دراسة اعتبار نقد الحديث على أساس العلوم التجريبية

الملخص

وضع علماء الحديث معايير مختلفة لتقييم الأحاديث؛ ومن جملة هذه المعايير، عدم مخالفة الحديث للحس والتجربة (أي المعارف التجريبية)، وهو ما يتم في هذه المقالة، ضمن دراسة آراء علماء الحديث وكذلك دراسة نماذج متعددة، تقييمُ اعتباره. الهدف من هذا البحث هو دراسة اعتبار معيار عدم مخالفة الحديث للمعارف التجريبية، وقد تم تدوينه بالمنهج المكتبي. السؤال المطروح هنا هو: ما هي مكانة العلوم التجريبية في نقد الحديث وفهمه؟ وهل يمكن الاستناد إليها كمعيار وملاك لنقد الحديث؟ وفي حال تعارض الرواية مع المعارف التجريبية، ما هو دور هذا المعيار؟ من خلال دراسة خصائص وماهية المعارف التجريبية وكذلك نماذج الأحاديث التي تتعارض مع العلوم التجريبية، كانت النتيجة التي تم التوصل إليها هي أنه أولاً، بالنظر إلى محتوى عدد من الأحاديث، يجب الاستفادة من ملاك ومعيار المعارف التجريبية في فهم الحديث ونقده، وأنه في هذا الصدد لا يمكن الاعتماد إلا على قطعيات المعارف التجريبية وليس على الفرضيات والنظريات؛ إذ من الممكن أن يتم إبطالها بعد فترة. ثانياً، في بعض تعارضات الأحاديث مع المعارف التجريبية، وبالنظر إلى تمتع المعصومين (ع) بالعلم اللدني، لا يمكن طرح أي حديث لمجرد مخالفته لنظرية مشهورة ما. ثالثاً، للمعارف التجريبية والأحاديث تأثير متبادل على بعضها البعض، بحيث تؤدي المعارف التجريبية إلى فهم أفضل وتفسير أوضح للأحاديث، كما أن المحتوى العلمي لبعض الروايات كان له دور كبير في توسيع نطاق أبحاث المعارف التجريبية.

1. طرح الإشكالية

يحتل الحديث، بوصفه المصدر الثاني لمعرفة المسلمين، مكانة خاصة. ولطالما كان هذا المصدر محط اهتمام العلماء والمفكرين المسلمين، على الرغم من أنه مر بتاريخ حافل بالتقلبات. لقد تعرض الحديث، بسبب عدم امتلاكه لخاصية الإعجاز، لآفات كان أهمها تسرب الجعل والوضع إليه. ومن المباحث المهمة في مجال علم الحديث هو نقد الحديث. فلنقد الحديث قواعد، والمقصود بها مجموعة من الأصول التي تستخدم في نقد وتقييم الحديث، ويعبر عنها أيضاً بـ «قواعد أو معايير نقد الحديث». إن دراسة ملاكات ومعايير نقد الحديث من الضرورات البحثية التي يتم في هذا البحث تحليل أحد هذه الملاكات والمعايير. يعود جزء من موضوع فهم ونقد الحديث إلى طريقة حل التعارض بين هذه الروايات والنتائج المستخلصة من تطور العلوم الحديثة. إن تطور العلوم التجريبية، خاصة في العصر الحاضر، واسع جداً ومثير للاهتمام، وفي بعض الحالات تبدو نتائج هذا التطور العلمي متعارضة مع الروايات المنقولة عن أهل البيت (ع). وهنا يجب أن يكون هناك معيار معتبر في متناول اليد لتحديد منشأ هذا التعارض وفهم الحديث ونقده. تتضاعف أهمية موضوع تنقيح معايير النقد ودراسة وفهم الحديث من حيث أن الأبحاث متعددة التخصصات في تزايد مستمر يوماً بعد يوم، وقلما يمكن العثور على مقالة علمية في المجالات المشتركة بين العلم والدين لم تستشهد ببضع روايات. إن أمر نقد الحديث، بسبب كثرة الروايات الإشكالية، خاصة في المجالات المتعلقة بالعلوم والمعارف التجريبية، يحظى بضرورة أكبر. ولكن ما يتم تناوله في هذه المقالة هو دراسة اعتبار أحد ملاكات ومعايير نقد الحديث بعنوان «عدم مخالفة الحديث للتجربة والمعارف التجريبية». إن معيار عدم التعارض مع المكتشفات القطعية للعلوم، في العصر الحاضر، قد حظي باهتمام أكبر لدى بعض أصحاب الرأي (منهم العلامة الطباطبائي، وعجاج الخطيب، وأبو الحسن الشعراني، و…) . هذا المعيار أكثر أهمية وتطبيقاً للباحثين في الدراسات متعددة التخصصات. تتناول هذه المقالة هذا المعيار بالتدقيق وتدرس اعتباره في فهم الحديث ونقده.

2. معيار عدم مخالفة الحديث للمعارف التجريبية

توجد تعاليم واسعة من مختلف العلوم في الروايات. في هذه الروايات، تم الحديث بشكل مستفيض عن أنواع مختلفة من العلوم، بما في ذلك الطب، والفلك، والصحة، والتغذية، وعلم النفس، والعلوم الاجتماعية، وغيرها. من المؤكد أن عدداً من هذه الروايات، مثل آيات القرآن الكريم، لها دلالات قطعية، ولا تتعارض مع إنجازات العلم البشري فحسب، بل يمكن اعتبارها، بسبب سبْقها العلمي، من معجزات الروايات وكلام أئمة الدين وإثباتاً لتمتعهم بالعلوم اللدنية الإلهية. ذكر علماء الحديث معايير مختلفة لتقييم متن الروايات (البيضاني، 1385ش، 63-69؛ الرفيعي المحمدي، 1384ش، 213-259). وفي أغلب الأبحاث، تُذكر هذه المعايير في قالب عام، ويكتفى بذكر مثال واحد، ولكن لم يتم التطرق إلى هذه المعايير بدقة. إن عدم مخالفة الحديث للتجربة وعلوم العصر هو أحد معايير قبول الحديث؛ لذا، إذا لم يتوافق حديث ما مع الحس والتجربة أو علم العصر، حتى لو لم يكن به إشكال من حيث المتن والسند، فإن قطعية صدور ذلك الحديث عن المعصوم (ع) لا تثبت عند العلماء. بالطبع، يجب الانتباه إلى أن المقصود بالتجربة والعلم هو النتائج القطعية وغير القابلة للخدش، وليس الفرضيات العلمية التي قد يثبت خلافها في المستقبل. كما لا ينبغي اعتبار موافقة الروايات غير القطعية مع فرضيات غير مثبتة بمثابة توافق بين الدين والعلم. نقرأ في تفسير تسنيم: «… ولكن إذا اعتبرنا محتوى الروايات غير القطعية مثل أخبار الآحاد في المسائل العلمية من الدين بشكل قطعي، وطبقناها مع بعض الفرضيات العلمية الموجودة، فبتحول تلك الفرية إلى فرضية أخرى، سيُوهن الدين في الأعين، كما ابتليت جماعة بمثل هذا الوضع غير المرغوب فيه بفرض نتاج هيئة بطليموس على القرآن» (جوادي آملي، 1388ش، 1: 159). لقد ذكر بعض العلماء وأصحاب الرأي من الفريقين معيار العلم أو استفادوا منه في مقام نقد الروايات ودراستها. ولكن بما أن هذا الملاك والمعيار يعتبر معياراً ناشئاً في نقد الحديث، فقد كان أقل اهتماماً من قبل المتقدمين لنقد وفهم الأحاديث. لذلك، من المناسب قبل الدخول في البحث الأصلي، التطرق إلى بحث العلوم التجريبية وخصائصها.

