الملخص: قدّم الأستاذ جوادي آملي رؤية مبتكرة حول العلاقة بين العقل والدين. فمن خلال إعادة قراءة محل النزاع وتقديم تعريف مختلف للعقل في هذه المباحث، يربط بين حقلي العقل والدين والعلم والدين اللذين كانا يُعتبران حقلين منفصلين نسبيًا. ونتيجة لذلك، ومن خلال إعادة تعريف نسبة العقل إلى الدين، تتم الإجابة أيضًا على مسألة إمكانية أو عدم إمكانية تحقيق العلم الديني. لقد استخدم سماحته العقل في هذه المباحث بمعنى واسع يعادل جميع المدركات البشرية المتعارفة. وبهذا المعنى، يغطي العقل كل إدراك بشري، ومن جهة أخرى، ليس المراد بالدين مجرد المعارف المنقولة، بل إذا كان مؤدى قول الله دينًا، فإن محتوى فعله يكون كذلك من باب أولى. وبهذه الطريقة، يصبح العقل، إلى جانب النقل المعتبر، مصدرًا من مصادر المعرفة الدينية، وتنتفي إمكانية التعارض بينهما من الأساس. ومع تبيين العلاقة بين العقل والدين، تتضح كيفية العلاقة بين العلم والدين أيضًا. فإذا أدركت العلوم التجريبية مكانتها الصحيحة في هندسة المعرفة الدينية، وبحثت في دراسة العالم في ظل الفلسفة والدين، فستنظر إلى الطبيعة بوصفها خلقة، وستكشف عن كتاب التكوين الإلهي، وبهذا الاعتبار ستكون دينية. إن رؤية الأستاذ جوادي فيما يتعلق بالعلم الديني هي رؤية معتدلة وواقعية.
مقدمة
لطالما كانت نسبة العقل والدين، بوصفهما مصدرين مهمين يدّعيان المعرفة، محط اهتمام علماء الكلام المسلمين والمسيحيين منذ القدم. وحتى قبل التشكيل الرسمي للمنظومات اللاهوتية، كان على دعاة الأديان أن يردوا على معارضة الملحدين والمنكرين، التي كانت في كثير من الحالات مصحوبة بادعاء مناقضة ادعاءات المتدينين للعقل، وما يتبع ذلك من سخرية. على سبيل المثال، في التراث الإسلامي، كان المشركون يعتبرون الاعتقاد بإحياء الموتى ويوم القيامة أمرًا غير عقلاني، وكان النبي الأكرم (ص) يزيل هذا الاتهام بالاستناد إلى آيات قرآنية متعددة. وفي التراث المسيحي، بدا التغلب على هذا التحدي أكثر صعوبة بكثير، نظرًا لنوع القراءة التي شاعت لرسالة المسيح. من جهة أخرى، أدى الدخول في العصر الحديث والازدهار العلمي الذي بلغ ذروته منذ القرن السابع عشر الميلادي واستمر حتى يومنا هذا، إلى فتح باب النزاع بين الادعاءات الدينية ومنجزات وادعاءات العلم، وخاصة العلوم الطبيعية، أولاً في العالم الغربي، ثم تبعًا لذلك في العالم الإسلامي.
إن نظرة سريعة، ولو عابرة، إلى الأبحاث التي أُجريت حول كيفية نسبة العلم والدين والعقل والدين في العالم الإسلامي والعالم المسيحي، تظهر أن هاتين المسألتين قد طُرحتا وبُحثتا عمومًا في حقلين مختلفين ومن خلال تناول مباحث متباينة. على سبيل المثال، كانت موضوعات مثل وجود الله، والمعجزات، والشرور، والتجسد، والفداء، والتثليث، مادة للنزاعات الفلسفية واللاهوتية بين علماء اللاهوت المسيحيين حول العقل والدين. ومن ناحية أخرى، فإن الثورة العلمية والاكتشافات الجديدة وظهور النظريات العلمية البحتة قد طرحت فكرة تعارض العلم والدين، ودعت علماء اللاهوت إلى المواجهة بجدية. يمكن اعتبار الكثير من النزاعات التي نشبت بين العلم والدين على مر القرون التالية نزاعًا على الحدود، أي خلافًا في وجهات النظر حول النطاق الحقيقي للعلم والدين. يعتقد ويليام آلستون: “في القرون القليلة الماضية، كانت معظم المعارضات لعقيدة الدين في المجتمع الغربي تتم باسم العلم. فبالنظر إلى فروع العلم المختلفة، من فلك كوبرنيكوس وبيولوجيا داروين إلى علم نفس فرويد، كان الادعاء هو أن الاكتشافات العلمية تبطل بعض تعاليم الدين أو على الأقل تضعفها بشكل جدي”.
على الرغم من أن العديد من نزاعات العلم والدين تتعلق بمعتقدات الكنيسة والعهدين، إلا أن هناك مشتركات كثيرة بين الأديان، وخاصة الإبراهيمية، تتحدى بعض المنجزات العلمية بنفس الطريقة. على سبيل المثال، تتحدى نظرية التطور لداروين الاعتقاد بالخلق المباشر لآدم من تراب، وهو اعتقاد مشترك بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة. أو أن رؤية الكوسمولوجيا النيوتونية، ونموذج ماكس بلانك، ونسبية أينشتاين، قد غيرت طريقة ارتباط الله بالعالم من خلال تصور جديد للعلية والزمان. في غضون ذلك، سعى علماء اللاهوت أيضًا للرد على تحدي العلم، واختار كل منهم طريقًا لتحقيق هذا الهدف. وبحسب ديريك ستينزبي، في هذا النزاع، يسعى البعض لإثبات أن اللاهوت علم، بهدف إزالة كل ما يميز العلم عن اللاهوت من الأساس، بينما يتمنى البعض الآخر، تأسياً بتوما الأكويني، التوصل إلى تركيبة شاملة للعلوم الطبيعية واللاهوت الدوغمائي. وهناك آخرون، على خطى تيلار دي شاردان، يرون أننا ندخل إلى رحاب الدين بتوسيع حدود العلم. وهناك أيضًا من امتزجت أذهانهم بنظرية الكونيات الجديدة ويعتقدون أن الدين علم ناشئ. أما الرأي الأكثر شيوعًا بين كل هذه الآراء، فهو رأي أولئك الذين يتحدثون عن مستويين للحقيقة: الحقيقة العلمية والحقيقة الدينية، أو أولئك الذين يخضعون لسلطة العلم وحجيته، وينزلون بالدين بحماس وشغف إلى مستوى إيمان لاعقلاني.
بين العلماء المسلمين، على الرغم من أن العلاقة بين العقل والدين قد نوقشت منذ زمن بعيد، ويمكن اعتبار أبحاث الفارابي والغزالي وابن رشد أمثلة واضحة على هذا الادعاء، إلا أن مبحث علاقة العلوم، سواء الطبيعية أو الإنسانية ومنجزاتها بالدين وادعاءاته كمسألة قائمة بذاتها، ليس له تاريخ طويل بين المفكرين. وعلى مر هذه السنوات، ورغم أن شخصيات مثل نقيب العطاس، وإسماعيل الفاروقي، وسيد حسين نصر، وغيرهم قد آمنوا بإمكانية بل وضرورة تحقيق العلم الديني، إلا أن عموم المثقفين، تأسيًا بالآراء الغربية السائدة، إما أنكروا أي علاقة بين العلم والدين وطرحوا لهما مجالين مستقلين تمامًا، أو اعتبروهما متعارضين ولجأوا إلى قراءات اختزالية للدين والإيمان لرفع التعارض المزعوم. أما أنصار العلم الديني فليس لديهم ادعاء أو منهج واحد، لكنهم يتفقون عمومًا على أن العلوم في حد ذاتها لا تتصف بالصبغة الدينية، بل إن أسلمة العلوم أو جعلها دينية تتطلب المرور بمراحل وتوفير شروط عددها كل منهم بناءً على مبانيه. وفي هذا السياق، حطّم الأستاذ جوادي النموذج الفكري السائد في أبحاث هذا المجال.
