الملخص
مع أنه قد صُرّح في روايات الأئمة الأطهار (عليهم السلام) بأن القرآن قد نزل بقراءة واحدة فقط، إلا أنه وردت في بعض الروايات المتعلقة بقراءة عدد من الآيات تعابير من قبيل «قرأ بكذا»، و«كنا نقرأ في قراءة أهل البيت»، و«هكذا أنزل»، مما يشير إلى وجود قراءة أخرى غير القراءة المشهورة. وقد بلغت هذه الروايات من الكثرة حدًا جعل بعض المحدثين يعتبرونها دليلاً على التحريف أو تعدد القراءة. يتتبع هذا البحث، من خلال دراسة تفسير الميزان، وجهة نظر العلامة الطباطبائي تجاه هذه القراءات المخالفة للمشهور. والنتيجة التي تم التوصل إليها تفيد بأنه على الرغم من امتناعه عن إبداء رأي مباشر في بعض الموارد، إلا أنه يُستفاد من مجموع كلماته أنه يعتبر هذه الموارد من باب التفسير، أو الجري والتطبيق، أو بيان شأن النزول. ويبدو أن العلامة يرى أن مصطلح «القراءة» في الأزمنة السابقة كان يُستخدم بمعنى أعم، بحيث يشمل التفسير والتبيين أيضاً، ولكنه خضع تدريجياً لتطور دلالي ليُستخدم في خصوص القراءة بالمعنى المصطلح عليه اليوم.
المقدمة
«القراءة» في اللغة تعني التلاوة، وفي الاصطلاح هي كيفية نطق ألفاظ القرآن الكريم (راجع: قابة، القراءات القرآنية، 1999م: 24؛ الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، 1419هـ: 1/ 3 وما بعدها). في نظر علماء أهل السنة، يستند تعدد القراءات إلى الحديث المعروف «نزل القرآن على سبعة أحرف» (أحمد بن حنبل، مسند، د.ت: 1/ 24؛ البخاري، صحيح، 1401هـ: 3/ 90)، وهو أمر تنزيلي، والقرآن قد نزل منذ البداية بصور متعددة (راجع: معرفت، التمهيد، 1386ش: 2/ 45 وما بعدها). ولكن علماء الشيعة، اقتداءً بأهل البيت (عليهم السلام)، يعتقدون أن القرآن نزل بصورة واحدة فقط، وأن تعدد القراءة نشأ من القراء (الخوئي، البيان، 1395هـ: 151-161؛ معرفت، التمهيد، 1386ش: 2/ 57؛ النجفي، جواهر الكلام، 1365ش: 9/ 294).
ومع ذلك، توجد في المجامع الروائية الشيعية روايات عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) أو بعض قراء صدر الإسلام مثل ابن مسعود وأبي بن كعب (راجع: معرفت، التمهيد، 1386ش: 2/ 45 وما بعدها)، تخالف القراءة المشهورة. وقد تباينت مواقف علماء الإمامية تجاه هذه الروايات بشكل ملحوظ. إن اتساع هذه الروايات وكثرتها جعل بعض المحدثين والأخباريين يعتبرونها دليلاً على وقوع التحريف في القرآن (راجع: المحدث النوري، فصل الخطاب، د.ت؛ الكاشاني، تفسير الصافي، 1416هـ: 1/ 51 وما بعدها). واكتفى فريق آخر بنقلها فقط دون تقديم أي توضيح (راجع: العياشي، تفسير العياشي، د.ت: 1/ 245 و 2/ 257؛ القمي، تفسير القمي، 1404هـ: 1/ 122؛ الحويزي، نور الثقلين، 1412هـ: 1/ 387). كما اعتبر فريق من المفسرين هذه الروايات من باب تعدد القراءة. ويُستفاد من ظاهر كلام الشيخ الطبرسي في مجمع البيان، حيث أورد هذه الروايات في قسم اختلاف القراءات، أنه اعتبرها من باب تعدد القراءة (راجع: الطبرسي، مجمع البيان، 1415هـ: ذيل آيات التوبة/118، الرعد/11، النور/60، الفرقان/74 و…).
