دراسة اعتبار رواية «النساء حبائل الشيطان» وتحليلها

الملخص

تُلاحظ في بعض المجاميع الحديثية رواياتٌ وُصفت فيها النساء، بعبارات متنوعة، بأنهن مصائد الشيطان أو سلاحه. وتشير نتائج الدراسة السندية والدلالية إلى أن نسبة جميع هذه الروايات إلى المعصوم (ع) على نحو القطع تواجه عوائق من وجهة نظر الإمامية. من هنا، قام هذا البحث، بمنهج تحليلي نقدي، بدراسة اعتبار مصادر وأسانيد هذه الرواية، وتحليلها دلالياً وبحث تعارضها مع الروايات الأخرى. وتدل نتائج هذا البحث على أنه على الرغم من أن الرواية المذكورة لا تتمتع بقوة سندية كبيرة، إلا أن الدراسة الدلالية تظهر أن وصف المرأة بأنها مصيدة الشيطان أو سلاحه لا يعني تحقيرها أو التشاؤم منها، بل يدل على حساسية التعامل مع جنس المرأة (من حيث ميلها إلى الزينة وإثارة الجاذبية)، ويؤكد على درجة التأثر العالية للرجال بهذه السمة لدى النساء.

١. طرح المسألة

تُشاهد في المصادر الروائية للفريقين روايات مختلفة حول النساء، تشير في بعض الحالات إلى مدح النساء وتكريمهن ومحبتهن، وأحيانًا تتناول أمورًا ذاتية تتعلق بالنساء أو كيفية التعامل معهن، ومن منطلق الحساسية الموجودة في هذه العلاقة، تتطرق إلى ذم النساء وتحذر منهن. وعلى الرغم من أن هذه الروايات قد نوقشت من قبل علماء الشيعة وأهل السنة في مصادر مختلفة تفسيرية وأصولية وفقهية وغيرها، إلا أن موضوع المرأة لم يُبحث في تلك المصادر بشكل مستقل، بل أُشير إلى روايات بحسب مقتضى الموضوعات، وقلّما تم السعي لدراسة شاملة للروايات بأسلوب فقه الحديث.

إن دراسة الروايات بمنهج فقه الحديث هي توجه معاصر، يقوم المحقق من خلاله بجمع أسرة الحديث ودراسة مصادر الشيعة وأهل السنة، ثم ينتقل إلى دراسة سند الرواية، وبعد ذلك يبحثها من الناحية الدلالية سعيًا لكشف مراد المعصوم. وفي هذا السياق، قد لا تتمتع بعض الروايات باعتبار كافٍ من الناحية السندية، ولكن بما أن بعض الروايات وردت في فئات أكثر، يصبح من الضروري دراسة المحتوى وكشف مراد القائل.

إن معالجة الروايات بمنهج فقه الحديث تحظى اليوم بإقبال الباحثين، والروايات المتعلقة بقضايا النساء لم تكن بمنأى عن هذا التوجه، حيث حظيت بالاهتمام ضمن فئتين: الروايات التي مدحت النساء، والروايات التي وردت في ذمهن ونقدهن. ومن المثال الأخير، يمكن الإشارة إلى الروايات التي تصف النساء بأنهن مصيدة الشيطان وسلاحه وجزء عظيم من جنود إبليس.

إن وجود الإسرائيليات بكثرة في موضوع النساء من جهة، والأهمية المنسوبة إلى هذا النوع من الروايات من جهة أخرى، يضاعف من أهمية دراسة اعتبار رواية «النِّسَاءُ حَبَائِلُ إِبْلِيس»؛ خاصة وأن الباحثة لم تعثر على أثر أو بحث علمي يتناول هذه الرواية تحديدًا. ولكن من بين المقالات التي تناولت الروايات المثيرة للجدل حول النساء، يمكن الإشارة إلى: “دراسة اعتبار روايات كون النساء فتنة”، “إمكانية صدور حديث سجود المرأة لزوجها”، “دراسة اعتبار ومفهوم روايات نقصان عقل النساء”، “المجاميع الروائية للفريقين وقضايا نقصان إيمان النساء”، و”تأمل في روايات نهج البلاغة في ذم النساء”، والتي تدرس روايات مختلفة في هذا الباب من حيث السند والمتن بمنهج تحليلي-انتقادي.

يظهر الاختلاف الواضح بين هذه المقالات والبحث الحالي من حيث الموضوع، أي الرواية محل البحث، ومن حيث إن هدف المؤلفين هو نقد ودراسة الروايات بدراسات فقه الحديث. وفي منهجية العمل، تُلاحظ أوجه تشابه مثل دراسة مصادر وأسانيد الروايات، وكذلك دراسة متونها من طرق مختلفة كالعرض على القرآن الكريم والروايات القطعية.

تم إعداد هذا المقال في سياق دراسة اعتبار رواية «النِّسَاءُ حَبَائِلُ إِبْلِيس». فبعد تشكيل أسرة الحديث وجمع أنواعه، تم تقييم سند ومصادر ودلالة الروايات التي تشير إلى “كون النساء مصيدة” بمنهج مقارن ونقدي.

