دراسة تحليلية للمراد من «الذِّكر» في الآية ٤٤ من سورة النحل

المستخلص

يرى كثير من المفسرين والمترجمين أن المراد من «الذِّكر» في الآية 44 من سورة النحل هو القرآن. وينقسم المعتقدون بهذا الرأي إلى فئتين: الفئة الأولى، التي تشكل طيفًا واسعًا من المفسرين، تعبر عن هذا الرأي بشكل قاطع. أما الفئة الثانية، فمع قبولها لمفهوم القرآن لـ«الذِّكر»، تسعى لحل الإشكال الظاهري الناشئ عن هذا الرأي. من جهة أخرى، ذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بـ«الذِّكر» هو سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. إن دراسة أدلة هذه الآراء تكشف عن نقص الدقة في فهم سياق الآية وظاهر ألفاظها. وعليه، فإن هذا البحث، بعد تقييم أدلة آراء المفسرين، وبالتدبر في ظاهر الآية وسياقها، وكذلك من خلال دراسة مصطلح «الذِّكر»، يثبت أن أصحاب الرأي الأول، من خلال إحداث تغيير في بنية الآية والخروج عن معناها الظاهري، وأصحاب الرأي الثاني، بسبب عدم تقديمهم لأدلة كافية، لم يتمكنوا من تقديم فهم صحيح لـ«الذِّكر». في النهاية، يرى كاتبا هذا البحث، انسجامًا مع ظاهر الآية، أن «الوحي التفسيري» هو المراد من «الذِّكر» في هذه الآية، والذي يبدو أنه قد ورد في آيات أخرى تحت مسمى «الحكمة». وبقبول رأي «الوحي التفسيري» لـ«الذِّكر»، يثبت هذا البحث أن «الذِّكر» في هذه الآية يختلف عن «ما نُزِّل إليهم»، وبذلك يُحل الإشكال الظاهري للآية.

طرح المسألة

إن الوصول إلى حقائق القرآن يعتمد على أمور عدة، منها فهم مفردات القرآن وألفاظه، لذا فإن دراسة مفاهيم الألفاظ القرآنية أمر ضروري. ومع ذلك، فإن بعض الألفاظ تحظى بأهمية أكبر في فهم حقائق القرآن، وتؤدي دورًا أساسيًا وعميقًا في الدراسات الإسلامية بوصفها مفاهيم جوهرية. إن لفظ «الذِّكر» في آية ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل/٤٤) هو من المفاهيم التي تتطلب هذه الدقة.

لقد استعان الباحثون في الدراسات القرآنية بالآية المذكورة لإثبات جواز التفسير الاجتهادي للقرآن بالقرآن (شمس كلاهي، ٤٧-٦٦). كما يستند بعض معارضي المنهج الاجتهادي إلى الآية نفسها، معتبرين أن الله قد نسب بيان معاني القرآن إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يجوز لغيره بيان معاني القرآن (بابائي، ١١٣/٢؛ ذهبي، ٣٦/١). ومن هنا، فإن الفهم المتباين لهذه الآية يضع استدلالات أصحاب الآراء المختلفة في مواجهة إشكال.

إن القول بأن القرآن هو المقصود بـ«الذِّكر» في هذه الآية يحظى بشهرة واسعة بين المفسرين، حتى إنه نادرًا ما اتجهوا إلى مفهوم آخر. ويبدو أن هذا الأمر قد قُبل كحقيقة مُسلّم بها بينهم. إلا أن وحدة المعنى المفترضة في «الذِّكر» و«ما نُزِّل إليهم» تجعل قبول هذه النظرية محل تأمل؛ إذ يؤدي ذلك إلى تحصيل الحاصل، كما أن ارتباط الجملتين يصبح إشكاليًا. وعليه، تقتضي الحاجة أن يكون فعل «لِتُبَيِّنَ» مصحوبًا بضمير يعود على «الذِّكر» (لتبينه)، بينما تفتقر الآية إلى مثل هذا الضمير.

ونظرًا لهذا الإشكال، قدم بعض القائلين بالرأي المذكور مفهومًا آخر لـ«ما نُزِّل إليهم»، فاعتبروه السنة والشريعة التي وهبها الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (ابن عاشور، ١٣١/١٣؛ الطبرسي، ٥٥٨/٦). وعليه، يطرح المعتقدون بهذا الرأي استدلالين له: ١- دلالة «الذِّكر» و«ما نُزِّل إليهم» على القرآن. ٢- دلالة «الذِّكر» على «القرآن» و«ما نُزِّل إليهم» على السنة.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض المفسرين قد ذكروا وجوهًا أخرى لـ«الذِّكر»؛ مثل الكتب السماوية، والكتاب المشترك مع الأنبياء الآخرين (فضل الله، ٢٣٣/١٣)، والعلم (الماوردي، ١٩٠/٣)، وأحكام النبوة أو الولاية (گنابادي، ٤١٤/٢)، والكلام الكامل (فيضي ناكوري، ٢٥٧/٣)، وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الميبدي، ٣٨٩/٥؛ البغوي، ٨٠/٣؛ القرائتي، ٥٢٦/٤). وباستثناء سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن النظريات الأخرى المطروحة إما احتمالية أو تفتقر إلى أدلة كافية؛ مثل فضل الله الذي يكتفي في تفسير الآية بما يلي:

«كما أنزلنا الكتاب على الأنبياء من قبلك، أنزلناه عليك كاملاً. بناءً على ما يتضمنه من عقائد ومفاهيم وشرائع، التي تقع على عاتق الرسول مسؤولية تبليغها وبيانها للناس، ليهتدوا بها في حياتهم» (فضل الله، ٢٣٣/١३).

