبد الرحمن و16 رواية في ذمه. وعليه، فإن حل وفصل هذه التعارضات بناءً على المنهج المزدوج لتحليل الأسانيد – المتن على طريقة هارالد موتسكي، وإيجاد الحلقة المشتركة في الروايات الشيعية في رجال الكشي، يضيف جانباً من الابتكار لهذا البحث.

4. الحلقة المشتركة

يعود مصطلح «الحلقة المشتركة» إلى منتصف القرن العشرين. ولهذا المصطلح دور مهم في دراسات تحليل الأسانيد التي أجراها الباحثون الغربيون لفهم أصل الحديث. في عام 1950، لاحظ شاخت، أحد المستشرقين الغربيين، في دراسته لأسانيد الروايات وجود رواة كانوا مشتركين في أسانيد مختلفة. وقد أطلق على هؤلاء المحدثين اسم «الرواة المشتركون» أو «الحلقات المشتركة» (Joseph Schacht, 1950, 171-2). بعده، تولى يانبول جهود شاخت وعمل على تطويرها وتحسينها، وقام بشكل منهجي بترتيب السلاسل المختلفة للروايات في مجموعات، وابتكر مصطلحات جديدة مثل: الحلقة المشتركة الجزئية، والعنكبوت، والغور. ثم قام بشرح تاريخها في حزم من مخططات الأسانيد، ووضع قوانين خاصة بناءً على هذه المشاهدات لتأريخ وتقييم صحة كل من الأسانيد (موتسکی، 1948م، 57). بعده، اعتبر هارالد موتسكي ظاهرة الحلقة المشتركة عامة جدًا واقترح طريقة بديلة لتحليل الأسانيد. حاول موتسكي إثبات أصالة الروايات من خلال استخدام معيار صوري وليس محتوائياً يركز على اختلاف الرواة (Ibid 21,24,27,29,167 ,and Chapter Four). في هذا المنهج، يُعثر على عدة أسانيد مختلفة لحديث واحد. إذا تم جمع أسانيد هذا الحديث ووضعها جنبًا إلى جنب، فعادة ما يظهر نمط يكون فيه طريق واحد يربط النبي براوٍ في الجيل الثالث أو الرابع بعده، ثم تتشعب طرق متعددة للحديث من ذلك الراوي. وقد أطلق على هذا الراوي المشترك اسم «الحلقة المشتركة» (پارسانیا وهمکاران، 1397ش، 21).

5. تحليل السند والمتن للروايات

1-5. تحليل سند ومتن روايات جرح هشام بن الحكم

1- «محمد بن نصير، قال: حدثني أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: أما كان لكم في أبي الحسن (ع) عظة؟ ما ترى حال هشام بن الحكم؟ فهو الذي صنع بأبي الحسن ما صنع وقال لهم وأخبرهم، أترى الله يغفر له ما ركب منا؟» (نفس المصدر، 2: 561).

2- «جعفر بن معروف قال: حدثني الحسن بن النعمان، عن أبي يحيى وهو إسماعيل بن زياد الواسطي عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سمعته يؤدي إلى هشام بن الحكم رسالة أبي الحسن (ع) قال: لا تتكلم فإنه قد أمرني أن آمرك أن لا تتكلم، قال: فما بال هشام يتكلم وأنا لا أتكلم، قال، أمرني أن آمرك أن لا تتكلم وأنا رسوله إليك. قال أبو يحيى: أمسك هشام بن الحكم عن الكلام شهراً لم يتكلم ثم تكلم فأتاه عبد الرحمن بن الحجاج، فقال له: سبحان الله يا أبا محمد تكلمت وقد نُهيت عن الكلام، قال: مثلي لا يُنهى عن الكلام. قال أبو يحيى: فلما كان من قابل، أتاه عبد الرحمن بن الحجاج، فقال له يا هشام قال لك: أيسرك أن تشرك في دم امرئ مسلم؟ قال: لا، قال: وكيف تشرك في دمي، فإن سكت وإلا فهو الذبح؟ فما سكت حتى كان من أمره ما كان (ص)» (نفس المصدر، 548).

3- «علي بن محمد، قال: حدثني محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال، قال أبو الحسن (ع): ائت هشام بن الحكم فقل له: يقول لك أبو الحسن: أيسرك أن تشرك في دم امرئ مسلم فإذا قال لا، فقل له: ما بالك شركت في دمي؟» (نفس المصدر، 2: 562).

2-5. التحليل السندي لرواية اتهام نهي هشام بن الحكم عن المشاركة في المناظرات الكلامية

هذه الرواية، بناءً على المخطط المرسوم، مسموعة من أربعة رواة هم: محمد بن نصير، وأحمد بن محمد، وحسين بن سعيد، وأحمد بن محمد بن خالد. من بين هؤلاء الأربعة، أهم الرواة هو أحمد بن محمد بن عيسى، ويمكن اعتباره الشخص الأدنى في طبقة الرواية. وبالنظر إلى وجود طريقين آخرين أكثر اكتمالاً من الرواية الأولى، وأن الحلقة المشتركة طبقاً للمخطط هي عبد الرحمن بن الحجاج، نبدأ بدراسة عناصر الحديث من هذين الطريقين.

