الملخص
اعتمد عدد ملحوظ من مفسري أهل السنة، استنادًا إلى الروايات النبوية التي تُعرِّف «سورة الحمد» بأنها مصداق لعبارة «سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي»، على هذا التفسير ورجحوه على غيره من الآراء. ولتقييم هذا التفسير، يثور التساؤل حول مدى قدرة هذه الروايات النبوية التي استند إليها مفسرو أهل السنة على إثبات مدعاهم، من حيث متنها وسندها. في هذا البحث، تم تصنيف الروايات النبوية وفقًا لأسانيدها، ونظرًا للتشابه الكبير في متونها، يمكن الاستنتاج بأن جميعها تعود إلى حديث واحد للنبي (ص) في حواره مع أحد الصحابة (على الأرجح أبي بن كعب، أو أبو سعيد بن معلى). المحتوى المشترك في جميع هذه الروايات هو تعريف «سورة الحمد» بأنها سورة لا نظير لها في الكتب السماوية السابقة والقرآن، ثم تلاوة الآية السابعة والثمانين من سورة الحجر. وقد رأى مفسرو أهل السنة أن علة تلاوة هذه الآية بعد الإشارة إلى فضيلة سورة الحمد تكمن في كون هذه السورة هي مصداق تعبير «سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي». إلا أن إعادة قراءة هذه الروايات تُظهر أنه نظرًا لاقتران تعبيري «سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي» و«الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» في الآية السابعة والثمانين من سورة الحجر، لا يمكن الجزم بأن سورة الحمد هي مصداق «سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي»؛ إذ من المحتمل أن تكون هذه السورة قد عُرِّفت بوصفها مصداقًا لـ«الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ». كما أن التأمل في الألفاظ المستخدمة في الآية، أي «المثاني» و«العظيم»، يثير احتمال أن يكون تعبير «المثاني» – الذي يشير إلى الماضي – إشارة إلى ذلك القسم من وحي القرآن الذي له نظير في الكتب السماوية السابقة ويُعد تكرارًا لها، بينما يشير تعبير «الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» إلى القسم من وحي القرآن الذي لا نظير له في الكتب السماوية السابقة ويختص بالنبي محمد (ص).
1. طرح المسألة
من النعم التي أُعطيت للنبي الأكرم (ص)، بناءً على آية «وَ لَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظيمَ» (الحجر: 87)، هي «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني». وبحسب رواية، دخلت مكة في يوم واحد سبع قوافل لـ«اليهود» محملة بشتى أنواع الأموال من حيوانات وعطور ومجوهرات وغيرها، فقال المسلمون في أنفسهم: ليت هذه الأموال كانت لنا فنتقوى بها وننفقها في سبيل الله. فنزلت هذه الآيات (الثعلبي، 1422هـ، 5: 350؛ الواحدي، 1411هـ، 283). وبناءً على نقل آخر، قام «يهودي» بتعيير النبي الأكرم (ص) بقلة ثروته، فأجاب حضرته: «أنا أمين الله في سمائه وأرضه…» ثم نزلت هذه الآيات (العياشي، 1380هـ، 2: 251). يرى اللغويون أن كلمة «مثاني» من جذر «ثني» بمعنى العودة إلى نقطة البداية وتكرار الشيء مرة أخرى (الفراهيدي، 1409هـ، 8: 242؛ الصاحب بن عباد، 1414هـ، 10: 179؛ ابن فارس، 1404هـ، 1: 391). ومن هنا، سُمي الثناء المكرر «ثنا» (أبو هلال العسكري، 1400هـ، 42).
أما في تحديد مصداق «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»، فالاختلاف قائم منذ زمن بعيد بين المفسرين من صحابة رسول الله (ص) إلى باحثي القرآن المسلمين وغير المسلمين في العصر الحديث. وقد نسبوا مصداق هذا التعبير إلى أمور شتى، منها: الآيات السبع لسورة الحمد، السور السبع الطوال، سور الحواميم السبع، المعاني والموضوعات القرآنية السبع، الكرامات السبع، الحروف الأربعة عشر، الحروف المقطعة، وغيرها (مقاتل، 1423هـ، 2: 436؛ الفراء، بي تا، 2: 91؛ أبو عبيدة، 1381هـ، 1: 354؛ ابن كثير، 1419هـ، 7: 2272؛ الطبري: 1412هـ، 14: 17 ـ 39؛ الماوردي، بي تا، 3: 171؛ الآلوسي، 1415هـ، 7: 321؛ غانم، 2010م، 146).(1)
في أوساط مفسري أهل السنة، حظي تفسير هذا التعبير بـ«سورة الحمد» بقبول أوسع وشهرة أكبر. وقد صرح كثير من المفسرين المؤيدين لهذا الرأي بأن العامل المرجح له هو وجود «روايات نبوية» تدل على هذا الأمر. فالطبري (ت 310هـ) هو أول مفسر رجح تفسير «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» بسورة الحمد على سائر الآراء بسبب وجود الروايات النبوية. وبعد نقل آراء الصحابة والتابعين المختلفة، يكتب: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: عني بالسبع المثاني السبع اللواتي هن آيات أم الكتاب، لصحة الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» (الطبري، 1412هـ، 14: 39-40)؛ أي أن أصح الأقوال في هذا الشأن هو قول من قال إن المراد بـ«السبع المثاني» هو الآيات السبع لأم الكتاب؛ وذلك لصحة الروايات الواردة في ذلك عن رسول الله (ص).
وبعد الطبري (310هـ)، قام مفسرون آخرون مثل الثعلبي (427هـ)، والإسفرايني (471هـ)، والميبدي (530هـ)، والقرطبي (671هـ)، وأبو حيان (745هـ)، والخازن (741هـ)، والآلوسي (1270هـ)، والقاسمي (1914م)، وسيد قطب (1387هـ)، وابن عاشور (1394هـ)، ودروزة (1404هـ) وغيرهم، على غرار الطبري، بترجيح تفسير عبارة «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» بسورة الحمد استنادًا إلى الروايات النبوية (الثعلبي، 1422هـ، 5: 349؛ الإسفرايني، 1375ش، 3: 1188؛ الميبدي، 1371ش، 5: 337؛ القرطبي، 1364ش، 11: 55؛ أبو حيان، 1420هـ، 6: 494؛ الخازن، 1415هـ، 3: 62؛ الآلوسي، 1415هـ، 7: 321؛ ابن عاشور، بي تا، 13: 64؛ دروزة، 1383هـ، 4: 58؛ سيد قطب، 1412هـ، 4: 2153؛ القاسمي، 1418هـ، 6: 344).(2)
والآن، يُطرح هذا السؤال: ما هي درجة صحة الروايات النبوية التي استُند إليها في اختيار سورة الحمد كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»؟ وإلى أي مدى يمكن الاعتماد عليها، وعلى أساسها تضعيف الآراء التفسيرية الأخرى؟
هل اعتبرت سورة الحمد المصداق الوحيد لتعبير «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»؟ في هذا المقام، نبدأ بدراسة الروايات النبوية التي تُعرّف سورة الحمد بأنها مصداق التعبير القرآني «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»، ثم نستعرض الرواية النبوية المخالفة لهذه الروايات والتي تُعرّف السور السبع الطوال بأنها مصداق «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»، وفي النهاية نخلص إلى دراسة كلية لروايات «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» ونستنتج منها ما يلزم. وتجدر الإشارة إلى أنه قد نُشرت قبل هذا البحث مقالات حول تحديد مصداق «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» وهي:
1. «تفاعل التفسير والحديث في تعيين سبع المثاني»، بقلم آري روبين، ترجمة مرتضى كريمي نيا، مجلة «ترجمان وحي»، مارس 2001، العدد 8 (صفحة 11 إلى 33). يتناول آري روبين في هذه المقالة تصنيف وتأريخ الأقوال المنقولة عن الصحابة والتابعين في «جامع البيان» للطبري في تحديد مصداق «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»، وينتهي إلى ترجيح تفسير هذه العبارة بـ«الوجوه السبعة لرسالة القرآن» أو بـ«الصحف السبع من الصحف التي نزلت على الأنبياء السابقين»، مع أن القول الأول منقول عن تابعي واحد فقط وقائل القول الثاني غير معلوم، ويرى أن هذا الاختيار يتوافق مع نظرية النمو العكسي والمقلوب.