٢. تصنيف رواية «النساء حبائل الشيطان»

في التراث الحديثي للفريقين، توجد أحاديث متعددة في مجال استغلال الشيطان للنساء، وتنقسم هذه الروايات إلى نوعين رئيسيين:

١- في النوع الأول، تُسمى النساء مصائد الشيطان وسلاحه، ويُعرفن بأنهن جزء عظيم من جنود إبليس. قال النبي الأكرم (ص): «… النِّسَاءُ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ…» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ٥: ٥١٥؛ المجلسي، ١٤٠٤هـ، ٢٠: ٣٣١). و«مَا لِإِبْلِيسَ جُنْدٌ أَعْظَمُ مِنَ النِّسَاءِ وَالْغَضَبِ» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ٥: ٥١٥؛ المجلسي، ١٤٠٤هـ، ٢٠: ٣٣١).

٢- النوع الثاني يعتبر حب النساء تحديًا أمام رقي الرجال، ويعده إلى جانب حب الدنيا وطلب الرئاسة والكسل وغيرها، عاملاً للمعصية الإلهية ومن جملة معاصيهم. في هذه الفئة من الروايات، توصف “النساء” أحيانًا بأنهن سبب الفتنة. تتحدث هذه الروايات أحيانًا عن فتنة النساء بمفردهن، وأحيانًا إلى جانب فتن أخرى. ومن أمثلة ذلك ما ورد عن الإمام علي (ع): «الْفِتَنُ ثَلَاثٌ حُبُّ النِّسَاءِ وَهُوَ سَيْفُ الشَّيْطَانِ…» (الصدوق، ١٣٦٢ش، ١: ١١٣؛ المجلسي، ١٤٠٣هـ، ٢: ١٠٧؛ البروجردي، ١٣٨٦ش، ٢٥: ١١٨).

وفي حديث آخر عن النبي الأكرم (ص) ورد: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (النوري، ١٤٠٨هـ، ١٤: ٣٠٦؛ البروجردي، ١٣٨٦ش، ٢٥: ٥٤٤؛ ابن أبي الحديد، ١٤٠٤هـ، ١٨: ١٩٩؛ الأزدي، ١٤٠٣هـ، ١١: ٣٠٥؛ البخاري، ١٤٢٢هـ، ٧: ٨؛ ابن أبي شيبة، ١٤٠٩هـ، ١: ١١٩).

وينقل الإمام الصادق (ع) عن النبي الأكرم (ص) قوله: «إِنَّ أَوَّلَ مَا عُصِيَ اللَّهُ بِهِ سِتٌّ: حُبُّ الدُّنْيَا وَحُبُّ الرِّئَاسَةِ وَحُبُّ الطَّعَامِ وَحُبُّ النِّسَاءِ وَحُبُّ النَّوْمِ وَحُبُّ الرَّاحَةِ» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ٢: ٢٨٩؛ المجلسي، ١٤٠٤هـ، ٨: ٢٨٠؛ المجلسي، ١٤٠٣هـ، ٦٩: ١٠٥؛ البروجردي، ١٣٨٦ش، ٢٥: ١١٨؛ القمي، ١٤١٤هـ، ٢: ٢٢).

إن دراسة روايات هذه الفئة تشير إلى أن هذه الروايات، رغم الاختلاف في المتن وشدة وضعف الدلالة، تعتبر النساء ومحبتهن سلاحًا في يد الشيطان يُستخدم لإغواء الرجال.

٣. تحليل المصادر الروائية

بما أن الهدف الأساسي لهذا البحث هو دراسة رواية «النِّسَاءُ حَبَائِلُ الشَّيْطَان»، فقد تم توضيح النقول المختلفة لهذه الرواية، ثم عرض المسار التاريخي للمصادر التي وردت فيها في جداول منفصلة.

من خلال دراسة المصادر التي نقلت هذه الرواية، تم التوصل إلى النتائج التالية:

نُقلت هذه الرواية بعبارات مختلفة وفي ضمن خطبة طويلة عن رسول الله (ص). في بعض المصادر، وردت في متن الخطبة عبارة: «النِّسَاءُ حَبَائِلُ إِبْلِيس»، وفي مصادر أخرى نُقلت بصيغة «النِّسَاءُ حَبَالَاتُ إِبْلِيس»، وفي حالات نادرة وردت بلفظ «حبالة». نقطة أخرى هي أن بعض المصادر، ضمن نقل نفس الخطبة عن النبي الأكرم (ص)، أوردت العبارة هكذا: «النِّسَاءُ حَبَائِلُ الشَّيْطَان».

عبارة «النِّسَاءُ حَبَائِلُ الشَّيْطَان» نُقلت في حديث آخر عن رسول الله (ص). في بعض المصادر التي تذكر الروايات بشكل موضوعي أو المصادر التفسيرية، وردت العبارة منفردة نقلاً عن النبي الأكرم (ص)، وليس ضمن خطبة أو رواية أخرى.

١-٣. المصادر الشيعية

في الجدول أدناه، تم ذكر جميع المصادر الشيعية التي تطرقت إلى النقول المختلفة لهذه العبارة. تجدر الإشارة إلى أن ترتيب المصادر هو حسب التسلسل الزمني، والسهم يعني نقل الرواية من المصدر السابق وانتقالها إلى المصدر اللاحق.