1-2-5. طريق رواية عبد الرحمن بن الحجاج

رواية عبد الرحمن بن الحجاج نُقلت بطريق واحد، عن أستاذه محمد بن أبي عمير، وطريق آخر عن إسماعيل بن زياد الواسطي. عبد الرحمن بن الحجاج البجلي من المتكلمين البارزين ومن أصحاب الإمام الصادق، الإمام الكاظم، الإمام الرضا، والإمام الجواد (ع) في القرن الثاني، ومن وكلاء الإمام، ولا شك في ثرائه (الأردبيلي، د.ت، 1: 447). هو أصلاً كوفي ومقيم ببغداد، وقد ورد خبر وفاته بعد عام 183هـ (الحلي، 1417ق، 204). عبد الرحمن من أتباع التيار الغالب في الكوفة، مدرسة الجواليقيين، أي هشام بن سالم، والكشي يروي موقفين صريحين له ضد هشام بن الحكم ويونس. في الرواية رقم 958، نجد معارضة صفوان بن يحيى (تلميذ عبد الرحمن بن الحجاج)، وفي الرواية رقم 500، نجد عبد الرحمن بن الحجاج في جبهة هشام بن سالم، ويتخذ موقفاً شديداً وحاداً من هشام، ويكفّره بسبب فهمه لكلام هشام. وفقاً لهذه الرواية، فإن ميل عبد الرحمن بن الحجاج الفكري ودعمه لهشام بن سالم واضح تماماً، والذي بسبب توجهه المعتدل بين مفكري الإمامية، حظي بقبول واسع (مجموعة من المؤلفين، 1401ق، 93). في الطريق الثالث، أحمد بن محمد من كبار الشيعة في القرن الثالث الذي نقل أكبر قدر من التراث الحديثي إلى قم. وقد وثّقه العديد من الرجاليين. من بين المشايخ الذين روى عنهم الحديث، يمكن الإشارة إلى أحمد بن محمد بن أبي نصر، وحسين بن سعيد، وصفوان بن يحيى، ومحمد بن أبي عمير، ومحمد بن خالد. كان أحمد صارماً في عقائده ويتعامل بشدة مع المخالفين. كان أحمد بن محمد بن عيسى من أكثر الأشخاص تعصباً وأهمية في قم الذين عارضوا أفكار هشام ويونس، وكان له أشد المواجهات مع تيار هشام بن الحكم. على سبيل المثال، كان سيئ الظن بيونس (الطوسي، 1373ش، 497). وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار وجود مثل هذه الروايات ضد هشام من صنع أشخاص كانوا يعارضون أفكاره بطريقة ما وسعوا إلى تشويه سمعته.

1-1-2-5. تحليل متن الرواية

الحديث من طريق محمد بن نصير عن أحمد بن محمد بن عيسى يدور حول نهي الإمام لهشام بن الحكم عن المشاركة في المناظرات الكلامية. ومع ذلك، يوجد لهذه الرواية طريقان آخران نُقلا عن طريق عبد الرحمن بن الحجاج، وهما مشتركان مع الرواية الأولى في جزء من المتن فقط. في الرواية الأولى، سمع عبد الرحمن بن الحجاج من إسماعيل بن زياد أن إسماعيل بن زياد يبلغ رسالة الإمام إلى هشام بأن يمتنع عن المناظرات والمباحث الكلامية ويحذره: هل تريد أن تشارك في دم مؤمن؟ ولكن في الرواية الثانية، يأمر الإمام عبد الرحمن بن الحجاج بالذهاب إلى هشام وإخباره بأنه في حال شارك في المناظرات فإنه يكون قد شارك في دمي. في الروايات التاريخية وما أورده الكشي في رجاله (الكشي، 1363ش، 2: 542، ح485). يسأل يونس بن عبد الرحمن هشام بن الحكم: هل أرسل الإمام عبد الرحمن بن الحجاج إليك لكي ينهاك عن الكلام؟ يجيب هشام: نعم. لذلك، من الممكن أنه في متن الرواية التي كان فيها إسماعيل بن زياد هو حامل رسالة الإمام، وبسبب أن إسماعيل متهم عند علماء الرجال بالغلو والتفويض، قد حدث تحريف. كما أن نهي الإمام لهشام، وفقاً للروايات التاريخية، كان مرتبطاً بزمن المهدي العباسي الذي كان يمارس تضييقاً على الأصحاب والجماعات (الكشي، 1363ش، 2: 485، 542). في الرواية الثالثة، أصبح هشام بسبب عدم امتثاله لنهي الإمام سبباً في سجن الإمام وشهادته. وبالنظر إلى أن فترة إمامة الإمام الكاظم (ع) تزامنت مع خلافة أربعة من الخلفاء العباسيين (المنصور، المهدي، الهادي، وهارون)، وكان الإمام يتعرض للأذى والاضطهاد من قبل جميع الخلفاء العباسيين. وفي فترة خلافة هارون الرشيد، سُجن وعُذب لمدة 4 سنوات من شوال 179هـ حتى شهادته في عام 183هـ (الشبستري، 1418ق، 3: 317). إذا اعتبرنا فترة خلافة المهدي العباسي التي كانت من عام 158هـ إلى 169هـ، ووفاة هشام في عام 179هـ، فإن الإمام استشهد بعد أربع سنوات من وفاة هشام في زمن خلافة هارون الرشيد على يد السندي بن شاهك مسموماً. لذلك، وبناءً على دراسة الروايات التاريخية، لا يمكن أن يكون هشام بن الحكم سبباً في شهادة الإمام الكاظم (ع). لأن الإمام استشهد في عام 183هـ، والنهي المنسوب للإمام يتعلق بفترة خلافة المهدي العباسي الذي توفي في عام 169هـ، مما يعني وجود فارق زمني تقريبي بين 14 و18 سنة. هناك نقطة أخرى مهمة مستفادة من الروايات التاريخية الموجودة في رجال الكشي، وهي أن النهي المنسوب للإمام كان في زمن كان فيه المهدي العباسي يصنف محاورات الناس ويذكر الجماعات بشكل منفصل، ومن بين هذه الجماعات، كانت أقوال الجواليقيين وأصحاب هشام بن سالم، ولم يكن فيها ذكر لهشام بن الحكم (نفس المصدر، 2: 542، ح485). وبناءً على ذلك، يمكن القول إنه على الرغم من أن هشام امتثل لنهي الإمام (نفس المصدر، 2: 526، ح479) وامتنع عن الكلام، إلا أن البعض سعى لتشويه سمعته وألصق به اتهامات.