في المقابل، اتخذ بعض كبار العلماء موقفاً أكثر إثارة للاهتمام تجاه هذه الروايات. فهم لا يعتبرونها من باب القراءة المصطلحة أساساً، بل يعدونها من باب التفسير (راجع: معرفت، التمهيد، 1386ش: 2/ 8 وما بعدها؛ الخوئي، البيان، 1395هـ: 417؛ العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين، 1378هـ، ج 3). ويبدو من وجهة نظرهم أن مصطلح القراءة ينقسم إلى فرعين: القراءة التنزيلية (المصطلحة) والقراءة التفسيرية.
ربما يمكن اعتبار الشيخ الطوسي أول شخصية تبنت هذه النظرة تجاه هذا النوع من الروايات. فهو في تفسير التبيان، بعد ذكر الآيات، يبدأ ببحث القراءة، ثم يشرع في تفسير الآيات وتبيينها، وفي أثناء بياناته التفسيرية، ينقل روايات أهل البيت[1] بخصوص القراءات الخاصة. هذا المنهج يدل على أن الشيخ الطوسي كان يرى أن قراءات أهل البيت الخاصة هي من باب التفسير (راجع: الطوسي، التبيان، 1409هـ: 2/ 441 (آل عمران/33)، 5/ 361 (التوبة/118)، 6/ 228 (الرعد/11)، 7/ 461 (النور/60)، 7/ 512 (الفرقان/74)، 8/ 384 (سبأ/14)).
على الرغم من أن الفهم العام لهذه الروايات بعد الشيخ الطوسي كان يميل إلى تعدد القراءات، إلا أنه تُلاحظ في آثار بعض الأكابر بين الحين والآخر إشارات تدل على أنهم أيضاً اقتربوا في بعض الموارد من وجهة نظر القراءة التفسيرية. فمثلاً، اعتبر ابن شهر آشوب كل الروايات التي تشير إلى إضافة حرف أو كلمة في نص القرآن من باب التأويل (= التفسير). يقول في هذا الصدد: «والصحيح أن كل ما يروى في المصحف من الزيادة إنما هو تأويل، والتنزيل بحاله ما نقص منه وما زاد» (ابن شهر آشوب، متشابه القرآن، 1410هـ: 2/ 77).
كما أشار العلامة المجلسي في تحليله لبعض الروايات إلى هذه النقطة (راجع: المجلسي، بحار الأنوار، 1403هـ: 5/ 79؛ المجلسي، مرآة العقول، د.ت: 5/ 50-48). حتى في عبارات أعلام كالفيض الكاشاني، يمكن ملاحظة آثار هذا الفهم. ففي قراءة آية ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ (آل عمران/123)، بعد أن ذكر قراءة «وأنتم ضعفاء»[1] وقراءة «وأنتم قليل»[2]، يكتب: «لعل المراد أنها نزلت بهذا المعنى»؛ أي «ربما يكون المقصود بالقراءة هنا أن تفسير الآية هو كذلك» (الفيض الكاشاني، تفسير الأصفى، 1418هـ: 1/ 170).
كذلك، يقول آية الله الخوئي حول حديث الإمام الباقر (ع) الذي قال فيه: «نزل جبرائيل بهذه الآية على محمد هكذا: إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا – في علي – فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (البقرة/23) (الكليني، الكافي، 1362ش: 1/ 417): «إنّه كان من قبيل التفسير للقرآن و ليس من القرآن نفسه» (الخوئي، البيان، 1395ش: 230).
وفي الآونة الأخيرة، تناولت شخصيات مثل العلامة العسكري (العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين، 1378ش: 3/ 221-224) وآية الله معرفت (التمهيد، 1386ش: 2/ 42) هذه الروايات بنطاق أوسع، واعتبروها بشكل قاطع من باب التفسير.
يعتقد آية الله معرفت أن القراء الأوائل كانوا أحياناً يضيفون نقاطاً تفسيرية على نصوص الآيات أثناء القراءة، أو يستبدلون لفظاً بآخر لبيان المعنى والمراد، وكان هذا هو نهجهم المعتاد. ولكن الأجيال اللاحقة اعتبرت هذه الإضافات قراءة نصية، بينما كان قصدهم هو تفسير الآيات فقط (نفسه، 2/ 40).
وهو يعتبر معظم قراءات ابن مسعود وأبي بن كعب من هذا القبيل.