٢-٣. مصادر أهل السنة

في المصادر الروائية لأهل السنة، نُقلت هذه الرواية غالبًا بعبارة «النِّسَاءُ حَبَائِلُ الشَّيْطَان» كخطبة عن النبي (ص)، وفي بعض الحالات وردت بألفاظ «حبالة» و«حبالات». من الملاحظ أن هذه الرواية لم ترد في أي من كتب الصحيحين والسنن وموطأ مالك. وبما أن هذه المصنفات تعتبر من أوثق المصادر الروائية عند أهل السنة، ورواياتها المنقولة غالبًا ما تُعتبر صحيحة، فربما يمكن القول إن هذه الرواية لا تتمتع باعتبار كبير من الناحية المصدرية عند أهل السنة. ومع ذلك، يُذكر في الجدول التالي عدد من المصادر المتقدمة لأهل السنة التي تتضمن هذه الرواية.

أقدم كتاب حديثي ينقل هذه العبارة في متن خطبة عن رسول الله (ص) هو مصنف ابن أبي شيبة (١٤٠٩هـ، ٧: ١٠٦). وصفه العجلي بأنه كوفي، ثقة، وحافظ للحديث، وقد روى عنه البخاري ومسلم وابن ماجه وأبو داود (العجلي، ١٤٠٥هـ، ١: ٢٧٦). ومع ذلك، لم تُنقل هذه الرواية في الصحيحين والسنن.

نقل أحمد بن حنبل هذه العبارة في بابين من كتاب الزهد عن عيسى بن مريم وأبي الدرداء (الشيباني، ١٤٢٠هـ، ١: ٧٧، ١١٦). ويتناولها أبو داود السجستاني في الزهد ضمن نفس الخطبة (السجستاني، ١٤١٤هـ، ١: ١٦٠)، لكنه لم يوردها في كتاب السنن. وفي المصادر التفسيرية لأهل السنة، ذكر بعض المفسرين النساء كمصائد للشيطان في سياق الآية ١٤ من سورة آل عمران، دون الاستناد إلى رواية أو نقل. [1] (الثعلبي، ١٤٢٢هـ، ٣: ٢٣؛ البغوي، ١٤٢٠هـ، ١: ٤١٧؛ الشيحي، ١٤١٥هـ، ١: ٢٣٠؛ الأندلسي، ١٤٢٠هـ، ٣: ٥٠؛ السيوطي، بي تا، ٣: ١٨٤). فقط في تفسير النيسابوري، وردت العبارة نقلاً عن النبي (ص) ولكن لم يُذكر سندها (١٤١٦هـ، ٤: ٨١).

تشير دراسة المصادر التاريخية إلى أنه في سياق حوادث غزوة تبوك، ذُكرت هذه الخطبة في بعض المصادر مثل المغازي، ودلائل النبوة، والبداية والنهاية (الواقدي، ١٤٠٩هـ، ٣: ١٠١٦؛ البيهقي، ١٤٠٥هـ، ٥: ٢٤٢؛ الدمشقي، ١٤٠٧هـ، ٥: ١٣)، ووردت عبارة «النِّسَاءُ حَبَائِلُ إِبْلِيس» بألفاظ مختلفة. ومن بين المصادر التاريخية، يُعتبر كتاب فتوح الشام للواقدي هو الوحيد الذي نقل هذه العبارة ضمن خطبة لعمر (الواقدي، ١٤١٧هـ، ١: ٢٣٠).

٤. دراسة سند الرواية

إن دراسة اعتبار سند العبارة المذكورة في مصادر الشيعة وأهل السنة تسفر عن النتائج التالية:

١-٤. المصادر الشيعية

في المصادر الشيعية، أول مصدر يحتوي على العبارة محل البحث هو تفسير القمي، الذي نقل هذه الرواية بدون سند. المصادر اللاحقة له غالبًا ما أوردت الرواية المذكورة نقلاً عن هذا التفسير ولم تذكر سلسلة السند. وبهذا، فإن هذه الرواية في المصادر الشيعية فاقدة للسند، وذُكرت بشكل مرسل، واكتُفي بعبارة «وَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) …».

١-١-٤. حجية روايات تفسير القمي

من وجهة نظر علم الرجال، علي بن إبراهيم القمي من الثقات. يقول النجاشي في ترجمته: «ثِقَةٌ فِي الْحَدِيثِ، ثَبْتٌ، مُعْتَمَدٌ، صَحِيحُ الْمَذْهَبِ، سَمِعَ فَأَكْثَرَ وَصَنَّفَ كُتُباً» (النجاشي، ١٣٦٥ش، ٢٦٠). ولكن النقطة الجديرة بالتأمل هي أنه بسبب وجود روايات ضعيفة ورواة غالون وجاعلون في سلسلة سند بعض روايات تفسير القمي، هناك شك في نسبة هذا الكتاب إلى علي بن إبراهيم. يعتقد البعض أن هذا الكتاب هو تلفيق مما أملاه علي بن إبراهيم على تلميذه أبي الفضل العباس بن محمد العلوي، وروايات أضافها أبو الفضل العباس من تفسير أبي الجارود بسنده الخاص عن الإمام الباقر (ع) (معرفت، ١٣٧٩ش، ١٩٧؛ السبحاني، ١٤١٠هـ، ٣١٤).