لتوضيح هذا الادعاء بشكل أكبر، من الضروري الانتباه إلى الأطر الشائعة التي يصنف ضمنها الباحثون في الشأن الديني النظريات المختلفة. على سبيل المثال، عادة ما تُصنّف الآراء المطروحة حول نسبة العقل والدين ضمن ثلاث فئات: العقلانية المتطرفة، والإيمانية، والعقلانية النقدية. تعتقد العقلانية المتطرفة أنه لكي يكون نظام المعتقدات الدينية مقبولاً حقًا وعقلاً، يجب إثبات صدقه بطريقة تقنع جميع العقلاء. في المقابل، الإيمانية هي رؤية لا تشترط صحة القضايا الدينية بتأييد العقل. أما العقلانية النقدية فقد سعت إلى اتخاذ طريق وسط. وفيما يتعلق بالعلاقة بين العلم والدين، لخص بعض الباحثين النظريات في أربع مجموعات:
١. التعارض: الاعتقاد بأن العلم والدين لا يمكن التوفيق بينهما أساسًا.
٢. التمييز: الادعاء بعدم إمكانية وجود تعارض حقيقي، لأن العلم والدين يجيب كل منهما على أسئلة مختلفة تمامًا.
٣. التلاقي: نهج يسعى إلى الحوار والتأثير المتبادل والانسجام الممكن بين العلم والدين، ويبحث بشكل خاص عن الطرق التي يساهم بها العلم في تشكيل المعرفة الدينية واللاهوتية.
٤. التأييد: رؤية أكثر هدوءًا ولكنها مهمة جدًا، تؤكد على الطرق التي يدعم بها الدين العمل العلمي البحت ويغذيه.
إن الآراء المذكورة، على الرغم من خلافاتها الجوهرية أحيانًا، متحدة في هذا الافتراض المسبق المهم، وهو أن للعقل مجالاً مختلفًا عن مجال الدين، بينما يرى الأستاذ جوادي أن هناك نوعًا من الاتحاد يسود بين العقل والدين. وعلى الرغم من غرابة هذا الادعاء في الوهلة الأولى، إلا أن إتقانه المنطقي وفعاليته يتضحان أكثر فأكثر مع مزيد من البحث. وهذا الأمر مرهون بدراسة تصور الأستاذ لمفاهيم العقل والعلم والدين.
العقل من وجهة نظر الأستاذ جوادي
عادة ما يبحث الكتّاب، في سياق مباحث من هذا النوع، بالتفصيل في المعاني والاستعمالات المختلفة للعقل. وقد أعرب البعض، عند رؤية كثرة معاني واستعمالات العقل، عن يأسهم من الكشف عن معنى متفق عليه، بل وواضح له. ولكن لا يبدو أن تعدد واختلاف معاني واستعمالات العقل في العلوم والثقافات المختلفة يسبب مشكلة في بحثنا الحالي. فما هو ضروري هو أن نبيّن المعنى المراد من العقل في مسألة النزاع بين العقل والدين، بدلاً من السعي لاستيفاء جميع معاني واستعمالات لفظ العقل. يعتقد الأستاذ جوادي أن المقصود بالعقل في هذه السلسلة من المباحث ليس خصوص العقل التجريدي الذي يظهر براهينه النظرية في الفلسفة والكلام، بل إن نطاقه يشمل أيضًا العقل التجريبي الذي يظهر في العلوم التجريبية والإنسانية، والعقل شبه التجريدي الذي يتولى الرياضيات، والعقل المحض الذي ينهض به العرفان. وبناءً على ذلك، عند تحديد منزلة العقل في هندسة المعرفة الدينية، يتم تحديد نسبة الأقسام الأربعة للعقل: التجريبي، وشبه التجريبي، والتجريدي، والمحض، إلى الدين.
ولتأييد هذه الرؤية، من الضروري الإشارة إلى نقطتين: ١) أن استعمال العقل بهذا المعنى الواسع ليس نادرًا أو غير مسبوق على الإطلاق. ٢) أن هذا التصور للعقل ينسجم تمامًا مع المسار الواقعي والتاريخي لنزاع العقل والدين.
على الرغم من أن استخدام العقل في هذا النطاق الواسع قد يبدو غير مألوف في البداية، إلا أنه يجب الانتباه إلى أن هذا التصور له سوابق بين المفكرين المسلمين والمسيحيين. على سبيل المثال، ابن طفيل في قصة “حي بن يقظان”، بعد أن يبيّن أن “حي” قد توصل إلى معارف سامية حول المبدأ والمعاد، أولاً عن طريق استخدام الفكر والاستدلال، ثم عن طريق الكشف والشهود العرفاني، يحكي عن انسجام وتطابق هذه المعارف التي تعلمها ذاتيًا مع تعاليم الأنبياء، فيقول: “تطابق المعقول والمنقول في نظره”. ففي هذه العبارة، عُبّر عن التأملات العرفانية أيضًا بالعقل. ويُرى هذا التصور أيضًا بين المتألهين المسيحيين. على سبيل المثال، يعتقد بول تيليش، الفيلسوف والمتأله البروتستانتي الكبير، أن إحدى نقاط الضعف الرئيسية في معظم الكتابات اللاهوتية والخطابات الدينية هي أنها تستخدم كلمة “العقل” بطريقة غامضة وغير دقيقة. إن الخطاب العامي معذور في مثل هذا التسامح، ولكن إذا استخدم المتكلم المصطلحات دون تعريف أو تبيين دقيق لها، فلن يكون معذورًا أبدًا. ولهذا السبب، يجب أن يكون واضحًا منذ البداية بأي معنى يُستعمل مصطلح العقل. يعتقد تيليش أنه يجب التمييز بين نوعين من العقل: العقل الوجودي (الأنطولوجي) والعقل الأداتي. كما يذكر مفهومًا للعقل باسم “عمق العقل” أو “العقل المجذوب”. وعلى الرغم من أن مراده من هذا القسم من العقل ليس واضحًا تمامًا، إلا أنه يمكن، حسب قول الشراح، أن يكون نوعًا من الاتحاد الشهودي بالواقع.
من وجهة نظر تيليش، فإن عقل العرفان وعقل العلم كلاهما من مصاديق العقل. بالطبع، خلافًا لتيليش الذي يرى أن طرح النزاع التقليدي بين العقل والدين جائز فقط في نطاق العقل الوجودي، يعتقد الأستاذ جوادي أن الناتج المعرفي للعقل في مختلف ساحات العلم التجريبي والرياضي والكلامي والفلسفي والعرفاني، إذا كان من سنخ القطع واليقين أو مفيدًا للطمأنينة والاطمئنان العقلائي، فإنه يدخل في حريم بحثنا الحالي. وبناءً على هذا، فإن المقصود بالعقل هو نفس العلم أو الطمأنينة العلمية الحاصلة من البرهان التجريبي المحض أو التجريدي الصرف أو من تلفيق بين التجريبي والتجريدي.