بغض النظر عن هذه الخلفية، ما يهدف إليه هذا المقال هو تحديد موقف العلامة الطباطبائي من هذه الروايات، وقبل الخوض في ذلك، لا بد من الإشارة إلى نقطتين ضروريتين:
1. على الرغم من أن البحث في هذا الموضوع ليس له تاريخ طويل، إلا أن بعض الكتابات والتحقيقات قد أشارت إلى جوانب منه. من بينها مقالة «اختلاف القراءات ونقش آن در تفسير از ديدگاه علامه طباطبايى»[3] التي تناولت روايات أهل السنة في هذا المجال، كما تطرقت إلى دور اختلاف القراءات في التفسير، ولكن المقالة المذكورة لم تتناول موضوع هذا البحث بشكل مباشر.
2. العلامة الطباطبائي، كغيره من علماء الشيعة، لا يعتبر حجة إلا القراءة المشهورة بين المسلمين، ولا يعتبر القراءة الشاذة حجة حتى لو نُسبت إلى الأئمة الأطهار (عليهم السلام).
يقول في تفسير آية ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (النساء/24): بناءً على معتقد الشيعة، فإن هذه الآية تتعلق بالزواج المؤقت. ثم يضيف: «زعم بعضهم أن علماء الشيعة أفتوا بذلك استناداً إلى قراءة ابن مسعود التي أضافت عبارة «إلى أجل مسمى» إلى الآية، ولكن كيف يمكن أن يكون ذلك؟ كل من يراجع كلمات علماء الشيعة يجد أنهم لا يعتبرون حتى القراءة الشاذة المروية عن أئمتهم حجة، فكيف بقراءة شاذة عن أمثال ابن مسعود!». ثم يضيف: «نعم، إن استناد علماء الشيعة أحياناً إلى هذه القراءات في مثل هذه المباحث، هو من باب أنها بيان للمراد والمعنى، أي أنها تُعتبر تفسيراً، لا من باب حجية القراءة الشاذة» (الطباطبائي، الميزان، د.ت: 4/ 300، بتصرف يسير).
والآن بعد ذكر هاتين النقطتين، ندرس رأي العلامة حول هذه الروايات.
بنظرة سريعة على تفسير الميزان، يمكن تصنيف رأي العلامة بخصوص هذه الروايات إلى قسمين: الأول، الموارد التي صرح فيها العلامة برأيه واعتبرها من باب التفسير أو الجري والانطباق وأمثال ذلك. الثاني، الموارد التي نقلها العلامة ومر عليها دون أي تعليق. وفيما يلي، سنتناول هذين القسمين مع ذكر أمثلة.
أ) الموارد التي أبدى فيها رأيه
في كثير من الموارد، بعد نقل القراءات التي تتضمن نقصاً أو زيادة في حرف أو كلمة، يصرح العلامة بأنها من باب التفسير أو الجري والانطباق. ويبدو من وجهة نظره أن تعابير مثل «قرأ»، «كنا نقرأ»، «هكذا نزل» وأمثالها التي وردت في هذه الروايات، قد شهدت تحولاً دلالياً؛ بمعنى أن هذه العبارات كانت تُستخدم في عصر الصدور بمعنى أوسع، بحيث تشمل التفسير، والجري، والانطباق، وحتى بيان شأن النزول وأمثال ذلك، ولكنها اليوم تُستخدم فقط في معنى القراءة المصطلحة.
والدليل الواضح على ذلك، بالإضافة إلى ما مر في آية 24 من سورة النساء، هو عبارة أوردها العلامة الطباطبائي في ذيل الآية 46 من سورة هود بعد نقل رواية عن الإمام الرضا (ع). في تلك الرواية، استُخدمت كلمة «قراءة» كمرادف تام لـ«التفسير»؛ ولهذا السبب، علق العلامة عليها قائلاً: «كأن المراد من قراءة الآية تفسيرها والراوي يشير بإيراد القرائتين إلى تفسير…» (الطباطبائي، الميزان، د.ت: 10/ 245).
بناءً على هذه الرؤية، يؤكد العلامة في تفسير الآية 9 من سورة الحجر، بالإشارة إلى عدد من هذه القراءات، أن أياً منها ليس من باب القراءة المصطلحة، بل كل منها ورد لغرض خاص، ويمكن تقسيمها إجمالاً إلى ثلاث فئات:
1. القراءة من باب التفسير
يعتبر العلامة قسماً من روايات باب القراءة الخاصة من باب التفسير. ويستشهد على ذلك بعدة روايات، منها:
أولاً، رواية أبي الحسن الأول (ع) الذي قرأ الآية 63 من سورة النساء هكذا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فقد سبقت عليهم كلمة الشقاء وسيق لهم العذاب ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (الكليني، الكافي، 1362ش: 8/ 184).