6. روايات جرح يونس بن عبد الرحمن

قبل دراسة تاريخ روايات جرح يونس بن عبد الرحمن، نلتفت إلى كلام الكشي حول هذه الشخصية، ثم ننتقل إلى دراسة الروايات. مع أن منهج الكشي في رجاله هو السكوت أمام الأحاديث المتعارضة، إلا أنه أمام الأحاديث التي نقلها القميون عن يونس بن عبد الرحمن، أبدى تعجبه قائلاً: «يجب على أهل النظر أن يدققوا ويلاحظوا ليتعجبوا من هذه الأخبار التي يرويها القميون عن يونس، وليعلموا أن هذه لا تتوافق مع العقل» (الكشي، 1363ش، 2: 785). وبناءً على تقرير من الفضل بن شاذان، فإن أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري وعلي بن حديد قد كفّا عن الطعن والافتراء على يونس. بالطبع، يجب التذكير بأنه من المحتمل أن نقل هذه الروايات يعود إلى زمن لم يكن فيه أحمد بن محمد الأشعري قد كفّ بعد عن الطعن على يونس، وأن علي بن حديد، بسبب مداراته لأصحابه، كان مضطراً للتظاهر بالطعن ضد يونس (الطوسي، 1415ق، 2: 497). وعليه، فإن قول الشيخ الطوسي: «طعن عليه القميون وهو عندي ثقة» يتوافق مع كلام الكشي (نفس المصدر، 368).

1-6. روايات ذم يونس بن عبد الرحمن

1- «علي بن الحسن بن علي بن فضال، قال: حدثني مروك بن عبيد، عن محمد بن عيسى القمي، قال: توجهت إلى أبي الحسن الرضا فاستقبلني يونس مولى ابن يقطين، قال، فقال لي: أين تذهب؟ فقلت: أريد أبا الحسن، قال، فقال لي: أسأله عن هذه المسألة، قل له خُلقت الجنة بعدُ فإني أزعم أنها لم تُخلق. قال: فدخلت على أبي الحسن (ع)، قال: فجلست عنده وقلت له: إن يونس مولى ابن يقطين أودعني إليك رسالة، قال: وما هي؟ قال، قلت: قال أخبرني عن الجنة خُلقت بعدُ فإني أزعم أنها لم تُخلق؟ فقال: كذب فأين جنة آدم (ع)؟» (الكشي، 1363ش، 2: 785).

2- «(علي بن محمد) قال: حدثني محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن مروك بن عبيد، عن يزيد بن حماد، عن ابن سنان، قال، قلت لأبي الحسن (ع) إن يونس يقول: إن الجنة والنار لم تُخلقا، قال، فقال: ما له لعنه الله فأين جنة آدم؟» (نفس المصدر).