3. المعارف التجريبية

تُطلق العلوم التجريبية على المعارف التي يتم الحصول عليها من خلال التجربة والمشاهدة والاختبار، وبعبارة أخرى، هي العلوم التي تتمتع بالثبات والقطعية ويمكن تجربتها وتكرارها في كل مكان وزمان، وتُعطي نتيجة مشابهة ومحددة. وفي غير هذه الحالة، يتم إبطالها (القابلية للإبطال من خصائص هذا العلم). تشمل هذه العلوم مجموعة واسعة من العلوم التي تشكلت على أساس التجربة والاختبار ومشاهدات الإنسان. هذا الفرع، مثل العلوم الرياضية، يحتوي على حسابات، وهذه الحسابات تكون إلى جانب الاختبارات والتحليلات التجريبية. للعلوم التجريبية خصائص تجعلها قابلة للخدش، منها: 1- المعرفة التجريبية تُكتسب عن طريق الأساليب التجريبية، أي المشاهدة والاختبار، لذا فهي غير يقينية. 2- هي مركبة من قضايا صحيحة وسقيمة. 3- تتمتع وتُستمد من قوانين مشروطة ونظريات غير مستقرة. في مجال العلوم التجريبية، لا يمكن إثبات صحة أي نظرية. فربما في المستقبل، مع تجارب أخرى ومع تقدم العلم، تُلغى القوانين وتصبح غير معتبرة. 4- القابلية للإبطال. 5- المفاهيم والقوانين العلمية هي تمثيل للعالم الموضوعي، وبعبارة أخرى، يعتقد العلماء في عملهم العلمي بالواقعية (باربور، 1362ش، 207). 6- مجال نشاط المعرفة التجريبية هو الأمور المادية، ولا يمكنها أن تنشط وتبدي رأياً في الأمور غير المادية وغير التجريبية. من وجهة نظر فلاسفة العلم، الذين تتمثل مهمتهم في تقييم منهج البحث العلمي، لا يوجد في العلوم التجريبية شيء اسمه القانون القطعي واليقيني، وكل ما هو موجود هو نظريات، وقوانينها لها قيمة تطبيقية فقط، وقيمتها الوجودية أقل مما يُعتقد عادة.

4. أدلة عدم مخالفة حديث المعصوم (ع) للحس والتجربة والاختبار

لإثبات صحة اختبار الأحاديث بواسطة الحس والتجربة، يمكن الإشارة إلى أدلة قرآنية وروائية.

1-4. الأدلة القرآنية

وفقًا للنص الصريح للقرآن الكريم، فإن جميع أوامر النبي مستمدة من الوحي الإلهي: «وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى» (النجم: 3-4). روايات الأئمة المعصومين (ع) مستمدة أيضًا من روايات النبي الأكرم (ص). يقول الإمام الصادق (ع): «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين (ع)، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله (ص)، وحديث رسول الله حديث الله تعالى».[5] كذلك، في رواية أخرى، يقول جابر للإمام الباقر (ع): كلما رويت لي حديثًا، فاذكر لي سنده. فأجاب الإمام: «حدثني أبي عن جدي رسول الله (ص) عن جبريل (ع) عن الله تعالى؛ كل حديث أرويه لك هو بهذا السند. يا جابر، حديث ترويه عن صادق (معصوم) هو خير لك من الدنيا كلها» (مفيد، 1993م، 42). وفقًا لآية «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (البقرة: 231)، فالله الذي هو عليم وخبير بكل شيء، من المحال أن يصدر منه ما يخالف الحس والوعي. وكذلك في الآية الأخيرة من سورة الطلاق نقرأ: «وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا» (الطلاق: 12). من بين الآيات المذكورة، تدل آيات سورة النجم على إلهية كلام النبي (ص) أو المعصوم (ع)، والآيات التي تليها تدل على إحاطة علم الله بكل شيء. لذلك، يمكن استنتاج أن كل كلام المعصوم (ع) في جميع المجالات منسوب إلى الله، وكلام منسوب إلى الخالق محال أن يخالف الحس أو أن تكذبه الإدراكات الإنسانية.

2-4. الأدلة الروائية

يقول الإمام علي (ع) عن أهمية ومكانة التجربة والاختبار: «المُجَرِّبُ أحكمُ مِن الطبيب»؛ أي «الشخص المجرب أعلم من الطبيب» (الآمدي، 1987م، 3: 12). بمعنى أن التجربة ترفع من بصيرة الشخص ومعرفته بالقضية.

5. معيار الحس والعلم

اعتبر بعض العلماء من جملة معايير تقييم الحديث «عدم مخالفة الحديث للحس والمحسوسات» (ابن القيم، 1390ق، 50) واستخدموا لهذا المعيار مصطلح «الحس». وبما أنهم لم يوضحوا مقصودهم من «الحس» بشكل جلي، فمن الضروري الانتباه إلى بعض النقاط في هذا الصدد: أ. إذا كان المقصود بـ«الحس» هو المحسوسات والمعارف التي تحصل للإنسان من هذا الطريق، فيجب القول بأن الحس بما هو حس ليس مبدأ لأي معرفة علمية، وإمكانية الخطأ فيه واردة جدًا.[6] ب. إذا كان المقصود بـ«الحس» القوانين العلمية، فيجب عدم إغفال خصائصها؛ لأن القوانين العلمية، أولاً، هي على شكل قضايا كلية منطقية، وثانياً، قابلة للإبطال، وثالثاً، لها قدرة على التنبؤ المشروط. بناءً على ذلك، فإن النقطة المهمة في هذا المعيار هي أن مخالفة متن الحديث لأي فرضية علمية لم تثبت صحتها بشكل قطعي ويقيني ليست هي المقصودة، بل المقصود هو الأمور القطعية والمسلم بها في العلوم التجريبية. على أي حال، المقصود بالحس هو تلك الحقائق المحسوسة التي تتطابق مع الواقع وتكون صحيحة، وإلا فإن المحسوسات التي يوجد فيها إمكانية لخطأ الحواس لا يمكن أن تُعتبر معيارًا لنقد الروايات.