كما اكتفى الماوردي بذكر تأويلين دون أن يختار أحدهما: «أحدهما القرآن، والثاني العلم» (الماوردي، ١٩٠/٣).

ومن هنا، تم السعي لتقييم الآراء التي قدمت استدلالات وكانت محل تأمل، وفي النهاية سيتم طرح الرأي المختار مع تقديم أدلته.

الآراء وأدلتها

كما ذكرنا، هناك رأيان رئيسيان مطروحان في تبيين المراد من «الذِّكر»، وهما: القرآن أو سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

١. دلالة «الذِّكر» على القرآن

تُعد النظرية المذكورة من أهم النظريات التي تبناها المفسرون وقدموا لها أدلة. مفسرون من أمثال الشيخ الطوسي، والعلامة الطباطبائي، وصادقي الطهراني، والحويزي، والبحراني، والسيوطي، والآلوسي، وغيرهم، يعتقدون بهذا الرأي. كما أن الأنصاريان، ومكارم الشيرازي، والمشكيني، والرضائي، والكمارودي، والآيتي، وإلهي قمشئي، والبرزي، والصلواتي، والأرفع، والبورجوادي، والحجتي، وروض الجنان، وحجة التفاسير، وأحسن التفاسير، وروان جاويد، وكوثر، قد ترجموا الآية بناءً على هذا الرأي وهذه النظرة.

وتجدر الإشارة إلى أن أصحاب هذا المعتقد ليسوا على رأي واحد في تفسير هذه الآية؛ فبعضهم التزم الصمت ولم يقدم تفسيرًا لـ«ما نُزِّل إليهم» (الهواري، ٣٦٧/٢؛ كرمي الحويزي، ١٥٦/٥؛ مقاتل، ٤٧٠/٢). وتتجلى أوجه الاختلاف في هذه الحالات فيما يلي:

١- بعضهم يفسر «الذِّكر» و«ما نُزِّل إليهم» بمعنى القرآن (الطبري، ٧٦/١٤).

٢- بعضهم يرى أن «الذِّكر» و«ما نُزِّل إليهم» هما القرآن، لكنهم يعممون «ما نُزِّل إليهم» ليشمل القرآن ومصاديق الذكر الأخرى (صادقي، ٣٦٢/١٦).

٣- بعضهم، للخروج من إشكال ظاهر الألفاظ، أولى اهتمامًا بالإجمال والتفصيل (الآلوسي، ٣٨٩/٧؛ حقي البروسوي، ٣٧/٥).

٤- بعضهم يرى أن «الذِّكر» هو القرآن، لكنهم يختلفون مع الفريق الأول في تفسير «ما نُزِّل إليهم». فأصحاب هذا الرأي يعتبرون «ما نُزِّل إليهم» هو السنة وأحكام الشريعة. ومن بين المفسرين الذين أشاروا إلى هذه النقطة: ابن عاشور، والطبرسي، والسبزواري، والفخر الرازي، والزحيلي، والغرناطي الكلبي. ومن بين المترجمين، تبنى الطاهري، والياسري، وكاويان بور، والدهلوي، والعاملي، والخسروي هذا الرأي.

أدلة النظرية

يمكن تصنيف الأدلة التي قدمها أصحاب هذا الرأي لتأييد رأيهم والدفاع عنه في فئتين: الآيات والروايات.

أ) الآيات

«الذِّكر» هو من أسماء القرآن وله استخداماته في السياقات القرآنية. وعليه، فإن المقصود بـ«الذِّكر» في الآية موضع البحث هو القرآن. وقد استند بعض المفسرين إلى هذه الآيات: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر/٩) (الحسيني شاه عبد العظيمي، ٢١٠/٧)، ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ (الحجر/٦) (ابن عاشور، ١٣١/١٣).

ب) الروايات

من بين الأدلة التي استند إليها بعض المفسرين، روايات تعتبر أن «الذِّكر» في الآية المذكورة هو القرآن:

١- «مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَغَيْرُهُ، عَنْ سَهْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى؛ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ جَمِيعاً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ وَعَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي الدَّيْلَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ قَالَ: الْكِتَابُ: الذِّكْرُ، وَأَهْلُهُ: آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، أَمَرَ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ – بِسُؤَالِهِمْ، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِسُؤَالِ الْجُهَّالِ، وَسَمَّى اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ – الْقُرْآنَ ذِكْراً، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾» (الكليني، ٢٦/٢).

٢- «أخرج ابن أبي حاتم عن السدي عن أصحابه في قوله ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ﴾ قال: البينات الحلال والحرام الذي كانت تجيء به الأنبياء والزبر كتب الأنبياء ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ قال هو القرآن» (السيوطي، ١١٩/٤).

٢. دلالة «الذِّكر» على سنّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم

كما أُشير في المقدمة، يُعد أصحاب تفاسير مثل كشف الأسرار وعدة الأبرار، ومعالم التنزيل في تفسير القرآن، وتفسير نور من القائلين بهذا الرأي. الأدلة التي طرحها بعض المفسرين اقتصرت على الإشارة إلى بضع آيات، وهذه الآيات هي:

١- آيات تدل على نزول القرآن والسنة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ مثل آية ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ (غافر/٧٠)؛ حيث نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن والسنة. وعليه، يكون المقصود بـ«الذِّكر» في الآية ٤٤ من سورة النحل هو «السنة» (الميبدي، ٣٨٩/٥).