حول حجية رواياته، قال بعض العلماء، استنادًا إلى مقدمة كتاب القمي التي يقول فيها: «وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ وَمُخْبِرُونَ بِمَا يَنْتَهِي إِلَيْنَا وَرَوَاهُ مَشَايِخُنَا وَثِقَاتُنَا عَنِ الَّذِينَ فَرَضَ اللَّهُ طَاعَتَهُمْ…» (القمي، ١٤٠٤هـ، ١: ٤)، إن علي بن إبراهيم شهد بأن الروايات التفسيرية المنقولة في كتابه وصلته عن طريق الثقات عن المعصومين، وفي الواقع، اعتبروا هذا القول توثيقًا عامًا لجميع الرواة الذين نقل عنهم (الحر العاملي، ١٤٠٩هـ، ٣٠: ٢٠٢؛ السبحاني، ١٤١٠هـ، ٣٠٩). لكن البعض يشكك في نسبة مقدمة هذا التفسير إلى علي بن إبراهيم ويعتقدون أنها من تفسير النعماني (معرفت، ١٣٧٩ش، ١٩٧). وبالتالي، فإن التوثيق العام الموجود في هذه المقدمة للرواة لا يتمتع بقيمة واعتبار.

يقول صاحب كتاب «بحوث في علم الرجال»، بعد أن شكك في نسبة المقدمة إلى المؤلف: «في كلام علي بن إبراهيم لا تصريح بأن جميع رواة كتابه ثقات، ولا ظهور معتد به في هذا المطلب… لأنه لو عُدّت جميع رواياته موثقة، لزم أن تكون الروايات المرسلة في الكتاب حجة أيضًا؛ لأنها منقولة عن الثقات ولم يُذكر اسم الراوي فقط، في حين أن الروايات المرسلة في التفسير كثيرة، ولم يلتزم أي من أهل التحقيق والنظر بحجية المرسل» (المحسني، ١٤٣٢هـ، ٧٢-٧٣).

٢-١-٤. حجية مرسلات من لا يحضره الفقيه

هناك خلاف في الرأي حول حجية الأحاديث المرسلة في كتاب من لا يحضره الفقيه؛ فالبعض يعتبر جميع المراسيل المنقولة في هذا الكتاب حجة (السبحاني، ١٤١٠هـ، ٣٨٣)، ويعتقدون أنه بما أن الشيخ الصدوق قد أقر في مقدمة كتابه بصحة جميع رواياته، فإنه لم يذكر السند، وبالتالي فإن جميع روايات هذا الكتاب حجة وإن كانت مرسلة. ويعتقد آية الله الخوئي، في نقده لهذه النظرية، أن كلام الصدوق حول صحة وحجية روايات من لا يحضره الفقيه مبني على حكمه الشخصي، وليس حجة على الآخرين (الخوئي، ١٤١٣هـ، ١: ٨٧-٨٨).

ذهب بعض العلماء إلى التفصيل بين المرسلات، فبعضها يُنسب جزمًا إلى المعصوم (ع)، وبعضها يُذكر بصيغة «رُوِيَ» وبشكل غير جازم.[2] يعتبر المرحوم البروجردي الروايات المرسلة المنسوبة جزمًا إلى المعصوم (ع) معتبرة (الرباني، ١٣٨٥ش، ٣٤٢). وبشكل عام، يمكن القول إن هذا الرأي مقبول، والمراسيل المنسوبة جزمًا إلى المعصوم تعتبر معتبرة.[3]

٢-٤. مصادر أهل السنة

بعد دراسة المصادر الروائية التي نقلت الرواية محل البحث، يمكن القول بشكل عام إن هذه العبارة نُقلت من طرق مختلفة، وهي كالتالي:

١. ابن أبي شيبة، وأبو داود، والبيهقي، وأبو العباس الأصم، وأبو نعيم الأصبهاني، وأبو القاسم الحناني، وابن الجوزي، يوصلونها بسلسلة أسانيدهم إلى عبد الله بن مسعود. لكن من الملاحظ أن سلسلة أسانيد كل منهم في بعض الطبقات تضم رواة مشتركين، وفي بعض الطبقات رواة مختلفين، وفي بعض الحالات تغيرت أسماء الرواة إلى أسماء مشابهة، مما يمكن أن يُعد تصحيفًا.

٢. ابن عساكر، والقضاعي، والهروي أوردوها بهذا السند: – «عَبْدُ اللَّهِ بن نافع الصائغ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُصْعَبِ بنِ خَالد بن زيد بن خالد الجهني، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ زِدِ بنِ خَالد» (ابن عساكر، ١٤٢١هـ، ١: ٥٦٦؛ القضاعي، ١٤٠٧هـ، ١: ٦٦؛ الهروي، ١٤١٨هـ، ١: ٦١).

٣. أبو الشيخ الأصفهاني أوردها بهذا السند: – «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثَنَا عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ، أَعْطَى ابْنُ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَبْدَ الْمَلِكَ كِتَابًا ذَكَرَ أَنَّهُ عَنْ أَبِيهِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ» (الأصبهاني، ١٤٠٨هـ، ١: ٢٩٤).

في المجموعة الأولى، باستثناء الحناني، الروايات مذكورة بشكل موقوف. كما نقل أحمد بن حنبل الرواية عن أبي الدرداء وعيسى بن مريم دون إسنادها إلى النبي (ص). المجموعة الثانية تنقل العبارة بسند واحد عن زيد بن خالد عن النبي (ص)، وهو سند ضعيف سيتم بحثه لاحقًا.