1-1-6. التحليل السندي لرواية خلق الجنة والنار الآن

الكشي يروي هذه الرواية بطريقين. في الطريق الأول، هناك راويان سمعا هذه الرواية من محمد بن عيسى الذي وثقه النجاشي (همدانی، 1397ش، 15)، وفي أدنى طبقة، يروي علي بن الحسن هذه الرواية. في الطريق الثاني، رُويت الرواية عن خمسة رواة هم: علي بن محمد، ومحمد بن أحمد، ومروك بن يزيد، ويزيد بن حماد، عن ابن سنان، حيث يوجد علي بن محمد في الطبقة الدنيا. ابن سنان ضعّفه النجاشي (النجاشي، 1407ق، 328)، ويكتب عنه العلامة الخوئي: «ضعيف، ويغلو في تقاريره ويزيد فيها» (الخوئي، 1410ق، 17: 170). كما لا تتوفر معلومات عن محمد بن أحمد ويزيد بن حماد (نفس المصدر، 20: 111). دراسة بقية رواة الروايتين تظهر أن الرواية التي وردت بلهجة أشد من الرواية الأولى نُقلت عن طريق أشخاص مثل علي بن محمد ويعقوب بن يزيد، الذين كانت لديهم نظرة سلبية تجاه يونس وعقائده، وأكثر روايات الجرح وردت عن طريقهم. بناءً على ذلك، فإن الروايتين ضعيفتان بسبب جهالة عدد من الرواة، ولكن لا يمكن تجاهل متن الرواية لمجرد ضعف السند، ولا إغفال تحليل متنها.

1-1-1-6. تحليل متن الرواية

الروايتان المذكورتان مشتركتان من حيث المحتوى، ولكنهما تختلفان في بعض العبارات. يشير محتوى الرواية إلى رأي يونس حول خلق الجنة والنار الآن؛ مع اختلاف في تعبير «كذب» في الرواية الأولى وتعبير «لعنه الله» في الرواية الثانية. وبالنظر إلى أن من معاني «كذب» في اللغة العربية «أخطأ» (ابن منظور، 1405ق: 1: 709)، فربما كان قصد الإمام في هذه الرواية، التي هي ألطف، هو أن يونس أخطأ في هذا الأمر، وربما استخدم الإمام تعبيراً أشد في الرواية الثانية لمصلحة ما وبالنظر إلى نوع المخاطب. الأمر المهم هو أن مسألة خلق أو عدم خلق الجنة والنار قبل يوم القيامة كانت من المسائل الكلامية التي اختلف فيها متكلمو عصر يونس ومن بعده، وعامة علماء الشيعة يعتقدون أن الجنة والنار موجودتان ومخلوقتان الآن (المفيد، 1414ق، 124). في إحدى الروايتين، يطلب يونس بن عبد الرحمن من محمد بن عيسى القمي أن يستطلع رأي الإمام الرضا (ع) حول خلق الجنة والنار. هناك احتمال أن يكون دافع يونس من خلال عبارة «أزعم أنها لم تخلق؟» هو نقل الرسالة بشكل كناية إلى الإمام الرضا (ع) لحل المشكلة القائمة في المجتمع الشيعي حول خلق الجنة والنار. كما أن ظهور هذه العبارة في كلتا الروايتين يتعلق بالجنة والنار الأخرويتين؛ لأن جواب الإمام يتعلق بالجنة التي كان فيها آدم (ع). وكما ورد في الروايات، فإن جنة آدم غير جنة ونار الآخرة (الكليني، 1363ش، 3: 247)، والإمام بهذا الجواب لم يقصد بيان المسألة الحقيقية، لأنه ربما لم يكن المخاطب في مستوى يؤهله لتلقي جواب شامل، وكان مجرد حامل لرسالة يونس إلى الإمام. لذا، فإن يونس، بالنظر إلى عبارة «أزعم أنها لم تخلق؟»، كان بصدد التعبير عن ظنه في هذا الأمر ليكون مجرد حامل لتلك الرسالة إلى الإمام.

3- «علي بن محمد، قال: حدثني محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد عن الحسين بن بشار الواسطي، عن يونس بن بهمن، قال، قال لي يونس: اكتب إلى أبي الحسن (ع) فاسأله عن آدم هل فيه من جوهرية الله شيء؟ قال: فكتب إليه فأجابه: هذه المسألة مسألة رجل على غير السنة، فقلت ليونس، فقال: لا يسمع ذا أصحابنا فيبرؤون منك، قال، قلت ليونس: يبرؤون مني أو منك؟» (الكشي، 1363ش، 2: 942).

4- «طاهر بن عيسى، قال: حدثني جعفر بن أحمد، قال: حدثني الشجاعي، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسين بن بشار، عن الحسن بن بنت إلياس عن يونس بن بهمن، قال، قال يونس بن عبد الرحمن: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (ع) سألته عن آدم (ع) هل كان فيه من جوهرية الرب شيء. قال، فكتب إلي جواب كتابي: ليس صاحب هذه المسألة على شيء من السنة زنديق» (نفس المصدر، 2: 492).