٢- أمر الله بعدم استعجال قراءة القرآن حتى ينزل الوحي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في آية ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ (طه/١١٤)، يدل على أنه قبل أن نبيّن لك أيها النبي السنة، فلا تستعجل في قراءة القرآن (الميبدي، ٣٨٩/٥). وعليه، يجب أن يكون المقصود بـ«الذِّكر» في سورة النحل هو سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

تقييم الأدلة ونقدها

الرأي الأول

أ) لزوم وجود ضمير عائد على «الذِّكر» في «لتبين»؛ كما تم توضيحه، يقتضي ظاهر الألفاظ أن يكون «ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» غير «الذِّكر»؛ لأنه في تلك الحالة كان يجب أن يرد الفعل بصيغة «لتبينه» (ابن عاشور، ١٣١/١٣)، بينما لم يرد في الآية ضمير لفعل «لتبين».

ب) عدم الانسجام مع سياق الآيات؛ السياق هو خاصية وفضاء معنوي يتشكل من تجاور الكلمات والجمل، ويؤثر في مفهوم الألفاظ أو العبارات (أميني، ٢٦٨). دلالة السياق لها تطبيق في كل أنواع النصوص، وهي فعالة جدًا في تبيين آيات القرآن، وتُعد من الأدوات المهمة لفهم معاني الألفاظ. وعليه، فإن سياق الجمل والكلمات، الذي هو القرينة اللفظية الوحيدة والمتصلة بالكلام، يساعد المفسر في استنباط وكشف مفهوم الآيات (أميني، ٢٦٣).

إن سياق الآيات المطروحة يختلف عن سياق الآية ٤٤ من سورة النحل. فالآية المذكورة تدل على إنزال الذكر وتبيينه للناس، وهذا يختلف عن حفظ «الذِّكر» ومجرد نزوله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون أمر بالتبيين. ولهذا السبب، لا يمكن أن يفيد بوحدة الذكر؛ لأن أقوى قرينة على حقيقة معنى اللفظ هي موافقته للأجزاء المتقدمة عليه وانسجامه مع مجموع المعاني (رشيد رضا، ٢٠/١).

إن قبول مفهوم القرآن لـ«الذِّكر» يخلق تعارضًا سياقيًا مع المعنى اللغوي. في هذه الحالة، يجب تقديم السياق؛ لأن المعنى اللغوي لا يمكنه إثبات الوضع الأصلي للغة أو نفي ظهور استعمالي آخر. ويعتقد بعض الباحثين القرآنيين أن على المفسر عند التفسير اللفظي أن يراعي السياق وألا يختار إلا ما يتناسب مع السياق (أميني، ٢٨١).

ج) العلاقة بين القرآن والذكر في الاستعمالات القرآنية؛ الذكر في اللغة يعني الجريان على اللسان (ابن منظور، ٣٠٨/٤؛ الفراهيدي، ٣٤٦/٥)، والتذكر (ابن فارس، ٣٥٨/٢) و… (للاطلاع على معاني لفظ الذكر، انظر: مروتي وساكي، ١٣٨). وقد اتخذ هذا اللفظ في القرآن، بحسب سياق الآيات، مصاديق متنوعة. منها: القرآن (الحجر/٩، الزخرف/٥، القلم/٥١، ص/٨)، والرسول الإلهي (الطلاق/١٠-١١، الزخرف/٤٤)، والصلاة (الجمعة/٩)، والتقوى (طه/١١٣)، والتوراة (الأنبياء/٤٨) (مروتي وساكي، ١٣٨).

على الرغم من أن الذكر في القرآن يُعرّف بأنه الكتاب والقرآن، إلا أنه في بعض الآيات تقوم بينهما نسبة العموم والخصوص من وجه؛ ففي بعض الآيات، يوجد «الذِّكر» في القرآن، وهذا غير كون الكتاب كله ذكرًا. وعليه، فليس كل موضع ورد فيه «الذِّكر» يكون القرآن هو المقصود؛ مثل هذه الآيات: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * … لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء/٧ و١٠).

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الآيات لها سياق مشابه تقريبًا للآيتين ٤٣ و٤٤ من سورة النحل؛ ففي الآية ٤٣ من سورة النحل، ينحصر الرسالة في الإنسان العادي الذي يوحى إليه، ردًا على ما ادعاه المشركون؛ حيث كانوا يظنون أن البشر لا يصلحون للرسالة وأنها من شأن الملائكة (الطباطبائي، ٢٥٦/١٢)، وفي الآية ٧ من سورة الأنبياء، أُشير إلى هذه النقطة أيضًا.

د) انصراف «الذِّكر» عن معنى القرآن بالنظر إلى سياق الآيات؛ كما تم توضيحه، فإن لـ«الذِّكر» حقيقة مختلفة في الآيات المختلفة. لذا، يجب لفهم المقصود الانتباه إلى سياق الآية. وبدراسة الآيات التي ورد فيها لفظ «الذِّكر»، يتضح أنه كلما كان المقصود بـ«الذِّكر» غير القرآن، تُذكر قرينة تسبب انصرافه عن معنى القرآن؛ كما في آية ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ (الطلاق/١٠-١١)، حيث إن لفظ «رسولًا» سبب انصراف مفهوم الذكر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذا الأمر يمكن ملاحظته أيضًا في الآية محل البحث؛ ففي الآية ٤٣ من سورة النحل، ينصرف «الذِّكر» عن مفهومه الأصلي. فالآيات السابقة ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (النحل/٢٤) تدل على تكذيب المشركين لنبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وفي تلك الآيات، صيغة الغائب مستخدمة ومُحافظ عليها ﴿قَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (النحل/٣٥). فقوله ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ هو تعريض بالمشركين واحتجاج على أهل الأديان السابقة، كاليهود والنصارى (ابن عاشور، ١٢٩/١٣). إن عدم تغيير السياق في الآية ٤٤ يؤدي إلى فهم مفهوم آخر غير القرآن من «الذِّكر». وبذلك يتضح اتصال سياق الآيات بـ«بالبينات والزبر» الذي هو تتمة للآية السابقة.