كما يلاحظ، أضيفت عبارة «فقد سبقت عليهم كلمة الشقاء وسيق لهم العذاب» في هذه القراءة. وبعد نقل هذه الرواية، يصرح العلامة بأن هذه الزيادة ليست من باب القراءة، بل من باب التفسير (الطباطبائي، الميزان، د.ت: 12/ 112).
مثال آخر هو حديث الإمام الصادق (ع) الذي قرأ الآية 34 من سورة النساء بهذه الصورة: «إن تلووا – الأمر – وتعرضوا – عما أمرتم به – فإن الله كان بما تعملون خبيراً» (الكليني، نفسه، 1/ 421).
في هذه القراءة أيضاً، أضاف الإمام (ع) كلمات إلى متن الآية، واعتبرها العلامة من باب التفسير (الطباطبائي، نفسه، 12/ 112).
وتُلاحظ تصريحات مشابهة في مواضع أخرى من الميزان، منها في ذيل الآية 24 من سورة النساء، حيث عند الحديث عن قراءة ﴿فما استمتعتم به منهن﴾، يشير إلى أن البعض أضاف إليها عبارة «إلى أجل مسمى»[4]. ثم يذكر العلامة هذه القراءة عن الإمام الصادق (ع) ويعتبرها من باب التفسير، فيكتب: «ولعل المراد بأمثال هذه الروايات الدلالة على المعنى المراد من الآية دون النزول اللفظي». ثم يضيف: «فالزيادة فيه من قبيل التفسير» (الطباطبائي، نفسه، 4/ 289 و 300).
كذلك، يعتبر العلامة الطباطبائي القراءة التي يتم فيها تغيير لفظ بآخر من باب التفسير بالمعنى. فبخصوص آية ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ (آل عمران/123)، التي وردت في رواية عن الإمام الصادق (ع) بصيغة «وأنتم ضعفاء» بدلاً من «وأنتم أذلة»، وفي رواية أخرى بصيغة «وأنتم قليل»، يكتب: «وهذا الاختلاف ربما كان قرينة على أن المراد هو التفسير بالمعنى» (العياشي، تفسير العياشي، 1/ 196؛ القمي، تفسير القمي، 1404هـ: 1/ 122).
وتوجد أمثلة أخرى في تفسير الميزان اعتبرها العلامة من باب التفسير. منها في تفسير الآية 214 من سورة الشعراء، بعد نقل رواية عن الحارث بن نوفل، يكتب: «إن ما نسب إلى قراءة أهل البيت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ رهطك منهم المخلصين، كان من قبيل التفسير».
2. القراءة من باب بيان شأن النزول
التوجيه الثاني الذي يقدمه العلامة للقراءات المخالفة للمشهور هو أنها وردت لبيان شأن النزول. وفي هذا الخصوص، يشير إلى روايتين. الأولى، قراءة الآية 67 من سورة المائدة التي وردت بناءً على نقل ابن مسعود وعائشة: كنا نقرأ على عهد رسول الله (ص): ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ في علي ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (السيوطي، الدر المنثور، د.ت: 2/ 298).
والأخرى قراءة الآية 4 من سورة الحجرات التي رُويت على النحو التالي: «إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ـ بنو تميم ـ أكثرهم لا يعقلون»[5].
كما يلاحظ، أضيفت في الرواية الأولى كلمة «في علي» وفي الرواية الثانية كلمة «بنو تميم»، واعتبر العلامة هاتين الإضافتين من باب بيان شأن النزول (الطباطبائي، نفسه، 12/ 113).
3. القراءة من باب الجري والتطبيق
من وجهة نظر العلامة، أضيفت في عدد من الروايات نقاط من باب الجري والتطبيق على متن الآيات، والتي تصورها البعض قراءة. مثل الآية 227 من سورة الشعراء التي قرأها الإمام الصادق (ع) هكذا: «وسيعلم الذين ظلموا – آل محمد حقهم» (ابن شهر آشوب، مناقب، 1376هـ: 2/ 301).