١-٢-٤. أقوال رجاليي أهل السنة حول الرواية

يذكر التبريزي في مشكاة المصابيح بعد إيراد عبارة «وعن حذيفة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الْخَمْرُ جِمَاعُ الْإِثْمِ وَالنِّسَاءُ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ وَحُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» ما يلي: «لا أصل لَهُ مَرْفُوعاً» (الخطيب التبريزي، ١٩٨٥م، ٣: ١٤٣٧). ويورد الألباني نفس العبارة ويصفها بالضعيفة (الألباني، بي تا، ٢: ٥٨). وفي سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها، بعد ذكر متن الخطبة والعبارة محل البحث، يعدها ضعيفة، ويستند في ذلك إلى قول الذهبي، ويضعف عبد الله بن مصعب ووالده اللذين وردا في سلسلة سند الرواية (الألباني، ١٤١٢هـ، ٥: ٨٠، ٤٨٣).

٥. الدراسة الدلالية للرواية

على الرغم من أن الرواية المذكورة لا تتمتع بقوة سندية كبيرة، إلا أن التوضيح الشامل والدراسة الدلالية للرواية أمر ضروري. إن بيان سبب وصف النساء بأنهن مصائد الشيطان، وتحديد المقصود بـ«النساء» في الرواية محل البحث، وفي النهاية التعامل معها ضمن أسرة الروايات المتعلقة بموضوع المرأة، وقياس المراد النهائي بالمعيار القرآني، هي من المراحل الضرورية للوصول إلى المقصد الجاد لهذه الرواية وتقييم صحتها وسقمها.

١-٥. كون المرأة مصيدة والنظرية القرآنية

من المسلم به أن أي قضية غير قرآنية لا يمكن نسبتها إلى الشارع الإسلامي إلا إذا كانت مؤيدة بالقرآن، أو على الأقل لا تتعارض معه. الحقيقة هي أنه لا توجد آية تصف النساء بأنهن مصائد الشيطان أو تدل على ذلك؛ وإن كان بعض المفسرين الذين استندوا في تفاسيرهم إلى الإسرائيليات قد ذكروا مضامين قريبة من ذلك. من جملتها؛ في مسألة هبوط آدم وحواء، وبناءً على وجود مثل هذه الإسرائيليات، يعتقد بعض المفسرين أن الحية أغوت حواء، وهي بدورها أغوت آدم؛ [4] بينما من منظور القرآن الكريم، وسوس الشيطان لكليهما، ولم تكن هناك أي إشارة إلى دور حواء في إغواء آدم.[5] هذه الفكرة العامة تجاه النساء تتعارض مع الآيات التي تتحدث عن النساء المؤمنات إلى جانب الرجال المؤمنين وتعدهن بالجزاء.

في دراسة الآيات الخاصة بالنساء، يمكن بحث فئتين منها، لنتمكن في ضوئها من دراسة محتوى الروايات المذكورة وتأييدها أو رفضها.

١-١-٥. الآيات المبينة للجاذبية الجنسية للنساء

يستغل الشيطان الجاذبية الموجودة في النساء كمصيدة، ويستخدم هذه الأداة لإضلال الرجال: «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ…» (آل عمران: ١٤). وبحسب رأي المفسرين، فإن المزين للشهوات هو الشيطان (الطباطبائي، ١٤١٧هـ، ٣: ١٥٢). وفي ذيل الآية، نُقلت رواية عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «لم يتلذذ أهل الدنيا والآخرة بلذة ألذ من النساء…» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ٥: ٣٢١). هذه الرواية تبين حكمة تقدم حب النساء على سائر اللذات (الطباطبائي، ١٤١٧هـ، ٣: ١٨٤؛ القرائتي، ١٣٨٣ش، ١: ٤٧٩).

دلالة هذه الآية الشريفة على تأثير الجاذبية الجنسية للنساء في جلب شهوة الرجال وافتتانهم بذلك من قبل الشيطان لا تعني انتقاصًا من شأن النساء، ولا تدل على أن جنس المرأة هو جيش الشيطان وأنها تتبعه في إغواء الرجال، بل تدل على أن رغبة الرجال في النساء تفوق رغبتهم في سائر أمور اللذة الدنيوية، وأن الشيطان استغل هذا الأمر دائمًا لتحريف الرجال وإيقاعهم في حبائله. نتيجة هذا القول هي أن الشهوانية وجعل الرجال أسرى للشهوة الجنسية هي إحدى طرق الشيطان للإيقاع بهم. لذلك، نُقل في بعض الروايات أنه عندما يخلو رجل وامرأة أجنبية في مكان، يكون الشيطان ثالثهما: «…فَإِنَّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ إِذَا خُلِّيَا فِي بَيْتٍ كَانَ ثَالِثُهُمَا الشَّيْطَانَ» (الصدوق، ١٤١٣هـ، ٣: ٢٥٢). وهذا القول يدل على أن الشيطان يغريهما عن طريق تحريك الشهوة الجنسية.

إن وصف النساء بالمصيدة والحبائل في الروايات محل البحث، بالنظر إلى هذه الآية ورواياتها، يعود إلى امتلاكهن للجاذبية الجنسية الذاتية. لذا، فإن روايات «حبائل النساء» تحمل تحذيرًا للرجال والنساء ليتجنبوا المواقف الفتنوية عند التعامل والتفاعل مع بعضهم البعض.