هـ) تغيير بنية ألفاظ الآية؛ من الانتقادات التي يمكن توجيهها لهذا الرأي، تغيير بنية ألفاظ الآية بقبول إنزال واحد.

١- يعتقد أصحاب رأي الإنزال الواحد أن «لِتُبَيِّنَ» هي غاية الإنزال، وأن المراد من التفكر هو التفكر في «الذِّكر»، ليجدوا بذلك أن الذكر هو الحق. بينما «لِتُبَيِّنَ» ليست غاية إنزال الذكر وحده، بل التبيين من حيث تعلقه يعود إلى شخص النبي (الطباطبائي، ٢٦٠/١٢).

في هذه الحالة: ١- يحدث تحصيل حاصل في أمر الإنزال، ونظم الآية يحتاج إلى تغيير: «وأنزلنا إليك الذكر لتبينه لهم». ٢- «إِلَيْكَ» في الآية تصبح زائدة، والجملة لا تحتاج إليها. ٣- اعتبار هذا الوجه يسبب انقطاع السياق عن الآية السابقة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (نفس المصدر).

٢- إذا كان المقصود بـ«الذِّكر» القرآن، فإن استخدام لفظ «يَتَفَكَّرُونَ» يصبح محل تأمل؛ إذ لم ترد في القرآن آية تعلق فيها التفكر بالقرآن.

و) دراسة الروايات

الرواية الأولى: دراسة السند: هذه الرواية وإن وردت في كتاب الكافي وهي مسندة، إلا أنها بناءً على دراسة كتب الرجال ذات سند ضعيف (النجاشي، ٣٢٩؛ الطوسي، الرجال، ٣٤٠؛ همو، الفهرست، ٤٠٧؛ الحلي، ٤٧٦، ٤٧٣، ٣١٦؛ ابن الغضائري، ٩٣/١؛ ابن داوود الحلي، ٢٤٤، ٢٤٦، ٢٥٢).

دراسة الدلالة: هذه الرواية محل تأمل من عدة وجوه:

١- هذه الرواية منفردة، ولا يمكن اعتبارها إلا إذا أدى تراكم الظنون من خلال روايات متضافرة (متناسبة مع هذا المعنى) إلى ذلك، في حال عدم توفر هذه الروايات.

٢- هذه الرواية تتعارض مع سياق الآيات. في هذه الحالة، يُرجح السياق على خبر الواحد، ويكون المعنى المائل إلى السياق هو المعتبر.

يعتقد الذين لا يرون حجية خبر الواحد في التفسير أن السياق مقدم عليه في كل الأحوال، وأما الذين يعتبرون خبر الواحد حجة في التفسير، فيحدث في هذه الحالة تعارض بين دليلين، ويجب تفسير الآية بناءً على الظن الأقوى، أو في حال التساوي، يُرجع إلى قرائن أخرى ويُرجح أحد الدليلين الظنيين على الآخر، وبناءً عليه يتم تفسير الآيات (أميني، ٢٨٢).

٣- على فرض صحة الرواية، فإنها تتعلق ببيان مصداق الآية؛ فالجزء الأول من الرواية يتحدث عن تطبيق «أهل الذكر»، وليس في مقام تحديد مفهومه الحقيقي. وعليه، فإن هذه الرواية لا تساعد في فهم المراد من «الذِّكر» (للمزيد من الاطلاع، انظر: مكارم الشيرازي، ٢٤٥/١١).

الرواية الثانية: هذه الرواية غير معتبرة، ولا يمكن أن تكون إلا رأيًا تفسيريًا ومؤيدًا. هذه الرواية بسبب كونها مرسلة وعدم نسبتها إلى معصوم، لا يمكنها إلا أن تعبر عن رأي تفسيري للراوي. كما أن هذه الرواية، على فرض صدورها، لا تتوافق مع سياق الآية في هذه السورة؛ فالمقصود من «بالبينات» في هذه الرواية هو الحلال والحرام، بينما بالنظر إلى سياق الآية محل البحث، فإن المقصود بها هو المعجزات وسائر أدلة إثبات حقانية الأنبياء (مكارم الشيرازي، ٢٤٢/١١؛ ابن عاشور، ١٣٠/١٣) أو الأدلة العقلية (ابن عاشور، ١٣٠/١٣).

نظرًا للإشكالات المذكورة أعلاه على هذا الرأي، ذهب بعض المفسرين إلى القول بأنه بدلالة «الذِّكر» على القرآن ودلالة «ما نُزِّل إليهم» على السنة وأحكام الشريعة، تُرفع الإشكالات المذكورة. وأدلة هذا الفريق هي:

١- تصريح الآيات بخاصية التبيين في القرآن؛ فبحسب آية ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل/٨٩)، فإن القرآن قد عُرّف بأنه جامع لأمر التبيين (نفس المصدر، ١٣١). وبما أنه في سورة النحل نُسبت خاصية التبيين إلى «الذِّكر»، فإن المقصود بـ«الذِّكر» في الآية ٤٤ من سورة النحل هو القرآن.

٢- بيان «الذِّكر» بعد ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾؛ تشير هذه النقطة إلى أن الذكر النازل يتمتع بخاصية المعجزة والزبور (كتاب الشريعة). وهذه من خصائص القرآن التي لا يشترك فيها مع كتاب آخر؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (العنكبوت/٥٠-٥١) (نفس المصدر).