وكذلك الآية 71 من سورة الأحزاب التي قرأها الإمام الصادق (ع) بهذه الصورة: «ومن يطع الله ورسوله ـ في ولاية علي والأئمة من بعده ـ فقد فاز فوزاً عظيماً» (نفسه).
اعتبر العلامة هذه الموارد من باب الجري والتطبيق، ويعتقد أنها ليست من باب القراءة المصطلحة، وليس فيها أي دلالة على التحريف أو تعدد القراءة (راجع: الطباطبائي، نفسه، 12/ 113).
ويذكر كلاماً شبيهاً بذلك في الآية 166 من سورة النساء أيضاً. هناك، بعد نقل قراءة الآية المذكورة بصورة «لكن الله يشهد بما أنزل إليك ـ في علي ـ أنزله بعلمه»، يكتب: «وهو من قبيل الجري والتطبيق». ثم يضيف: «ليس المراد به تحريف القرآن ولا هو قراءة منه» (نفسه، 5/ 146).
ما سبق كان عرضاً للموارد التي أبدى فيها العلامة الطباطبائي رأيه بعد نقل قراءة خاصة، وحملها على أحد الوجوه الثلاثة: التفسير، أو شأن النزول، أو الجري والتطبيق.
ب) الموارد التي لم يبد فيها رأيه
في تفسير الميزان، نصادف موارد من القراءات اكتفى فيها العلامة الطباطبائي بذكر الرواية المتعلقة بالقراءة الخاصة دون أن يبدي أي رأي بشأنها.
والجدير بالذكر أن العلامة أحياناً يذكر روايات من أهل السنة في هذا المجال أيضاً؛ على سبيل المثال، في ذيل الآية 25 من سورة الأحزاب، ينقل قراءة ابن مسعود دون أي توضيح هكذا: «كفى الله المؤمنين القتال ـ بعلي ـ» (الطباطبائي، نفسه، 16/ 298).
والآن نشير إلى نماذج من روايات أهل البيت (عليهم السلام) التي أوردها العلامة في تفسيره دون توضيح خاص:
1. في ذيل الآية 60 من سورة النور، ينقل رواية حريز في هذا الصدد، أن الإمام الصادق (ع) قرأ هذه الآية هكذا: إنه قرأ: «فليس عليهن جناح أن يضعن ـ من ـ ثيابهن» (نفسه، 15/ 169).
بناءً على رأي آية الله معرفت، فإن إضافة «من» التبعيضية هي على الأرجح من باب التفسير، ومعناها أن المراد من الآية ليس خلع جميع الثياب من الرأس والقدمين، بل خلع جزء منها (معرفت، التمهيد، 1386ش: 5/ 218).
بالطبع، يتبنى العلامة هذا المعنى في تفسيره للآية، ولكنه حين ينقل الرواية المذكورة، لا يقدم أي رأي بشأنها؛ ومع ذلك، يمكن من خلال طريقة بيانه التفسيري التكهن بقوة بأنه اعتبر هذه القراءة من باب التفسير لا القراءة المصطلحة.
2. مثال آخر هو الآية الأولى من سورة الأنفال، حيث ينقل العلامة الطباطبائي من كتاب جامع الجوامع للشيخ الطبرسي قراءة ابن مسعود وعلي بن الحسين زين العابدين والباقر والصادق (عليهم السلام) بصورة «يسألونك الأنفال»، بحذف «عن» من الآية (الطباطبائي، نفسه، 9/ 14).
وهنا أيضاً لا يبدي العلامة أي رأي، ولكنه في تفسير الآية يعمل بطريقة تتوافق مع القراءة المشهورة (نفسه).
3. كذلك، بخصوص آية ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال/25)، يكتب: «قرأ علي والباقر (ع) من أئمة أهل البيت وكذا زيد بن ثابت: «لتصيبن» باللام ونون التوكيد الثقيلة، والقراءة المشهورة: «لا تصيبن» بلا الناهية ونون التوكيد الثقيلة» (الطباطبائي، نفسه، 9/ 26).
وهنا أيضاً يكتفي العلامة بهذا النقل ولا يبدي رأياً حوله.