والأهم من ذلك، أنه على مر تاريخ نزاع العقل والدين، لم تكن معارضة الدين باسم العقل مقتصرة على الفلاسفة أو العلماء الملحدين، بل إن العديد من المخاطبين العاديين لدعوة الأنبياء كانوا يدّعون أيضًا أن بعض ادعاءات الأنبياء مخالفة للعقل. وكانوا يقصدون بالعقل مدركاتهم المعتادة والشائعة التي يثقون بها. على سبيل المثال، لم يكن عدم الإيمان بالغيب والموجودات الغيبية دائمًا بحجة تعارضه مع الاستدلالات الفلسفية المجردة، بل لأن الناس كانوا يظنون أن كل ما هو موجود يجب أن يُرى، ولأن مدركاتهم العادية لم تكن تستطيع إدراك الغيب، كانوا ينكرون وجود عالم الغيب. وبهذا المعنى، كانت المدركات المبنية على الحس والمعتقدات الناشئة عن الاستقراء تُعتبر عقلية أيضًا. إن المنهج الصحيح هو، بغض النظر عن وجود معنى متفق عليه أو صحيح للعقل، أن لا نُخرج من دائرة البحث، بنظرة واقعية، ما اعتُبر في هذا النزاع عقلاً أو عقلانيًا. وقد لخص الأستاذ رؤيته على النحو التالي: “العقل بالمعنى الذي نريده هنا يشمل العلم المصطلح والفلسفة، وتقابل العلم والفلسفة هو مجرد نتاج لوضع الاصطلاح. فالعلم والمعرفة بمعناهما المطلق يشملان العلم والفلسفة، والعقل هو الذي يؤمّن مبادئهما ومسائلهما، وإن كان قد جرى العرف في الاصطلاح الشائع على تسمية فروع العلوم التجريبية والإنسانية المختلفة، مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء، علمًا، واعتبارها متميزة عن الفلسفة المطلقة والعرفان النظري”. هذا التبيين يزيل الفاصل المزعوم بين حقلي العقل والدين، والعلم والدين.
الدين من وجهة نظر الأستاذ جوادي
إن تقديم تعريف للدين يحظى بقبول الجميع ويكون في الوقت نفسه منطقيًا هو أصعب بكثير من تقديم تعريف مماثل للعقل. لقد عجز الباحثون في الشأن الديني عن تقديم معنى للدين يمكن أن يرضي جميع أرباب الأديان. والسبب الرئيسي في التعدد الكبير للتعاريف التي قُدمت للدين هو أن كل واحد من المعرّفين قد ركز على عنصر خاص من عناصر الدين كان يراه أهم من غيره. كما سعى البعض إلى إدخال جميع الأديان تحت عنوان دراستهم، أي “الدين”، من خلال تقديم تعاريف واسعة وعامة جدًا؛ وإن أدى ذلك إلى إهمال عناصر مهمة من الدين. هذا التشتت والتنوع في التعاريف المختلفة للدين لا يسبب لنا مشكلة أيضًا. المهم هو إدراك المفهوم المراد من “الدين” في مسألة العلاقة بين العقل والدين. الأستاذ جوادي، على الرغم من أنه قدّم دين الإسلام كالدين الحق الوحيد ضمن الأصول الموضوعة للبحث، إلا أنه في الوقت نفسه قام بتحليل مفهومي للدين. وتعريفه للدين هو تعريف حداكثري. وبناءً على هذا، فإن الدين عبارة عن مجموعة من العقائد والأخلاق والقوانين الفقهية والحقوقية التي حددها الله لهداية البشر وسعادتهم. فالدين في هذه الرؤية أمر علمي واعتقادي. ومن وجهة نظر الأستاذ جوادي، الإيمان هو قبول والتزام بالقضايا التي تعبر عن محتوى أصول الدين وفروعه. فالذي يؤمن يربط خلاصة القضايا الدينية بروحه ويعتقد بها، وتصبح القضايا المذكورة معتقده.
يبدو أنه لو لم يكن للمؤمنين، على الأقل بين الأديان الإبراهيمية، مثل هذا الفهم للدين، لما وجد نزاع العقل والدين القديم مجالاً للظهور. كان المؤمنون يرون دينهم اعتقادًا بقضايا قد لا يتوافق محتواها، من وجهة نظر الملحدين والمنكرين، مع المدركات العقلية. أما التعاريف الاختزالية عمومًا التي قُدمت لاحقًا للدين، فعلى الرغم من أنها استطاعت، من خلال اختزال الدين إلى الشعور وأمور من هذا القبيل وتجاهل ادعاءاته المعرفية، أن تنتفي إلى حد كبير معارضة وتقابل العقل والدين، إلا أنها لم تحظ أبدًا بتأييد المؤمنين الحقيقيين. وقد انتبه الباحثون الذين درسوا نسبة العلم والدين إلى هذه الحقيقة أيضًا. على سبيل المثال، يكتب جون إف. هوت في كتابه “العلم والدين: من التعارض إلى الحوار”: “في هذا الكتاب، عندما أتحدث عن الدين، فإنني أقصد في المقام الأول الاعتقاد التوحيدي بإله شخصي مرتبط بالأديان التي لها أنبياء. والأديان التي تشمل الأنبياء هي اليهودية والمسيحية والإسلام. كما أنني أُدخل تحت مقولة الدين نوعًا من التفكير حول الإيمان الديني الذي يُسمى عادةً باللاهوت. ومن المناسب لنا هنا بشكل خاص أن نبحث في علاقة العلم بالتوحيد، أي التأكيد اللاهوتي على إله مشترك بين اليهودية والمسيحية، وحيثما كان ذلك مناسبًا، الإسلام، وليس التدين غير المحدد الذي يتمتع به كل شخص تقريبًا إلى حد ما”. ويشرح نيكولاس ولترستورف أيضًا قضائية الدين على النحو التالي: “لقد ذكرتُ أن الإيمان المسيحي يشتمل على الاعتقاد بموعظة الحواريين بشأن أفعال الله الخلاصية واستجابتنا اللائقة… لا يشتمل الإيمان المسيحي فقط على هذا الاعتقاد بأن يسوع المسيح جاء إلى هذا العالم لخلاص الخطاة، بل يتضمن أيضًا هذا الاعتقاد بأنه دخل هذا العالم لينقذنا… اليوم، عندما يُسأل أحيانًا عما إذا كان للإيمان، كما يُفهم في منطق العهد الجديد، محتوى قضوي؟ فلا شك أن لدى الأشخاص المختلفين تصورات مختلفة عن القضية، ولكن لنفترض أننا نقصد بالقضية مجرد شيء يمكن الاعتقاد بصحته، فعندئذ تكون الإجابة على السؤال المذكور بالإيجاب. فالإيمان الخالص والكامل يستلزم دائمًا الاعتقاد، والاعتقاد بدوره له دائمًا أمر مُعتقَد به (مفاد قضوي، أي محتوى قضوي). وكما رأينا، فإن هذا المضمون القضوي، المصاحب للمكون العقائدي للإيمان الحقيقي، يتضمن موعظة الحواريين، وإن كان يتجاوزها أيضًا”.