2. «بحث حول تعبير سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»، بقلم يعقوب جعفري، مجلة «ترجمان وحي»، سبتمبر 2001، العدد 9 (صفحة 84 إلى 102). ينقل الكاتب في هذه المقالة الأقوال المختلفة في تحديد مصداق «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» وينقدها إلى حد ما، وفي النهاية يقدم رأيًا جديدًا في تفسير هذه الآية، مستفيدًا من روايات نزول القرآن على سبعة أحرف، ومفاده أن المراد بـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» هو الإشارة إلى بطون القرآن المعنوية.
وكما أُشير، فإن البحث الحالي، في عمل يختلف عن الأبحاث السابقة، يتناول الدراسة السندية والدلالية للروايات النبوية لأهل السنة في تفسير «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني».
2. الروايات النبوية المعرِّفة لسورة الحمد كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»
الروايات التي يعتبرها مفسرو أهل السنة دليلاً على صحة تفسير «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» بـ«فاتحة الكتاب»، مروية إجمالاً عن طريق خمسة من الصحابة نقلوا عن النبي الأكرم (ص). وهؤلاء الصحابة الخمسة هم: أبي بن كعب، وأبو سعيد بن المعلى، وأبو هريرة، ومولى عامر بن كريز، وزيد بن ثابت. وسنورد هذه الروايات الآن بحسب الصحابي الناقل، وندرس كل مجموعة على حدة.
1-2. الصحابي الأول: أبي بن كعب
سند رواية أبي بن كعب في معظم المصادر هو «… العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي عن النبي الأكرم (ص)» (أحمد بن حنبل، بي تا، 5: 115؛ الدارمي، 1349هـ، 2: 446؛ الترمذي، 1403هـ، 4: 360؛ النسائي، 1348هـ، 2: 139؛ ابن خزيمة، 1412هـ، 1: 252؛ ابن حبان، 1414هـ، 3: 53 و 54؛ الحاكم النيسابوري، بي تا، 1: 557 و 2: 258 و 354؛ الطبري، 1412هـ، 14: 40). وأحيانًا يكون بحذف أبي هريرة «… العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي عن النبي (ص)» (الحاكم النيسابوري، بي تا، 1: 558)، وأحيانًا بحذف والد العلاء وأبي هريرة وتعويضه بأبي سعيد مولى عامر ليصبح «العلاء عن أبي سعيد مولى عامر عن أبي عن النبي (ص)» (الطبري، 1412هـ، 14: 40). وقد نُقل متن هذه الرواية بزيادات ونقصان في مصادر الرواية المختلفة لأهل السنة. ويمكن تصنيف هذا البسط والاختصار في ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: نقل الرواية بصورة تفصيلية
«… قال رسول الله (ص): ألا أعلمك سورة ما أنزل في التوراة ولا في الزبور ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها؟ قلت: بلى، قال: فإني أرجو أن لا أخرج من ذلك الباب حتى تعلمها، ثم قام رسول الله فقمت معه فأخذ بيدي فجعل يحدثني حتى بلغ قرب الباب قال: فذكرته فقلت: يا رسول الله! السورة التي قلت لي قال: فكيف تقرأ إذا قمت تصلي؟ فقرأ بفاتحة الكتاب قال: هي هي وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت» (أحمد بن حنبل، بي تا، 5: 114؛ مع اختلاف طفيف في بعض الكلمات: الطبري، 1412هـ، 14: 40؛ ابن خزيمة، 1412هـ، 1: 252؛ الحاكم النيسابوري، بي تا، 1: 557، 2: 258).
قال النبي (ص): «ألا أعلمك سورة لم ينزل مثلها في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان؟» قلت: بلى. فقال: «إني آمل ألا أخرج من هذا الباب حتى تتعلمها». ثم قام رسول الله (ص) وقمت معه، وأمسك بيدي، وبدأنا نتحدث حتى اقتربنا من الباب. قال أُبي: فتذكرت كلام رسول الله (ص) فقلت: يا رسول الله، ما هي السورة التي وعدتني بها؟ فقال: «ماذا تقرأ عندما تقوم للصلاة؟». فبدأ أُبي يقرأ فاتحة الكتاب، فقال النبي (ص): «هي هذه، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أُعطيته».
المستوى الثاني: نقل الرواية بصورة شبه مختصرة
يتم اختصار هذه الرواية أحيانًا بحذف الإشارة إلى تفرد سورة الحمد في الكتب السماوية السابقة والقرآن، وأحيانًا بحذف حوار النبي مع أُبي وقراءة أُبي للسورة. بالإضافة إلى ذلك، أحيانًا يتم دمج الشكل المختصر لهذه الرواية مع رواية قدسية حول سورة الحمد ونقلهما معًا. ومن ثم، نواجه ثلاثة أشكال من الاختصار:
الشكل الأول للاختصار: حذف الإشارة إلى قراءة أُبي والإبقاء فقط على الإشارة إلى تفرد سورة الحمد:
«* قال رسول الله (ص): ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثل أم الكتاب وهي السبع المثاني» (ابن خزيمة، 1412هـ، 1: 252).
الشكل الثاني للاختصار: حذف تفرد سورة الحمد والإشارة إلى قراءة أُبي:
«… أن رسول الله (ص) قال له: إذا افتتحت الصلاة بم تفتتح؟ قال: الحمد لله رب العالمين، حتى ختمها. فقال رسول الله (ص): هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت» (الطبري، 1412هـ، 14: 40).
«… أن أبي بن كعب (رض) أنه قرأ على رسول الله (ص) الحمد لله رب العالمين حتى ختمها فقال رسول الله (ص): إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت» (الحاكم النيسابوري، بي تا، 1: 558).
الشكل الثالث للاختصار: حذف الإشارة إلى قراءة أُبي والإشارة إلى تفرد سورة الحمد، مع إضافة خلاصة رواية قدسية عن سورة الحمد:
«… قال رسول الله (ص): ما أنزل الله في التوراة والإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل» (الترمذي، 1403هـ، 4: 360؛ النسائي، 1348هـ، 2: 139؛ أحمد بن حنبل، بي تا، 5: 114 (النسائي وأحمد بن حنبل، … ولا في الإنجيل …)).
قال رسول الله (ص): لم ينزل الله في التوراة والإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل في هذه السورة.
«… قال رسول الله (ص): يقول الله تعالى ما في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني وهي مقسومة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل» (ابن حبان، 1414هـ، 3: 53).
يبدو أن الجزء الأخير من هذه الرواية، أي «مقسومة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل…»، هو شكل مختصر من رواية قدسية نُقلت عن ثلاثة صحابة، ليس من بينهم أُبي بن كعب، عن النبي (ص).(3)
المستوى الثالث: نقل الرواية بصورة مختصرة كاملة
في الشكل الأكثر اختصارًا لنقل هذه الرواية، ودون الإشارة إلى أي من الحوارات السابقة، يتم تعريف سورة الحمد مباشرة كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»:
«* … قال رسول الله (ص): فاتحة الكتاب هي السبع المثاني» (الدارمي، 1349هـ، 2: 446).
«* … عن رسول الله (ص) قال: السبع المثاني فاتحة الكتاب» (الحاكم النيسابوري، بي تا، 2: 354).