ويرى العلامة الطباطبائي أن هذا القول هو الحل للإشكالات المطروحة على الرأي الأول؛ على الرغم من أنه اعتبره الرأي المفضل حتى الآن، ورآه جديرًا بالتدبر (الطباطبائي، ٢٦١/١٢).

نقد النظرية

يواجه هذا الرأي أيضًا صعوبات، منها:

أ) الخروج عن المعنى الظاهري للألفاظ

عندما يكون حمل المعنى على ظاهر الألفاظ ممكنًا، فلا مبرر للتكلف والخروج عن المعنى الظاهري؛ فظاهر الآية يبين أن معنى «ما نُزِّل إليهم» هو القرآن، وبقبول مفهوم السنة، يتم الخروج عن نوع من المعنى الظاهري للألفاظ ويقع في صعوبة.

لإثبات أن المراد في الثقافة القرآنية من «ما نُزِّل إليهم» هو السنة والشرائع، لا بد من وجود آيات تدل على ذلك. وبالإضافة إلى فقدان الأدلة على ذلك، فإن آيات أخرى تؤكد عكس ذلك، وهو أن ما نزل على الناس هو القرآن؛ كما يقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (آل عمران/١٩٩)، ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت/٤٦).

في الرأي الثاني، «لِتُبَيِّنَ» هي غاية الإنزال، و«لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» معطوفة على مقدر، وتعتبر غاية التبيين وليست غاية للإنزال. وهذا الأمر يخالف ظاهر الآية (نفس المصدر)؛ لأن «الواو» العاطفة بين «لِتُبَيِّنَ» و«يَتَفَكَّرُونَ» تدل على أن التفكر والتبيين كلاهما غاية لإنزال الذكر، وهما في عرض بعضهما البعض. ولو كان الأمر غير ذلك، لكانت الآية على هذا النحو: «لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ».

ب) الآيات الدالة على تبيين القسم المختلف فيه من القرآن بواسطة النبي صلى الله عليه وآله وسلم

آية ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل/٨٩) هي من الآيات التي استند إليها بعض أصحاب هذا الرأي. الذين استندوا إلى هذه الآية أدركوا وحدة «الذِّكر» والقرآن من خلال خصائصهما المشتركة؛ أي أنهم قالوا بوحدة الموصوف من خلال وحدة الصفة. هذه الآية، على الرغم من أنها تعتبر إنزال الكتاب (القرآن) لتبيين الأمور، إلا أنها لا تتوافق مع سياق وبنية الآية ٤٤ من سورة النحل لتكون مطمئنة بأن الكتاب هو الذكر نفسه؛ فهذه الآية عامة ومطلقة، ولا تختص بما نزل على الناس.

بالإضافة إلى عدم الانسجام السياقي، فإن وظيفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن بعد نزول القرآن هي تبيين الآيات المختلف فيها، بينما في الآية محل البحث، تقع وظيفة تبيين «ما نُزِّل إليهم» على عاتق حضرته، والمقصود هو القرآن كله. وعليه، فإن هذه الآية لا يمكن الاستناد إليها لدعم الرأي الثاني؛ ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل/٦٤).

الرأي الثاني

كما ذُكر في تبيين هذا الرأي، فإن الأدلة المطروحة من قبل بعض المفسرين استندت إلى بضع آيات. وهذه الآيات هي آيات تدل على نزول القرآن والسنة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ (غافر/٧٠)، وأمر الله بعدم استعجال قراءة القرآن حتى ينزل الوحي عليه: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ (طه/١١٤).

نقد النظرية

نقد هذا الرأي هو كالتالي:

أ) عدم إشارة آية ٧٠ من سورة غافر إلى سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: استنبط القائلون بهذا الرأي من عبارة ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بينما المقصود بـ«بالكتاب» هو القرآن. أما واو العطف التي تلتها، فتفيد المغايرة، والمقصود هو الكتب التي نزلت قبل القرآن (ابن عاشور، ٢٤٣/٢٤؛ الطبرسي، ٨٢٦/٨؛ الطباطبائي، ٣٥٠/١٧). وعليه، فإن هذا الجزء من الآية لا يفيد مفهوم سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ب) عدم دلالة «وَحْيُهُ» على سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بالنظر إلى سياق آية ١١٤ من سورة طه: اعتبر القائلون بهذا الرأي أن «وَحْيُهُ» الواردة في هذه الآية هي سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم طبقوها على الآية ٤٤ من سورة النحل بسبب مصاحبتها للقرآن. ووفقًا لهذا التفسير، وبما أن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحيانية، والآية ٤٤ من سورة النحل تشير أيضًا إلى وحيانية «الذِّكر»، فإن «الذِّكر» هو السنة نفسها. ويبدو أن هذا التفسير لا يتوافق مع سياق الآية ١١٤ من سورة طه؛ كما يقول العلامة الطباطبائي في ذيل هذه الآية:

«سياق الآيات يشهد بأن هذه الآية تتعرض لكيفية تلقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لوحي القرآن، والضمير في ‘وَحْيُهُ’ يعود إلى القرآن، وجملة ‘وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ’ هي نهي عن العجلة في قراءة القرآن. ومعنى ذلك هو ألا تعجل في قراءته قبل أن يكتمل وحيه إليك من قبل ملك الوحي. ويؤيد ذلك العبارة التي تليها حيث يقول: ‘وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً’ والمراد هو الاستبدال؛ أي بدلًا من أن تتعجل في آية لم توحَ إليك بعد، اطلب علمًا أكثر» (الطباطبائي، ٢١٥/١٤).