2-1-6. التحليل السندي لرواية وجود جوهر إلهي في آدم (ع)

الكشي يروي هذه الرواية عن طريق يونس بن بهمن، وخمسة رواة هم علي بن محمد، ومحمد بن أحمد، ويعقوب بن يزيد، وحسين بشار قد سمعوا هذا الحديث من يونس بن بهمن. يقع علي بن محمد في أدنى طبقة من الرواية، والذي، كما ذُكر، كان له رأي سلبي تجاه يونس بسبب الخلافات الكلامية. لهذه الرواية طريق آخر أيضاً يقع فيه يونس بن بهمن في أعلى طبقة من الرواية، وستة رواة هم طاهر بن عيسى، وجعفر بن أحمد، والشجاعي، ويعقوب بن يزيد، وحسين بن بشار، وحسين بن بنت إلياس قد سمعوا هذا الحديث منه. وبناءً على المخطط، فإن الحلقة المشتركة في هاتين الروايتين هي يعقوب بن يزيد، الذي تلقى العديد من الروايات من مشايخه في بغداد وسائر مدن العراق، ونقلها كتلميذ حديث لتلاميذه في قم (الكشي، 1363ش، 2: 561). ورواة آخرون مثل الشجاعي وطاهر بن عيسى اعتبرهم العلامة الخوئي مجهولين (الخوئي، 1410ق، 20: 211).

1-2-1-6. تحليل متن الرواية

متن الرواية يدور حول وجود شيء من جوهر الألوهية في آدم (ع)، وهو ما، بناءً على ما ورد في الروايات، كان وهماً يراود بعض الناس في صدر الإسلام وزمن الأئمة (ع)، حيث كانوا يعتقدون بضرورة وجود شيء من الله في الإنسان، وكأن جزءاً من الله قد انفصل ودخل في الإنسان (مصباح یزدی، 1376ش، 349). بناءً على ذلك، وفقاً للرواية الأولى (ح 942)، يكتب يونس بن بهمن، بطلب من يونس بن عبد الرحمن، رسالة إلى الإمام الرضا (ع) مستخدماً عبارة «أكتب إلى أبي الحسن»، ويستطلع رأي الإمام حولها. وفي الرواية الثانية (ح 950)، ينقل يونس بن بهمن عن يونس بن عبد الرحمن أنه كتب إلى الإمام الرضا (ع) بعبارة «كتبت إلى أبي الحسن»، ويسأل عن رأي الإمام حول مسألة وجود جوهرية الله في آدم (ع)، فيجيبه الإمام في رسالته: «هذا السؤال سؤال رجل خارج عن السنة» (الكشي، 1363ش، 2: 785-786). الفرق الواضح في الروايتين يظهر بعد جواب الإمام، حيث يقول يونس بن عبد الرحمن في الرواية الأولى ليونس بن بهمن أن يمتنع عن نقل هذا الموضوع بين الأصحاب لئلا يتبرؤوا منه، وهنا يتعجب يونس بن بهمن ويسأل يونس: هل يتبرؤون مني أم منك؟ ولكن في الرواية الثانية لا يوجد مثل هذا الحوار بعد جواب الإمام. بالتدقيق في متن الروايتين، هناك احتمال كبير أن يكون يونس بن بهمن، بنقله لهذا الحوار بشكل غير مباشر، قد قصد تشويه سمعة يونس، وخلق نوع من التبرؤ منه بين الأصحاب، ولأنه كان يحمل نظرة سلبية تجاه يونس، وضع هذه الرواية. وحتى على فرض صحة الرواية، فقد طُرح هذا السؤال في جو كان فيه الغلاة نشطين لتحقيق مآربهم السياسية والدنيوية، ويرفعون الإنسان إلى مرتبة الألوهية، ويونس، بالنظر إلى الجو السائد في المجتمع، طرح هذا السؤال لرفع الشبهة والوصول إلى جواب من الإمام. لذلك، فإن سؤال يونس في هذا الشأن لا يعد دليلاً على جرحه.

7. التحليل التاريخي لروايات جرح وتعديل هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن

تنقسم الأحاديث الخاصة بهشام ويونس بشكل عام إلى قسمين: أحاديث المدح والجرح. بناءً على روايات المدح، كان هشام ويونس محط إشادة ومدح الإمام الصادق، والكاظم، والرضا (ع) مراراً. يقول النجاشي في رجاله: «الإمام الصادق والإمام الكاظم (ع) مدحا هشاماً مراراً. هشام هو من أدى حق الكلام في الإمامة» (مامقانی، 1352ش، 2: 295). وكذلك سأل سليمان بن جعفر الإمام الصادق (ع) عن هشام، فقال: «رحمه الله، كان عبداً ناصحاً خيراً، آذاه أصحابه حسداً منهم» (التستري، 1418ق، 9: 326). كان رائداً للحق، ومؤيداً للصدق، ومدافعاً عن ولاية أهل البيت، ومثبتاً لبطلان أعدائهم (صفایی، 1383ش، 10). كان هشام بقلبه ولسانه ويده ناصراً للأئمة (مامقانی، 1352ش، 3: 294). قال له الإمام الصادق (ع): «لا تزال مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك» (ابن النديم، 1978م، 224). وفي مدح يونس، وردت روايات عن المعصوم، حيث اشتكى يونس للإمام الكاظم (ع) من اتهام بعض الأصحاب له بالزندقة، فأمره الإمام الكاظم (ع) بالمداراة معهم لضيق أفقهم. في هذا الحديث، تم تأييد يونس وفكره من قبل الإمام الكاظم (ع) (الكشي، 1363ش، 484؛ المجلسي، 1403ق، 2: 66). مقابل روايات المدح، وردت روايات جرح هشام وتلاميذه، بناءً على رواية أن الإمام نهى أصحابه عن المناظرة، لكن هشام لم يمتثل وواصل مناظراته مما أدى إلى سجن الإمام وشهادته. لذا، كان هشام، حسب هذه الروايات، سبباً في سجن الإمام وشهادته. كما وردت روايات أخرى في ذم هشام بن الحكم، حيث يرى الإمام الرضا (ع) أن خط هشام الفكري يماثل خط أبي شاكر الديصاني، ويصف هشاماً بالزنديق (الكشي، 1363ش، 2: 516). بالنظر إلى ما ورد من روايات حول منع هشام من قبل الإمام من الخوض في المباحث الكلامية والعقائدية، والروايات المذكورة التي تدل على ذمه، يمكن ملاحظة نوع من المواجهة الداخلية بين كثير من الأصحاب وبين هشام بن الحكم وتلاميذه. تُظهر دراسة رواة روايات الجرح أن قسماً كبيراً من هذه الروايات نُقل عن طريق أشخاص محددين، ويمكن القول إن نظرتهم لهشام بن الحكم ويونس ناتجة عن اختلاف وجهات النظر في بعض المسائل الكلامية مثل التشبيه والتجسيم فيما يتعلق بالله، حيث أدى عدم الفهم الصحيح لماهية وحقيقة هذا الاعتقاد إلى اتهام هشام وتلاميذه بالتشبيه. ويتضح من رواية الكشي عن هشام بن الحكم أنه كان محط حسد من المحيطين به والبيئة التي كان فيها (الطوسي، 1415ق، 2: 486، 547). يرى الباحث أنه بالتدقيق في سلسلة أسانيد الروايات، يمكن تتبع أثر الرواة القميين في جرح وذم هشام وتلاميذه بوضوح، وربطهم بالتيار الغالب في الكوفة، وهو تيار الجواليقيين، بحيث أن محدثي قم، وعلى رأسهم الأشعريون، كانوا شخصيات مثل أحمد بن محمد بن عيسى، ويعقوب بن يزيد القمي، وسعد بن عبد الله الأشعري، من أشد وأهم المعارضين لأفكار هشام بن الحكم ويونس في قم، وكانوا في أشد المواجهات مع تيار هشام بن الحكم. تشير بعض هذه الروايات إلى أن هشام بن الحكم كان يؤمن بنوع من التجسيم، وهشام بن سالم بنوع من الصورة لله (الصدوق، 1386ش، 97). بناءً على هذه الروايات، سأل سليمان بن جعفر، وهو من خواص أصحاب الإمام الرضا (ع)، الإمام الرضا (ع) عن هشام بن الحكم، فأجاب: «كان عبداً خيراً، آذاه أصحابُه حسداً». يتضح أن المواجهة في المباحث العقائدية والكلامية لم تقتصر على فترة الإمام الصادق (ع)، بل استمرت هذه الأفكار حتى عصر الإمام الرضا (ع) (الخوئي، 1410ق، 19: 300). يدل تصرف سليمان بهذا السؤال على استمرار المواقف ضد هشام وتلاميذه. بالنظر إلى موضوع البحث، فإن الحل المقترح لحل التعارض في روايات جرح ومدح هشام بن الحكم وتلاميذه هو تحليل الأسانيد – المتن، وإيجاد الحلقة المشتركة بين الروايات المتعارضة التي هي العامل الرئيسي وناشر روايات جرح هشام بن الحكم وتلاميذه، والذي سيقدم في هذا القسم نموذجاً لاستعادة مصادر الآثار الروائية، تكون خطواته الأولية في اتجاه تحديد الحلقات المشتركة في سلسلة مشايخ أثر روائي، والخطوات التالية ترتبط جميعها بوظيفة الحلقة المشتركة. «الحلقة المشتركة» هي الراوي المتكرر في أسانيد مجموعة من الروايات لأثر روائي واحد، وتحديد وتحليل وظيفته في استعادة مصادر ذلك الأثر الروائي له دور مؤثر، ويجب الاهتمام به بجدية في تحليل الأسانيد (حدادی، 1400ق، 21). الآن في هذا البحث، بالنظر إلى المباحث المطروحة حول الحلقة المشتركة، يجب الاعتراف بأن في مجمل الروايات والآراء المتعارضة التي وردت في ذم هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن في رجال الكشي، فإن العامل الرئيسي في هذا التناقض هو اختلاف الحلقات المشتركة في جرح وتعديل هشام ويونس، حيث تكرر في هذه الروايات عدة رواة، أحدهم يعقوب بن يزيد والآخر عبد الله بن محمد الحجال. بدراسة أسانيد الروايات ورسم شبكة روايات جرح هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن، يمكن تفسير روايات الجرح على أنها مواجهة لمدرسة قم، التي تأثرت بالتيار الإمامي في بغداد والكوفة، وعارضت أفكار هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن. بحيث أن مجمل روايات جرح هشام ويونس يمكن ردها إلى الحلقة المشتركة لهذه الروايات، وهي يعقوب بن يزيد وعبد الله بن الحجال، اللذان كانا بمثابة راويين ناشرين، ولهما دور محوري. يرى الباحث أنه بالنظر إلى أهمية تقييم الأحاديث بأسلوب تحليل الأسانيد – المتن وتأريخ الزمن الدقيق للرواية، يمكن من خلال البحث في الروايات المتعارضة في كتب الرجال الشيعية حول الشخصيات الرجالية التي يوجد تعارض في آرائهم، التوصل إلى الراوي الرئيسي الناشر، أي «الحلقة المشتركة»، وتأريخ عملية نقل الحديث بدقة، وتحديد عامله وناشره.