٢-١-٥. آيات التبرج والتزين

التبرج يعني إظهار الحلي والزينة على مرأى من الناس. نهى الله نساء النبي (ص) عن التبرج في قوله: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى» (الأحزاب: ٣٣). وفي ذيل هذه الآية المباركة، يرى المفسرون أن الحكم الوارد فيها يشمل جميع النساء (مكارم الشيرازي، ١٣٧٤ش، ١٧: ٢٩٠؛ ابن كثير، ١٤١٩هـ، ٦: ٣٦٤؛ القرطبي، ١٣٦٤ش، ١٤: ١٨١). النقطة الجديرة بالانتباه هي أن التبرج لا يقتصر على نوع اللباس ومقداره، بل ما يُفهم من الروايات والآيات هو أن أي فعل تقوم به المرأة بقصد التزين، والتظاهر، وجذب انتباه الرجال الأجانب، والتأثير في قلوبهم، هو مصداق للتبرج. لقد أوصى الإسلام بالتزين والتجمل، ولكنه يعارض بشدة الفساد في المجتمع والسلوك الذي يروج للفحشاء والمنكر في المجتمع.

في آية «يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ…» (الأحزاب: ٣٢)، يقول الله تعالى: …لا تلنّ في القول…؛ في الآية محل البحث، على الرغم من أن خطاب الله موجه إلى نساء النبي (ص) والأمر والنهي موجه إليهن، إلا أن هذه الأمور مشتركة بين نساء النبي وسائر النساء، وللتأكيد على التكليف والسعي والالتزام الأكبر لزوجات النبي الأكرم (ص)، خوطبن هن (الطباطبائي، ١٤١٧هـ، ١٦: ١٦١).

بالنظر إلى هذين الأمرين (الجاذبية الجنسية، التبرج)، يمكن الإشارة إلى حساسية تعامل الرجال مع النساء، والتنبيه إلى أن الشيطان هو الذي يستغل جنس المرأة وجمالها وجاذبيتها الذاتية لإغواء الرجال، ولذلك وُضعت أحكام خاصة باللباس للنساء (النور: ٣٠؛ الأحزاب: ٥٧).

٢-٥. تعامل هذه الرواية مع أسرة الأحاديث المتعلقة بالنساء

تشير دراسة المصادر الروائية إلى أن أقسامًا من هذه المصادر مخصصة لنقل الروايات المتعلقة بالمرأة. في المجاميع الحديثية الشيعية المتقدمة، مثل الكافي ومن لا يحضره الفقيه، تُلاحظ أبواب بعناوين «بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّظَرِ إِلَى النِّسَاءِ»، «حُبُّ النِّسَاءِ»، «الْخَيْرُ فِي النِّسَاءِ»، «أَفْضَلُ النِّسَاءِ» وغيرها (الكليني، ١٤٠٧هـ، ٥: ٣٢٠-٣٢٤؛ الصدوق، ١٤١٣هـ، ٣: ٣٨٤-٣٨٥). يشير جزء كبير من هذه الروايات إلى مدح النساء وتكريمهن ذاتيًا، وحسن معاشرتهن، وحبهن.

١-٢-٥. تعارض روايات ذم المرأة مع روايات تكريمها

الروايات المذكورة تتعارض مع عدد كبير من الروايات الواردة في كتب الروايات في باب «حب النساء». في بعض هذه الروايات، وُصفت المرأة، إلى جانب العطر، بأنها محبوبة رسول الله (ص).[6] (الكليني، ١٤٠٧هـ، ٥: ٣٢١). وفي روايات أخرى، يُعد حب النساء من مظاهر أخلاق الأنبياء (الكليني، ١٤٠٧هـ، ٥: ٣٢٠؛ الطوسي، ١٤٠٧هـ، ٧: ٤٠٣)، وعلامة على زيادة الإيمان (الكليني، ١٤٠٧هـ، ٥: ٣٢٠؛ الصدوق، ١٤١٣هـ، ٣: ٣٨٤؛ الحر العاملي، ١٤٠٩هـ، ٢٠: ٢٢)[7]، وإحدى الخصال الثلاث للأنبياء (الكليني، ١٤٠٧هـ، ٥: ٣٢٠).[8]

الف. تبيين مصداق الروايات المتعارضة

من أنسب طرق حل التعارض هو تحليل وتبيين مصداق «النساء» في الرواية محل البحث. يجب أن نرى هل مصاديق النساء في تلك الفئة من الروايات التي وصفتهن بالفتنة والمصيدة أو السلاح هي نفسها في هذه الفئة من الروايات التي نقلت حسنهن ومحبتهن؟ في الإجابة على هذا السؤال، يمكن دراسة فرضيتي الاختلاف أو الوحدة في مصداق النساء في كلتا الفئتين من الروايات.

الاختلاف في المصداق: كلمة «النساء»، على الرغم من أنها مشتركة في كلتا الفئتين، إلا أن المقصود بالنساء في الروايات التي تذمهن يختلف عن النساء اللاتي تكون محبتهن سببًا في زيادة الإيمان ومن خصائص الأنبياء. بهذا المنظور، لا يوجد أي تعارض بين هاتين الفئتين من الروايات؛ لأن مصاديق النساء اللاتي هن حبائل إبليس تختلف عن النساء اللاتي ورد ذكرهن في روايات «حب النساء». المراد بالنساء المذكورات في روايات «حب النساء» هن النساء العفيفات الطاهرات اللاتي يتمتعن بخصائص كالإيمان والعفة وما شابه في حياتهن الزوجية، بينما النساء اللاتي هن مصائد وسلاح الشيطان هن تلك الفئة من النساء اللاتي لا يراعين الضوابط الجنسية والعفاف في تعاملهن مع الرجال.