4. كذلك، بخصوص الآية 31 من سورة الرعد، ينقل من كتاب الدر المنثور أن الإمام علي (ع) قرأ عبارة «أفلم ييأس الذين آمنوا» بصورة «أفلم يتبين الذين آمنوا». ويكتب أيضاً: «وفي المجمع: قرأ علي (ع) وابن عباس وعلي بن الحسين وزيد بن علي وجعفر بن محمد: أفلم يتبين والقراءة المشهورة «أفلم ييأس الذين»» (نفسه، 11/ 370).
وهنا أيضاً لا يقدم العلامة الطباطبائي أي توضيح بخصوص هذه القراءة الخاصة.
في الآية 112 من سورة التوبة، ينقل عن مجمع البيان أن الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام) قرآ هذه الآية بصورة «التائبين العابدين…» بالياء. وهنا أيضاً لم يقدم العلامة رأياً خاصاً حول هذه القراءة (نفسه، 9/ 405).
كذلك في الآية 117 من سورة التوبة، نقل قراءة آية ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ…﴾ بصورة «لقد تاب الله بالنبي»، ولم يقدم توضيحاً خاصاً حول هذه القراءة (نفسه، 407).
5. العلامة في ذيل الآية 130 من سورة الصافات، بعد نقل حديث منسوب إلى أمير المؤمنين (ع) في تفسير «سلام على إلياسين» قال: «يس محمد ونحن آل ياسين»، دون أي توضيح يكتب: «وهو مبني على قراءة آل يس» (نفسه، 17/ 159).
كانت هذه أبرز نماذج القراءات الخاصة لأهل البيت (عليهم السلام) التي نقلها العلامة في تفسير الميزان دون توضيح وتبيين.
التحليل والبحث
قد توجد بعض الحالات الأخرى في الميزان اكتفى فيها العلامة بنقل الرواية حول القراءة الخاصة وامتنع عن إبداء رأي مباشر بشأنها. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار مجرد هذا النقل دليلاً على قبول العلامة لهذه الروايات، بل يمكن، بالنظر إلى تصريحات العلامة في حالات مشابهة وما أورده في تفسير هذه الآيات بعيداً عن بحث الروايات، استنتاج أن العلامة إما اعتبر هذه الروايات الخاصة ضعيفة وشك في صحة صدورها، أو على فرض صحتها، اعتبرها أيضاً من قبيل التفسير، أو شأن النزول، أو الجري والتطبيق، كما في الحالات المشابهة. على أي حال، فإن نسبة القول إلى العلامة بأنه قبل تعدد القراءة في هذه الموارد أمر صعب جداً، بل غير مقبول.
النتيجة
اتضح في هذا المقال أن أهل البيت (عليهم السلام) من جهة يتحدثون فقط عن القراءة المشهورة، ومن جهة أخرى رويت عنهم قراءات أخرى. لحل هذا التعارض، تبنى البعض تعدد القراءة، بينما وقع البعض الآخر في وهم التحريف. وفي غضون ذلك، ذهب مفكرون إلى أن هذه القراءات الخاصة هي من باب التفسير. وقد اتضح من خلال دراسة تفسير الميزان أن العلامة الطباطبائي، على الرغم من تجنبه إبداء رأي خاص حول هذه القراءات في بعض الموارد، إلا أنه في معظم الحالات حملها على أحد الوجوه الثلاثة: التفسير، أو بيان شأن النزول، أو الجري والتطبيق. وعليه، فإن العلامة لم يقبل تعدد القراءة، ولم يعتبر هذه الروايات الخاصة دليلاً على التحريف.
الهوامش
1. نقل العياشي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «إنه قرأ: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ضعفاء» (العياشي، تفسير العياشي، د.ت: 1/ 196، ح 135).
2. نقل العياشي في رواية أخرى عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «إنما أنزلت: وأنتم قليل» (العياشي، نفسه، 1/ 196، ح 133 و 134).
3. هذه المقالة حررها المحقق الفاضل محمد فاكر ونُشرت في المجلة العلمية البحثية «قرآن شناخت»، العدد 8.
4. حسب نقل الطبرسي، قرأ أُبيّ بن كعب هذه الآية هكذا: (فما استمتعتم به منهن ـ إلى أجل مسمى ـ فآتوهن أجورهن) (الطبري، تفسير الطبري، 1415هـ: 5/ 19).
5. لم يتم العثور على هذه الرواية بهذه الصورة في المصدر الخاص بها.