6. تقييم اعتبار المعرفة العلمية والحسية

فيما يتعلق بمدى اعتبار هاتين المعرفتين (العلمية والحسية)، سلك البعض مثل الوضعيين[7] طريق الإفراط واعتبروا الحس المصدر الوحيد لمعرفة البشر والمحسوس المعلوم الوحيد للبشر، بينما سلك البعض الآخر مثل «ديكارت» طريق التفريط وأنكروا القيمة المعرفية للمحسوسات. أما القرآن الكريم، فقد قدم الطريق الوسط، وكما تم بيانه، فقد فرق بين القضايا القطعية وغير القطعية في العلوم، وكذلك بين المحسوسات الواقعية والموثوقة وغير الواقعية. وقد أشار إلى ذلك بقوله: «وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَ الأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (النحل: 78). لم يعد القرآن بأن يزول كل جهل، بل دعا إلى استخدام أدوات اكتساب المعرفة (السمع، البصر، القلب). وفي الوقت نفسه، لا ينبغي اليأس من محاربة الجهل وزيادة المعلومات قدر الإمكان. «وَ لاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً» (الإسراء: 36). «لا تقف»: لا تتبع. من مادة (قفو) بمعنى التتبع، أي يجب أن يكون كلام الإنسان وفعله مبنيًا على العلم واليقين؛ لا على الظن والحدس والتخمين. عادة ما تنشأ الحركات غير العلمية من المسموعات والمرئيات والمعتقدات السطحية، والله، لإبعاد الإنسان عن الحركة غير العلمية، قد حذره من أن المسموعات والمرئيات و… ما لم تنتهِ إلى أساس علمي ويقيني، فهي غير موثوقة، وفي حال الاعتماد عليها، سيتم محاسبته.

7. الفروق بين المعرفة العلمية والحسية

يمكن بيان ثلاثة فروق على الأقل بين هاتين المعرفتين: 1- المعرفة الحسية هي المرحلة الأولية للمعرفة العلمية (العلوم التجريبية). وبالتالي، فإن المعرفة العلمية لا تُكتسب إلا عن طريق المعرفة الحسية. بعبارة أخرى، بينهما علاقة من علاقات المنطق الأربعة، وهي العموم والخصوص المطلق. وبهذا البيان، ليست كل معرفة حسية بالضرورة معرفة علمية. 2- المعارف الحسية بسيطة وساذجة بطبيعتها ولا تتطلب نشاطًا ذهنيًا كبيرًا، أما المعارف العلمية فتتطلب في الغالب تحليلًا وتفكيرًا وجهدًا فكريًا وعقليًا. 3- حاصل وثمرة المعرفة الحسية هي قضية جزئية، أما نتاج المعرفة العلمية فيجب أن يكون بيانًا لقاعدة كلية أو على الأقل يشمل حالات كثيرة. المقصود بالعلم في هذا المقال هو المكتشفات القطعية للعلوم، أي العلوم التي تجاوزت مرحلة الفرضية ووصلت إلى اليقين. بناءً على ذلك، لا يمكن نقد وتقييم الرواية استنادًا إلى النظريات وتلك القضايا العلمية التي لم يثبت قطعيتها، وتبرير رفضها بأن هذه الروايات تتعارض مع نظرية علمية ما، ومن ثم وصمها بالوضع والتزييف.

8. القيمة اليقينية للعلوم التجريبية من منظور فلسفتها

من وجهة نظر فلاسفة العلم،[8] الذين تتمثل مهمتهم في تقييم منهج البحث العلمي، لا يوجد في العلوم التجريبية شيء اسمه القانون القطعي واليقيني؛ وكل ما هو موجود في العلوم التجريبية هو نظريات، وقوانينها لها قيمة تطبيقية فقط، وقيمتها المعرفية أقل مما يُعتقد عادة. بناءً على ذلك، من منظور العلوم التجريبية، لا يوجد «قانون»، بل العلم هو نظريات لها القدرة على تفسير الظواهر والتنبؤ بها، وهي ما يسمى بالأساطير المفيدة. ولهذا السبب، كتب الفيزيائي الأمريكي «إيان باربور»، بعد طرحه للعديد من الإشكالات (باربور، 1362ش، 213-214)، حول معطيات العلوم التجريبية: «يرى بعض الباحثين أن النظريات العلمية ليست نسخة طبق الأصل من الواقع، بل هي من صنع الذهن أو أساطير مفيدة تستخدم لتنسيق البيانات ونتائج التجارب» (نفسه، 3). وبالتالي، فإن العلوم التجريبية لا تدعي تمثيل الواقع والقطعية فيما يتعلق بالطبيعة، فما بالك بإثبات أو نفي أمور ما وراء الطبيعة.

9. معيار عدم مخالفة الحديث للعلم والتجربة من وجهة نظر العلماء

تتناول بعض الروايات موضوعات في المعارف التجريبية، منها؛ الخلق أو قصص القرآن وحتى بعض الروايات التفسيرية، تتطرق إلى موضوعات تقع في نطاق العلم، وبما أن نقد ودراسة كل حديث يجب أن يتناسب مع محتواه، لذا يمكن للعلم أن يُستشهد به كأحد المعايير المهمة في تقييم هذه الروايات. «إن نطاق تطبيق العلم في الروايات غير التفسيرية، خاصة في قسم المأكولات، واسع جداً. ومع ذلك، لم يلتفت إليه المحدثون إلا قليلاً. لعل أهم سبب لعدم الثقة هذا هو التسارع المذهل للمعرفة التجريبية وبالتالي تطور مكتشفاتها، ونتيجة لذلك عدم قطعية تعاليمها؛ بالطبع، فإن الافتقار إلى المعرفة العميقة والواسعة بالعلم بين المحدثين قد ساهم في عدم الثقة هذه، لذا قلما استخدموه لتقويم الروايات» (نفيسي، 1384ش، 520). بالبحث الذي أُجري، تم التوصل إلى حقيقة أن عموم الفقهاء وعلماء الحديث، وبشكل عام كل من يقبل الأحكام الشرعية ويعتبر القطعية حجة، يوافقون على اعتبار الحس والعلم معيارًا. وفيما يلي آراء بعضهم:

آية الله جعفر السبحاني: يذكر خمسة معايير فقط لتقويم الروايات، وفيما بينها لا يذكر العلم كمعيار (1424ق، 53-73).

الدميني: هو أيضاً لا يذكر ذلك كمعيار (1404ق: 313-320) إلا في حالة واحدة في الصفحة 317 حول العدس، وهي في الواقع مرتبطة بالعلم.

محمد طاهر الجوابي: في كتابه بعنوان «جهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي الشريف» لا يلتفت إلى هذا المعيار.

ابن قيم الجوزي: يقول: كل حديث يخالف الحس والتجربة فهو موضوع؛ مثل حديث: «الحكيمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَه مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ فَعَطَسَ عِنْدَهُ فَهُوَ حَقٌّ» (المتقي الهندي، 1989م، 9: 160). ثم يقول ابن القيم: هذا الحديث مخالف للحس؛ لأننا نرى بأعيننا كثيرًا من الناس يعطسون وهم يكذبون، ولو عطس مائة ألف شخص عند نقل رواية عن النبي (ص)، لا يُحكم بصحة ذلك الحديث. ولو عطس هؤلاء أنفسهم عند الشهادة بالظلم، لما صُدقت تلك الشهادة (السلفي، 1408ق، 404).

الشيخ الطوسي: الروايات التي تعتبر عدد أيام شهر رمضان ثلاثين يومًا دائمًا، قد ردّها لأنها مخالفة للعادة، أي الحس (2011م، 169).