2-1-2. دراسة روايات أبي بن كعب عن النبي الأكرم (ص)
النقطة المهمة في دراسة رواية أُبي هي أنه في الشكل المطول، بعد الإشارة إلى تفرد سورة الحمد في الكتب السماوية السابقة، يشير النبي (ص) إلى عطاء «وَ لَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظيمَ» له؛ ولكن عند الاختصار، وبموازاة حذف بعض المطالب، يُحذف «وَ الْقُرْآنَ الْعَظيمَ» من متن الحديث، ويُكتفى بالإشارة إلى عطاء «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» له، وتُعرّف سورة الحمد كمصداق لهذا التعبير.
بالنظر إلى أنه في الشكل التفصيلي للرواية، يُذكر كلا التعبيرين «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» و «وَ الْقُرْآنَ الْعَظيمَ» جنبًا إلى جنب، يُطرح السؤال: هل سورة الحمد مصداق «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» أم «الْقُرْآنَ الْعَظيمَ»؟ إن متن هذه الرواية لا يحتوي على أي قرينة ترجح أحد هذين التعبيرين على الآخر، وبالتالي فإن احتمال أن تكون سورة الحمد قد عُرّفت كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» أو «الْقُرْآنَ الْعَظيمَ» متساوٍ. بناءً على ذلك، لا يمكن القول استنادًا إلى هذه الروايات أن الرسول (ص) اعتبر سورة الحمد مصداقًا لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»؛ إذ من المحتمل أن يكون قد عرّف هذه السورة كمصداق أو أحد مصاديق «الْقُرْآنَ الْعَظيمَ».
2-2. الصحابي الثاني: أبو سعيد بن المعلى
أبو سعيد بن المعلى هو صحابي آخر، مثل أبي هريرة وأُبي، يُعد ناقلًا للرواية النبوية الدالة على تعريف سورة الحمد كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني». جميع رواياته في هذا الشأن مروية عن طريق شعبة عن حبيب/خبيب(4) بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عنه (أبو سعيد بن المعلى) عن النبي (ص). يمكن ملاحظة متن الرواية في المصادر المختلفة في مستويين، مطول ومختصر، لكن مضمون الرواية في جميع المصادر واحد.
نموذج الرواية المطولة:
«… كنت أصلي فدعاني رسول الله (ص) فلم أجبه حتى صليت فأتيته فقال: ما منعك أن تأتيني؟ قال: قلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، قال: ألم يقل الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم) ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن أو من القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ قال: فأخذ بيدي فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول الله! إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن، قال: نعم، الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته.» (أحمد بن حنبل، بي تا، 4: 211)
وقد نقل هذه الرواية بشكل مطول مع اختلاف طفيف في بعض الكلمات كل من البخاري (256هـ)، وأبو داود (275هـ)، والنسائي (303هـ)، وأبو يعلى (307هـ)، وابن خزيمة (311هـ)، وابن حبان (354هـ)، والطبراني (360هـ)، والبيهقي (458هـ)، والطبري (310هـ) (البخاري، 1401هـ، 5: 146، 199 و 222، 6: 103؛ أبو داود، 1410هـ، 1: 328؛ النسائي، 1348هـ، 2: 139؛ أبو يعلى، بي تا، 12: 225؛ ابن خزيمة، 1412هـ، 2: 38؛ ابن حبان، 1414هـ، 3: 56؛ الطبراني، 1406هـ، 22: 303؛ الحاكم النيسابوري، بي تا، 1: 557؛ البيهقي، بي تا، 2: 368 و 7: 64؛ والطبري، 1412هـ، 14: 41).(5)
نموذج الرواية المختصرة:
«… مر بي رسول الله (ص) فقال: ألم يقل الله: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم، ثم قال: ألا أعلمك سورة أعظم سورة من القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ فلما أراد أن يخرج قال: الحمد لله رب العالمين وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتم» (الدارمي، 1349هـ، 1: 350 و 2: 446).
وقد اختصر ابن ماجه الرواية بحذف الجزء الأول منها – أي صلاة أبي سعيد وعدم استجابته لنداء النبي (ص) – وبدأ الرواية بعبارة «ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن؟» (ابن ماجه، بي تا، 2: 1244).
2-2-1. دراسة روايات أبي سعيد بن المعلى
حول هذه الرواية – في كلا شكليها المختصر والمطول – يجب أن نقول:
1. متن رواية أبي سعيد بن المعلى يشبه إلى حد كبير رواية أبي بن كعب. يختلفان فقط في الجزء الأول، حيث يبدأ حديث أبي سعيد بجزء إضافي عن حديث أُبي. هذا الجزء ينقل قصة صلاة أبي سعيد بن المعلى وعدم استجابته للنبي بسبب انشغاله بالصلاة، مما أدى إلى اعتراض النبي (ص) وتأكيده على وجوب الاستجابة له في كل الظروف، مستشهدًا بجزء من الآية الرابعة والعشرين من سورة الأنفال «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ».
2. نقل مثل هذه القصة يحمل طابعًا من صنع الفضائل. فبناءً على سنة ولادة ووفاة أبي سعيد بن المعلى(6)، يمكن القول إنه عند وفاة النبي (ص) كان شابًا في العشرين من عمره على الأكثر. وإذا كانت هذه المحادثة قد وقعت، في أفضل الأحوال، في السنة الحادية عشرة للهجرة، أي سنة وفاة النبي (ص)، فإن معنى كلام أبي سعيد هو أن نبي الله (ص) بشأنه النبوي وعلى رأس السلطة والحكم في سن الثالثة والستين، ينادي شابًا في العشرين من عمره في المسجد، وهو لا يستجيب بسبب انشغاله بعبادة الله، والنبي، الذي يبدو أنه كان ينتظر إجابته، يسأله عن سبب عدم رده، ويحذره من هذا الفعل مستشهدًا بآية من القرآن. إن العلاقة الوثيقة بين شاب ورسول الله (ص) لدرجة أن النبي (ص) يبحث عنه في المسجد ويناديه وينتظر رده، تحمل طابعًا من صنع الفضائل. علاوة على ذلك، فإن دلالة الرواية في هذه الحالة هي أن النبي (ص) حتى السنوات الأخيرة من حياته، لم يكن قد بيّن لصحابته فضيلة سورة الحمد ومصداق تعبير «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» التي نزلت في مكة.
3. في هذه الرواية، تلا النبي (ص) الآية الرابعة والعشرين من سورة الأنفال بحذف قيد «لما يحييكم»، بينما في القرآن الكريم، وردت «إذا دعاكم» مع قيد «لما يحييكم»: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ …» (الأنفال: 24). بحذف هذا القيد في الرواية، يُفسر وجوب الاستجابة لدعوة الله ورسوله لأمر يحيي، بـ«وجوب الرد على مناداة النبي (ص) لاسم الشخص». ومن المؤكد أن المراد بـ«اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ» قضية أسمى من مجرد وجوب رد الفرد على مناداة النبي (ص) له. ولهذا، فسّر المفسرون المتقدمون من أهل السنة «لِما يُحْيِيكُمْ» بأمور كالحق، والنجاة، والسلامة في الدنيا والآخرة، والحرب التي تجلب العزة والقوة للمسلمين (ابن أبي حاتم، 1419هـ، 5: 1779 و 1680). وبتعبير آخر، فإن تفسير هذه الآية بموضوع مثل الرد على المناداة هو نوع من التقليل من المراد الحقيقي للآية.