ولكن هذه ليست سوى الخطوة الأولى. يكمن الاختلاف الجوهري في رؤية الأستاذ جوادي في الخطوة التالية، التي يوسّع فيها نطاق الدين ليتجاوز هذا المدى. ففي نظر الأستاذ، يشمل الشرع دائرة أوسع من منطقة الفقه والحقوق، وأوسع من حدود الفروع الدينية، لأنه يشمل أيضًا مسائل الحكمة والكلام التي هي من مؤشرات الأصول العليا للشرع. وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار المدركات العقلية والعلمية المعتبرة شرعية، بوصفها تعبيرًا عن صنع الله وآية من آياته التكوينية. هذه نقطة أساسية في فهم علاقة العقل والدين من منظور الأستاذ جوادي. فهل استعمال “الدين” في هذا النطاق الواسع هو نتيجة لنوع من وضع الاصطلاح من جانبه، بحيث لو لم يتم ذلك لما وصلت رؤيته إلى نتيجتها؟ وهل نحن هنا أمام خلط بين المجال الإلهي والديني؟ في التصورات المعتادة، أقصى ادعاء يُطرح هو أن التكوين والتشريع متوافقان، أو أن الأمور الوحيانية منسجمة مع العقل والفطرة. أما أن نعتبر ما سوى الله دينًا ونسميه كذلك، بوصفه فعل الله وقوله، فهذه مسألة جديدة. ولكن كما مرّ في باب العقل، أظهر الأستاذ أنه غير ملتزم بالاصطلاحات الشائعة، ولهذا اعتبر التفريق بين العلم والعقل أيضًا نتاجًا لوضع الاصطلاح، وبالتالي غير ضروري. ففي هذه المباحث، أطلق الأستاذ جوادي اسم “ديني” على ما يسميه الآخرون “إلهيًا” لانتسابه إلى الله. وبهذا الاعتبار، لا يوجد فرق بين الإلهي والديني. ورغم أن هذا قد يُعتبر اصطلاحًا جديدًا للدين و”الديني”، إلا أن المهم هو أن الملاك الذي على أساسه أُطلق اسم “ديني” على معطيات النقل، هو نفسه موجود أيضًا بالنسبة لمعطيات العقل والعلم.
علاقة العقل والدين من وجهة نظر الأستاذ جوادي آملي
يمكن دراسة علاقة العقل والدين من منظورين: وجودي (هستي شناختي) ومعرفي (معرفت شناختي). من وجهة نظر الأستاذ جوادي، المصدر الوجودي الوحيد للدين هو إرادة الله وعلمه الأزلي، ولا دور للعقل في هذا الحقل. أما العقل والنقل فهما مصدران معرفيان للدين، ووظيفتهما تقتصر على الحكاية عن الأحكام والأوامر الإلهية وإدراكها. يتصور الكثيرون أن ما يُعلم بواسطة النقل الشرعي هو ديني، أما مؤدى العقل فهو معرفة بشرية لا علاقة لها بالدين، ومن هنا قد يتوافقان في بعض الادعاءات ويتعارضان في بعضها الآخر. لكن الأستاذ جوادي يلفت انتباهنا إلى حقيقة نجدها واضحة جدًا بعد التنبيه إليها. فإذا كان العقل البرهاني يثبت للعالم مبدأً (هو الأول)، وهو فاعل كل موجود ممكن، ومرجع ومعاد كل شيء (هو الآخر)، فإن كل ما بين ذلك هو إما فعل الله وتكوينه، أو قول الله وتشريعه. فما سوى الله إما تكوين، مثل السماء والأرض والإنسان والحيوان، وإما كتاب تدوين وتشريع، مثل التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم والقرآن.
بالنظر إلى هذه الحقيقة، فإن المدركات العقلية التي تعبّر عن حقائق في كتاب التكوين الإلهي ستكون أيضًا معارف دينية، لا مجرد معارف بشرية في تقابل مع المعارف الدينية. ونتيجة لذلك، سيكون العقل في حكايته عن الدين في مستوى النقل. إن كون العقل والنقل في مستوى واحد من حيث الحكاية والكشف عن الدين، جعل الأستاذ جوادي آملي يرى أن الطرح الصحيح للمسألة يكمن في مقابلة العقل بالنقل بدلاً من مقابلة العقل بالدين.
“العقل نظير النقل، لا نظير الوحي، بمعنى أن العلوم العقلية كالفلسفة ليست في مستوى الوحي أبدًا، لكنها يمكن أن تكون في مستوى العلوم النقلية. أي أن ما يفيده البرهان الفلسفي يمكن أن يكون في مستوى ما يفهمه المفسرون من ظواهر القرآن، بل قد يكون متحدًا ومطابقًا له أحيانًا. فيكون النقل مؤيدًا للعقل، والعقل مؤيدًا للنقل. أما الوحي نفسه فهو خارج عن حريم البحث”. إن اعتبار العقل ليس حتى من قبيل حجية الإجماع الذي يكشف عن السنة ويندرج تحت النقل، بل إنه يحكي عن حكم الله بشكل مستقل. وبعبارة أخرى، يقع العقل في مقابل النقل، لا في ظل النقل.
بناءً على هذا البيان، يجب اعتبار الحالات المتعددة التي طُرحت تحت عنوان “تعارض العقل والدين” تعارضًا بين “العقل والنقل”. وهذه الحقيقة ليست مجرد تفنن في العبارة، بل هي إعادة للبحث إلى موضعه الأصلي. على سبيل المثال، يمكن اعتبار الاعتقاد بالتثليث والفداء والتجسد وغيرها، التي كانت دائمًا موضوعات مثيرة للجدل في اللاهوت المسيحي، ومن وجهة نظر الكثيرين من المصاديق المسجلة لتعارض العقل والدين، من مصاديق تعارض العقل مع منقولات الكتاب المقدس أو العهود المسيحية. في هذه الحالات، لرفع التعارض بين العقل والنقل، يجب التمسك بنفس الأدوات التي تُستخدم في حل تعارض نقلين. فإذا رجحنا النقل جانبًا لصالح العقل بتطبيق الطرق المعتادة أو المبتكرة للتعادل والتراجيح، فلن يعني ذلك أن الدين قد هُزم في تعارض العقل والدين، بل إن دليلين شرعيين قد تعارضا ورُجّح أحدهما على الآخر.
العلم من منظر الأستاذ جوادي آملي
لم تكن نظرة العلماء إلى العلم وشروط حصوله ومدى اعتباره متماثلة في جميع العصور. على سبيل المثال، بينما تتسم النظرة الوضعية في العصر الحديث بتفاؤل تام تجاه المعرفة والعلم التجريبي، إلى درجة أنها لا تعير اهتمامًا للمعارف الأخرى التي لا تتبع المنهج الحسي والتجريبي، فإن نظرة ما بعد الحداثة هي نظرة مليئة بالشك تجاه منهج ومنجزات العلوم. من وجهة نظر الفلاسفة المسلمين، الذين يواصل الأستاذ جوادي مسيرتهم الفكرية، لا يمكن للمعرفة الحسية والتجريبية أن تكون يقينية إلا إذا استعانت بالأصول والمبادئ العقلية. يعتقد الأستاذ جوادي أن العلم يمكن أن يكون له مفاد يقيني، ومفاد علمي يورث الاطمئنان، أما الفرضيات العلمية التي لا تتجاوز في الغالب الظن والتخمين، فهي خارجة عن مبحث علاقة العلم والدين، ولا يمكن أن تكون مصداقًا للعلم المصطلح. مع ذلك، فإن كون العلوم الطبيعية يقينية أو غير يقينية ليس له مدخلية تامة في البحث الحالي، فما هو مهم حقًا هو حجية منجزات هذه العلوم. لذا، فإن مناقشات من قبيل أن نتائج العلوم كلها ظنية -على فرض إثباتها- لا تسبب إشكالاً في مسار البحث؛ بمعنى أنه إذا تمكنا من تعريف وتطبيق معايير حجية المنجزات العلمية، فإن المنجزات غير اليقينية يمكنها أيضًا، بشروط، أن تدخل في نطاق البحث.