الأدلبي: يتحدث عن معيار الحس ولا يقدم له تعريفًا (1403ق، 313). لكن التأمل في الأمثلة يظهر أن مراده أقرب إلى معيار الواقع منه إلى العلم. يقول الأدلبي عن مخالفة الحديث للحس: من الأمور التي تدل على بطلان الحديث ووضعه، مخالفة متن الحديث للحس. وسبب بطلان هذا النوع من الروايات هو أن النبي (ص) لم يصدر منه قط كلام يخالف الواقع المحسوس؛ على سبيل المثال، يروي أبو هريرة عن النبي (ص) أن أكذب الناس هم الصباغون والصاغة (ابن الأثير، 2001م، 3: 10). ويقول في ذيل هذه الرواية: هذا الحديث لا يتطابق مع الواقع الخارجي؛ لأننا نرى أن ليس كل الصباغين والصاغة كاذبين، وأن أكذب الناس الذين يوجدون ليسوا صباغين وصاغة (الأدلبي، بدون تاريخ، 315).

العلامة الطباطبائي: استفادة العلامة من العلم لتقويم الروايات محدودة جداً. في بحثه عن الروايات التي تصف «العمالقة»،[9] يشكك في متانتها من جوانب مختلفة، منها أنه يكتب: «في عدد من الروايات حول وصف الجبارين المذكورين، ورد أن سكان تلك الأرض كانوا من العمالقة، وهم قوم ضخام الجثة طوال القامة، وقد وردت عن ضخامة أجسادهم وطول قامتهم قصص عجيبة (ينقل الطباطبائي عن تفسير المنار، 6: 331) لا يقبلها العقل السليم، وفي الآثار القديمة والأبحاث الطبيعية لا يوجد ما يؤيد هذه الروايات، فلا بد من القول بأن الروايات المذكورة ليس لها مصدر سوى الجعل والدس» (الطباطبائي، 1393ق، 5: 291). هنا، يعتبر العلامة هذه الأحاديث من الروايات الموضوعة نظرًا لتعارضها مع الحس والتجربة وعلم الآثار والعلوم الطبيعية. في تفسير سورة «ق»، وردت أيضًا روايات عجيبة عن جبل قاف، حيث وصفته بأنه محيط بالأرض وأن طرفي السماء يرتكزان عليه. يبطل العلامة هذه الرواية لمخالفتها الواضحة لمكتشفات العلم ويكتب: «وعلى أي حال، هذه الروايات لا يمكن الاعتماد عليها بأي وجه، واليوم بطلانها إما ملحق بالبديهيات أو هو نفسه بديهي» (الطباطبائي، 1393ق، 18: 343).

الإمام محمد الغزالي: الرواية التي تخالف العقل الضروري أو العقل النظري أو الحس والمشاهدة أو الروايات المتواترة، تُرد (1999م، 113).

جعفر مرتضى العاملي: يكتب عن معيار الحس: عدم مخالفة الحقيقة الملموسة والمحسوسة: مثلاً، إذا ورد في رواية أن الشمس تشرق كل يوم من المغرب أو أن مدينة مكة تقع في سنغافورة، فهي مردودة عندنا (1994م، 1: 260). وفيما يتعلق بمعيار العلم، كتب كذلك: إذا ورد في رواية أن الأرض على قرن ثور أو أن الأرض مسطحة، فهي مردودة بسبب مخالفتها للمنجزات القطعية للعلم في هذا المجال (نفسه، 1: 277).

أبو الحسن الشعراني: سُئل الإمام الصادق (ع) عن رجل يدخل قرية فيجد فيها لحمًا ولا يعلم هل هو طاهر وحلال أم ميتة؟ فقال الإمام: ضعه على النار، فإن انكمش فهو طاهر، وإن لم ينكمش فهو ميتة. يكتب العلامة الشعراني في ذيل هذه الرواية: اختلف علماؤنا في مضمون هذه الرواية. الأصل أنه في خبر لا يؤدي قطعًا إلى العلم، لا يجوز الاعتماد على الظن، وهذا الخبر من الروايات التي نصل إليها بالحس والتجربة وتفيد الظن، والقائلون بحجية خبر الواحد يعتبرون الخبر الظني حجة عند عدم الوصول إلى العلم. لا شك أن هذا الخبر ظني وأمره موقوف على التجربة. ربما من لا يعمل بهذا الخبر لم تثبت لديه صحة هذه التجربة (الحر العاملي، 1993م، 16: 456).

حسين حاج حسن: في كتابه بعنوان «نقد الحديث في علم الرواية وعلم الدراية»، في بيان معايير نقد الروايات، قدم المعيار الثاني على النحو التالي: «ألا يخالف القواعد العامة العقلية والحسية». وفي تقديمه للمعيار الرابع والسادس، يكتب: «ألا يخالف الأمور البديهية في الطب والفلسفة، وألا يخالف سنة الله في الكون والإنسان» (حاج حسن، 1985م، 2: 13). هو الذي لا يقدم تعريفًا للعنوان الذي طرحه، يبدو أنه استخدم الحكمة مرادفًا للطب، وفي الواقع اهتم بأحد فروع العلم، أي الطب. يقول عن الأحاديث الطبية: من معايير نقد متن الروايات عدم مخالفتها للبديهيات في علم الطب والحكمة. ثم يذكر مثال حديث الذباب ويعتبره مخالفًا للواقع المعلوم في علم الطب وتجربة الناس وباطلًا. لا يوضح لماذا اختار هذا الفرع الوحيد من بين مختلف العلوم (نفسه، 2: 25-27). وفي موضع آخر يقول: من معايير الحديث، عدم مخالفة الحديث للحس والمشاهدة؛ مثل حديث أنه بعد مائة عام لن يبقى على وجه الأرض أي كائن حي (نفسه، 1405ق، 2: 16).

ابن حجر العسقلاني: هذا العالم الشهير والمحدث الكبير من أهل السنة اعتبر المعيار الثاني لنقد الأحاديث «عدم المخالفة للحس والمشاهدة» (1404ق، 845).

عجاج الخطيب: هذا المحدث من أهل السنة أيضًا اعتبر العلم هو المعيار الثاني في بيانه لمعاييره ويكتب: «فساد المتن، نظير الأحاديث التي يكذبها الحس. مثل حديث: «الْبَاذِنْجَانُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» (1985م، 287).

محمد أبو رية: أحد محدثي أهل السنة الآخرين يذكر في معاييره معيار الحس والمشاهدة، ويرد الأحاديث التي تذكر عمر الدنيا بسبعة آلاف سنة بسبب مخالفتها لهذا المعيار (1995م، 249). بما أن هذه الرواية تخالف مكتشفات علم الجيولوجيا وعلم الآثار، فلا يمكن أن تكون صحيحة. كما يذكر في نفس الكتاب معيار العلم (نفسه، 145).

ابن القيم: المعيار الثاني الذي عرضه «ابن القيم» في تحديد الحديث الموضوع هو «المخالفة للحس والمحسوسات» (1390ق، 50).

يُستفاد من بيان نظريات هؤلاء العلماء أن أحد معايير تصديق الروايات أو ردها هو الاختبار والتجربة، وبعبارة أخرى المعارف التجريبية، التي يمكن أن تكون مرشدًا في فهم ونقد الروايات.