4. في رواية أبي سعيد بن المعلى، كما في رواية أُبي، بعد الإشارة إلى تفرد سورة الحمد، لم يُشر إلى هذه السورة بتعبير «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» فقط، بل ورد التعبيران «السبع المثاني والقرآن العظيم» معًا. وفي هذا المورد أيضًا، لا يمكن الجزم بأن سورة الحمد قد عُرّفت كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»؛ إذ من المحتمل أن تكون هذه السورة قد عُرّفت كمصداق أو أحد مصاديق «الْقُرْآنَ الْعَظيمَ». حتى إن كلمة «أعظم» في عبارة «لأعلمنك أعظم سورة في القرآن» (أحمد بن حنبل، بي تا، 3: 450 و 4: 211؛ الدارمي، 1: 350 و 2: 445؛ البخاري، 1401هـ، 5: 146 و 199 و 222؛ 6: 103؛ ابن ماجه، بي تا، 2: 1244؛ أبو داود، 1410هـ، 1: 328؛ النسائي، 1348هـ، 2: 139) يمكن أن تُعتبر قرينة على هذا الأمر، أي أن سورة الحمد قد ذُكرت كمصداق لـ«الْقُرْآنَ الْعَظيمَ».
3-2. الصحابي الثالث: أبو هريرة
الروايات النبوية المنقولة عن طريق أبي هريرة في تعريف سورة الحمد كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»، بناءً على أسانيدها، هي أربع روايات:
- رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي (ص).
- رواية روح بن قاسم عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي (ص).
- رواية ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي (ص).
- رواية نوح بن أبي بلال عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي (ص).
والآن ندرس هذه الروايات الأربع:
1-3-2. الرواية الأولى: رواية العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي (ص)
نقل أحمد بن حنبل (231هـ)، والدارمي (255هـ)، والترمذي (279هـ)، وأبو يعلى (307هـ)، والطبري (310هـ) رواية بسند العلاء عن أبيه (عبد الرحمن بن يعقوب) عن أبي هريرة عن النبي (ص) في تعريف سورة الحمد كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» (أحمد بن حنبل، بي تا، 2: 357؛ الدارمي، 1349هـ، 2: 446؛ الترمذي، 1403هـ، 4: 231؛ أبو يعلى، بي تا، 11: 367-368؛ الطبري، 1412هـ، 14: 40 و 41). متن هذه الرواية في المصادر المختلفة به اختلافات. وقد نقلها أحمد بن حنبل والدارمي والترمذي بالشكل التالي:
«* إن النبي (ص) قال وقرأ عليه أبي أم القرآن فقال: والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت» (أحمد بن حنبل، بي تا، 2: 357).
«* إن رسول الله (ص) قال: ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل والزبور والقرآن مثلها يعني أم القرآن وإنها لسبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت» (الدارمي، 1349هـ، 2: 446).
«* أن رسول الله (ص) خرج على أبي بن كعب، فقال رسول الله (ص): يا أبي! وهو يصلي فالتفت أبي فلم يجبه، وصلى أبي فخفف، ثم انصرف إلى رسول الله (ص) فقال: السلام عليك يا رسول الله! فقال رسول الله (ص): وعليك السلام، ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك؟ فقال: يا رسول الله إني كنت في الصلاة، قال أفلم تجد فيما أوحي الله إلي أن «استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم»؟ قال: بلى ولا أعود إن شاء الله. قال: أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله (ص): كيف تقرأ في الصلاة؟ قال: فقرأ أم القرآن، فقال رسول الله (ص): والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها وإنها سبع من المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيته» (الترمذي، 1403هـ، 4: 231).
دراسة الرواية
- في النقول المختلفة لهذه الرواية، يوجد فرق جوهري؛ ففي بعض النقول، يكون أبو هريرة هو ناقل حوار النبي (ص) مع أبي بن كعب؛ ولكن في نقول أخرى، ينقل أبو هريرة نفس الكلام دون الإشارة إلى حضور أُبي وحوار النبي معه. وبالنظر إلى أن هذا الحوار قد نُقل عن لسان أبي بن كعب نفسه – كما أشرنا في هذه الروايات – يبدو أن أصل هذه الرواية هو ما يشير إلى حوار النبي (ص) مع أُبي؛ بل يمكن القول إن أبا هريرة لم يكن حاضرًا أثناء هذا الحوار ولم يسمع الكلام من النبي (ص) مباشرة، بل سمعه لاحقًا من لسان أُبي، وبالتالي فإن أبا هريرة في هذه الرواية هو ناقل لمسموعاته من أبي بن كعب. يقول الحاكم النيسابوري (405هـ) بعد نقل الروايات المختلفة المعرِّفة لسورة الحمد كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»: «وقد وجدت لحديث عبد الحميد بن جعفر شاهدًا في سماع أبي هريرة هذا الحديث من أبي بن كعب من حديث المدنيين» (الحاكم النيسابوري، بي تا، 1: 558)؛ أي وجدت لحديث عبد الحميد بن جعفر شاهدًا على سماع أبي هريرة لهذا الحديث من أبي بن كعب – الذي ينتمي إلى مدرسة الحديث المدنية. (7)
- النقطة الأخرى الجديرة بالاهتمام هي أنه في بعض نقول هذه الرواية، التي يُشار فيها إلى حضور أبي بن كعب، قبل نقل كلام النبي (ص) بشأن تعريف مصداق «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»، وردت قصة صلاة أُبي وعدم رده على نداء النبي ثم اعتراض النبي (ص) عليه وتلاوة الآية 24 من سورة الأنفال. وكما أُشير سابقًا، لا تظهر هذه القصة في النقول التي يكون فيها أُبي هو الراوي المباشر للقصة، وبدلًا من ذلك، تظهر في النقول التي يكون فيها أبو سعيد بن المعلى هو مخاطب النبي بدلًا من أُبي.
- في هذه الرواية أيضًا، نشهد ذكر «وَ الْقُرْآنَ الْعَظيمَ» إلى جانب «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»، وكما أوضحنا سابقًا في روايات أُبي وأبي سعيد بن المعلى، بسبب اقتران هذين التعبيرين، لا يمكن الجزم بأن الرواية تُعرّف سورة الحمد كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني».
2-3-2. الرواية الثانية: روح بن قاسم عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي الأكرم (ص)
ينقل الطبري (310هـ) بواسطة روح بن قاسم عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي (ص) رواية دالة على تعريف سورة الحمد كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»:
«أن رسول الله (ص) قال لأبي: إني أحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها. قال: نعم يا رسول الله! قال: إني لأرجو أن لا تخرج من هذا الباب حتى تعلمها. ثم أخذ رسول الله (ص) بيدي يحدثني، فجعلت أتباطأ مخافة أن يبلغ الباب قبل أن ينقضي الحديث فلما دنوت قلت: يا رسول الله ما السورة التي وعدتني؟ قال: «ما تقرأ في الصلاة؟» فقرأت عليه أم القرآن، فقال: والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، إنها السبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته» (الطبري، 1412هـ، 14: 40).
دراسة الرواية
لم يُذكر اسم والده ضمن شيوخ قاسم بن نوح (المزي، 1406هـ، 9: 252)، ومن جهة أخرى، يظهر اسم العلاء بن عبد الرحمن ضمن شيوخه؛ لذا يجب القول إن اسم العلاء قد حُذف في طبقة شيوخ قاسم بن نوح في سند هذا الحديث، وأن المراد بـ«أبيه» في سند هذه الرواية ليس والد قاسم بن روح بل والد العلاء بن عبد الرحمن. وبالتالي، فإن هذه الرواية هي نفسها رواية العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي (ص). وتشابه متن هاتين الروايتين يؤكد اتحادهما.