العلم والدين
إذا تحددت مكانة العقل في هندسة المعرفة الدينية، فإن علاقة العلم ستتحدد من تلقاء نفسها. بمعنى أنه يجب اعتبار العلم أيضًا، مثل النقل، من مصادر المعرفة الدينية. ومن الطبيعي أنه في هذه الحالة لن يكون هناك تعارض بين العلم والدين، وبالتالي ستكون مكانة العلم هي نفس مكانة النقل، الذي يمكن تقسيمه إلى معتبر وغير معتبر. ولتوضيح أكثر: “يعمل العلم التجريبي في العالم الحديث، كما في الماضي، على أساس العلية، لكن انفصال حقول العلوم عن بعضها واستقلالها أدى إلى خروج العلم التجريبي من ظل الفلسفة والدين. ونتيجة لذلك، أصبح همّ العلم اليوم مقتصرًا على البحث في العلل القابلية، أي: ماذا كان هذا الشيء، وما هو الآن، وماذا سيصبح في النهاية”.
بينما كانت العلوم في الماضي تنمو في تفاعل مع بعضها البعض، وكانت المعارف المسؤولة عن تبيين رؤية العالم والكون (الجهان شناسي والجهان بيني) تحلل وتثبت المبادئ والأسس والافتراضات المسبقة وتقدمها لفروع المعرفة الأخرى مثل العلوم الطبيعية، وكانت العلوم الطبيعية تواصل عملها استنادًا واتكاءً على تلك المبادئ والافتراضات التي بُرهن عليها ونُقّحت في الحكمة واللاهوت الفلسفي. واليوم أيضًا، إذا أدرك العلم التجريبي مكانته الصحيحة في هندسة المعرفة، ولم يعتبر نفسه مستغنيًا عن العقل التجريدي والبرهاني، فبدلاً من التبيين المحدود للطبيعة، سيكشف عن وجه خلقة الله وفعل الله. وبما أن كتاب الدين أعم من كتاب التشريع والتكوين، فإن المعرفة العلمية ستكون أيضًا معرفة دينية، تترتب عليها ثمرات علمية وعملية متعددة. ونتيجة لذلك، ومع الأخذ في الاعتبار ما سبق، فإن العلم، بوصفه أحد التجليات المهمة للعقلانية الإنسانية ومؤمّنًا لجزء كبير من المعرفة البشرية، هو في مستوى النقل مثل سائر تجليات العقل. وإذا حدث تعارض، فسيكون تعارضًا بين العلم والنقل، تتكفل أدلة العلاج برفعه.
حجية العلم و”العلمي”
حجية العلم واضحة إذا كان مؤداه يقينيًا. ولكن إذا قبلنا الآراء الجديدة حول العلوم التجريبية التي تنتقد قدرة العلوم على كشف الواقع والحياد، وبالتالي ترفض يقينية منجزات العلوم، فهل ما زال يمكن القول بأن العلم مثل النقل من أدوات معرفة الدين؟ وهل ستكون له القدرة على معارضة الأدلة النقلية؟ يجب الحصول على جواب هذا السؤال أيضًا بالنظر إلى المكانة التي أعطيناها للعلم. فهل النقل، الذي هو بتعبير الأستاذ حاكٍ عن قول الله، يقيني دائمًا؟ وهل كل المنقولات التي لا تصل إلى درجة اليقين فاقدة للحجية؟ في مورد العلوم التجريبية أيضًا، التي تُعتبر الآن في رتبة النقل الشرعي وتحكي عن فعل الله وكتاب التكوين، تُطرح نفس مباحث الحجية الأصولية. الواقع هو أن الوصول إلى اليقين الرياضي والمنطقي في العلوم العرفية صعب جدًا عمليًا، لذا يُعتد في هذه العلوم بالاطمئنان العرفي والعقلائي. والفقهاء والأصوليون أيضًا يعتمدون على هذه التحليلات العرفية والعقلائية ويثقون بها. وبتعبير الأستاذ، المهم هو أنه كان يُعتنى في السنّة الفقهية والمسيرة العلمية للعلماء الأصوليين بهذه الاطمئنانات العقلائية، ولم يكن اليقين المنطقي والعقل التجريدي والبرهاني المحض أساس عملهم. إن الحجية الشرعية للعلوم، في الظرف الذي تتجاوز فيه حد الفرضية ومجرد الظن وتصل إلى حد “العلم” أو “الاطمئنان العقلائي”، تجيز الاستناد إلى الشارع المقدس. لذا، في المواضع التي يكون لتلك القضية والمطالب العلمية بعد عملي وفقهي وحقوقي، يصح الاحتجاج بها، أي أنها حجة من الناحية الأصولية.
الرد على إشكالين
١. قد يُطرح أن النظريات العلمية لا تُفضي حتى إلى الاطمئنان العقلائي، وأنها في النهاية تفيد الظن، والأستاذ جوادي لا يعتبر المعرفة الظنية علمًا أصلاً. ونتيجة لذلك، على الرغم من أن الأستاذ قد بيّن علاقة العلم اليقيني والاطمئناني بالدين وحكم بعدم تعارضهما، إلا أن المشكلة الواقعية والعينية، وهي مشكلة علاقة العلوم التجريبية الموجودة بالدين، تبقى دون بحث من جانبه، نظرًا لتصوره للعلم الذي لا يعتبر هذه العلوم علمًا لأنها لا تصل إلى حد اليقين والاطمئنان.
الجواب: على الرغم من وجود خلاف واسع حول المنزلة المنطقية للنظريات العلمية، من وجهات النظر الأداتية والمثالية إلى النظريات الواقعية، إلا أنه حسب قول إيان باربور: “الواقع هو أن العلماء في عملهم يؤمنون عمومًا بالواقعية… فالفلكيون وعلماء الأحياء والكيميائيون يعتبرون النظريات دائمًا ممثلة للأحداث في العالم الخارجي. وعلى الرغم من أن العلماء عادة ليسوا من أهل التأمل والتدقيق الفلسفي، إلا أنه يجب علينا أن نأخذ المسلمات والمقبولات الشائعة في لغة مجتمع العلم على محمل الجد. فالعلماء عمومًا يجدون أنفسهم في مواجهة مع طبيعة الحوادث أو بنية الأحداث الواقعة في العالم، لا مع ملخصات للبيانات أو مخترعات مفيدة أو بناءات ذهنية. إنهم يرون العلم طريقًا نحو الفهم والمعرفة، وليس مجرد أداة للتصرف والتنبؤ والتحكم… ليس هناك ضمان بأن النظريات هي الكلمة الأخيرة والحقيقة النهائية؛ فكل منها يمكن تصحيحه أو تعديله في المستقبل، أو في حالات نادرة، إلغاؤه بثورة علمية كبرى. ومع ذلك، فإن النظريات العلمية تتمتع بنوع من الموثوقية، ونتيجة لذلك، يصل عرف أهل العلم إلى إجماع نادرًا ما يوجد له نظير في أنواع البحث الأخرى”. بالنظر إلى هذا التوضيح، فإن افتراض الأستاذ جوادي المسبق بأن للعلوم شأن الحكاية عن الواقع، يُؤيّد في الجملة. ولكن كيف تكون هذه الحكاية؟ هل يتبع الأستاذ جوادي آراءً مثل ما يسمى اليوم بالواقعية المتطرفة (الواقعية الساذجة)؟ إذا كان الأمر كذلك، فما هو الاستدلال الفلسفي أو العلمي المبرر الذي لديه لذلك؟ هذه المسألة، كما أشار النقاد، تحتاج إلى مزيد من البحث من قبل صاحب النظرية.