10. دراسة ونقد مصاديق مختارة لهذا المعيار

فيما يلي، سيتم ذكر بعض نماذج الأحاديث التي نُقلت في مصادر الشيعة وأهل السنة، وفي الوقت نفسه تخالف المكتشفات العلمية تمامًا.

1-10. الفرق بين عدد أضلاع الرجل والمرأة

على الرغم من أنه في ثنايا آراء أصحاب النظر حول معياري الحس والعلم، تمت الإشارة إلى بعض الروايات التي لا تتوافق مع هذين المعيارين، ولكن لتوضيح الموضوع بشكل أكبر، يتم التطرق إلى نموذج علمي. ميزة هذه الرواية أنها تخالف كلا المعيارين المذكورين. ما ورد في هذه الرواية وروايات مشابهة هو أن الله خلق حواء من أدنى ضلع في جنب آدم الأيسر، وبالتالي فإن آدم وجميع الرجال لديهم ضلع واحد أقل من النساء. إذا كان هناك شك في كون شخص رجلاً أو امرأة، فإن إحدى الطرق هي عد أضلاعهم، فإذا كانت كاملة تُلحق بالنساء، وإلا تُلحق بالرجال. ورد هذا المطلب لأول مرة في التوراة؛ بهذه العبارة: «فأوقع الرب الإله سباتًا على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحمًا، وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم، فقال آدم: هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي، هذه تدعى امرأة لأنها من امرئ أُخذت» (التوراة، سفر التكوين، الفصل 2: 22 و 23). تسرب هذا المطلب مع مرور الزمن إلى المجامع الروائية لأهل السنة بحيث أصبح رأيًا مشهورًا بين مؤرخيهم ومفسريهم (الرازي، 1995م، 9: 477). ومن المجامع الروائية لأهل السنة، سرى إلى بعض المجامع الروائية الشيعية (الصدوق، 1413ق، 4: 326؛ الحر العاملي، 1988م، 26: 287؛ الطوسي، 2011م، 4: 355؛ المجلسي، 1986م، 11: 366). في حين توجد روايات أخرى تتعارض مع هذه الرواية، فقد سُئل الإمام الباقر (ع): من أي شيء خلق الله حواء؟ فقال: ماذا يقول هؤلاء الناس؟ قيل: يقولون إن الله خلقها من ضلع من أضلاع آدم (ع). فقال: كذبوا، أيعجز الله أن يخلقها من غير ضلعه؟! (المجلسي، 1403ق، 11: 116). تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من انعكاس الرواية المذكورة في بعض المجامع الروائية الشيعية، لم يعمل مشهور الفقهاء بهذه الرواية واعتبروها مخالفة للإجماع (نصيري، 1390ش، 591). وقد أعلن بعض أهل النظر مثل السيد محسن الأمين عدم قبول هذه الروايات لضعف أسانيدها ومخالفتها للمعيار المذكور: «وَبَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ اخْتِلَافٌ ظَاهِرٌ وَ بَعْضُهَا ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ وَقَدْ قِيلَ فِي أَخْبَارِ عَدِّ الْأَضْلاعِ بِأَنَّهَا مَعَ ضَعْفِهَا مُخَالِفَةٌ لِقَوْلِ أَهْلِ التَّشْرِيح …» (الأمين، 2000م، 112). بناءً على ذلك، إذا ورد في بعض الروايات أو كتب التفسير أن «حواء» خُلقت من الجزء المتبقي من آدم (ع)، فهذا يعني الجنس، أي أنها خُلقت من جنسه (الطباطبائي، 4: 229-234؛ مكارم الشيرازي وآخرون، 3: 245). خلاصة القول أن الروايات التي تقول إن «حواء» خُلقت من آخر ضلع في جنب آدم الأيسر هي كلام لا أساس له من الصحة لم يصدر عن الأئمة، بل هو مأخوذ من بعض الروايات الإسرائيلية ويتوافق مع ما ورد في الفصل الثاني من «سفر التكوين» في التوراة المحرفة الحالية، وثانياً، بالإضافة إلى ضعفها السندي، فهي تخالف المشاهدة والحس وعلم التشريح؛ لأنه بناءً على هذه الرواية، يكون لدى الرجال في الجانب الأيسر ضلع واحد أقل، بينما ليس الأمر كذلك، ولا يوجد فرق بين الرجل والمرأة، وعلم التشريح يعتبر عدد أضلاع الرجال والنساء متساويًا.

2-10. نجاسة بول البنت وطهارة بول الابن

يروي السكوني رواية عن الإمام الصادق (ع) تفيد بأن بول البنت قبل أن تأكل الطعام نجس، ولكن بول الابن لا يحتاج إلى تطهير ويكفي صب الماء عليه. في هذه الرواية، تُذكر علل لهذا الحكم تستدعي التأمل. الرواية هي كالتالي: «لَبَنُ الجَارِيَةِ وَبَوْلُها يُغْسَلُ مِنْهُ الثَّوْبُ قَبْلَ أَنْ تَطْعَمَ لِأَنَّ لَبَنَها يَخْرُجُ مِنْ مَثانَةِ أُمِّها وَلَبَنُ الغُلامِ لا يُغْسَلُ مِنْهُ الثَّوْبُ وَلا بَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ لِأَنَّ لَبَنَ الغُلامِ يَخْرُجُ مِنَ العَضُدَيْنِ وَ الْمَنْكِبَيْن» (الحرّ العاملي، 1409ق، 2: 1003؛ الصدوق، 1413ق، 1: 21؛ الطوسي، 1390ش، 1: 173). حظيت هذه الرواية باهتمام الفقهاء، وأفتى بعضهم بناءً عليها. يعتقد أمثال الإسكافي والصدوق أن بول الصبي الرضيع الذي لم يأكل الطعام بعد ليس نجسًا. في كتب الفقه ورد هكذا: «إذا تنجس شيء ببول الصبي الرضيع الذي لم يأكل الطعام ولم يرضع من خنزيرة، يطهر إذا صُب عليه الماء مرة واحدة بحيث يصل إلى جميع المواضع النجسة، وفي الثوب والفراش وما شابههما لا يلزم العصر» (الخميني، بدون تاريخ، 28؛ الأراكي، 1372ش، 31). إذن، أولاً، لا يشمل هذا الحكم البراز، وثانياً، لا يوجد في عبارات الفقهاء تعبير يفيد بأن بول الصبي الرضيع ليس نجسًا. هذه المسألة تكاد تكون محل إجماع واتفاق جميع فقهاء الإسلام، شيعة وسنة (النجفي، بدون تاريخ، 5: 273). لكن آية الله الخوئي اعتبر هذه الرواية معيبة، وبعد طرحها، ذكر ثلاث نقاط في مناقشتها. النقطة الثالثة هي أنه لا يوجد احتمال للصحة والمطابقة مع الحقيقة في هذا الحديث؛ لأننا نعلم قطعًا (من الناحية العلمية) أنه لا يوجد فرق في كيفية خروج حليب الصبي والبنت. تقتضي الطبيعة أن يخرج حليب الأطفال من مكان معين، ولا يوجد فرق بين البنت والابن (الخوئي، 1410ق، 3: 83؛ الموسوي العاملي، 1411ق، 2: 263؛ الصدر، 1405ق، 3: 14). هذه الرواية تتعارض مع العديد من الروايات المعتبرة؛ لذا، لم يفتِ أحد من الفقهاء على أساسها سوى الصدوق والإسكافي. بالإضافة إلى الإشكالات السندية والدلالية، تخالف هذه الرواية الإجماع والشهرة، والرواية التي تخالف الشهرة لا يُعمل بها (النجفي، بدون تاريخ، 5: 273-275). الرواية المذكورة لا تتوافق مع عدد من الروايات المعتبرة؛ لذا، لم يفتِ على أساسها من بين العلماء سوى الصدوق والإسكافي. تجدر الإشارة إلى أن هذه الرواية، بالإضافة إلى الإشكالات السندية والمحتوائية، فإن مضمونها لا يتوافق مع الإجماع والشهرة أيضًا. ويعتقد الفقهاء أنه إذا كان مضمون رواية ما غير متوافق مع المشهور بينهم، فإن تلك الرواية لا تُعتبر أساسًا للفتوى.