3-3-2. الرواية الثالثة: رواية ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي الأكرم (ص)
نقل أحمد بن حنبل (241هـ)، والدارمي (255هـ)، والبخاري (256هـ)، وأبو داود السجستاني (275هـ)، والترمذي (279هـ)، والطبري (310هـ) الرواية المعرِّفة لسورة الحمد بعنوان «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» بسند ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي الأكرم (ص) – مع اختلاف طفيف في النقل – (أحمد بن حنبل، بي تا، 2: 448؛ الدارمي، 1349هـ، 2: 446؛ البخاري، 1401هـ، 5: 222؛ أبو داود، 1410هـ، 1: 328؛ الترمذي، 1403هـ، 4: 360؛ الطبري، 1412هـ، 1: 37 و 14: 40 و 41). المضمون المشترك في كل هذه النقول هو تعريف سورة الحمد بأنها «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني». على سبيل المثال، نقل أحمد بن حنبل والدارمي والبخاري هو كالتالي:
«… عن النبي (ص): أنه قال في أم القرآن: هي أم القرآن وهي «السبع المثاني» وهي القرآن العظيم» (أحمد بن حنبل، بي تا، 2: 448).
«* … قال رسول الله (ص): الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني» (الدارمي، 1349هـ، 2: 446).
«… قال رسول الله (ص): أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم» (البخاري، 1401هـ، 5: 222).
دراسة الرواية
بالإضافة إلى ابن أبي ذئب، نقل إبراهيم بن فضل أيضًا هذه الرواية عن سعيد المقبري. نقل إبراهيم يحمل اختلافًا مهمًا ومؤثرًا عن نقل ابن أبي ذئب:
«* … قال رسول الله (ص): «الركعة التي لا يقرأ فيها كالخداج». قلت لأبي هريرة: فإن لم يكن معي إلا أم القرآن؟ قال: هي حسبك، هي أم الكتاب وأم القرآن والسبع المثاني» (الطبري، 1412هـ، 14: 40)؛ قال رسول الله (ص): «الركعة التي لا تُقرأ فيها [سورة الحمد] كالجنين المجهض». قلت لأبي هريرة: فإن لم يكن معي إلا أم القرآن، فماذا؟ قال: هي تكفيك؛ هي أم الكتاب وأم القرآن والسبع المثاني. (نفسه، 14: 40)
«… أن رسول الله (ص) قال: «الركعتان اللتان لا يقرأ فيهما كالخداج لم يتما». قال رجل: أرأيت إن لم يكن معي إلا أم القرآن؟ قال: «هي حسبك هي أم القرآن، هي السبع المثاني»؛ … قال رسول الله (ص): «الركعتان اللتان لا تُقرأ فيهما [سورة الحمد] كالجنين المجهض لم تكتملا». قال رجل: أرأيت إن لم يكن معي إلا أم القرآن؟ قال: هي تكفيك، هي أم الكتاب، هي «السبع المثاني». (نفسه).
يتضح أنه بناءً على نقل «إبراهيم بن فضل عن المقبري عن أبي هريرة»، فإن تعريف سورة الحمد كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» ليس من كلام النبي (ص)، بل هو جزء من فتوى أبي هريرة التي جاءت ردًا على سؤال حول صلاة شخص لا يعرف سوى سورة الحمد. وبالتالي، يجب القول إن ما نُقل في المصادر المذكورة بسند «ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي (ص)» في تعريف سورة الحمد كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» هو في الواقع حديث «مدرج المتن»، حيث تم دمج فتوى أبي هريرة في رده على سؤال مع كلام النبي (ص)، واعتُبر كلام أبي هريرة في تعريف سورة الحمد كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» كلامًا للنبي (ص).
4-3-2. الرواية الرابعة: نوح بن أبي بلال عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي الأكرم (ص)
ينقل الطبراني (360هـ) والدارقطني (385هـ) بسندهما عن نوح بن أبي بلال عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي (ص) رواية تُعرّف فيها سورة الحمد بأنها مصداق «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني». متن هذه الرواية كالتالي:
«… عن النبي (ص) أنه كان يقول «الحمد لله رب العالمين سبع آيات إحداهن «بسم الله الرحمن الرحيم» وهي سبع المثاني والقرآن العظيم وهي أم القرآن وفاتحة الكتاب» (الطبراني، 1415هـ، 5: 208).
«… قال رسول الله (ص): إذا قرأتم الحمد لله فاقرءوا «بسم الله الرحمن الرحيم»، إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني و«بسم الله الرحمن الرحيم» إحداها» (الدارقطني، 1417هـ، 1: 310).
دراسة الرواية
نقل الطبراني هذا الحديث في «المعجم الأوسط». و«المعجم الأوسط» هو مجموعة من الروايات «الغريبة والعجيبة» لشيوخ الطبراني (الذهبي، بي تا، 3: 912). ويقول الطبراني أيضًا بعد نقل هذه الرواية: «لم يرو هذا الحديث عن نوح بن أبي بلال إلا عبد الحميد بن جعفر، تفرد به: علي بن ثابت» (الطبراني، 1415هـ، 5: 208)؛ أي لم يرو هذا الحديث عن نوح بن أبي بلال إلا عبد الحميد بن جعفر، وتفرد به [أيضًا] علي بن ثابت في نقله. (8) يقول الدارقطني (385هـ) بعد نقل هذا الحديث: «قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بمثله ولم يرفعه» (الدارقطني، 1417هـ، 1: 310)؛ قال أبو بكر الحنفي: ثم التقيت نوحًا، فروى لي عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة نفس الحديث لكنه لم يرفعه إلى النبي (ص).
أبو بكر الحنفي هو تلميذ عبد الحميد بن جعفر.(9) وكما ورد، قال الطبراني عن عبد الحميد بن جعفر إن هذا الحديث لم يروه عن نوح سوى «عبد الحميد». وبتعبير آخر، فإن أبا بكر الحنفي، بعد أن سمع هذا الحديث من أستاذه عبد الحميد، التقى بأستاذ أستاذه، أي نوح، وسمع منه هذا الحديث أيضًا، والفرق بين السماعين هو أن أستاذ الأستاذ لم يرو الحديث مرفوعًا ولم ينسبه إلى النبي (ص)، بينما تلميذه «عبد الحميد» روى نفس الكلام عن نفس الأستاذ مرفوعًا. ولهذا السبب، صرح الطبراني بأن هذا الحديث لم يروه إلا عبد الحميد. وبالتالي، يجب القول إن هذا الحديث هو في الواقع كلام أبي هريرة، نسبه أحد الرواة في إحدى الطبقات خطأً إلى النبي (ص). والنقطة الأخرى الجديرة بالاهتمام في هذا الكلام هي طرح موضوع احتساب «البسملة» ضمن آيات سورة الحمد. وكما يظهر من الأقوال المختلفة المنقولة عن الصحابة والتابعين وغيرهم، فإن موضوع احتساب أو عدم احتساب «البسملة» ضمن آيات سورة الحمد وغيرها من السور، هو من الموضوعات الخلافية بعد وفاة النبي الأكرم (ص) وفي القرون الأولى للإسلام (الصنعاني، بي تا، 2: 88-93؛ ابن أبي شيبة، 1409هـ، 1: 447-450). ولهذا، لا يمكن قبول أن يكون هناك في رواية نبوية بحث حول عدد الآيات مع موضوع الاحتساب. وبتعبير آخر، في أقوال من هذا القبيل، استُدل بكون سورة الحمد سبع آيات لإثبات صحة احتساب البسملة ضمنها، واستُدل بإطلاق اسم «سبعًا من المثاني» على هذه السورة لإثبات كونها سبع آيات.
4-2. الصحابي الرابع: أبو سعيد مولى عامر بن كريز
ينقل مالك (179هـ) عن العلاء عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز عن النبي (ص) ما يلي:
«* أن رسول الله (ص) نادى أبي بن كعب وهو يصلي: فلما فرغ من صلاته لحقه. فوضع رسول الله (ص) يده على يده وهو يريد أن يخرج من باب المسجد. فقال: إني لأرجو أن لا تخرج من المسجد حتى تعلم سورة، ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن، مثلها». قال أبي: فجعلت أبطئ في المشي، رجاء ذلك. ثم قلت: يا رسول الله! السورة التي وعدتني. قال: «كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟» قال: فقرأت الحمد لله رب العالمين حتى أتيت على آخرها فقال رسول الله (ص): «هي هذه السورة وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، الذي أعطيت» (مالك، 1406هـ، 1: 83).