٢. إن مكتشفات علماء العلوم التجريبية فاقدة للوازم العملية، ولها مجرد جانب الحكاية، لكن الحجية الأصولية لا يكون لها معنى إلا عندما يرتبط مؤدى الأدلة بفعل ووظيفة المكلفين. فكون الأرض كروية أو أنها تدور حول الشمس هو مجرد إخبار عن الواقع، ولا يترتب عليه سلوك أو عمل خاص للمؤمنين والمكلفين في حوزة الشريعة وعلاقة الإنسان بالله.
الجواب: أولاً، لكثير من قضايا العلوم التجريبية آثار ونتائج ترتبط بحوزة عمل المكلفين. مثلاً، التوصيات الطبية الناشئة عن مكتشفات يقينية أو “علمية” ستكون بمثابة حكم شرعي واجب الإطاعة، وعدم الاعتناء بها يعرّض الفرد للمؤاخذة شرعًا، ويمكن ذكر أمثلة كثيرة من هذا القبيل. ثانيًا، إن حجية وصحة استناد مؤدى العلوم إلى الله تؤدي، في الحالات التي لا ينسجم فيها محتوى الأدلة النقلية للدين مع الإدراك المعتبر العلمي والعقلي للبشر، إلى أن تكون المعرفة الاطمئنانية العقلية والعلمية مخصِّصًا أو مقيِّدًا لُبِّيًا للظاهر، وتعين المراد الجدي. وفي حال عدم إمكان التخصيص أو التقييد ووجود تعارض مستقر بين الدليل النقلي والعقلي، يُؤخذ بما هو أقوى، ويُقدّم الدليل الأقوى، سواء كان نقليًا أو عقليًا وعلميًا.
خلاصة جواب الأستاذ هي أن حجية النقل الشرعي تكمن في أنه يجوز للإنسان أن ينسب محتواه إلى الشارع، سواء كان هذا المحتوى حكمًا من الأحكام الفقهية والحقوقية، أو إخبارًا عن العالم، أو عن وقائع ستقع في القيامة، إلخ. وحجية العقل في بحثنا الحالي (العقل الحسي والتجريبي) هي بهذا المعنى أيضًا، أي أن مدلوله يصح انتسابه. ونتيجة لذلك، سيكون مؤدى العلم “إلهيًا” أو، بتعبير مألوف أكثر، “دينيًا”.
العلم الديني من وجهة نظر الأستاذ جوادي
توجد نظريات متضاربة حول ضرورة أو إمكانية أو تحقق العلم الديني. فبينما يتحدث البعض عن ضرورة العلم الديني ويعتقدون أن جميع المفاهيم والمناهج والمنهجيات، وحتى قواعد المنطق والرياضيات، يمكن أن تكون دينية وغير دينية، ينفي آخرون ضرورة وإمكانية العلم الديني مطلقًا. يعتقد الأستاذ جوادي آملي أن العلم ديني بالكامل، ولا يقبل التقسيم إلى ديني وغير ديني. ورغم أن هذه النظرية تضعه في مصاف أنصار العلم الديني، إلا أنها في الوقت نفسه تُظهر اختلافها الجوهري عن سائر آراء أنصار العلم الديني. ففي الآراء المنافسة، يُفترض عمومًا أن نتاج العقل، سواء التجريدي أو التجريبي، هو معرفة دنيوية وغير دينية، ويجب السعي إلى تدينيها (جعلها دينية) من خلال حلول وآليات. بينما يُدخل الأستاذ العقل بمعناه الواسع (التجريدي، وشبه التجريدي، والتجريبي، والمحض) ضمن هندسة المعرفة الدينية. وبهذا البيان، يكون نتاج العلم، الذي هو مصداق للعقل التجريبي، دينيًا من تلقاء نفسه.
قد تُعتبر هذه الرؤية ساذجة إلى حد ما، بالنظر إلى مصير العلم في العصر الحاضر، وازدياد عدد العلماء الملحدين أو العلمانيين، وطرح النظريات المعادية للدين، خاصة في حقل العلوم الاجتماعية. ولكن في هذا الصدد، يجب الانتباه إلى عدة نقاط: ١. كما مرّ، اعتبر الأستاذ جوادي أن من آفات تخصص العلوم وانفصالها عن بعضها البعض، هو أنه لم يعد بالإمكان النظر إلى الموضوعات بنظرة جامعة وتعاونية. فالعلوم في العصر الحاضر، لأنها انفصلت عن حضن الفلسفة والدين، لم تعد تهتم بالعلل الفاعلية والغائية، وتنظر إلى العالم بوصفه “طبيعة” لا “خلقة” وكتاب صنع الله. ونتيجة لذلك، ورغم أنها لا تزال تُظهر قسمًا من الواقع، إلا أنها غافلة عن القسم الآخر. فإذا بحث علماء العلوم التجريبية في بيئة تسودها الفلسفة الإلحادية والمادية، فمن الممكن أن يفسروا منجزاتهم بنفس تلك النظرة. من وجهة نظر الأستاذ، النقطة الأساسية للوصول إلى المعرفة هي أن تكون جميع أدوات المعرفة في مكانها الصحيح. وبناءً على هذا، للوصول إلى حكم ديني، لا يكفي مجرد ملاحظة الأدلة القرآنية أو الروائية، بل يجب أيضًا أخذ مقتضى العقل التجريبي والتجريدي في الاعتبار، ومع ملاحظة إمكان التخصيص والتقييد وسائر أنواع القرائن المحتملة، يُحكم في المسألة. وعلى هذا المنوال، من الضروري أيضًا إدخال المبادئ الفلسفية الصحيحة في البحث العلمي والتنظير. وبهذا البيان، يتضح أن العلوم الحالية لها شأنية أن تكون دينية، لكنها أصيبت بآفات يجب السعي في رفعها. وتتعارض هذه الرؤية مع النظريات التي تعتبر العلوم الحديثة موجهة ذاتيًا وغير ناظرة إلى الواقع، وتدعو إلى ثورة في جميع الافتراضات المسبقة والمناهج وفلسفة العلم. يتابع الأستاذ جوادي نظرة معتدلة ويعتقد أنه: “في مجال أسلمة العلوم والجامعات، يجب الابتعاد عن كل إفراط وتفريط، ولا ينبغي تصور أن العلم الإسلامي يعني فيزياء وكيمياء إسلامية، منسوجة بشكل منفصل عن العلوم الطبيعية الشائعة. منشأ مثل هذا الظن هو أن نعتبر نسبة العلم الديني إلى العلم الشائع كنسبة السجاد اليدوي إلى السجاد الآلي، ونتخيل أن العلم الديني يقدم محتوى مختلفًا تمامًا عن العلم الشائع. ولأننا نلاحظ أنه لا ينتج عن العلم الديني فيزياء وكيمياء مختلفة، ننجر إلى تصور إنكار إمكانية العلم الإسلامي من الأساس”.