3-10. العادة الشهرية عند النساء

في بعض الروايات المنقولة عن النبي الأكرم (ص)، قيل إن الابتلاء بالعادة الشهرية لدى النساء هو عقاب على السلوك غير اللائق لنساء بني إسرائيل. هذه الروايات، التي تنبع من الأفكار اليهودية، ناشئة عن الجهل بتركيب جسم المرأة (الأدلبي، 1403ق، 307). في حين أن هذا الأمر من الناحية العلمية هو أمر طبيعي، ووجوده ضروري في دورة نمو المرأة وحملها، ويعتبر فقدانه نقصًا. في هذه الحالة، يجب تفسير الروايات التي تنزه السيدة الزهراء (س) عن هذا التلوث بطريقة لا تؤدي إلى فقدان هذه الحالة الطبيعية الضرورية ولا تكون نقصًا في خلقتها. كما قال البعض، إن سبب عدم حيضها هو أنها كانت طوال فترة حياتها القصيرة إما حاملًا أو ترضع طفلًا، وبعض النساء لا يحضن في هذه الفترة أيضًا. لكن الروايات نقلت هذا الواقع بطريقة يبدو فيها أن هذه الحالة لم تظهر لديها أبدًا.

4-10. خلق الأرض

نقل السيوطي عن ابن جرير الطبري عن أبي بكر أنه قال: جاء يهود إلى رسول الله (ص) فقالوا: «يا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنا ما خَلَقَ اللهُ مِنَ الخَلْقِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ السِّتَّةِ؟ فَقَالَ: خَلَقَ اللهُ الأَرْضَ يَوْمَ الأَحَد والاثْنَيْن ، وَخَلَقَ الجِبَالَ يَوْمَ الثلاثاء، وَخَلَقَ المَدائِنَ وَ الْاَقواتَ وَ الْأَنْهَارَ وَ عِمْرانَها وَخَرَابَها يَوْمَ الأَرْبَعاء، وَ خَلَقَ السَّمواتِ وَ الملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات يعنى من يوم الجمعةِ وَخَلَقَ فِي أَوَّلِ سَاعَةٍ الآجال وَفِي الثَّانِيَةِ الآفَةَ وَفِي الثَّالِثَةِ آدَمَ. قالوا : صَدَقْتَ إِن تَمَّمْتَ فَعَرَفَ النَّبِيُّ (ص) ما يُرِيدُونَ فَغَضَبَ فَأَنْزَلَ اللهُ: (وَما مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلى ما يقولون)» (السيوطي، 1411ق، 5: 361). وقد أورد آخرون هذه الرواية في كتبهم (العروسي الحويزي، 1415ق، 4: 539؛ المجلسي، 1403ق، 65: 27؛ الطبري، 1412ق، 24: 118-119؛ 26: 229؛ النسائي، 1348ق، 6: 293؛ المتقي الهندي، 1989م، 6: 124 و 176؛ الواحدي النيسابوري، 1428ق، 266؛ ابن كثير، بدون تاريخ، 4: 101؛ السيوطي، بدون تاريخ، 183؛ الطبري، بدون تاريخ، 1: 34). ينتقد العلامة الطباطبائي هذه الرواية ويردها قائلاً: «في نظرنا، تفوح من هذه الروايات رائحة الوضع؛ لعدة أسباب: أولاً، لأن في هذه الروايات ورد أن اليهود استحسنوا جواب رسول الله (ص) ووجدوه موافقًا لمعتقداتهم، في حين أنه غير موافق؛ لأنه في التوراة في سفر التكوين ورد أن الله تعالى خلق النور والظلمة والليل والنهار يوم الأحد، والسماء يوم الاثنين، والأرض والبحار والنباتات يوم الثلاثاء، والشمس والقمر والنجوم يوم الأربعاء، ودواب البحر والطيور يوم الخميس، وحيوانات البر والإنسان يوم الجمعة، وبالتالي فرغ من الخلق واستراح يوم السبت. هنا قد يقول قائل: من أين لنا أن توراة اليوم وتوراة زمن رسول الله (ص) واحدة، قد تكون مختلفة عنه، لكن هذا الإشكال غير وارد. ثانيًا، ظهور أيام الأسبوع، التي هي عبارة عن يوم مع ليلته، متوقف على حركة الأرض الوضعية حول نفسها، التي هي مرة واحدة كلما دارت حول الشمس وكان أحد جوانبها مظلمًا. إذن، ما معنى أن الله تعالى خلق السماوات والسماويات والأرض قبل أن يخلقها ككرة دوارة متحركة، ويكون هناك سبت وأحد؟ ومثل هذا الإشكال يرد في خلق السماوات أيضًا، حيث إنه قبل خلقها وخلق السماويات التي منها الشمس، لا وجود ليوم الاثنين. ثالثًا، أن هذه الروايات خصصت يومًا لخلق الجبال، في حين أن العلم القطعي يثبت أن خلق الجبال تدريجي، وكذلك يرد هذا الإشكال في خلق المدن والأنهار والأرزاق؛ لأنها أيضًا تكونت تدريجيًا وليس في يوم واحد» (الطباطبائي، 1393ق، 17: 563-564).[10]