دراسة الرواية
لا يظهر اسم أبي سعيد مولى عامر بن كريز ضمن صحابة النبي الأكرم (ص). بل هو راوٍ عن الحسن البصري وأبي هريرة (المزي، 1406هـ، 33: 358). وقد أشار البيهقي (458هـ) وابن عبد البر (463هـ) بعد نقل هذه الرواية إلى إرسال في سندها (البيهقي، بي تا، 2: 376؛ نفسه، 1410هـ، 2: 443؛ ابن عبد البر، 1387هـ، 20: 216). وبالتالي، بالنظر إلى تشابه مضمون هذه الرواية مع روايات أبي هريرة، وبما أن أبا هريرة من شيوخ أبي سعيد، يجب القول بوجود انقطاع في طبقة الصحابة في سند هذا الحديث، وأنه نقل آخر لروايات أبي هريرة.
5-2. الصحابي الخامس: زيد بن ثابت
أورد الطبراني في كتاب «مسند الشاميين» بسند ينتهي بـ«العلاء بن عبد الرحمن عمن سمع زيد بن ثابت» ما يلي:
«* قال رسول الله (ص): والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان مثلها وهي السبع المثاني يعني فاتحة الكتاب» (الطبراني، 1417هـ، 1: 98).
دراسة الرواية
يوجد إرسال في سند هذا الحديث، وتعبير «عمن سمع» يدل على هذا الانقطاع. محتوى هذا الحديث متطابق مع الأحاديث المنقولة عن الصحابة الآخرين، وجميعها تحكي عن كلام واحد للنبي (ص).
3. الروايات النبوية المعرِّفة للسور السبع الطوال كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»(10)
رواية نبوية بسند أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي الأكرم (ص)، رغم التشابه في بعض الأجزاء، تُعرّف السور الطوال كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني». النقلان لهذه الرواية، المشتركان في الجزء الأول والمختلفان قليلاً في الجزء الأخير، هما كالتالي:
الجزء المشترك في النقلين:
«* أن النبي (ص) نادى أبي بن كعب وهو قائم يصلي فلم يجبه فقال ما منعك أن تجيبني يا أبي فقال كنت أصلي فقال ألم يقل الله تبارك وتعالى «استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم» لا تخرج من المسجد حتى أعلمك سورة ما أنزل الله في التوراة والإنجيل والزبور مثلها…»؛ نادى النبي (ص) أُبيًا وهو يصلي فلم يجبه، فقال له: يا أُبي، ما منعك من إجابتي؟ فقال أُبي: كنت أصلي. فقال النبي (ص): ألم يقل الله تبارك وتعالى «استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم»؟ لن تخرج من المسجد حتى أعلمك سورة لم ينزل مثلها في التوراة والإنجيل والزبور…
الجزء المختلف في النقلين:
«* … وإنها السبع الذي أوتيت الطول وإنها القرآن العظيم» (الحاكم النيسابوري، بي تا، 1: 558)؛ وهي السبع التي أوتيتها وهي الطوال وهي القرآن العظيم.
«* … قال أبي ثم اتكأ على يدي حتى إذا كان بأقصى المسجد قلت يا نبي الله قلت كذا وكذا قال: نعم هي أم القرآن والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة والإنجيل والزبور مثلها وإنها السبع الطوال التي أوتيت وإنها القرآن العظيم» (البيهقي، 1410هـ، 2: 194)؛ يقول أُبي: ثم اتكأ على يدي حتى وصلنا إلى نهاية المسجد فقلت: يا نبي الله، لقد قلت كذا وكذا. فقال: نعم، هي أم القرآن، وأقسم بالذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة والإنجيل والزبور مثلها، وهي السبع الطوال التي أوتيتها وهي القرآن العظيم.
4. الاستنتاج
تؤدي دراسة الروايات النبوية في مصادر أهل السنة، الدالة على تعريف سورة الحمد كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»، إلى النتائج التالية:
- إجمالاً، الروايات النبوية حول «سبع المثاني» منقولة عن أربعة من الصحابة. هذه الروايات، رغم تعدد أسانيدها ورواتها، تحكي جميعها عن كلام واحد للنبي الأكرم (ص) بسبب التشابه الكبير في المضمون. وهذا يعني أن النبي (ص) لم يُعرّف سورة الحمد في مناسبات متعددة ومخاطبًا صحابة مختلفين بأنها مصداق «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»، بل إن جميع هذه الروايات هي نتاج نقل كلام واحد للنبي (ص) في حوار مع أحد الصحابة – على الأرجح أبي بن كعب أو أبي سعيد بن المعلى.
- النقول المختلفة للروايات، جميعها متشابهة في المضمون التالي: إرادة النبي (ص) تعريف سورة لا مثيل لها في الكتب السماوية السابقة والقرآن الكريم؛ ثم تعريف سورة الحمد كمصداق للسورة التي لا مثيل لها، وفي النهاية تلاوة أو الإشارة إلى الآية 87 من سورة الحجر: «وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظيمَ».
- بسبب اقتران تعبيري «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» و«الْقُرْآنَ الْعَظيمَ»، لا يمكن الجزم بأن سورة الحمد قد عُرّفت كمصداق لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»، إذ من المحتمل أن تكون هذه السورة قد عُرّفت كأحد مصاديق أو مصداق لـ«الْقُرْآنَ الْعَظيمَ».
- القدر المتيقن من الروايات الواردة هو أن محتوى الوحي القرآني على نوعين: قسم يتشابه مع الكتب السماوية السابقة ويُعد تكرارًا لها، وقسم آخر لا نظير له في الكتب السماوية السابقة ويختص بالقرآن الكريم والنبي الأكرم (ص).
- ترتبط سورة الحمد، مع التأكيد على وصفها بالفريدة في الكتب السماوية السابقة، بالآية 87 من سورة الحجر. ولكن ما هو وجه الارتباط بينهما؟ وبتعبير آخر، لماذا تلا النبي (ص) الآية 87 من سورة الحجر بعد الإشارة إلى تفرد سورة الحمد؟ رأى المحدثون ومفسرو أهل السنة هذا الارتباط في كون سورة الحمد مصداقًا لـ«سَبْعاً مِنَ الْمَثاني»، وذهبوا إلى أن النبي (ص) تلا هذه الآية لأن سورة الحمد هي مصداق «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني». ولكن لفهم علة تلاوة هذه الآية وارتباط سورة الحمد بها، لا بد من الانتباه إلى نقطتين في الآية 87 من سورة الحجر:
- أولاً، كما يظهر من مضمون هذه الآية وروايات أسباب النزول وأكده المفسرون، نزلت الآية 87 من سورة الحجر في مقام «الامتنان». وهذا يعني أن هذه الآية تشير إلى نعمة تفوق النعم التي أُعطيت للآخرين. ولهذا السبب، يقول بعدها: «لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ» (الحجر: 88). وبهذا، يكتمل مقام الامتنان في الآية 87 من سورة الحجر بتذكير بنعمة أسمى.
- ثانيًا، يتشكل مقام الامتنان في هذه الآية بالالتفات إلى عطاء أمرين، هما «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» و«الْقُرْآنَ الْعَظيمَ».