الوحدة في المصداق: المقصود بالنساء في كلتا الفئتين من الروايات هو واحد. في الواقع، بما أن النساء كن دائمًا محط اهتمام الرجال بسبب جاذبيتهن الجنسية، فإن مواجهتهن كانت اختبارًا صعبًا لهم. وبناءً على هذا التحليل، لا يوجد فرق بين النساء من حيث العفة والإيمان، ووصف النساء بالمصيدة يشمل جميع النساء، حتى العفيفات والصالحات، وروايات «حب النساء» تشير إلى أمر طبيعي وفطري في الرجال. وكما يُلاحظ في بعض هذه الروايات، تزامنًا مع ظهور الإسلام، لجأ بعض الرجال، خلافًا للفطرة الطبيعية، إلى رهبانية زائفة.[9] [10]

ب. تبيين مفهوم الروايات المتعارضة

بالنظر إلى أنه في رواية عن الإمام الصادق (ع)، يُعد حب النساء إلى جانب طلب الرئاسة وحب الدنيا وغيرها من الأمور التي أدت إلى أول معصية إلهية، يمكن القول إن حب النساء من القضايا الحساسة التي يؤدي أدنى إفراط فيها إلى الانغماس في المعاصي. إن رفع التعارض بين هذه الرواية التي تعتبر حب النساء سببًا للمعصية، أو الرواية التي تصف النساء بـ«حبائل الشيطان»، مع روايات «حب النساء»، يجعل من الضروري فهم معنى «حب النساء».

هنا تبرز نقطتان مهمتان: أولاً، الحب الممدوح في روايات «حب النساء» يشير إلى الحاجة الطبيعية للرجال الناشئة من غريزتهم الفطرية، والتي يجب إشباعها بطريقة شرعية، أي بالزواج؛ كما كان أولياء الله يحرصون دائمًا على تلبية هذه الحاجة الفطرية. أما الحب الذي يُعتبر سببًا للمعصية، فهو حب النساء الأجنبيات عن شهوة، والذي يؤدي إلى الخروج عن دائرة التقوى.

في رواية عن النبي (ص) نُقل أنه قال: «مَا لِلشَّيْطَانِ سِلَاحٌ أَبْلَغُ فِي الصَّالِحِينَ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا الْمُتَزَوِّجُونَ أُولَئِكَ الْمُطَهَّرُونَ الْمُبَرَّءُونَ…» (النوري، ١٤٠٨هـ، ١٤: ١٥٩؛ البروجردي، ١٣٨٦ش، ٢٥: ١١٦). ثم يروي قصة عابد اسمه كرصف كفر بالله بعد ثلاثمائة عام من العبادة بسبب عشقه لامرأة. من هنا، يمكن القول إنه عندما لا يسيطر الرجال على شهوتهم الجنسية ولا يضبطون أنفسهم في مواجهة النساء، يستغل الشيطان النساء كمصيدة أو سلاح لإغوائهم.[11]

ج. تعامل هذه الرواية مع روايات أخرى في ذم النساء

نُقلت قضايا مختلفة حول كون النساء فتنة في المصادر الروائية للفريقين (وقد أُشير إلى بعضها في أنواع الروايات)، ولكن ما يُستفاد من دراسة المعاني اللغوية للفتنة هو أن هذه الكلمة لا تحمل دائمًا معنى سلبيًا، وتُستخدم في سياق الكلام في كلا المعنيين الإيجابي والسلبي، على الرغم من أن استخدامها في النصوص الدينية غالبًا ما يكون في المواقف الخطرة؛ مثلاً، تناول الإمام أمير المؤمنين (ع) في عبارات مختلفة الوصف السلبي للفتنة ووصفها هكذا: «ألا وإن الفتن إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت نبهت» (ابن أبي الحديد، ١٤٠٤هـ، ٧: ٤٤).

استخدام الفتنة للنساء يختلف مقارنة بالفتن الأخرى، ويدل على دور سببي في ارتكاب الفتن الأخرى. يقول القرطبي: «فِي النِّسَاءِ فِتْنَتَانِ، وَفِي الْأَوْلَادِ فِتْنَةٌ وَاحِدَةٌ». وهو يرى أن فتنة النساء من جهتين: الأولى أنها قد تأمر الرجال بقطع الرحم وترك أقاربهم، والثانية أنها قد تبتليهم بجمع المال الحرام (القرطبي، ١٣٦٤ش، ٤: ٢٩)، وهذا مصداق واضح لاستغلال الشيطان للنساء في إضلال الرجال. ومن هنا، يرى بعض المفسرين في ذيل الآية ١٤ من سورة آل عمران أن فتنة النساء أعظم وأظهر من سائر الفتن [12] (الطبرسي، ١٣٧٢ش، ٢: ٧١١؛ أبي حاتم، ١٤١٩ق، ٢: ١٦).