9. الاستنتاج

1- منهج تحليل الأسانيد – المتن هو منهج جديد لدراسة الروايات بأسلوب تحليل المتن وتحليل السند. في هذا المنهج، من خلال ترابط السند والمتن، يمكن تحديد وتأريخ الروايات بدقة، وتتضح صحة الحديث من سقمه. على الرغم من وجود قيود في هذا المنهج، إلا أن له مزايا مقارنة بمنهج تحليل الأسانيد فقط أو تحليل المتن فقط. على سبيل المثال، من قيود هذا المنهج صعوبة العثور على أحاديث بأسانيد قليلة، والأحاديث التي تُنقل أحياناً بسند واحد، ومن حيث متن الحديث، قد يظهر عدم اتساق في محتوى الرواية، مما يؤدي إلى عدم التوافق بين السند والمتن، وهذا يجعل من الصعب الوصول إلى الهدف الرئيسي، وهو إيجاد الحلقة المشتركة.

2- بدراسة روايات جرح يونس وهشام، يمكن إدراك جو المعارضة لهذين المتكلمين البارزين في بيئة قم بوضوح. كما هو مبين في مخطط جرح يونس، فإن معظم روايات الجرح، وعددها 8 روايات، هي من طريق يعقوب بن يزيد الأنباري القمي، الذي كان من معارضي يونس ومؤلف كتاب «الطعن على يونس»، وشيخ حديث لعدد من أساتذة قم مثل سعد بن عبد الله، وأحمد بن محمد بن عيسى، وغيرهم. وكذلك، فإن معظم الروايات التي جُرح فيها يونس نُقلت عن طريق علي بن محمد القمي، مما يدل، بسبب الخلافات في العقائد الكلامية، على مواجهة بين محدثي قم وشخصيات تيار هشام بن الحكم، وخاصة يونس.

3- نتيجة للاختلافات والمواجهات بين تيار هشام بن الحكم وتيار هشام بن سالم في بعض المسائل العقائدية في المجتمع الشيعي الكوفي، استمر تلاميذ هشام بن سالم وأتباعه، الذين كانوا التيار الغالب في الكوفة، في القرون اللاحقة في نشر الجرح والذم لهشام بن الحكم وتلاميذه. وقد ورد في حديث أن الإمام الرضا (ع) سأل أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، الذي كان من أتباع هشام بن سالم في مسألة التوحيد: «ما الخلاف بينكم وبين أصحاب هشام بن الحكم في التوحيد؟»؛ أي: لماذا تختلفون مع أتباع هشام بن الحكم في مسألة التوحيد؟ فأجاب أحمد بن أبي نصر: «نعتقد بالصورة في الله، وهشام بن الحكم ينفي أن يكون الله جسماً». فقال له الإمام: «هذا الاعتقاد تشبيه، فدع عنك هذا الاعتقاد» (القمي، 1404ق، 1: 20). لذا، في القرون التالية أيضاً، سعى أنصار هشام بن سالم إلى تشويه تيار هشام بن الحكم، وقام البعض بنشر روايات الجرح والشائعات لتوسيع دائرة الاتهامات. من خلال رسم شبكة روايات الجرح، يمكن التوصل إلى الحلقة المشتركة لهذه الروايات، وهي يعقوب بن يزيد وعبد الله بن الحجال، اللذان كانا بمثابة راويين ناشرين، ولهما دور محوري.

المصادر

آقایی، سید علی. “حلقه مشترک و پیوند آن با اصطلاحات حدیثی”. تاریخ و تمدن اسلامی، 15(1391): 59-98.

، تاریخ گذاری حدیث روشها و نمونه ها، تهران، حکمت، 1393ش.

آهنگ، علی و مهدی آریانفر. “تحلیل انتقادی دیدگاه یحیی محمد پیرامون علم رجال شیعه (با تأکید بر کتاب مشکلة الحدیث)”. مطالعات فهم حدیث 4، 8، 1397ش: 55-73. doi: 10.30479/mfh.2018.1326.

ابن غضائری، احمد بن حسین. رجال الغضائری، قم، دار الحدیث، 1380ش.

ابن منظور، محمد بن مکرم. لسان العرب، قم، ادب الحوزه، 1405ق.