- في تحديد مصداقي تعبيري «سَبْعاً مِنَ الْمَثاني» و«الْقُرْآنَ الْعَظيمَ»، يجب القول:
أ. كما مرّ، كلمة «مثاني» من جذر «ثني» بمعنى العودة إلى نقطة البداية وتكرار الشيء. هذا التعبير مناسب للإشارة إلى قسم من الوحي كان قد ورد في الكتب السماوية السابقة، والقرآن بتناوله لها يصدق مرارًا الكتب السماوية السابقة (البقرة: 14، 98، 79، 19، 101؛ آل عمران: 3، 93، 50، 18؛ النساء: 74؛ المائدة: 64، 84؛ الأنعام: 29؛ فاطر: 13؛ الأحقاف: 21، 30؛ الصف: 6) أو يصرح بنقل مطلب من الكتب السماوية السابقة (النجم: 63؛ الأعلى: 91).
ب. القرآن يصف نفسه في كلام الوحي بأوصاف متنوعة كالحكيم، والمجيد، والمبين، وذي الذكر، وغيرها؛ لكن هذه الآية هي الوحيدة التي يصف فيها القرآن نفسه بوصف «عظيم». وصف «العظمة والكبرياء» في هذه الآية مناسب تمامًا لمقام الامتنان والإشارة إلى وجه تفوق القرآن على سائر الكتب السماوية. ومن هنا، يمكن القول إن تعبير «الْقُرْآنَ الْعَظيمَ» يشير إلى قسم من القرآن محتواه لم يُعط إلا للنبي الأكرم (ص)، وسورة الحمد من مصاديق هذا القسم الذي لا نظير له في القرآن وسائر الكتب السماوية. - هذا المعنى (أي تطبيق «الْقُرْآنَ الْعَظيمَ» على أقسام من القرآن محتواها لم يُعط إلا للنبي محمد (ص) وليس لها نظير في الكتب السماوية السابقة، واعتبار سورة الحمد من مصاديق هذا القسم من القرآن الكريم) يتوافق أيضًا مع روايات أسباب النزول والظروف الاجتماعية للمجتمع العربي. فمن ناحية، تربط روايات أسباب نزول هذه الآية بحضور اليهود المتفاخرين في مكة، ومن ناحية أخرى، نعلم أن أحد أثمن أسباب تفاخر اليهود في مجتمع ذلك العصر كان اطلاعهم على الكتب السماوية السابقة، وهو موضوع كانوا من خلاله يُعرّفون أنفسهم بأنهم جماعة مثقفة، «أهل الكتاب»، وأصحاب علم، ويتفاخرون به. وبناءً على التفسير المختار، تقول هذه الآية في مقام الامتنان: لقد وهبناك الوحي السابق الذي في أيدي أهل الكتاب، وفوق ذلك، القرآن العظيم.
المصادر
القرآن الكريم.
الآلوسي، محمود، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، تحقيق: علي عبد الباري عطية، بيروت، دار الكتب العلمية، 1415هـ.
ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: أسعد محمد الطيب، السعودية، مكتبة نزار مصطفى الباز، الطبعة الثالثة، 1419هـ.
ابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، المصنف، تحقيق: سعيد اللحام، بيروت، دار الفكر، 1409هـ.
ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد، صحيح ابن حبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، [د.م.]، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1414هـ.
ابن حجر، أحمد بن علي، تهذيب التهذيب، بيروت، دار الفكر، 1404هـ.
ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد، بيروت، دار صادر، [د.ت.].
ابن خزيمة، محمد بن إسحاق، صحيح ابن خزيمة، الطبعة الثانية، تحقيق: محمد مصطفى أعظمي، [د.م.]: المكتب الإسلامي، 1412هـ.
ابن عاشور، محمد بن طاهر، التحرير والتنوير، [د.م.]، [د.ت.].
ابن عبد البر، يوسف، التمهيد، تحقيق: مصطفى بن أحمد علوي ومحمد عبد الكبير بكري، المغرب، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1387هـ.
ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1404هـ.
ابن كثير الدمشقي، إسماعيل بن عمرو، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: محمد حسين شمس الدين، بيروت، دار الكتب العلمية ومنشورات محمد علي بيضون، 1419هـ.
ابن ماجه، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار الفكر، [د.ت.].
أبو حيان، محمد بن يوسف، البحر المحيط في التفسير، تحقيق: صدقي محمد جميل، بيروت، دار الفكر، 1420هـ.
أبو داود، سليمان بن أشعث، سنن أبي داود، تحقيق: سعيد محمد اللحام، [د.م.]، دار الفكر، 1410هـ.
أبو عبيدة، معمر بن المثنى، مجاز القرآن، تحقيق: محمد فؤاد سزكين، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1381هـ.
أبو هلال العسكري، حسن بن عبد الله، الفروق في اللغة، بيروت، دار الآفاق الجديدة، 1400هـ.
أبو يعلى، إسماعيل بن محمد، مسند أبي يعلى، تحقيق: حسين سليم أسد، دمشق، دار المأمون للتراث، [د.ت.].
الإسفراييني، شاهفور بن طاهر، تاج التراجم في تفسير القرآن للأعاجم، تحقيق: نجيب مايل هروي وعلي أكبر إلهي خراساني، طهران، انتشارات علمي وفرهنگي، 1375ش.
البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، طبعة بالأوفست عن طبعة دار الطباعة العامرة بإستانبول، دار الفكر، 1401هـ.
البيهقي، أحمد بن حسين، شعب الإيمان، بيروت، دار الكتب العلمية، 1410هـ.
________، السنن الكبرى، [د.م.]، دار الفكر، [د.ت.].
الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، بيروت، دار الفكر، 1403هـ.
الثعلبي، أحمد بن محمد، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، تحقيق: أبو محمد ابن عاشور، بيروت، دار إحياء التراث العربي الثعلبي، 1422هـ.
الجابري، محمد عابد، فهم القرآن الحكيم التفسير الواضح حسب ترتيب النزول، المغرب، دار البيضاء، 2008م.
الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين، بيروت، دار المعرفة، [د.ت.].
الخازن، علي بن محمد البغدادي، لباب التأويل في معاني التنزيل، تحقيق: محمد علي شاهين، بيروت، دار الكتب العلمية، 1415هـ.
الدارقطني، علي بن عمر، سنن الدارقطني، بيروت، دار الكتب العلمية، 1417هـ.
الدارمي، عبد الله بن الرحمن، سنن الدارمي، دمشق، دار إحياء السنة النبوية، 1349هـ.
دروزة، محمد عزة، التفسير الحديث، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، 1383هـ.
ذوقي، أمير، «نظرة جديدة حول انسجام متن سور القرآن الكريم»، دراسات القرآن والحديث، 1392ش، العدد 12، صص 151-175.
الذهبي، محمد بن أحمد، تذكرة الحفاظ، بيروت، دار إحياء التراث العربي، [د.ت.].
السمرقندي، نصر بن محمد بن أحمد، بحر العلوم، [د.م.]، [د.ت.].
سيد قطب، في ظلال القرآن، الطبعة السابعة عشرة، بيروت-القاهرة، دار الشروق، 1412هـ.
صاحب بن عباد، إسماعيل بن عباد، المحيط في اللغة، بيروت، عالم الكتب، 1414هـ.
الصنعاني، أبو بكر عبد الرزاق، المصنف، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، [د.م.]، [د.ت.].
الطبراني، سليمان بن أحمد، مسند الشاميين، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1417هـ.
________، المعجم الأوسط، [د.م.]، دار الحرمين، 1415هـ.
________، المعجم الكبير، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، [د.م.]، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، 1406هـ.
الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت، دار المعرفة، 1412هـ.
العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، تحقيق: سيد هاشم رسولي محلاتي، طهران، چاپخانه علميه، 1380هـ.
غانم، محمد سلمان، في علوم القرآن رؤية نقدية، بيروت، مؤسسة الانتشار العربي، 2010م.
الفراء، يحيى بن زياد، معاني القرآن، تحقيق: أحمد يوسف نجاتي ومحمد علي نجار وعبد الفتاح إسماعيل شلبي، مصر، الدار المصرية للتأليف والترجمة، [د.ت.].