النقطة الجديرة بالتأمل هي أن المقصود بكون النساء فتنة، وأن هذه الفتنة أعظم من سائر الفتن، لا يمكن تعميمه على جميع النساء؛ بل المقصود هن النساء اللاتي لا يلتزمن بالأصول والقيم الأخلاقية والدينية، ومنهمكات في مظاهر الدنيا واتباع الهوى؛ لأن تحريض الرجال على مثل هذه الأمور التي هي من المحرمات الدينية المسلمة ليس من شأن النساء المؤمنات.

في الحقيقة، بناءً على ما قيل، فإن الروايات الأخرى التي في مقام ذم النساء لا تقدم دليلاً على إثبات مضمون الرواية محل البحث، لأن كل واحدة من تلك الروايات يجب أن تُدرس من الناحية السندية والدلالية، ومضمون كثير منها يتناقض مع الآيات التي تصف النساء المؤمنات في القرآن، أو مثل الرواية محل البحث، يجب تحديد جهتها، ولا تحمل دلالة كلية على هذا الأمر.

من هنا، يُستنبط من التحليل الأخير أن الرواية محل البحث لا تسعى إلى تحقير شخصية المرأة، بل تتبنى رؤية واقعية في تحليل العلاقة الطبيعية بين النساء والرجال، وتشخيص نقاط الضعف في التفاعلات الجنسية بينهما، ومعدل تأثر الرجال بالنساء.

٦. الخلاصة

١- وجود روايات ذم النساء، ومنها وصفهن بأنهن مصيدة أو سلاح للشيطان، في التراث الحديثي لا يمكن اعتباره وليد قناعة تاريخية بمحتوى هذا النوع من الروايات بين العلماء المسلمين وعلى مر تاريخ الفكر الإسلامي، كما لا يمكن اعتباره موضوعًا أو مزيفًا لمجرد ضعف المصدر أو السند؛ على الرغم من أن نفوذ كثير من هذه الروايات قد يكون له جذور في الإسرائيليات مثل قصة إغواء حواء لآدم.

٢- الدراسة الأولية لـ«النِّسَاءُ حَبَائِلُ إِبْلِيس» كحديث منقول عن النبي الأكرم (ص) تشير إلى أنه أولاً؛ المقصود بـ«النساء» في هذه القضية ليس جنس المرأة، بل مصاديقها من النساء غير المؤمنات وغير العفيفات اللاتي يتصرفن في تعاملاتهن مع الرجال كحبائل الشيطان لإغوائهم. حتى لو فُرض أن «النساء» تعني جنس المرأة، فإنها لا تحمل معنى التحقير أو التشاؤم من جنس المرأة، بل تشير فقط إلى حساسية التعامل مع النساء ومقدار تأثر الرجال بجاذبية النساء. في الحقيقة، يمكن القول إن الرواية تتبنى رؤية واقعية في تحليل طبيعة الأفعال الطبيعية والفطرية بين النساء والرجال، وفي سبيل تشخيص نقاط الضعف في التفاعلات الجنسية بينهما صدرت.

٣- الرواية محل البحث نُقلت في المصادر الشيعية مثل تفسير القمي ومن لا يحضره الفقيه، وفي بعض المصادر السنية مثل مصنف ابن أبي شيبة والزهد لأحمد بن حنبل؛ من حيث السند، نُقلت في المصادر الشيعية بشكل مرسل، وفي المصادر السنية ليس لها سند معتبر، والمصادر المعتبرة عند أهل السنة، أي الصحيحين والسنن وموطأ مالك، لم تنقلها.

الهوامش

1. «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ».

2. المرسلات التي يسندها الشيخ الصدوق بنحو الجزم واليقين وبألفاظ مثل «قال» إلى المعصوم، رغم وجود فاصل زمني كبير بينه وبين النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع)، ومن المسلم به أنه لم يستطع سماع الحديث من المعصومين (ع)، لكن الصراحة والقطعية الموجودة في هذه الأسانيد الجازمة تدل على أن جميع الوسائط كانت معتبرة لدى المرحوم الصدوق (المجلسي، ١٤١٤هـ، ١: ١٥٠).

3. المرسلات التي نُقلت بنحو «روي» وبشكل غير جازم.

4. انظر تفسير الطبري في ذيل الآية ٣٦ من سورة البقرة.

5. «فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ» (البقرة: ٣٦).

6. قال رسول الله (ص): «مَا أُحِبُّ مِنْ دُنْيَاكُمْ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ».

7. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): «مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ حُبُّ النِّسَاءِ».

8. أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): «مَا أَظُنُّ رَجُلًا يَزْدَادُ فِي الْإِيمَانِ خَيْراً إِلَّا ازْدَادَ حُبّاً لِلنِّسَاءِ».

9. عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا (ع): «ثَلَاثٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ الْعِطْرُ وَأَخْذُ الشَّعْرِ وَكَثْرَةُ الطَّرُوقَةِ».

10. أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع): «أَكْثَرُ الْخَيْرِ فِي النِّسَاءِ».

11. «عَنْ سُكَيْنِ النَّخَعِيِّ وَكَانَ تَعَبَّدَ وَتَرَكَ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَالطَّعَامَ فَكَتَبَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَمَّا قَوْلُكَ فِي النِّسَاءِ فَقَدْ عَلِمْتَ مَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ (ص) مِنَ النِّسَاءِ…».

12. «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ» (آل عمران: ١٤).

Scroll to Top