٢. إن وضع العقل بمعناه الواسع في هندسة المعرفة الدينية ومساواته بالنقل المعتبر لا يعني تجاهل آفات ونقائص هذا المصدر المعرفي. كما أن استخدام النقل له أيضًا إطاره العلمي الخاص. يرى الأستاذ أن أسلمة العلوم تستلزم الأمور التالية: أ) أن يُرفع عنوان “الطبيعة” ويوضع مكانه “الخلقة”. ب) أن يُلحظ عنوان “الخالق” الذي هو المبدأ الفاعلي، أي أن الخالق الحكيم قد جعل ساحة الخلقة على هذا النحو بحيث تكون لها آثار وخواص معينة. ج) أن يُنظر إلى هدف الخلقة، وهو عبادة الله ونشر العدل والقسط، كمبدأ غائي. هـ) أن يُجعل محور البحث الدليل المعتبر من النقل، مثل القرآن أو الحديث الصحيح. و) أن يُستفاد من التأييدات النقلية أو تعليلاتها. ز) ألا تكون دعوى “حسبنا العقل” في أي مورد، كما أن دعوى “حسبنا النقل” غير مسموعة. ح) أن يكون تفسير كل جزء من الخلقة بالنظر إلى الجزء الآخر منها، ليكون من سنخ تفسير التكوين بالتكوين. نظير تفسير التدوين بالتدوين، لأن كل موجود من موجودات العالم هو آية وكلمة وسطر من آيات وكلمات وسطور كتاب التكوين الجامع.
بعض ثمرات هذه الرؤية
الأهم من تبيين الرؤية المذكورة هو تطبيقها في الحقول المختلفة التي ترتبط بالعلم والعقل والدين بنحو من الأنحاء. فمن شروط قبول أي نظرية هو قدرتها على الإجابة وحل المشكلات. وفي هذا المجال، وفيما يتعلق بالتأثيرات المحتملة لهذه الرؤية في مختلف فروع العلم، لم يُنجز عمل جاد بعد. على سبيل المثال، سيتأثر علم أصول الفقه، بوصفه العلم المتكفل بتوفير أدوات استنباط الأحكام الدينية، بشكل مباشر في موارد متعددة مثل مباحث الحجج والأمارات والتعادل والتراجيح، بالمباني المذكورة. إن دراسة شاملة للتأثيرات المحتملة لرؤية الأستاذ جوادي تحتاج إلى بحث مستقل. هنا، نشير على سبيل المثال إلى بعض ثمرات نظرية الأستاذ.
١. نقد لمدرسة التفكيك
بناءً على تبيين الأستاذ جوادي، اتضح أن العقل لا يمكنه فقط أن يعمل كأداة لمعرفة الدين، بل من الضروري الاستفادة منه في هذا المجال للوصول إلى معرفة دينية معتبرة وشاملة. فالحكم الذي نحصل عليه بالاعتماد على النقل فقط، لا يمكننا نسبته إلى الشارع. “تتشكل المعرفة بالدين والإسلام عندما تُلحظ جميع مصادرها المعرفية جنبًا إلى جنب ومعًا. بناءً على ذلك، لا يجوز لأحد أن يدعي، بمجرد مراجعته للقرآن كله في مسألة ما، أن الدين والإسلام يقول كذا… يجب الاعتناء بسهم العقل في تشكيل الفهم من الدين. وفي هذه الحالة، قد يتعارض فهمٌ من الكتاب والسنة مع برهان عقلي، أو قد يُخصَّص أو يُقيَّد مفاد رواية بواسطة دليل عقلي”. هذا التبيين، خاصة بالنظر إلى أن الأستاذ جوادي يريد من العقل معنى يعادل تقريبًا جميع المدركات البشرية المتعارفة، يرسم خط بطلان على تصور الظاهرية وأصحاب مدرسة التفكيك الذين يعتبرون تدخل العقل آفة للمعرفة الدينية. فما تسميه مدرسة التفكيك “تخليص المعرفة” هو في الحقيقة “تنقيصها”. تمامًا كما لو أن شخصًا يستدل بالقرآن فقط أو بالروايات فقط لكشف حكم شرعي، بينما هما يكملان بعضهما البعض. فالإشكال المعرفي الذي يرد على قائل “حسبنا كتاب الله” يظهر هنا بوضوح أكبر.
٢. تصور صحيح لنطاق الدين ومسألة الخاتمية
فهم البعض لختم النبوة هو أن النمو العقلي للبشر قد أدى إلى تحقيق اكتفائهم الذاتي واستغنائهم عن الوحي والدين. ففي الماضي، كان القصور العقلي للإنسان يسبب حاجته إلى رسالة الأنبياء وإرشادات الوحي في جميع أمور الحياة، ونتيجة لذلك، كان نطاق الدين واسعًا جدًا. أما اليوم، فإن الإنسان، بفضل نموه العقلي، يتكفل بنفسه بحقل واسع من الحاجات التي كان الوحي والدين يتوليانها في الماضي. هذا التصور أيضًا مبني على الفصل بين حقل المعرفة الدينية والمعرفة البشرية. فهذه الرؤية تعتبر العقل والمعرفة العقلانية منافسًا للدين والمعرفة الدينية، ونتيجة لذلك، ترى أن نمو المعارف العقلانية يؤدي إلى تضييق المجال على المعرفة الدينية. ولكن وفقًا للرؤية المقبولة التي تعتقد أن العقل هو أيضًا داخل هندسة المعرفة الدينية، فإن النمو العقلي وعمقه يعني في الحقيقة تعميق المعرفة الدينية وفهم فعل الله بشكل أفضل. فختم النبوة يعني أن جميع الأصول والقواعد والضوابط والقوانين الاعتقادية والعلمية والأخلاقية والفقهية والحقوقية قد وردت بشكل جامع في النصوص الدينية، وأن العقول التي أثيرت دفائنها تجدها خصبة. لذا، لا يُقدّم للبشر مصدر وحياني جديد، والدين الذي وضع العقل إلى جانب النقل كمصدر لمعرفة الأحكام الإلهية، يكتفي إلى الأبد بهذين المصدرين الموجودين في هداية البشر، لا أن النمو العقلي يضيّق المجال على الدين. فالعقل ليس منافسًا للدين، بل هو في داخله.