الفراهيدي، خليل بن أحمد، كتاب العين، قم، نشر هجرت، 1409هـ.
القاسمي، محمد جمال الدين، محاسن التأويل، تحقيق: محمد باسل عيون السود، بيروت، دار الكتب العلمية، 1418هـ.
القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، طهران، انتشارات ناصر خسرو، 1364ش.
مالك، مالك بن أنس، الموطأ، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1406هـ.
الماوردي، علي بن محمد، النكت والعيون، تحقيق: سيد بن عبد المقصود عبد الكريم، بيروت، دار الكتب العلمية، [د.ت.].
المزي، يوسف، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الرابعة، 1406هـ.
مقاتل بن سليمان، تفسير مقاتل بن سليمان، تحقيق: عبد الله محمود شحاتة، بيروت، دار إحياء التراث، 1423هـ.
الميبدي، أحمد بن أبي سعد، كشف الأسرار وعدة الأبرار، تحقيق: علي أصغر حكمت، طهران، أمير كبير، 1371ش.
النسائي، أحمد بن شعيب، سنن النسائي، بيروت، دار الفكر، 1348هـ.
النيسابوري، مسلم بن حجاج، صحيح مسلم، بيروت، دار الفكر، [د.ت.].
الهوامش
1. الجدير بالذكر أن تيارًا جديدًا قد تشكل في تفسير هذه الآية بين أهل السنة. فقد حاول مجموعة من الباحثين المعاصرين من أهل السنة، بتجاوزهم للآراء السابقة، طرح تفسير جديد، وقدموا آراء جديدة في مراد «سبعًا من المثاني». ومن هؤلاء الباحثين القرآنيين: محمد عابد أمين، أحسن الإصلاحي (1997م)، محمد عابد الجابري (2010م)، محمد الشحرور (معاصر)، ومحمد سالم الغانم (معاصر). الإصلاحي، في تفسير «تدبر القرآن»، يضع السور ذات الأعمدة (المحاور الموضوعية) المتقاربة في أزواج، ضمن جفت سورة (زوج من السور). مثلاً، البقرة وآل عمران، والأنعام والأعراف تشكل زوجين من السور. ثم يضع هذه الأزواج من السور في سبع «مجموعات سور»، كل منها تبدأ بسورة مكية وتنتهي بسورة مدنية. ويستند في هذا العمل، أي تقسيم السور إلى سبع مجموعات، نظريًا إلى الآية 87 من سورة الحجر «وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» وحديث «نزل القرآن بسبعة أحرف» (ذوقي، 1392ش، 159 نقلًا عن A.T. Welch في مدخل SURA من Encyclopaedia of Islam, p. 888).
2. محمد عابد الجابري، المفسر المعاصر، في تفسير «فهم القرآن الحكيم» – الذي تم ترتيبه حسب نزول السور – يرى أن المراد بـ«سَبْعًا مِنَ الْمَثاني» هو السور الست التي نزلت قبل سورة الحجر، أي سور (الشعراء، النمل، القصص، يونس، هود، يوسف) مع الأجزاء التي نزلت من سورة الحجر. وذلك لأن هذه السور أولًا لها بنية وإطار موحد، وثانيًا مضمونها، وثالثًا بدايتها وافتتاحها (طسم، طس، طسم – الر، الر، الر، الر) متكررة (الجابري، 2008م، 2: 53). ويرى محمد شحرور في «الكتاب والقرآن – قراءة معاصرة» ومحمد سلمان غانم في «في علوم القرآن رؤية نقدية» أن سورة الحمد لا تختلف عن باقي القرآن، ولا تفاضل بين آيات القرآن، وفي الواقع، سورة الحمد جزء من نظم وتركيب وإعجاز القرآن. ومن وجهة نظرهما، الجزء المميز في القرآن هو «الحروف المقطعة» التي عددها أربعة عشر حرفًا (2×7)، أي سبعة مثناة. وبتطبيق الحسابات على عدد الحروف المقطعة، يستنتجان أن المراد بتعبير «سَبْعًا مِنَ الْمَثاني» هو الحروف المقطعة (غانم، 2010م، 144-146).
3. هذا الحديث القدسي غالبًا ما يُروى عن أبي هريرة عن النبي (ص) بداية بـ«قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي…» (مالك، 1406هـ، 1: 85؛ أحمد بن حنبل، بي تا، 2: 241 و 285 و 460؛ النيسابوري، بي تا، 2: 9؛ ابن ماجه، بي تا، 2: 1243؛ أبو داود، 1410هـ، 1: 189؛ الترمذي، 1403هـ، 4: 270؛ النسائي، 1348هـ، 2: 136). وأحيانًا بنفس البداية عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي (الطبري، 1412هـ، 1: 66؛ ابن أبي حاتم، 1419هـ، 1: 28)، وأحيانًا عن ابن عباس عن النبي بداية بـ«إن الله قد أنزل علي سورة لم ينزلها على أحد من الأنبياء والرسل قبلي، قال النبي (ص): قال الله تعالى: قسمت هذه السورة بيني وبين عبادي فاتحة الكتاب…» (البيهقي، 1410هـ، 2: 447).
4. في بعض النقول ورد «خبيب بن عبد الرحمن» وفي أخرى «حبيب بن عبد الرحمن» (خبيب بن عبد الرحمن: أحمد بن حنبل، بي تا، 3: 450؛ الدارمي، 1349هـ، 2: 445؛ البخاري، 1401هـ، 5: 146 و 199 و 222. حبيب بن عبد الرحمن: أحمد بن حنبل، بي تا، 4: 211؛ الدارمي، 1349هـ، 1: 350؛ ابن ماجه، بي تا، 2: 1244 و…).
5. أورد الطبري السند بالشكل التالي: «… سعيد بن حبيب، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى…». بالنظر إلى سند هذه الرواية في المصادر الأخرى، يبدو أن «سعيد بن حبيب» هو تصحيف للصيغة الصحيحة «شعبة عن حبيب» أو «يحيى بن سعيد عن شعبة عن حبيب».
6. هناك خلاف في عمر أبي سعيد بن المعلى عند وفاته. يرى البعض أنه توفي سنة 73 أو 74 عن عمر 46 سنة (المزي، 1406هـ، 33: 349)، وفي هذه الحالة يكون قد ولد سنة 27 أو 28 هـ، ولا يمكن أن يكون من صحابة رسول الله (ص). ويرى البعض، دون الإشارة إلى عمره، أنه توفي سنة 46 (ابن حجر، 1404هـ، 21: 79)، وبناءً على هذه المعلومة لا يمكن الحكم على عمره عند لقاء النبي (ص). ويرجح ابن حجر، دون ذكر سند، أنه توفي سنة 47 عن عمر 48 سنة (نفسه). وفي هذه الحالة، يكون عمره في السنة الحادية عشرة للهجرة، عند وفاة النبي (ص)، حوالي عشرين عامًا.
7. رواية عبد الحميد بن جعفر: «أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا الحسن بن علي بن عفان العامري ثنا أبو أسامة حدثني عبد الحميد بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمان عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي بن كعب (رض) عنه قال: قال رسول الله (ص) ألا أعلمك سورة ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها قلت بلى قال…» (الحاكم النيسابوري، بي تا، 1: 557).
8. سند هذا الحديث في المعجم الأوسط للطبراني هو كالتالي: «حدثنا محمد بن العباس المؤدب قال حدثنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري قال حدثنا علي بن ثابت الجزري عن عبد الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي (ص)….» (الطبراني، 1415هـ، 5: 208).
9. سند هذا الحديث في سنن الدارقطني هو كالتالي: «حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد ومحمد بن مخلد، قالا: نا جعفر بن مكرم، ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا عبد الحميد بن جعفر، أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص)….» (الدارقطني، 1417هـ، 1: 310).
10. الروايات المخالفة.