ابن ندیم، محمد بن إسحاق. الفهرست، بیروت، دارالمعرفة، 1978م.

احمدزاده، محمدامیر. “اهمیت کاربرد الگوها و روش های تحلیل اسناد در پژوهش تاریخی”. تاریخ نگری و تاریخ نگاری، 15 (1394): 5-33.

اردبیلی، محمدعلی. جامع الرواة، قم، مکتبه آیت الله المرعشی، بی تا.

بهبهانی، محمدباقر بن محمد. تعلیقه على منهج المقال، قم، معارف اهل بیت (ع)، 1205ق.

پارسا، فروغ. نقد و بررسی پژوهش های حدیثی هارالد موتسکی، رساله دکتری، استاد راهنما: دکتر احمد پاکتچی، 1387ش.

پارسانیا، حمید، فاطمه هلالی و سید سعید موسوی اصل. “دیدگاه یوزف شاخت به فقه اسلامی به مثابه دانش اجتماعی”. اسلام و مطالعات اجتماعی، 20(1397): 6-34.

تستری، محمدتقی. قاموس الرجال، قم، موسسه نشر اسلامی، 1418ق.

جمعی از نویسندگان. جستارهایی در مدرسه کلامی بغداد، قم، دارالحدیث، 1401ق.

حدادی، آمنه، نصرت نیل ساز، نهله غروی نایینی و محمد کاظم رحمتی. “تحلیل کارکرد حلقه مشترک در بازیابی منابع آثار روایی مطالعه موردی روایات علی بن ابراهیم در الکافی”. علوم قرآن و حدیث 53، 107 (1400): 271-293. doi:10.22067/jquran.2021.61859.0.

حسینی خامنه ای، علی. چهار کتاب اصلی علم رجال، تهران، فرهنگ اسلامی، 1369ش.

حلی، حسن بن یوسف. خلاصة الاقوال فی معرفة الرجال، قم، الفقاهة، 1417ق.

خویی، سیدابوالقاسم. معجم رجال الحدیث، قم، آثار شیعه، 1410ق.

شبستری، عبدالحسین. اصحاب الامام الصادق (ع)، قم، المدرسين، 1418ق.

صدوق، محمد بن علی. الامالی، تهران، کتابچی، 1376ش.

__________، علل الشرائع، قم، داوری، 1386ق.

صفایی، سیداحمد. هشام بن حکم، تهران، دانشگاه تهران، 1383ش.

طوسی، محمدبن حسن. اختیار معرفة الرجال، قم، جماعة المدرسين، 1373ش.

، رجال الطوسى، قم، جماعة المدرسين، 1415ق.

عزیزی، مجتبی و میثم مطیعی. “مبنای ملاکهای ترجیح اقوال رجالیون در تعارض جرح و تعديل”. حدیث شناسی، 11(1393): 49-84.

فان، اس یوزف. کلام و جامعه در سده های دوم و سوم هجری، مترجمان: فرزین بانکی، احمد علی حیدری، قم، دانشگاه ادیان و مذاهب، 1396ش.

فتاحی زاده، فتحیه، محمدکاظم رحمان ستایش و فاطمه ونکی. “روش آیت الله خویی در تعامل با اصول اولیه رجالی”. علوم قرآن و حدیث، 97(1395): 119-142.

فرقان گوهر، محمد. “نخستین جریان انتقادی حدیث شیعه”. تاریخ و تمدن اسلامی، 23(1397): 23-48.

قمی، علی بن ابراهیم. تفسیر القمی، قم، دارالکتاب، 1404ق.

کشی، محمد بن عمر. رجال کشی، قم، اهل البیت، 1363ش.

کلینی، محمد بن یعقوب. الکافی، تهران، دارالکتب، 1363ش.

مامقانی، عبدالله. تنقیح المقال، نجف، بینا، 1352ش.

مجلسی، محمدباقر. بحارالانوار، بیروت، دار الاحياء، 1403ق.

مصباح یزدی، محمدتقی. معارف قرآن، قم، موسسه امام خمینی، 1376ش.

مفید، محمدبن محمد. اوائل المقالات، بیروت، دارالمفید، 1414ق.

نجاشی، احمد بن علی. رجال النجاشی، قم، جامعه مدرسین، 1407ق.

نیل ساز، نصرت. “تاریخ گذاری احادیث براساس روش تحلیل اسناد متن در مطالعات اسلامی خاورشناسان”. پژوهش های قرآن و حدیث، 1(1390): 127-149.

همدانی، مصطفی. “نقد اندیشه رجالی ارسال روایات بی واسطه حریز از امام صادق (ع)”. مطالعات فهم حدیث 4، 8 (1397): 131-153. doi: 10.30479/mfh.2018.1329.

Joseph Schacht, The Origins of Muhammadan Jurisprudence, Oxford, 1950, 171-2.

Goldziher, Ignaz, Muslim studies, Edited by S.M Stem, translated by C R Barber and S.M. Stem, 2vols, london: George Allen and Uniwin, 1971.

Scroll to Top