٣. تضعيف الآراء المتطرفة لأنصار العلم الديني
أحد العوامل التي تجعل مبحث العلم الديني يبدو غير مبرر في نظر بعض المفكرين هو الادعاءات الكبرى التي تبطل جميع علوم البشرية الحالية والماضية، وتعتبرها علومًا غير دينية بل باطلة، بسبب عدم تولي مبدعيها وعلمائها ولاية الله. وفقًا لرؤية بعض منظري هذه المجموعة، لا تكشف أي من المعارف البشرية، بما في ذلك العلم الديني، عن الواقع أو تنظر إليه، بل هي جميعها قضايا إنشائية. من وجهة نظرهم، العلم، خلافًا للتصور الشائع، ليس عملية اكتشافية، بل هو مجرد نوع من النشاط وبروز وظهور لدوافع الإنسان الداخلية. خلافًا للرؤية المذكورة، يعتقد الأستاذ جوادي أن الواقع مطلق والعلم والمعرفة المطلقة ممكنة، وإن كان الخطأ يقع في بعض الموارد، ولا يمكن اعتبار جميع معارف البشر صوابًا. كما أن إيمان وكفر العالم والمفسر لا يؤثر في أصل فهم كتاب التكوين وأصل العلم بكتاب التشريع، ولا يجعل العلم إسلاميًا وغير إسلامي. كما أن فهم القرآن، إذا روعيت شروط الفهم المعتبر، لا يصبح إسلاميًا وغير إسلامي. لا ينبغي الظن أن من لا يعرف أن القرآن كتاب من، لا يملك القدرة على فهمه، بل إن فهمه حجة عليه، وإذا لم يعمل بمقتضاه، سيكون مسؤولاً ومعاقبًا شرعًا. وهذا الأمر نفسه حجة شرعية في حق المؤمن الذي قام بفهم وتفسير القرآن وتوصل إلى نفس فهم الشخص الكافر. إن تديني العلوم (جعلها دينية) رهين بإزالة الغربة والمسافة التي وُضعت بشكل خاطئ بين العلم والدين، لا أن نتخلى عن المنهج التجريبي ونقترح آلية جديدة تمامًا للعلوم الطبيعية. الحقيقة هي أن أسلمة العلوم تعني إزالة العيب والنقص السائد في العلوم التجريبية الشائعة، لا ثورة في جميع المبادئ والمناهج والافتراضات المسبقة.
النتيجة
بالنظر إلى أن العصر الحاضر هو عصر ازدهار العلم والمعرفة أكثر من أي وقت مضى، وفي الوقت نفسه عصر عودة الإنسان الحديث مرة أخرى إلى الدين والمعنوية، فإن الرؤية التي تستطيع أن تقرّب بين الدين والدنيا، وتقبل الحقائق الموجودة بنظرة نقدية، هي رؤية مفيدة وجديرة بالتأمل. يمنح الأستاذ جوادي آملي العقل والعلم اعتبارًا جديدًا. فهو يهدم الجدار العالي بين الإدراك العقلي كمعرفة بشرية، والإدراك النقلي كمعرفة دينية، ويخطو خطوة كبيرة نحو المصالحة بين التقليد والحداثة. في هذه الرؤية، لا تُرفض الحداثة بالكامل ولا تُؤيّد مئة بالمئة. ما هو مهم هو إعادة تفسير العالم بوصفه كتاب صنع الله، ووضع مصادر المعرفة في مكانتها المناسبة. ورغم أن هذه القراءة الجديدة يمكن أن تكون لها تأثيرات هائلة، إلا أنها لا تسعى إلى ثورة في جميع العلوم الشائعة ومناهجها وافتراضاتها المسبقة. لقد أجابت هذه الرؤية بطريقة أخرى على الهواجس التي دفعت البعض إلى البحث عن توطين العلوم وأسلمتها. ليست هناك حاجة لأسلمة العلوم، يكفي أن نضع العلوم في مكانتها المنطقية والمناسبة في هندسة المعرفة الدينية. فما يُتحصّل عليه بهذه الطريقة لا يتعارض مع الدين فحسب، بل هو نفسه ديني.
المصادر والمراجع
- ابن سينا، أبو علي الحسين (١٩٥٦)، البرهان، نشر وزارة التربية والتعليم، القاهرة.
- ستينزبي، ديريك (١٣٨٦ هـ.ش)، علم، عقل ودين، ترجمة علي حقي، پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامی، قم.
- هات، جون إف. (١٣٨٥ هـ.ش)، علم و دين از تعارض تا گفتگو (العلم والدين من التعارض إلى الحوار)، ترجمة بتول نجفي، كتاب طاها، قم.
- باربور، إيان (١٣٨٥ هـ.ش)، علم و دين (العلم والدين)، ترجمة بهاء الدين خرمشاهي، مركز نشر دانشگاهی، تهران.
- بترسون، مايكل وآخرون (١٣٨٣ هـ.ش)، عقل و اعتقاد دينى (العقل والاعتقاد الديني)، ترجمة أحمد نراقي وإبراهيم سلطاني، طرح نو، تهران.
- تيليش، بول (١٣٨١ هـ.ش)، الهيات سيستماتيك (اللاهوت المنهجي)، ترجمة حسين نوروزي، ج ١، انتشارات حكمت، تهران.
- جعفري، محمد (١٣٨٦ هـ.ش)، عقل و دين از منظر روشنفكران دينى معاصر (العقل والدين من منظور المثقفين الدينيين المعاصرين)، صهباى يقين، قم.
- جوادي آملي، عبد الله (١٣٨٦ هـ.ش)، منزلت عقل در هندسه معرفت دينى (منزلة العقل في هندسة المعرفة الدينية)، مركز نشر اسراء، قم.
- جوادي آملي، عبد الله (١٣٨٦ هـ.ش)، تفسير انسان به انسان (تفسير الإنسان بالإنسان)، مركز نشر اسراء، قم.
- جوادي آملي، عبد الله (١٣٨٠ هـ.ش)، انتظار بشر از دين (ما ينتظره البشر من الدين)، مركز نشر اسراء، قم.
- هي وود، جي. (١٣٨٢ هـ.ش)، توماس پل تيليش (توماس بول تيليش)، نگاه معاصر، تهران.
- حسني، حميد رضا وآخرون (١٣٩٠ هـ.ش)، علم دينى ديدگاه ها و ملاحظات (العلم الديني: رؤى وملاحظات)، پژوهشگاه حوزه و دانشگاه، قم.
- خسروپناه، عبد الحسين (١٣٩٠ هـ.ش)، علامه طباطبايى فيلسوف علوم انسانى اسلامى (العلامة الطباطبائي فيلسوف العلوم الإنسانية الإسلامية)، ج ١، انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و انديشه اسلامى، تهران.
- رشاد، علي أكبر (١٣٩٢ هـ.ش)، فصلنامه كتاب نقد (مجلة كتاب النقد)، السنة الخامسة عشرة، العدد ٦٩، پژوهشگاه فرهنگ و انديشه.
- صادقي، هادي (١٣٨٦ هـ.ش)، عقلانيت ايمان (عقلانية الإيمان)، كتاب طاها، قم.
- الفاخوري، حنا والجر، خليل (١٣٧٣ هـ.ش)، تاريخ فلسفه در جهان اسلام (تاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي)، ترجمة عبد المحمد آيتي، انتشارات علمى فرهنگى، تهران.
- يوسفيان، حسن وشريفي، أحمد حسين (١٣٨٦ هـ.ش)، عقل و وحى (العقل والوحي)، سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و انديشه اسلامى، تهران.
- Plantinga, Alvin and wolterstorff, Nicholas (2004): Faith and Rationality, 1university of Notre Dame Press.
- William. P.Alston, problems of philosophy of religion,” The Encyclopedia of Philosophy, Paul Edwards Ed (1972): New York, Macmillan publishing, Vole 6.