5-10. علاج بعض الأمراض

ورد حديث في أصول الكافي عن الإمام الصادق (ع) في علاج بعض الأمراض وهو جدير بالاهتمام: «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ بن عيسى الاشعرى عَنِ الْحُسَينِ بْنِ سعيد الاهوازى وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُوسَى بْنِ الْحَسَنِ بن عامر الاشعرى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلى بْنِ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بن يزيد بياع السابرى عَنْ أَخِيهِ الْحُسَينِ عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) وَ عِنْدَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي أُحِبُّ الصَّبْيَانَ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) فَتَصْنَعُ مَا ذَا قَالَ أَحْمِلُهُمْ عَلَى ظَهْرِي فَوَضَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) يدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَوَلَّى وَجْهَهُ عَنْهُ فَبَكَى الرَّجُلُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ أَبو عَبْدِ اللَّهِ (ع) كَأَنَّهُ رَحِمَهُ فَقَالَ إِذَا أَتَيْتَ بَلَدَكَ فَاشْتَرِ جَزُوراً سَمِيناً وَ اعْقِلْهُ عِقَالًا شَدِيداً وَخُذِ السَّيفَ فَاضْرِبِ السَّنَامَ ضَرْبَةً تَقْشِرُ عَنْهُ الْجِلْدَةَ وَ اجْلِسْ عَلَيْهِ بِحَرَارَتِهِ فَقَالَ عُمَرُ فَقَالَ الرَّجُلُ فَأَتَيْتُ بَلَدِى فَاشْتَرَيتُ جَزُوراً فَعَقَلْتُهُ عِقَالًا شَدِيداً وَ أَخَذْتُ السَّيْفَ فَضَرَبْتُ بِهِ السَّنَامَ ضَرْبَةً وَ قَشَرْتُ عَنْهُ الْجِلْدَ وَ جَلَسْتُ عَلَيْهِ بِحَرَارَتِهِ فَسَقَطَ مِنِّي عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ شِبْهُ الْوَزَعْ أَصْغَرُ مِنَ الْوَزَعْ وَ سَكَنَ مَا بِى» (الكليني، 1363ش، 5: 550). سند الرواية بعد تفكيك الأسانيد له صورتان: 1- عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن محمد بن عمر (وثاقته غير محددة) عن أخيه الحسين عن أبيه عمر بن يزيد (ثقة) قال كنت عند أبي عبد الله (ع) … 2- محمد بن يحيى عن موسى بن الحسن عن عمر بن علي بن عمر بن يزيد (وثاقته غير محددة) عن محمد بن عمر (وثاقته غير محددة) عن أخيه الحسين عن أبيه عمر بن يزيد قال كنت عند أبي عبد الله (ع) …، السند في مجمله ضعيف، خاصة أنه خبر واحد وبدون شاهد وقرينة ومتن غريب. يقول ابن القيم في تعليل وضع حديث «الباذنجان شفاء من كل داء» (ابن القيم، 1390ق، 51): إذا أُعطي الباذنجان لمن به حمى وسوداؤه غالب، زادت شدة مرضه (نفسه). إذا افترضنا، مع الأخذ في الاعتبار «ورود الحديث»، أن مخاطب الحديث شخص لم يكن سوداؤه غالبًا أبدًا، وأن النبي (ص) قد أعطى هذا التوجيه فيما يتعلق به وبأشخاص لديهم ظروف مماثلة، فما هو الاستبعاد؟ يُظهر تعليل «ابن القيم» في ذيل الحديث أنه في استنتاجه استعان بالاستقراء الناقص، وسعى من قضايا جزئية إلى استنتاج نتيجة كلية. من الواضح أن الاستقراء الناقص ليس سندًا وحجة، وأقصى ما يفيده هو الظن الغالب. بناءً على ذلك، ونظرًا لأن طباع الأفراد مختلفة، والباذنجان يسبب حساسية للبعض وهو مضر لهم، فإن هذا الحديث يخالف الحس والتجربة ولا يمكن أن يكون صحيحًا.

6-10. قصة ولادة الإبل من الشياطين

يقول ابن قتيبة: نُقل عن النبي (ص) أنه نهى عن الصلاة في مرابض الإبل؛ لأن الإبل خُلقت من الشياطين. في حين أن الإبل تولد من الناقة (لا من الشياطين) (ابن قتيبة الدينوري، 1408ق، 97؛ ابن إدريس الشافعي، بدون تاريخ، 1: 113؛ المتقي الهندي، 1989م، 7: 340) ونماذج أخرى كثيرة. بالنظر إلى النماذج المذكورة ونماذج أخرى كثيرة، لا شك أنه بالعلم اليقيني يمكن دراسة الروايات وتدقيقها، وفي حال وجود تعارض بين العلم اليقيني والروايات، يمكن الاستناد إلى العلم اليقيني كمعيار وملاك لتقويم الرواية والاستفادة منه.

11. منهج حل الاختلاف والتعارض في فهم الحديث مع القضايا العلمية

لماذا؟ لأننا من جهة نعلم أن تعاليم الدين الحقيقية لا يمكن أن تخالف الواقع، ومن جهة أخرى لدينا علم يقيني يطابق الواقع. الآن، إذا كان هذا العلم اليقيني لدينا يتعارض بشكل واضح وغير قابل للحل مع أحد تعاليم الدين، فإننا نتيقن أن هذا التعليم الديني إما لم يصدر عن المعصوم، أو إذا صدر عنه، فقد تعرض للتحريف. إذن، فقط بالعلم اليقيني يمكن دراسة الروايات ومعرفة ما إذا كانت تلك الروايات أولاً موضوعة أم لا؟ وثانياً، إذا لم تكن موضوعة، فهل حُرّفت أم لا؟ وحتى يمكن فهم كيف كان أصل تلك الروايات المحرفة. على هذا الأساس، كلما رأى علماء الشيعة برهانًا عقليًا يتعارض تعارضًا غير قابل للحل مع رواية، فإنهم يطرحون الرواية لصالح اليقين البرهاني. بالطبع، يجب الانتباه إلى أنه لا يمكن اعتبار كل ادعاء حكمًا قطعيًا للعقل؛ بل يعتبر حكم العقل قطعيًا عندما يتوافق مع قوانين المنطق.