ج) عدم التطابق الكامل لمفهوم سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع لفظ «الذِّكر»: بطرح الرأي المذكور، يُحل الإشكال الظاهري للآية، ويمكن قبوله من الناحية الأدبية. ولكن يبدو أن هذا الأمر يواجه محذورًا في مفهوم لفظ «الذِّكر» وتطابقه مع لفظ السنة. في هذه الحالة، يجب تخصيص دائرة سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، التي هي عبارة عن أقوال وأفعال وإقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم،1 لتتوافق تمامًا مع مفهوم «الذِّكر»؛ فمن البديهي أن إقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لن يكون جزءًا مما نزل عليه، وسيكون حجة من حيث إن النبي قد أمضاه بناءً على أمر الله. وعلى الرغم من أن «الذِّكر» قد نُقل وبرز في غالب الروايات والسنة الصحيحة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أن تعبير سنة النبي لن يكون تعبيرًا دقيقًا لإيصال مفهوم لفظ «الذِّكر».

الرأي المختار وأدلته

أوضحت دراسة الآيات والروايات في هذا المجال أن المقصود بـ«الذِّكر» في الآية ٤٤ من سورة النحل ليس القرآن. ولفهم المراد الصحيح من «الذِّكر»، يمكن أن تكون دراسة خصائصه في الآية محل البحث مفيدة. من الضروري لفهم مراد «الذِّكر» دراسة خاصيته البارزة، أي «لِتُبَيِّنَ»، التي صُرح بها في الآية المذكورة.

«التبيين» هو الكشف والوضوح بعد الإبهام والإجمال (المصطفوي، ٣٦٧/١؛ ابن فارس، ٣٢٧/١). في حوالي ثمانين بالمائة من استعمالات التبيين في القرآن، يقوم الله تعالى بعملية التبيين. متعلق فعل التبيين، في عدد قليل، هو جميع آيات القرآن الكريم بشكل عام (أي تبيين ما أنزل) وموارد أخرى، هي مصاديق خاصة منه، مثل أحكام الإرث، والطلاق، والإنفاق، والصيام، وكفارة اليمين، وغيرها. من البديهي أنه في جميع هذه الموارد، يُسمى مجرد بيان حكم الله بشأن هذه المسائل تبيينًا، وبالتالي فإن التبيين كمصطلح قرآني خاص يُستخدم بمعنى البيان الواضح والكاشف والخالي من الإبهام لآيات القرآن من قبل الله تعالى (خاكپور ومعارف، ٩٠).

كذلك في هذه الآية، يُطلق «الذِّكر» على أمر وحياني نزل من الله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وعليه، فإن المراد من «الذِّكر» هو البيان الواضح والكاشف والخالي من الإبهام لآيات القرآن من قبل الله تعالى، والذي ينزل على شكل وحي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويشمل مراد الله من القرآن. ويبدو أن «الوحي التفسيري» هو عبارة مناسبة لمصطلح «الذِّكر» يمكن طرحها.2

وتجدر الإشارة إلى أن المراد من التفسير هنا هو التفسير اللغوي الذي يدل على البيان والإيضاح (المصطفوي، ٨٨/٩؛ ابن فارس، ٥٠٤/٤)، وليس المعنى الاصطلاحي للتفسير هو المقصود؛ إذ لا وجود للتفسير المصطلح3 في القرآن؛ على الرغم من أن التفسير الاصطلاحي قد استُمد من هذا المعنى (المصطفوي، ٨٨/٩).

وجدير بالذكر أن الاعتماد على هذا الرأي يتطلب إثبات نزول أمر غير القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وفي هذه الحالة، يمكن بيان تغاير «الذِّكر» مع القرآن في هذه الآية. وتوجد مستندات قرآنية ومؤيدات روائية لهذا الموضوع.

أ) الآيات

إن وجود آيات تذكر إنزال «الحكمة» إلى جانب إنزال القرآن، يطرح نوعًا آخر من الوحي خاصًا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا البيان للقرآن يخرج الإنزال على النبي من حصره في القرآن، بل يبين نوعًا آخر من الوحي.

١- ﴿… وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة/٢٣١).

٢- ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران/٧٩).4

يبدو بقرينة آيات محل البحث التي تحكي عن إنزال القرآن والحكمة من عند الله، وأن الحكمة قد جاءت مع القرآن، يمكن القول إن «الحكمة» المطروحة في هذه الآيات هي نفسها «الذِّكر» (الوحي التفسيري) موضوع البحث في الآية ٤٤ من سورة النحل.

كما يجدر بالذكر أنه في آيات أخرى مثل الآيتين ١٢٩ و١٥١ من سورة البقرة والآية ١٦٤ من سورة آل عمران، جاء الكتاب والحكمة معًا ومتلازمين بهدف تعليم الناس، وهذا الأمر يتبادر إلى الذهن أن ما ورد في سورة النحل مع القرآن هو الحكمة.

ب) الروايات

وجود رواية تذكر إعطاء القرآن ومثله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤيد أن القرآن لم يكن وحده ما أوحي إلى النبي، بل أُعطي مثله أيضًا. والرواية هي كالتالي: «حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، ثنا أبو عمرو بن كثير بن دينار، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام بن معدي كرب، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» (ابن حنبل، ١٣٠/٤؛ أشيب البغدادي، ٧٣؛ السجستاني، ٣٩٢/٢؛ وبنفس المضمون: ابن حبان، ١٨٩/١؛ للاطلاع على توضيح وتبيين هذا الحديث انظر: الذهبي، ٣٦/١-٤٣).