12. الاستنتاج

1- على الرغم من أن عددًا من الأحاديث التي تحتوي على مباحث علمية، خاصة التجريبية، تتعارض مع العلم القطعي الذي تم إثباته وهي مردودة؛ إلا أن هناك أحاديث أخرى توجد على درجة من الإعجاز أو التنبؤات العلمية؛ أي أنها تحتوي على مطالب إما لم تُكتشف بعد أو تم اكتشافها بعد قرون من عصر الأئمة الأطهار في مختلف العلوم من الطب وغيرها، وبشكل طبيعي لم تكن في متناول علم البشر في ذلك العصر. وبالتالي، تُعتبر نوعًا من الإخبار بالغيب، وهي لا تتعارض مع منجزات العلم البشري فحسب، بل يمكن اعتبارها بسبب سبقها العلمي من معجزات الروايات وكلام أئمة الدين وإثباتًا لتمتعهم بالعلوم اللدنية الإلهية. من المؤكد أن عددًا من هذه الروايات، مثل آيات القرآن الكريم، لها دلالات قطعية، وبالطبع لا ينبغي إغفال أن المعصومين (ع) تحدثوا بقدر فهم مخاطبيهم. 2- كما يجب الانتباه إلى أن البشر من الناحية العلمية ما زالوا في منتصف الطريق، وكثير من النظريات العلمية الموجودة ستتغير في المستقبل أيضًا. الروايات المتعلقة بالمعارف التجريبية، إذا تم اعتبارها من قبل أهل الدين كمسألة دينية قطعية، فإنها ترجح على جميع أحكام واستنتاجات البشر التجريبية. لأنها تتمتع بجذر يقيني. ومن هنا، في تعارض المعارف التجريبية مع الروايات، تُقدم الروايات قطعية الصدور (النظريات الدينية القطعية). 3- نقطة أخرى هي أنه يمكن الاستفادة من عدم مخالفة الحديث لمسلمات العلوم التجريبية كمعيار وملاك مهم جدًا لتقييم ونقد الحديث (الأحاديث ذات المحتوى العلمي). بشرط أن تكون مستندات هذا المعيار قطعيات ومسلمات وليست فرضيات ونظريات علمية لم تثبت بعد. من ناحية، النظريات العلمية ليست قطعية ويقينية وممزوجة بالشك، ومن ناحية أخرى، للروايات أيضًا مجال للتفسير والتأويل. إذا وقع تعارض بين العلوم التجريبية والرواية، فإما أن تفسير الرواية غير صحيح أو أن النظرية العلمية ليست قطعية. ولكنها تُعتبر كنظرية قطعية. 4- النقطة الختامية هي أن تأثير المعرفة البشرية على فهم الحديث، وإن لم يكن دائمًا، إلا أنه موجود، ومن هنا فإن الانتباه إلى فهم الآخرين والاستفادة من العلوم البشرية، خاصة المعارف التجريبية، يمكن أن يغير فهمنا أو يعمقه. يمكن أن يحدث هذا التأثير بطريقتين: أحيانًا على شكل إثارة سؤال وبالتالي زيادة الدقة في الحديث والحوار حوله واستخراج طبقاته الداخلية، وأحيانًا عند تعارض معطيات العلوم ومفهوم الحديث. بالنظر إلى طبيعة المعارف التجريبية والتقدم البشري في تطوير هذا العلم، فإن معيار عدم مخالفة الحديث للتجربة والمكتشفات العلمية يتمتع بمكانة خاصة بين معايير نقد المتن العامة. في التعارض بين الأخبار والمكتشفات العلمية، يُقدم الخبر القطعي على النظريات العلمية غير المثبتة، والمكتشفات العلمية القطعية على الأخبار الظنية. وفي حال كون كلا الطرفين ظنيًا، لا يمكن نسبة النتيجة بشكل قطعي إلى الدين. إمكانية تعارض الأخبار القطعية مع النتائج العلمية القطعية منتفية ثبوتًا، وفي حال المشاهدة يجب إجراء دراسة دقيقة ومجددة للأخبار والمكتشفات العلمية.[11]

الهوامش

1. طالب دكتوراه في علوم القرآن والحديث بجامعة أراك (مستخرج من الأطروحة) (المؤلف المسؤول) mahdiashnavar@gmail.com.[1]

2. أستاذ مشارك في قسم علوم القرآن والحديث بجامعة أراك e-ebrahimi@araku.ac.ir.[2]

3. أستاذ مساعد في قسم علوم القرآن والحديث بجامعة أراك a-hasanbagi@araku.ac.ir.[3]

4. أستاذ مساعد في قسم علوم القرآن والحديث بجامعة أراك k-ehsani@araku.ac.ir.[4]

5. حَدِيثِي حَدِيثُ أَبِي وَحَدِيثُ أَبِي حَدِيثُ جَدِّي وَحَدِيثُ جَدِّي حَدِيثُ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَ حَدِيثُ الْحُسَيْنِ حَدِيثُ الْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَ حَدِيثُ الْحَسَنِ حَدِيثُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَ حَدِيثُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.[5]

6. على سبيل المثال، لسنوات عديدة، بناءً على حاسة البصر والنظرة السطحية، كانوا يعتقدون أن الشمس تتحرك والأرض ثابتة (نظرية بطليموس)، ولكن فيما بعد تم تصحيح هذا الاعتقاد واعتقدوا أن الأرض متحركة والشمس ثابتة. وقد شكك البعض على هذا الأساس في قوله تعالى «والشمس تجرى لمستقر لها» (يس: 38)، حتى أُثبت اليوم حركة الشمس والأرض كلتيهما، وأصبحت هذه الآية أيضًا مصداقًا للإعجاز العلمي (مكارم الشيرازي، 1380ش، 18: 381؛ قرشي، 1377ش، 9: 84).[6]

7. الوضعية هي فلسفة تعتبر المعرفة الحقيقية هي المعرفة القائمة على التجربة الحسية، والتي لا تتأتى إلا بالاختبار والمشاهدة، وتعتبر أي مسعى نظري لاكتساب المعرفة بالعقل المحض دون تدخل تجريبي خطأ (نايس، 1352ش، 7).[7]

8. كارل بوبر (ت 1373ش)، إيان باربور و…[8]

9. «قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ» (المائدة: 22).[9]

10. «و الروايات لا تَخْلُو مِنْ شَيْءٍ: أما أولا : فمن جهة اشتمالها على تصديق اليهود ما ذكر فيها من ترتيب الخلق و هو مخالف لما ورد في أول سفر التكوين من التوراة مخالفة صريحة ففيها أنه خلق النور و الظلمة – النهار و الليل – يوم الأحد، و خلق السماء يوم الإثنين، وخلق الأرض و البحار و النبات يوم الثلاثاء و خلق الشمس و القمر والنجوم يوم الأربعاء و خلق دواب البحر و الطير يوم الخميس، و خلق حيوان البر و الإنسان يوم الجمعة و فرغ من الخلق يوم السبت و استراح فيه، والقول بأن التوراة الحاضرة غير ما كان في عهد النبي (ص) كما ترى. وَأَما ثانياً : فَلاَنَّ اليَوْمَ مِنَ الأسْبُوعِ وَهُوَ نَهَارٌ مَعَ لَيْلَتِهِ يَتَوَقَّفُ فِي كَيْنُونَتِهَ عَلَى حَرَكَةِ الأَرْضِ الوَضعيةِ دَوْرَةً واحِدَةً قِبالَ الشَّمْسِ فَما مَعْنى خَلْقِ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ وَلَمْ يُخْلَقُ السَّمَاءُ والسَّمَاوِيَّاتُ بَعْدُ وَلا تَمَّتِ الأَرْضُ كُرَةً مُتَحَرِّكَةً؟ وَنَظِيرُ الإِشكالِ جَارٍ في خَلْقِ السَّمَاءِ و السَّماويات وَ مِنْهَا الشَّمْسُ وَ لا يَوْمَ حَيْثُ لا شَمْسَ بَعْدُ. وَ أَمَّا ثالثاً: فَلأَنَّهُ عُدَّ فِيهَا يَوْمٌ لِخَلْقِ الْجِبَالِ وَقَدْ جَزَمَ الفَحْصُ العِلْمِي بِأَنَّها تُخْلَقُ تَدْريجاً، ونَظِيرُ الإِشْكالِ جارٍ فِي خَلْقِ المَدائِنِ وَ الْأَنْهَارِ وَ الْأَقوَات».[10]

11. انظر: «… أما إذا وضعنا محتوى الروايات غير القطعية مثل أخبار الآحاد في المسائل العلمية على حساب الدين بشكل قطعي وطبقناها مع بعض الفرضيات العلمية الموجودة، فبتحول تلك الفرضية إلى فرضية أخرى، سيهون الدين في الأنظار، كما ابتليت جماعة بمثل هذا الوضع غير المرغوب فيه بفرض نتاج هيئة بطليموس على القرآن» (جوادي آملي، 1388ش، 1: 159).[11]

Scroll to Top