من الواضح أنه بالنظر إلى عمومية هذه الرواية، فإنها تؤيد الرأي المطروح فقط. ويمكن أن تكون هذه الرواية رأيًا تفسيريًا يحظى باهتمام الباحثين القرآنيين؛ كما أولاها العلامة معرفة اهتمامًا (معرفة، ١٧٨/١). وقد وردت هذه الرواية في مصادر الشيعة بهذه الصيغة: «أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَيْهِ…» (المجلسي، ٤١٧/١٦)، والتي تتحدث عن إعطاء شيئين مماثلين للقرآن.

على الرغم من اختلاف مصادر الشيعة وأهل السنة، يمكن استخلاص القدر المتيقن من هذه الأحاديث بأن أمرًا غير القرآن، يشترك معه في كونه وحيًا، قد نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. كما يمكن العثور على مؤيد آخر في رواية الأوزاعي عن حسان بن عطية: «كان الوحي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك» (ابن عبد البر، ١٩١/٢).

هذه الرواية، وإن كانت عامية ومن الناحية السندية لا تعد من الأدلة، إلا أنها كرأي تفسيري، مؤيدة وشاهدة على نظرية «الوحي التفسيري» التي تذكر نزول وحيين.

الخاتمة

من مجموع ما قيل، يبدو أن الرأي الأول، بسبب عدم تناسبه مع ظاهر الآية، لا يمتلك قابلية الانطباق على «الذِّكر»؛ على الرغم من أنه حاول تقديم نظرية لا تواجه المحذور السابق، لكنه لم يوفق في ذلك ووقع في فخ الخروج عن المعنى الظاهري للألفاظ.

الرأي الثاني أيضًا، بسبب عدم دلالة الآيات المقدمة على المقصود وعدم التطابق الكامل لمفهوم سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع لفظ «الذِّكر»، يواجه صعوبة في تقديم المفهوم المنشود.

يبدو أنه بالنظر إلى الأدلة المطروحة ورفع محذور قبول هذا الرأي، فإن «الوحي التفسيري» هو أفضل مراد لـ«الذِّكر». وكذلك بالنظر إلى الآيات التي تحكي عن إنزال القرآن والحكمة من عند الله، يمكن احتمال أن تكون «الحكمة» هي المراد من «الذِّكر» (الوحي التفسيري) موضوع البحث في الآية ٤٤ من سورة النحل. والأمور التي أدت إلى قبول هذا الرأي هي: الحفاظ على المعنى الظاهري للألفاظ، وعدم تغيير بنية ألفاظ الآية، والتطابق الكامل لمفهوم «الوحي التفسيري» مع لفظ «الذِّكر»، ووجود روايات مؤيدة.

لقد انتقل «الوحي التفسيري» وبرز في غالب الروايات والسنة الصحيحة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وعلى الرغم من أن هذا الرأي يعتبر السنة محل ظهور «الوحي التفسيري»، إلا أنه لا يعدها تمام سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فالسنة وحدها لا يمكن أن تحمل العبء المفهومي للفظ «الذِّكر»؛ لأن السنة هي طريق للوصول إلى الوحي التفسيري، وليست هي نفسها.

وعليه، يبدو أنه بقبول «الوحي التفسيري» كمراد لـ«الذِّكر»، فإن استخدام هذه الآية لجواز التفسير الاجتهادي للقرآن بالقرآن يصبح محل شك؛ وإن كان جوازه سيظل قائمًا على أدلة أخرى. وبالطبع، لا ينبغي أن يُفهم هذا القول بمعنى مخالفة الرأي المشهور، بل إن هذا المقال يهدف إلى دراسة قول كبار العلماء مثل العلامة الطباطبائي بناءً على التدبر في هذه الآية (النحل/٤٤)، وفي النهاية، في تأييد الرأي المختار، قدم أدلته الخاصة.

الهوامش

  1. التقرير هو أن يُخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشيء أو تحدث حادثة بحضوره فلا ينكرها ويمضيها (عتر، ٢٩).
  2. نظرًا لهذا الأمر، من بين المفسرين والمترجمين، فإن جلال الدين الفارسي هو الوحيد الذي عبر عن «الذِّكر» بـ«الموعظة السماوية» (فارسي، ٥٤٥/١).
  3. رفع إبهام اللفظ المشكل لتحديد المعنى المقصود، وكذلك السعي لرفع خفاء دلالة الكلام، هو ما يتطلب الجهد (معرفت، ١٤/١).
  4. في هذه الآية، لم يرد لفظ النزول، ولكن «يُؤْتِيَه» يمكن أن يؤدي معنى النزول.

المصادر والمراجع

  1. القرآن الكريم.
  2. ابن حبان، محمد؛ صحيح ابن حبان، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤١٤هـ.
  3. ابن حنبل، أحمد؛ مسند ابن حنبل، بيروت، دار صادر، د.ت.
  4. ابن عاشور، محمد بن طاهر؛ التحرير والتنوير، بيروت، مؤسسة التاريخ العربي، د.ت.
  5. ابن عبد البر، أبو عمر يوسف؛ جامع بيان العلم وفضله، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٣٩٨هـ.
  6. ابن غضائري، أحمد بن الحسين؛ الرجال، قم، دار الحديث، ١٣٨٠ش.
  7. ابن فارس، أحمد؛ معجم مقاييس اللغة، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، د.ت.
  8. ابن منظور، محمد بن مكرم؛ لسان العرب، بيروت، دار الفكر، د.ت.
  9. أشيب البغدادي؛ جزء أشيب، الإمارات العربية المتحدة، دار علوم الحديث، ١٩٩٠م.
  10. أميني، عبد المؤمن؛ «نقش السياق في تفسير آيات القرآن»، كوثر معارف، العدد ٢، ربيع ١٣٩١، ٢٦١-٢٩٥.
  11. الآلوسي، سيد محمود؛ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٥هـ.
  12. بابائي، علي أكبر؛ مكاتب تفسيرية، قم – طهران، پژوهشگاه حوزه و دانشگاه – سازمان مطالعه و تدوين كتب علوم إنساني دانشگاهها (سمت)، ١٣٩٢ش.
  13. البحراني، سيد هاشم؛ البرهان في تفسير القرآن، قم، مؤسسة البعثة، ١٤١٦هـ.
  14. البغوي، حسين بن مسعود؛ معالم التنزيل في تفسير القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٢٠هـ.
  15. البلخي، مقاتل بن سليمان؛ تفسير مقاتل بن سليمان، بيروت، دار إحياء التراث، ١٤٢٣هـ.
  16. حسيني شاه عبد العظيمي، حسين بن أحمد؛ تفسير اثنا عشري، طهران، انتشارات ميقات، ١٣٦٣ش.
  17. حقي البروسوي، إسماعيل؛ تفسير روح البيان، بيروت، دار الفكر، د.ت.
  18. الحلي (ابن داوود)، حسن بن علي؛ رجال ابن داوود، النجف الأشرف، مطبعة الحيدرية، ١٩٧٢م.
  19. الحلي (العلامة)، حسن بن يوسف؛ خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، قم، مؤسسة نشر الفقاهة، ١٤١٧هـ.
  20. خاكپور، رحيم؛ معارف، مجيد؛ «بررسي معناشناسانه واژه تبيين در قرآن و نظريه ناممكن بودن تفسير بدون روايات»، تحقيقات علوم قرآن و حديث، السنة الثامنة، العدد ١٦، ١٣٩٠، ٨٥-١١٤.
  21. الذهبي، محمد حسين؛ التفسير والمفسرون، القاهرة، مكتبة وهبة، ٢٠٠٠م.
  22. رشيد رضا، محمد؛ تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠م.
  23. السجستاني، أبو داوود سليمان بن الأشعث؛ سنن أبي داوود، بيروت، دار الفكر، ١٤١٠هـ.
  24. السلوى، محمد العلوي؛ الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، القاهرة، دار الشروق، ١٤١٩هـ.
  25. السيوطي، جلال الدين؛ الدر المنثور في التفسير بالمأثور، قم، كتابخانه آية الله مرعشي نجفي، ١٤٠٤هـ.
  26. شمس كلاهي، مجيد؛ «آية تفسير (نحل/٤٤) و جواز تفسير اجتهادي»، قرآن شناخت، السنة الخامسة، العدد الثاني، المتسلسل ١٠، خريف وشتاء ١٣٩١، ٤٧-٦٦.
  27. صادقي الطهراني، محمد؛ الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن، قم، انتشارات فرهنگ إسلامي، ١٣٦٥ش.
  28. الطباطبائي، سيد محمد حسين؛ الميزان في تفسير القرآن، قم، دفتر انتشارات إسلامي، ١٤١٧هـ.
  29. الطبرسي، فضل بن حسن؛ مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران، انتشارات ناصر خسرو، ١٣٧٢ش.
  30. الطبري، محمد بن جرير؛ جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت، دار المعرفة، ١٤١٢هـ.
  31. الطوسي، محمد بن حسن؛ الفهرست، قم، مؤسسة نشر الفقاهة، ١٤١٧هـ.
  32. الطوسي، محمد بن حسن؛ رجال الطوسي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤١٥هـ.
  33. عتر، نور الدين؛ منهج النقد في علوم الحديث، دمشق، دار الفكر، ١٩٩٧م.
  34. الفراهيدي، خليل بن أحمد؛ كتاب العين، قم، دار الهجرة، د.ت.
  35. فضل الله، سيد محمد حسين؛ تفسير من وحي القرآن، بيروت، دار الملاك للطباعة والنشر، ١٤١٩هـ.
  36. فيضي الناكوري، أبو الفيض؛ سواطع الإلهام في تفسير القرآن، قم، دار المنار، ١٤١٧هـ.
  37. القرائتي، محسن؛ تفسير نور، طهران، مركز فرهنگي درسهايي از قرآن، ١٣٨٣ش.
  38. كرمي الحويزي، محمد؛ التفسير لكتاب الله المنير، قم، علميه، ١٤٠٢هـ.
  39. الكليني، محمد بن يعقوب؛ الكافي، قم، دار الحديث، ١٤٢٩هـ.
  40. الگنابادي، سلطان محمد؛ بيان السعادة في مقامات العبادة، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ١٤٠٨هـ.
  41. الماوردي، علي بن محمد؛ النكت والعيون، بيروت، دار الكتب العلمية، د.ت.
  42. المجلسي، محمد باقر؛ بحار الأنوار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٣هـ.
  43. مروتي، سهراب؛ ساكي، سارا؛ «معناشناسي واژه ذكر در قرآن كريم»، آموزه هاي قرآني، العدد ١٧، ربيع وصيف ١٣٩٢، ١٣٥-١٥٤.
  44. المصطفوي، حسن؛ التحقيق في كلمات القرآن الكريم، بيروت، دار الكتب العلمية، د.ت.
  45. معرفت، محمد هادي؛ التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب، مشهد، الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية، ١٤١٨هـ.
  46. مكارم الشيرازي، ناصر؛ تفسير نمونه، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٣٧٤ش.
  47. الميبدي، رشيد الدين؛ كشف الأسرار وعدة الأبرار، طهران، انتشارات أمير كبير، ١٣٧١ش.
  48. النجاشي، أحمد بن علي؛ رجال النجاشي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤١٦هـ.
  49. الهواري، هود بن محكم؛ تفسير كتاب الله العزيز، الجزائر، دار البصائر، ١٤٢٦هـ.
Scroll to Top